د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

كلمة واحدة بيني وبينك
الشيخ عبود الزمر: حفظه الله

8/17/2014

د. محمد عباس :

الشيخ عبود الزمر: حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بادي ذي بدء فلا بد أن أستغفر الله وأن أعتذر للشيخ عبود الزمر ولقد أوجعني عتابه وانتقاده في قوله:
ولا أنسى أنه دافع عني, ولكني حزنت على أنه ندم على ذلك وفقد ثواب نصرة المظلوم, وكان بوسعه أن يُبقي على ثوابه, ويختلف مع ما هو جديد من تصريحاتي التي أرى أنها فُهمت على غير مرادها
***
تذكرت قول سيدنا عمار بن ياسر عندما عيره أحدهم بأذنه المجدوعة فما كان منه إلا أن قال له : خير أذنيّ سببت ..
كان قد فقدها وهو يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولكم شعرت بالندم ..
فلقد سببت خير أيام الشيخ الجليل عبود الزمر
الأيام التي توج جهاده فيها بأسره ليغترف من الحسنات ما شاء الله له أن يغترف دون تكليف فالأسير لا يكلف.
الدفاع عن الشيخ عبود كان شرفا لي وإبطاله ينقصني ولا ينقصه ..
أستغفرك يا رب وأعتذر لك يا شيخ عبود، وأعتذر إلى سابقة جهادك وعظم صبرك جعل الله كل ذلك في ميزان حسناتك يوم القيامة.
***
ليس للخطأ مبرر
ولكنني أتذكر أن الشيخ عبود ورفاقه بدءا من خالد الإسلامبولي وصحبه وسعد إدريس حلاوة وسليمان خاطر ومحمود نور الدين وعشرات ومئات كانوا جمرة نار في قلبي، ولكم تعذبت وحزنت وتمزقت من أجلهم، كانوا وما زالوا سويداء القلب ومهجة الروح. كان كل واحد منهم الأب والابن والأهل في نفس الوقت، كان الخزي يجللنا والعار يلاحقنا ونحن نتسربل بسربال العجز المشين عاجزين عن إنقاذهم من براثن الطاغوت.
الجملة السابقة باقتضابها لن تفصح أبدا عن حجم الألم والعذاب الذي عانيته ..
لا أكتب هذا كي أمنّ به على أحد ..
ولكنني أذكره منوها أنني أحدهم .. كل واحد منهم بمثابة ابني وأخي وأبي .. وأنني أفترض لنفسي –كما لهم- نفس الحقوق .. حق الأب والإبن والشقيق. وقد يفسر هذا حدة بعض ألفاظي. كنت أكتب متحديا الخطر بل راضيا بالاستشهاد قائلا لنفسي أنني مقصر في حقهم وكوني في الشارع حرا وهم أسرى لا يعني إلا أنني لم أبذل الجهد الكافي بعد، وعلى أن علىّ أن أواصل حتى ألحق بهم أو أستشهد فيرفع التكليف عني.
***
منذ بداية عهد مبارك على الأقل كنت أفعل هذا بانتظام .. قبلها كنت أطوف في التيه خلف أمنيات مستحيلة لتوحيد الفرق والمذاهب كي يكون إسلاما واحدا.
***
.. بل ندمت لأني ندمت .. لماذا قلت أنني ندمت؟! فجرحت الشيخ وأسأت لنفسي .. لا والله ما ندمت .. إنما كانت سَوْرَةُ غضب دفعتني للخطأ كان دافعها التقدير الكبير للشيخ الجليل الذي صدر منه ما لا أتوقع ففاجأني فسبق الغضب عقلي.
لم أدرك أنني أخطأت خطأ كبيرا لا يليق إلا عندما عاتبني الشيخ عبود عتابه الرقيق الجميل .. يحزنني ذلك ..
أما ما يرعبني فهو النفس المراوغة التي تقع في الخطأ ولكنها لا تدرك أنها أخطأت .. وقد لا تدرك خطأها إلا يوم القيامة ولات ساعة توبة ولا ندم.
جزاك الله خيرا أيها الشيخ الجليل أن أرشدتني إلى خطئي ..
ولعل الله يسوق إليك من خلال مقالي هذا خطأ لك فتستبريء منه وتتوب عنه فتنجو من العقاب بل وربما من الحساب عليه يوم القيامة .
ما كان أجدر أن أكتب للشيخ عبود :
أرجو أن يكون لك في ماضيك أجران وفي حاضرك أجر.
***
نعود إلى الموضوع ..
خطئي في حق الشيخ عبود وندمي على هذا الخطأ بل والخجل منه لن يمنعني مما آليته على نفسي طول عمري .. أن أقول ما أعتقد أنه الحق بغض النظر عن كل شيء بغض النظر عن كل شيء ..
إلا وجهه ..
إلا وجهه ..
إلا وجهه ..
***
يقول الشيخ عبود:
- إنني لم أطرح سوى رؤية سياسية للخروج من معركة لا يظهر لي فيها الظفر.
وهنا يبدأ الصدام فوريا وعنيفا والشقة هائلة والاختلاف بينا ..
ولابد لي هنا أن أطرح علي الشيخ عبود أسئلة يختلط فيها الاستفهام بالاستنكار بالرغبة في التعلم منه ومن علمه أو رده عن خطئه ..
أسأل الشيخ عبود:
- هل للأمر رؤية سياسية ورؤية دينية؟ هل ما لقيصر لقيصر(أو مال قيصر لقيصر) وما لله لله؟ أم قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. هل ثمة تفرقة بين السياسة وبين الدين. فهذا لله وهذا لغير الله؟ وهل هناك قطاع في الدنيا يمكن أن يحلق بعيدا عن الناموس الإلهي؟ ثم أليست هذه رؤية علمانية في الأساس، وهل هناك قطاع في الدنيا يمكن أن يحلق بعيدا عن الناموس الإلهي، ولو فرطنا اليوم في خضوع السياسة للرؤية الدينية فما هو الضامن ألا نفرط في سواها غدا؟.
- ما هو الضامن ألا نفرط في كل شيء غدا؟
- ويوما بعد يوم نبتعد خطوة وخطوة حتى نصل إلى العلمانية الكاملة!!
- فتأمل .. تأمل .. يا شيخ عبود
- مالك يا شيخ عبود مالك كيف حكمت ..
إننا لا نستطيع أن نقابل الله يوم القيامة بشرعه مخصوما منه بند السياسة.
فإن نحّينا السياسة من تحت غطاء شرعه كنا كمن صلى الصلاة كلها ناقصة فصلاته كلها لا تقبل. وأنت تعلم أيها الشيخ الجليل - الذي أدعو أن أحشر معه يوم القيامة في رحاب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عند الحوض .. يوم العطش .. أقول أنك تعلم حكم من ينتقص من الدين أمرا عامدا متعمدا مستحلا إلا أن يكون قد غمّ عليه الأمر.
لا يجوز يا شيخنا الجليل أن ننتقص من شرع الله شيئا ..
وأنت تعرف أن نظام الحكم في الإسلام على عكس ما يقول المرجفون هو من أهم مهام الدين وأول أولوياته حتى أن الصحابة رضوان الله عليهم جعلوا له الأسبقية حتى عن دفن الجسد الشريف للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم.
لا يجوز أن نستثني السياسة فنقول هذا لله وهذا للسيسي أو تواضروس أو حتى محمد مرسي ..
ألم تعلم أيها الشيخ الجليل أنه أغنى الشركاء؟
بلى .. إنك تعلم ..
***
- ثم إنك تذكر قول شيخ الإسلام بن تيمية (فمتى كانت مفسدة الأمر أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله تعالى به( ..
وهنا عليّ أن أكون صريحا الصراحة كلها .. وهي صراحة لم أكن أود أن أبوح بها الآن .. ذلك أنني بين خنجرين إن تحركت في اتجاه مزقني أحدهما وإن تحركت في اتجاه آخر مزقني الخنجر الآخر. لذلك كان موقفي دائما ألا آمر بالتظاهر أو الاعتصام فقد يكون في ذلك دم .. كما أنني لا أنهى عنه خشية أن يكون في ذلك تثبيط عن الجهاد.
أما لماذا لم أكن أود أبوح فهو أنني لا أريد أن أحمل وزر دم ولا وزر تثبيط عن جهاد .. ولقد خشيت أن أعلن رأيي ذلك فيؤثر إعلاني على رجل واحد أحاسب به يوم القيامة .. .
أتعلم يا شيخ عبود ..
كرهت السادات حتى ظننت أنني لن أكره أحدا مثله .. وعندما قتل (لا أقول شهيدا) كانت المرة الأولى والأخيرة في حياتي التي أفرح فيها بموت إنسان. وبرغم كراهيتي هذه لم أجرؤ أبدا على مشاهدة تفاصيل اغتياله وكيف انهارت هالة فرعون في ثانية ليصبح كأقل البشر.
اليقين المراوغ والشيطان المخادع جعلاني ذات يوم أحمل عاطفة عميقة لجمال عبدالناصر. علاقة عميقة وليس حبا، فالعلاقة العميقة تحوي الارتباط العميق والحب والكراهية والإدانة والاعتماد والقبول والرفض.
الآن ..
لا أبغض زعيما مثلما أبغضت عبدالناصر ..
أو بالأحرى كان كذلك حتى جاء شبيهه فحل مكانه ..
والعجيب أنني اكتشفت أن السادات كان الأذكى والأفضل والأقل قسوة.
***
نخوض في بحار التيهِ
شيطان مخادع ويقين مراوغ
اكتشفت في النهاية يا شيخ عبود سبب اختلال الميزان في يدي .. كان الهوى مقياسي .. وبالغت في الاعتماد على عقلي ولو جعلت معايير الشريعة مقياسي لما زللت.
الآن ..
ذهبوا جميعا كأن لم يكونوا وبقي الوزر وزري يطاردني حتى يوم الحساب.
ألوم نفسي كثيرا ..
وكلما أيقنت باليقين الذي لا شك فيه والأشبه بالشك الذي لا يقين فيه .. تعاظمت أمام عينيّ ذنوبي .. بل واكتشفت أن ما كنت على يقين ذات يوم أنه عين الصواب إنما هو عين الخطأ .. فأتوب .. لكن الرعب والخزي والعار يلاحقني .. ليس خوفا من العقاب وهذا شيء آخر .. لكن خجلا من الله .. حتى أنني أدعوه في خجل لا يوصف:
- اللهم لا أقدر أن أواجهك بهذا الذنب يوم القيامة .. اللهم فامحه من كتابي .. امحه محوا لا يُذكر بعده أبدا في الأرض ولا في السماء .. اللهم بدل سيئاتي حسنات ..
وحتى بعد دعاء أرجو أن يستجاب أتمتم لنفسي: واخجلتاه وإن غفر .. .
حاولت يا رب دائما .. وأخطأت .. وما موقفي من جمال عبدالناصر ومحمد حسنين هيكل - فضلا عن ذنوبي الأخرى- على سبيل المثال إلا أحد هذه الذنوب .. وما قصور فهمي عن أن الشريعة كل لا يتجزأ لا يجوز أن ينزع منه شيء كما لا يجوز أن ننزع من إنسان قلبه أو مخه بحجة أننا تركنا له معظم أعضائه يعيش بها.
عزائي أنني عندما كان يمكن أن يكون لقولي أثر قلت بأعلى صوت ..
وأنني جهرت دائما بما ظننت أنه حق .. حتى وإن ثبت بعد ذلك أنه لم يكن حقا ..
فقد كنت أخشى أن أموت ساكتا على حق حسبته حقا .. ولو انتظرت اليقين الكامل لانتظرت الموت!!
***
أكون صريحا فأقول إنني أتفق مع الشيخ عبود في مقدمات كثير مما يطرحه طرحا عقليا صارما كمفكر كبير امتزجت النظرية عنده بالتطبيق والعلم العسكري بالعلم الديني (والعلم العسكري أيضا ديني: وأعدوا .. )
اتفق معه حتى بأبعد مما يتصور في المقدمات لكنني أختلف معه بأكثر مما يتصور في النتائج ووسائل العلاج. وربما يحتوى ما كتبته قبل ذلك على كل ما سأقوله الآن.
***
أنا على سبيل المثال أحصي أخطاء كثيرة وقع فيها الصف الإسلامي كله وعلى رأسه الإخوان المسلمون، (لا أتكلم عن حزب النور فليس حزبا إسلاميا وإنما هو في مرتبة البين بين، بين العلمانيين والليبراليين والنصارى، وهو ليس حزبا وليس دينيا وليس إسلاميا، إنما هو حزب أمني).
ولا يجمل بي الحديث عن أخطاء الإخوان بالذات وهم أسرى ظلما وعدوانا ويعجزون عن الرد .. وهي على أي حال أخطاء من طلبوا الحق فأخطئوه بينما أخطاء شانئيهم كبائر من طلبوا الباطل فأصابوه ..
فلنترك هذه النقطة سريعا إذن بعد أن أثبت أن الخطأ الجوهري جاء بعد 25 يناير مباشرة ..
تلك الثورة التي كتبت عنها قبل ذلك أنها كانت ثلاث حزم:
- الحزمة الأولى نواتها 6 أبريل وكفاية وهي أمريكية بالكامل ولم تكن ثورة بل عود الثقاب الذي أشعل الثورة دون قصد ولا تخطيط
-الحزمة الثانية كانت الأمة التي خرجت بالملايين فحولت الوقفة الاحتجاجية وبعض مظاهرات إلى ثورة. الكتلة الرئيسية لهذه الملايين كانت مكونة من الإسلاميين (مع تحفظي على الاسم) وأن الكتلة الرئيسية للإسلاميين كانت مكونة من الإخوان المسلمين ولولاهم لأجهضت الثورة في أيامها الأولى.
- الحزمة الثالثة كانت العسكر الذي هب ليفشل الثورة وليقود الثورة المضادة ..
اتبع الإخوان منهجا علمانيا براجماتيا في التفكير يقضي بأن الواقع لن يسمح بحكم إسلامي على هذا قرروا أنهم لن يتقدموا بمرشح.
وكان هذا الموقف الخاطئ بداية الكارثة ..
من هذه اللحظة بدأت كرة الأخطاء تتدحرج وتكبر حتى سحقت الثورة والإخوان في النهاية.
كان افتراض الإخوان الكارثي أنهم يتعاملون مع فئة علمانية يمكن مقارنتها بعلمانيي الغرب من حيث الاحتفاظ بأخلاقيات تجعلهم يأنفون من الكذب أو التزوير، ولا نتكلم الآن عن القتل ومختلف أنواع الجرائم.
لقد عجزوا عن إدراك الواقع عجزا فادحا. لم يدرك الإخوان أنهم يتعاملون مع كتلة مجرمة غير مخلصة لوطنها من الأساس. كتلة تتشكل من مجموعة من قطاع الطرق والمرتزقة وعابدي الشيطان والشهوات.
كان افتراض الإخوان يقتضي الدعوة الهادئة من على الشاطئ دون خوض في تيار النهر. وأنهم في النهاية سيتمكنون من هداية أولئك العلمانيين. وكان التصور الرومانسي الساذج يفترض أن العلمانيين سيتولون الحكم ويتركون لهم الشارع. وأنه في خلال أربعة أو ثمانية أعوام سوف يتمكن الإخوان من إقناع الناس بالحكم الإسلامي.
لم يتصور الإخوان أن العلمانيين بعد أن انزاح كابوس الطاغوت سوف يحاربونهم هم حرب اليائس المتيقن من أنها حرب حياة أو موت. كان الأمر واضحا جدا عندي منذ أزمة "وليمة لأعشاب البحر" عندما ناح على أبو شادي أننا لو تركناهم عشرة أعوام لاستطاعوا نزع الإرهاب والتخلف من مصر ليصبح العري والفجور والشذوذ والإلحاد وسب الذات الإلهية أمورا طبيعية يستسيغها الناس. قالها ولم يكنِّ ولم يستتر.
في ذلك الوقت كتبت ونبهت أنها معركة حياة أو موت وأننا إن لم نغتنم الفرصة السانحة فربما لا يتاح لنا الوضع مرة أخرى قبل قرن.
وكتبت أن الطاغوت جمال عبدالناصر كان يفهم الشعب جيدا حين قال أن نصف في المائة منه يمين ونصف في المائة يسار و99% مع من يغلب.
نبهت أنه يجب علينا ألا نترك الـ99% لأعداء الله ..
ما أحزنني ويحزنني ويكاد يقتلني أنه كانت أمام الإسلاميين فرصٌ كبيرة لنجاح صعب.
ما يحزنني أن الكل قد ابتلع الخدعة .. وأن الأغلبية المدعاة ضد الإسلام الآن ليست إلا واحدة من أقبح الأكاذيب وأفجرها في التاريخ .. ولو صدقوا أنفسهم لأجروا انتخابات حرة لا تصوت فيها الدبابات والمدافع وبيادات الجند. وحتى اليوم وغدا وبعد مائة عام سيفوز الإسلاميون - رغم أخطائهم وخطاياهم- في أي انتخابات حرة.
وأن الصوت الإسلامي ما يزال يشكل حوالي 80% من الشعب. أما العشرين في المائة الأخرى فتجمع النصارى والعلمانيين والفلول والمضللين والمضللين (بفتح اللام وكسرها).
عندما فاز الدكتور محمد مرسي فك الله أسره بـ 52% من الأصوات كتبت أن النسبة الحقيقية يجب أن تكون حوالي الثمانين في المائة وأن الفارق بين النسبتين دليل قصور في عمل مكتب الإرشاد وأن عليه أن يقدم سابقة نبيلة باهرة جديرة به وهو الاعتراف بالتقصير في قيادة حملة الرئيس ثم الاستقالة مفسحين الطريق لمن يقود بطريقة أكفأ.
***
وكان ما كان.
كنت أود بشدة –مسألة حياة أو موت- مرشحا إخوانيا للرئاسة يدخلها كمسألة حياة أو موت فلما أبوا أيدت القوي الأمين الشيخ حازم أبو اسماعيل ورجوت أن يؤيده الإخوان تأييدهم لمعركة حياة أو موت لشخص يستطيع قيادة السفينة. وكتبت لهم مناشدا أن يقفوا بكل قوتهم خلفه فإن كتب الله له النصر كان النصر لهم وإن كانت الثانية كان غير محسوب عليهم .. واستطاعوا هم أن يتداركوا الأمر لينقذوا السفينة من الغرق .. صرخت بأعلى صوت: اعتبروه كاسحة ألغام تنظف الطريق أمامكم من الألغام .. فإن دمرته الألغام أنقذتمونا ..
كنت في شهر مايو 2012 قد كتبت مقالا بعنوان : ماتت الثورة عظم الله أجركم. وأعلنت أنني سأعتزل الأمر كله. كنت غاضبا من أداء الإسلاميين جميعا وعلى رأسهم الإخوان وكنت أرى بدايات الانهيار ..
بل كنت أرى بأول رأيي آخر الأمر
***
كان الشيخ حازم –لهف قلبي عليه- أفضل المناسبين .. وكان القوي الأمين .. وقد خذله معظم من كان عليهم نصره. وأولهم برهامي وحزب النور الذي لولاه ما أمكن استدراج الأمة ولا خيانتها بهذه الطريقة. خيانة كخيانة أبي رغال الذي عمل دليلا لأبرهة كي يهدم الكعبة. لقد قام برهامي وحزب النور بدور أبي رغال.
أستغفرك يا رب ..
خدعت في برهامي كما خدعت من قبل في عبدالناصر ..
أيدت الشيخ حازم وبايعته ..
منذ عرفت الشيخ فوزي السعيد والشيخ نشأت أحمد في بداية التسعينيات لم يخلب شيخ قلبي ويملك علي وجداني كما فعل الشيخ حازم. وكان يتفوق عليهما في وعيه بالسياسة والحكم.
وعلى الرغم من ذلك عانيت معاناة هائلة قبل مبايعته متسائلا هل سأفرح بالمبايعة أمام الله يوم القيامة أم أعض بنان الندم ..
كان الشيخ حازم عملاقا لم أر أحدا يفري فريه ولم أر من هو في ذكائه وبصيرته وفصاحته ووجدانياته ..
ولقد مسح بعض العار الذي سببه لنا بعض شيوخنا ..
وكنت أرجو أن تكون يا شيخ عبود ممن يمسحون عار بعض الشيوخ عنا ..
ولكن ..
بدا منك ما بدا ..
والمؤلم فيه ليس ما تقول .. بل كيف تقول ما تقول؟ وكيف اقتنعت به ..
بشكل من الأشكال كنت واثقا أنك أقوى من الانحراف .. لكنك لست أقوى من أن تُفتن.
***
في الشهور الأخيرة قبل الانقلاب كان إدراكنا للكارثة الوشيكة فادحا. وكان الشيخ حازم مشغولا أكثر بالترتيبات السياسية .. ورجوته:
- يا شيخ حازم نحن مقبلون على كارثة لم يعد يستطيع إنقاذ البلاد منها إلا أنت .. عليك أن تفعل ما فعله الإمام حسن البنا والزعيم ماوتسي تونج .. أن تبدأ الزحف العظيم فلا تترك نجعا ولا كفرا ولا مدينة ولا قرية إلا خطبت فيها .. تستطيع أن تفعل هذا خلال أربعة أشهر. ستكون حزبا من عشرة ملايين يكونون حائط صد في مواجهة الانقلاب الوشيك. ووافقني الشيخ الجليل فيما ذهبت إليه لكنه أجله لاكتمال الخطوات الرسمية لإشهار الحزب. وكان رأيي أن الدولة العميقة الفاجرة لن تسمح للشيخ حازم خاصة أو للإسلاميين عامة بتولي الحكم إلا على سبيل التنكيل وإثبات أن الإسلام نفسه لا يصلح والشريعة لا تصلح.
طلب الشيخ حازم مني أن أكون رئيسا لحزبه فاعتذرت. وأخذ يحاول إقناعي بأن من مسئولياتي خوض المعارك على كافة الصعد لأتولى منصبا قياديا يتيح لي أن أغيّر إلى جواره. قلت له دعني إلى جوارك معارضا أكن أكثر فائدة، ودعني مفكرا أنتقدك ولا أجاملك أو أنافقك، بل دعني خادما لك ومذكرا طول الوقت وهاتفا بك:
- لا تنس نفسك يا إنسان .. إنك بشر وإنك ميت
وقلت له إنني سأكون إلى جواره أكثر فائدة، وأن قراري منذ أكثر من نصف قرن أن أظل بعيدا عن أي تنظيم أو حزب ما يزال هو اختياري. وأكدت ما قلته :
- بالنسبة لك أنا أقل من خادم .. وبالنسبة لهم أنا أكبر من ملك .. ثم أردفت ضاحكا وجادا في نفس الوقت: ولا يجوز أن يترك الملك عرشه إلى مقعد وزارة أو حتى رئيس وزارة أو هيئة.
***
كنت مستيقنا من وقوع الكارثة .. ذهبت إلى شيخي الجليل .. إلى أبي السلفية الحقيقي الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق .. وهو واحد من اٌقوى الشخصيات التي تعزينا عن عار نكوص شيوخنا .. وتحدثت إليه طويلا .. فخيم اليأس حتى كدنا نمسكه وفاح التشاؤم حتى كدنا أن نشمه. وقررت أن أقطع الصمت بعرض مشروع صحوة المساجد عليه .. وجدت ترحيبا غير طبيعي من الشيخ الجليل فأفضت في الحديث الذي كنت أنتوي ألا يزيد عن دقائق فتجاوز الساعة وفوجئت بالانفعال الطاغي للشيخ وهو يهتف بي: هذا هو المشروع الاستراتيجي للدفاع عن مصر بل عن العالم الإسلامي كله. دع كل شيء ودع الشيخ حازم وتفرغ لهذا المشروع.
***
على اليوتيوب حلقات مستفيضة عن هذا المشروع: "صحوة المساجد" في أكثر من ست فضائيات والعديد من الصحف والمجلات المصرية والأجنبية وإنني أوصيكم جميعا بتنفيذ هذا المشروع عندما يشاء الله ويمنحنا الفرصة مرة أخرى.
***
منذ عام 1990م كنت قد حسمت أمري واكتشفت مع نيران الحرب في الخليج أن الإسلام مستهدف بالتدمير وأنه هو المقصود وقد تمالأ عليه حكام خونة خونة خونة ..
عام 2000 كانت أزمة الوليمة وانفجر ضوء اليقين بأنها الحرب على الإسلام. عام 2001 صدر أحد كتبي بنفس العنوان: "بل هي حرب على الإسلام - مكتبة مدبولي".
وانفجرت أيضا مقالا ثم كتبا لفوكوياما وصمويل هنتنغتون تتحدث عن صراع الحضارات الذي تحدث عنه العلامة محمود شاكر قبلهم بستين عاما والشيخ مصطفى صبري قبلهم بما يقرب من قرن ..
بل هي حرب على الإسلام ..
كانت الدنيا تدور بي وأنا أبحث عن خلاص وعن نجاة ..
والحق أنني لم أنظر للإخوان كأمل وحيد ولا رئيسي. كنت أحترمهم وأتعاطف معهم لكنني أدرك عوار منهجهم الإصلاحي، بل وكان هذا الجزء بالذات هو الشيء الوحيد الذي انتقدته في الشعيد الحبيب الغالي سيد قطب بعد كتاب من 2300 صفحة كتبته عنه (نُشر ملخصه في 600 صفحة عن دار المختار الإسلامي، وصودر منذ أيام مبارك(.
نعم كان المنهج الإصلاحي هو كارثة الإخوان ولم يدركوا أن أعداءهم حاصروهم وحددوا مسارهم بما سميته: "طريق نفي اتهامات العلمانيين" وقد ساروا في الطريق الذي أُلجئوا إليه ولم ينجوا من الاتهام! بعد كل ما فعلوه لكي يثبتوا أنهم غير إرهابيين اتهموهم بالإرهاب ..
بهد كل ما فرطوا فيه لكيلا يتهموا بالإرهاب فقدوا كل شيء ثم اتهموا بالإرهاب.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..
***
ولكم شفى قلبي بقدر ما أتعسني ياشيخ عبود أننا اشتركنا في التحذير من تداعيات الأمور طول الوقت.
كنا نرى الكارثة بعين واحدة ..
الآن افترقنا!!
***
ولقد أدركت يوما بعد يوم .. وعاما بعد عام .. وانكسارا بعد انكسار .. وإحباطا بعد إحباط وخيبة أمل بعد خيبة أمل .. أدركت أن مواقفي لا يفسرها انتماء لوطن ولا لقوم ولا لأمة ولا حتى للبشرية والإنسانية بمفهومها العام. ولا يفسرها النار التي تشتعل في جوانحي حزنا وغضبا وخزيا مما جرى ويجري للمعتقلين والضحايا .. بل دعوني أصرخ بها: ولا حتى من أجل شهداء رابعة ..
فهل تعلمون سبب مواقفي التي تعرضني لكل أنواع المخاطر ودرجاتها؟
أنا أجيبكم:
السبب هو الرعب!!
نعم: الرعب ..
الرعب من الله حين أقف أمامه يوم القيامة مهطعا مقنعا رأسي لا يرتد إليّ طرفي ..
الرعب والعجز عن الإجابة حين يسألني عما فعلته لوطني ولقومي ولأمتي وللبشرية جمعاء وللمعتقلين والمعذبين والشهداء .. وأيضا يسألني عما فعلت للمظلومين .. وللإخوان ولأهل رابعة .. يسألني ماذا فعلت لهذا الطفل الذي كان يبكي مستنجدا بأمه أن تعود إلى الحياة .. وهذه الطفلة .. وهذه الأم .. وذاك الأب والرفيق الذي يحمل رفيقه الشهيد على كتفيه فتصرعه رصاصة فيخر إلى جوار صاحبه شهيدا .. .
يسألني فلا أدري بما أجيبه ويغرقني الخزي من ضآلة جهدي وقصور عملي .. هذا الموقف يا شيخ عبود ويا قراء هو الذي يجلدني بسياط من نار كي أتخذ ما أتخذ من مواقف وكي أكتب ما أكتب وأنطق بما أقول ..
الرعب من ذلك اليوم ..
الرعب ..
الرعب من يوم المصير، يوم القضاء، يوم الوزن، يوم الجدال، يوم القصاص، يوم الحاقة، يوم الطامة، يوم الصاخة، يوم الوعيد، يوم الدين، يوم الجزاء، يوم الندامة، يوم التغابن، يوم الشخوص، يوم الشفاعة، يوم العرق، يوم القلق، يوم الجزع، يوم الفزع، يوم الفرار، يوم الازدحام، يوم الحر، يوم العطش، يوم الانفطار، يوم الانشقاق، يوم الذل، يوم الخوف، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، يوم تبيض وجوه وتسود وجوه
الرعب من ذلك الموقف ..
الموقف الذي أتخيل نفسي فيه أصرخ:
- وا خجلتاه وإن غفرت ..
- واخجلتاه وإن غفر .. فما بالكم إذا لم يغفر.
***
نعود إلى استشهادك يا شيخ عبود بقول شيخ الإسلام بن تيمية:
(فمتى كانت مفسدة الأمر أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله تعالى به)
وهنا دعني يا شيخ عبود أسألك سؤالا داميا ..
ماذا إن كان التهديد لا يقع على حزب أو قوم أو دولة أو أمة فقط بل يقع على شرع الله ذاته .. ماذا لو كنت تسعى لأن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى فيأتيك - ليس من يريد أن يزيحك ليستولى على منصبك أو منزلك أو زوجك أو من يريد منك مالا فقط أو وطنا فقط أو حزبا فقط - بل يريد أن تكون كلمة الله هي السفلى وكلمة الذين كفروا هي العليا ..
ما هو المقياس حينها يا شيخ عبود؟
وهل ينطبق قول شيخ الإسلام على هذا الوضع؟
هذا الوضع غير الافتراضي؟.
أن تكون كلمة الله هي السفلى وكلمة الذين كفروا هي العليا ..
..
تلك هي المسألة يا قراء ..
تلك هي المسألة يا شيخ عبود ..
المسألة لم تكن في الإخوان المسلمين حيث توجد في الفضائيات والصحف مئات الصفحات والأشرطة التي أنتقدهم فيها بقسوة ..
ولا في الدكتور محمد مرسي الذي حزنت يوم ترشيحه بديلا عن الشاطر وأبي إسماعيل .. ولقد كتبت حينها مقالي :"ماتت الثورة" .. .
المسألة أنني ظننت أن الأمر وسط الأعاصير لن يتم إلا بحزب قوي له جذوره في الشارع .. ..
بل وقد يدهشك أن أحد المفضلين عندي بعد المستشار طارق البشري – وآخر نسيت الآن اسمه - كان الدكتور محمد سليم العوا. قلت ذلك رغم أنني كتبت عام 2002 أنه يقدم نفسه كي يكون المرشح الرئاسي المقبول أمريكيا. كتبت ذلك رغم أن الدكتور العوا قد خذلني خذلانا مروعا ومشينا أثناء أزمة الوليمة عام 2000
فضلت الإخوان إذن بمفهوم عقلي يعتمد على الحسابات ..
ربما بمنهج قريب جدا من اختيار الإنجليز للنحاس باشا في حادث 4 فبراير!
***
ويقول الشيخ عبود:
"إنني حين عرضت رؤيتي كانت تتضمن تشكيل قوة معارضة سلمية للدخول إلى المجلس النيابي بهدف المدافعة وتقليل الشر وعدم ترك هذه المساحة لمن لا نرغب في وجودهم في المجلس فيشرعون لنا ويقننون ما نكره”
من حقي أن أغضب يا شيخ عبود
أنت كبير وجليل ومهاب ولك من سابقة الجهاد ما أغبطك بل ما أحسدك عليه .. فهل تتخيل أن النظام الذي ارتكب كل هذه الجرائم يمكن أن يجري انتخابات حرة بله نصف حرة بله عُشر حرة ..
يقننون؟
هل تظن أن هناك انتخابات حقا ..
وأن هناك مساحات أو ساحات يمكن أن يملأها بعض الإسلاميين
كل الساحات والمساحات يا شيخ عبود تحتلها الدبابات والأكاذيب والخيانة ..
وكما يقول الصليبيون واليهود عن العربي الميت أنه هو العربي الوحيد الطيب.. فإن من تتحدث عنهم لن يسمحوا لإسلامي أن ينفذ من فلاترهم إلا لكي يكون مسخة منفرة تلوكها الألسن. سيسمحون لمن يمكن السخرية منه. لمن يمكن أن يكون بلكيمي أو دون جوان آخر.
هذا ما أحزنني منك يا شيخ عبود .. وما أغضبني أيضا ..
ذلك أن ثقتي برجاحة عقلك تحول بيني وبين الاقتناع بأنك تعني ما تقول فعلا ..
أندفع لسؤال نفسي:
هل يصدق الشيخ عبود ما يقول؟ إن كان يصدقه فكيف؟ وإن كان لا يصدقه فماذا؟ ..
***
نلحق بما سبق حديثك عن ترشيح شخص محايد من ثلاثة ( المستشار محمود مكي – المستشار هشام جنينة – الدكتور سليم العوا) لمنصب رئيس الجمهورية
فهل تعني ذلك حقا؟
هل خطر ببالك أو دار بخلدك أن من أجرموا في حق الدين والدولة والأمة قد عادت إليهم ضمائرهم وليس بينهم وبين التراجع إلا توفير السبيل إلى ذلك!!
هل ذلك حق؟
أم أن الحق أنهم يدركون أن خطوة واحدة إلى الخلف ستسلمهم إلى المشانق .. ليس انتقاما ونكاية وإنما قصاصا وجزاء جناية وخيانة ..
إنني بالفعل أتساءل كيف أن الشيخ عبود وله ما له يصدق مثل هذا الكلام كما لو كان جادا .. وكما أنه لو أن الموافقة إذا جاءت من الطرف الذبيح على ترشيح مكي /جنينة/العوا لانسحب الانقلابيون على الفور.
***
ثم تأتي كارثة كبرى تجعلني أشد فزعا وغضبا .. حين تتحدث يا شيخ عبود عن الترتيب لأمر مستقبلي ربما تحتاج إليه الحركة وهو وجود حل لمن قتل ولم يعرف من الذي قتله وهو تعويض لازم من بيت المال لكل شخص تنطبق عليه هذه الحالة خاصة وأن الحكومة لم تحقق في شأن القتلى .. .
لم يعرف من الذي قتله ..
لم يعرف من الذي قتله أيها الشيخ الوقور والضابط الجسور والمجاهد الصبور ..
لم يعرف من الذي قتله ..
وآلاف الأدلة .. وعشرات آلاف البراهين وشهود العيان وأفلام الفيديو وصور الكاميرات وشهادة وسائل الإعلام (الميديا) ..
وسبعة ألاف شهيد وعشرون ألف معتقل – يقول البعض: أربعين ألفا- ومثلهم من الجرحى ..
لم يعرف من الذي قتله ..
قلها ..
كررها ..
أواجهك بها أمام الله يوم القيامة ..
أواجهك بسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
.. عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قتل نفرا خمسة أو سبعة برجل واحد قتلوه قتل غيلة وقال عمر لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا
لو تمالأ .. بمعنى لو تآمر ..
فإن كانت عين البصر كلّت عن رؤية المجرمين القتلة فكيف ازورّت بصيرتك عن رؤية من تمالأوا على خمسين ألف ما بين شهيد وجريح وأسير من أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله .. لم يضحوا إلا في سبيلها.
ماذا يا شيخ عبود؟ ماذا أيها العاقل الحكيم .. ماذا أيها الضابط الجسور والمجاهد الصبور والشيخ الوقور ..
ألم تسمع ..
ألم تر؟
تلك مشكلتك ..
أما نحن فعزاؤنا أنه معنا يسمع ويرى ..
يا إلهي ..
يا شيخ عبود والله إني أحبك وأجلك وأحترمك ..
لكنك تذبحني ..
فما حيلتي ..
وأيهما أشد على النفس ..
أن نزعم أننا لا نعرف من قتلنا وقتل أهلنا لأننا غير قادرين على مواجهته .. فنتجاهل ونتغابي ونطرح أسئلة تعجيزية نحن أول من يعرف أنها جدلية .. لمجرد الجدل .. ولمجرد تسويغ وجهة نظر مستحيلة لا تستساغ إلا إذا زعمنا أننا لا نعرف القاتل أو على الأقل من حرض ومن مالأ ..
أيهما أشد على النفس أيها الضابط الجسور والمجاهد الصبور والشيخ الوقور ..
أيها أشد:
قولك هذا أم قول برهامي أن يترك الزوج زوجته تُغتصب إذا خشي أن يقتله المغتصب ..
وقولك هذا أم قول علي جمعة أن على المرء أن يهاتف زوجته قبل أن يعود إلى البيت فقد يكون معها رجل .. فليترك لها الفرصة لتهريبه ..
أيها أشد على النفس وأنكى يا شيخ عبود ..
والله إن قولك لأشد وأنكى ..
ذلك أن قولهما يتناول مسائل فردية ..
أما قولك فيتكلم عن دم وأشلاء سبعة آلاف مزقهم الرصاص ومقذوفات المدافع والطائرات وسحقتهم المجنزرات ورمتهم الجرافات مع القمامة ودفنوا حيث لا نعلم ..
قولك أشد ..
ثم أنه يتضمن في طياته قول برهامي وعلي جمعة معا ..
ذلك أن من لم يعرف من قتل لن يعرف بالتالي من اغتصب بناتنا الطاهرات المعتقلات ..
كما أنه لن يواجه من اغتصبهن خشية العواقب ..
آسف يا شيخ عبود ..
أعلم أني آلمتك ..
لكنك ذبحتني ..
***
الأكثر إيلاما أن كثيرين من الأجانب وهم نصارى وبعضهم يهود قد وضعوا أصابعهم على المجرمين القتلة وسموهم .. وكنت أود أن تسبقم .. . ولم تفعل .. .
فالحق بهم .. !!
غفر الله لك ..
لماذا قلت ذلك؟
أيها الضابط الجسور والمجاهد الصبور والشيخ الوقور ..
لماذا قلت ذلك ..
يا ضابط المخابرات!!
***
شيء آخر يا شيخ عبود ..
أنت تحذر المجاهدين الصابرين من سوء المآل ومن التنكيل والخزي ..
سعيد ابن المسيب الذي عارض الطاغوت فأمر بالتنكيل به فذهبت إليه زوجته – وكان الخليفة قد خطبها لنفسه فأبى أبوها وزوجها لسعيد .. ذهبت إليه معاتبة: ما هذا الخزي يا سعيد .. فإذا به يجيبها إجابته الصارمة الباترة
- بل من الخزي فررنا إلى ما نريد ..
ففر يا شيخ عبود من الخزي ولا تكرس له
فرّ ..
فرّ
ثم كرّ
***
ظننتك ستصرخ لو تمالأ أهل القاهرة جميعا على أهل رابعة لاقتصصت منهم جميعا ..
ثم أنك تقول أنه لم يثبت ولم يحقق ..
فماذا ولو على سبيل المثال كان الذي تشكو له هو الذي تشكو منه
وحتى لو لم يكن هو ..
فما جزاء الحاكم الذي يرفض الانصياع لشرع الله ..
وما جزاء العقوبة على الافتئات عليه والمبادرة بتطبيق شرع الله.
***
لن أتناول الوقائع التاريخية ومحاولة الشيخ عبود تأويلها كيما تخدم وجهة نظره ..
لكنني أستطيع فعل ذات الشيء ..
وإذا كان القرآن نفسه حمال أوجه فكيف يكون الأمر مع الوقائع التاريخية ..
ومع ذلك فإن تفسير الوقائع المستقيم يصب في اتجاهنا لا في الاتجاه الآخر ..
بيد أن ثمة عتاب لا أطيق أن أعبره دون أن أذبّ عن حبيبي وسيدي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم مدركا بل ومتيقنا أنك بحال من الأحوال لا تقصد الإساءة التي حملتها الحروف والكلمات، تقول:
- وكان أيضاً يعلم أنه منصور من ربه وسيظهره على أهل مكة
- وكأنما –حاش لله- أن حبيبي وسيدي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سيرفض الجهاد لو لم يعده الله بالنصر .. وكأنما حاش لله كان الأمر سيختلف لو مات أو قتل أو هزم.
الواقعة الأخرى التي تناولتها بقصور مذهل هي واقعة استشهاد سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين ..
يذهلني أنك فسرت الأمر كمؤرخ ..
يذهلني أنك فسرت الأمر كعالم اجتماع مادي لا يأبه إلا بالظواهر ..
يذهلني أن الزبد على سطح الماء جعلك تغفل عن الجواهر تحته .. يذهلني أنك لم تفطن إلى أن الله لم يخلق شيئا عبثا ولم يضيع عملا سدى ..
يذهلني أنك لم تفطن أن الخليقة بماضيها وحاضرها ومستقبلها مسطورة في اللوح المحفوظ حيث ما كان وما سيكون ..
يذهلني أنك لم تدرك أن الله لم يهب حبيبي وسيدي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناء ذكورا يعيشون ..
كان الله سبحانه يدبر أمرنا .. وقد يحفظ لنا علمنا وعلمه سبحانه أن ابنا ذكرا للرسول سيكون فتنة للناس وسيختلفون إليه وربما عليه فمنّ علينا بأن قطع دابر الفتنة كي لا يكون لحبيبي وسيدي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم وريث يخلفه ثم أن والأنبياء لا يورثون ..
من نفس هذا المنطلق كان لابد لسيد شباب أهل الجنة أن يستشهد .. من أجل هذا ..
وأيضا من أجل ألا يأتي مأفون –وقد حدث من أحد إعلاميينا- مع أهل رابعة حين قال لهم لو كنتم على الحق ما قتلتم هاهنا ..
ها هي ذي دماء الحسين تردّ .. ترد ..
هاهي تصرخ أن مقياس الهزيمة والنصر والمكسب والخسارة في أي معركة أو صراع .. ليست هي النتيجة في النهاية بل هي الوسيلة في كل الخطوات حتى قبيل النهاية .. الوسيلة هي سبيلنا إلى الجنة أما النصر فهو قدره يعطيه من يشاء .. ولعلي أضرب لك مثلا بالانقلابيين .. أظن والله أعلم أنهم لو قتلوا جميعا أو سجنوا وشردوا لكان الأمر أخف عليهم يوم القيامة من نصرهم الذي انتصروه فدخلوا جنة من دخلها هلك وهربوا من نار من دخلها نجا ..
ولقد ضرب لنا سيد شهداء شباب الجنة المثل على ذلك ..
وهاهو ذا يعير التاريخ سرباله المضمخ بدمه فعجز حتى أن يجمع بقايا لحمه عندما أمر الطاغوت بحرق خيمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبسحق الجسد الشريف فلم يعثر عليه أبدا
نفس ما حدث لشهداء رابعة
نفس الحرق
نفس دهس الأشلاء ..
فكأنما أهل رابعة قد استشهدوا في كربلاء ..
أو كانما استشهد الحسين في رابعة.
في مثل هذه الحالات يا شيخ عبود لا يصلح العلم العسكري كمقياس للأمور ..
هناك مقياس آخر يعلمناه الحسين رضي الله عنه ..
ها هو ذا الحسين يعود يا عبود ليعطينا الدرس وليعلمنا هذا المقياس .. .. أن الخطيئة الكبرى التي يمكن أن يرتكبها البشر هي أن يحاولوا عقلنة قدر الله حسب عقولهم فما يرونه معقولا يجب أن يكون في قدر الله معقولا ..
وليعلمنا أيضا أن القائد لا تجوز له رخصة .. وأنه عندما يكون الدين والشرع في دائرة الخطر فلا رخصة لأحد ..
لا رخصة لأحد ..
لا رخصة لأحد ..
وهذه الكلمة كانت من أواخر ما قاله الشهيد العظيم - نحسبه كذلك - صاحب الظلال ..
ما حدث ياشيخ عبود لا يمكن علاجه بتقدير استراتيجي عن موقعة عسكرية لمقدم أو عميد أو حتى مشير (كتبت منذ أعوام أن أعلي درجات تركيز الإجرام تقبع في رأس الهرم .. فكلما اقترب منه المرء كلما ازداد سوءه)
الأمر أخطر من ذلك وأكبر ..
الله أجل ونحن أذل ..
وهو يعلم من يصطفي ومن يموت ومن ينتصر ومن ينهزم ..
وهو يعلم أن عالم المسيخ الدجال في الدنيا لا يقتصر عليه .. حيث من دخل جنته هلك ومن دخل ناره نجا ..
إياك يا شيخ عبود ..
لا تدخل جنته ..
ادخل ناره ..
وفز ..
***
نعم يا قراء ..
نعم يا شيخ عبود
الأمر أخطر وأكبر
والله أجل ونحن أذل ..
وقدر الله معقول ليس لأنه وافق عقولنا بل لأننا قسرنا عقولنا وروضناها كالجواد الجامح كي تسلس قيادها له ..
كي تستسلم يا قراء ..
كي تسلم يا شيخ عبود ..
وهذا جوهر الإيمان ..
وأهم ما فيه: الإيمان بالغيب
الثقة أن ما عند الله أوثق لك مما بين يديك ..
الثقة بأن مِيتة يكتبها لك الله شهيدا أو عزيزا خيرٌ من أن تكون رئيسا خائنا أو ملكا يوالي أعداء الله ويبرأ من دينه وأهله فيبوء بالكفر.
الأمر أجل ..
ونحن أقل وأذل ..
ويا لها من خيبة أن يتصور الحمقى أنه لو حدث كذا ما حدث كذا ..
كل شيء بقدر ..
نعم ..
أعني أن من استشهد كان لابد أن يستشهد وأن من أُسر كان لابد أن يؤسر ..
كان ذلك قدر الله وقد سبق ..
لست أعنى بالطبع انتفاء المسئولية البشرية .. لكن شيئا فوق مستوى العقل والفهم يجعلنا – لا ندري كيف - نحقق بمسئوليتنا الكاملة قدر الله فينا.
***
هل تعلم سبب خطئك الفكري الفادح يا شيخ عبود ؟
أنت تتعامل في معركة لا إله إلا الله محمد رسول الله بمقاييس أرضية ..
لذلك طاشت حساباتك ولم تكن مبادراتك صائبة ولا مناسبة ..
كنت يا عزيزنا الجسور الصبور الوقور ترسم حسابات بالغة الدقة إلا في شيء واحد هو أنك تعاملت مع الدبابة كطائرة ومع السفينة كصاروخ ..
حساباتك دقيقة جدا للصراعات بين البشر ..
أما عندما تكون المعركة مع لا إله إلا الله محمد رسول الله وعندما تكون الحرب على الإسلام والتطاول على الله جل وعلا شانه فإن تحليلاتك كلها تطيش ..
ووالله الذي لا إله إلا هو لو علمت أن لأصحابي طريقا غير نصرة شرع الله لما ناصرتهم لحظة واحدة.
***
الحقيقة أني محتار جدا في موقفك يا شيخ عبود
لا أريد أن أستفيض أكثر من ذلك .. وقد استفضت بالفعل ..
وأقول لك أنه إذا كان الصراع الجاري على حكم فأنا أول المطالبين للإخوان بالانسحاب منه ..
لكن الرأي يختلف إذا ما كان الأمر صراعا وموالاة لأعداء الله وبراءة من خاصة المسلمين وعزا للنصارى وذلا للمسلمين.
ثم إن كلامك يا شيخ عبود كان يمكن أن يكون له معنى لو كان قبل سفك الدماء. ولقد كتبت قبل ذلك أن العلمانيين هم الذين ورطوا الدولة في الدم كي يغلقوا أمامها طريق الرجوع ..
أما الآن فالطريق مغلق .. ودماء رابعة آية من آيات الله كناقة صالح عليه السلام، لابد أن يعقبها عذاب عظيم.
عذاب عظيم أراه نازلا يا شيخ عبود وليس لدي أي شك في ذلك.
عذاب عظيم سوف يحيق بالكثيرين ..
سوف يحيق بالمجرمين ..
سوف يحيق بمن والى أعداء الله وبرئ من أنصار الله ..
سوف يحيق بالشعب الآخر الغبي ذو الرب الآخر الصنم ..
ولكم أخشى أن تكون فتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة ..
فاستبرئ لنفسك يا شيخ عبود ..
والنجاة النجاة ..
والحقيقة أن الشيخ عبود كان يستطيع أن يقول كلاما كثيرا نقبله منه حتى لو اختلفنا معه فيه بل مهما اختلفنا معه فيه مادام يحترم عقولنا.
كنا سنقبل منه على سبيل المثال أن يتهم الإخوان بأنهم خطر على الأمة والدين ..
ولكن كان عليه أن يقدم الدليل ..
أنا مستعد أن أقتنع أن الإخوان جماعة إرهابية ..
لكن ليس بشهادة سكير وبيان سكير!! ..
وكان على الشيخ الجليل أيضا أن يقدم الدليل أيضا على أن النظام الجديد الذي انقلب على الإخوان أكثر إنسانية وقربا من الله أو على الأقل أقل وحشية وأقل خطرا على الدين ..
لكنه لم يفعل هذا ولا ذاك.
كان يستطيع أن يقول أن الإخوان ارتكبوا بالفعل جرائم لابد من حسابهم عليها وأن جميع ما تقوله فضائيات ساويرس وصحفه صحيح ..
ساويرس .. الآمر الناهي .. قارون الجديد ..
لكنه كان ملزما أن يقدم الدليل على ذلك ..
ولم يفعل ..
وكان يستطيع أن يقول أن الإخوان لم يطبقوا شرع الله
وأن النظام الجديد سيفعل ..
ولم يفعل ..
وكان يستطيع أن يقول أن الإخوان على حق لكن استمرار المواجهة سيثير الفتنة ويدمر الوطن ويهدم الدولة ..
وكان عليه أن يثبت أن النظام الجديد لايورط البلاد في مواجهات عبثية لا ناقة لنا فيها ولا جمل وأن هذه المواجهات هي التي تهدد الوطن والأمة والدولة ..
ولم يفعل.
وكان حتى على المستوى الشخصي يستطيع القول أن النظام الجديد سيقيم شرع الله وسيحكم بالعدل ..
ولم يفعل
وكان على الأقل يستطيع القول أنه يضمن لنا أن النظام الجديد لن يحارب شرع الله ثمنا لداعميه فلم يفعل ..
كان يستطيع أن يقول للإخوان أنتم على حق لكنكم مستضعفون فتصرفوا كما تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه في شعب أبي طالب. ما يقوله الشيخ عبود أمر غير معقول كله ..
وهو بلا مقابل ..
والطرف الآخر يقول أنه هو الذي يحمى الدولة والأمة والدين وأن الانقلابيين هم الذين يهددونها ..
***
غفر الله لي ولك يا شيخ عبود ..
لو كنت مكانك واستبدت بي الحيرة وحاصرني العجز وأحاطت بي الكلاب والذئاب والثعالب لاتسع الصمت لي ..
كان الصمت أوسع وأتقى ..
وبالمناسبة أيها الضابط الذي يأتي في الصف الأول ممن احترمتهم من جيشنا المسكين المجني عليه حتى أصبح متهما: بالمناسبة : ماذا كان شعورك وولاة الأمر يشاركون في حصار غزة .. و .. و .. و .. وهل هؤلاء هم الذين تنادي الإخوان للتفاوض معهم؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!
يا شيخ عبود ..
ليتك صمتّ ..
فلكان صمتك –أبيت اللعن- أقل جلبا للمذمة
***
قد يسألني سائل:
- ما هو الحل وأين بصيص الضوء في هذا الديجور ..
الحل في تبنى منهج الحضارة الإسلامية في مواجهة قضايانا.
كان الشيخ عبود يستطيع غفر الله لي وله أن ينبهنا إلى اعتماد المنهج الإسلامي الشامل الكامل الذي هو أوسع من أي جماعة أو حزب لأنه يستوعب الجميع ..
المنهج الذي نسيناه، والذي ينثر عليه العلمانيون الغبار ويقذفونه بالأوحال .. المنهج الذي يعيد إلينا الثقة بديننا .. والذي يجعل هذا الدين حتما لا مناص منه .. ليس لأن الإسلام هو الحل لمشاكل دنيانا .. بل لو لم يحل الإسلام لنا أي مشكلة من مشاكل دنيانا – وهذا افتراض غير صحيح – فليس أمامنا سواه .. وليس لنا اختيار .. المنهج الذي يجعلنا نشعر بأننا الأعلون ..
وكان يستطيع طمأنتنا بأننا بهذا المنهج برغم كل هذا الانهيار سننهض لننتصر ..
بهذا المنهج أقرر أننا – أنا و أنت – نحن الأقل لكننا الأعز، وأننا نحن الضعفاء، المحاصرين، المعتقلين، المعذبين، الشهداء، نحن الذين ننتصر في النهاية دائما رغم كل عناء، و أن التاريخ يلقى بالآخرين في مزابله، و أن الله يفصل بيننا يوم القيامة ..
كان بإمكانك أن تقول إن المستقبل غير كل تصوراتنا له، و الإعجاز الإلهي في الخليقة يأبى إلا أن يكون معجزا ..
إن منهج الحضارة الغربية يعتمد على المادي المجرب المحسوس، فهو أشبه بجسد بلا روح، أما جوهر الحضارة الإسلامية فإنه يعتمد على كل ذلك مضيفا إليه قوة ودعما لا نهائيا هو قوة الروح، وهنا إذن يكمن جوهر نملكه لا يمكن أن يتمتع أعداؤنا بمثله، جوهر الإيمان بأن وعد الله حق، جوهر الإيمان، لا بالله فقط، بل بنواميس الله التي خلقها والتي تحتم دائما و أبدا انتصار الحق واندحار الشر مهما بعد المدى، ومن هذا المنظور وبهذا المنهج يجب علينا أن نقرأ التاريخ وأن نتأمل عبرته، إن خيانة الحكام والنخبة ليست بحادث طارئ، فعبر التاريخ كله كان حكامنا يخونون قضية أمتهم، تاريخ الحكام هو تاريخ الخيانة والبطش والجبروت والتزوير والكذب، إننا نقع في خطأ تفسير المستشرقين بما يكتنفه من نوايا السوء، حين نطالع تاريخ الحكام مفترضين أنه تاريخ الحقيقة، وليس إلا سلسلة من الأكاذيب لإخفاء الحقيقة، كان الحكام يخونون، لكن الناس كانوا في نفس الوقت يصوغون حضارة شاملة ورائعة في كافة فروع العلم والدين والأدب والمعرفة والحرب، تلك الحضارة هي التي بقيت لنا وللعالم، أما الحكام فقد ذهبوا في مزابل التاريخ.
انظروا يا قراء في تاريخ البشرية منذ آدم، وتعلموا أنه يتوجب علينا ألا نرفض الشر، لأن الله هو الذي خلقه ليبلونا به، ليمتحننا، علينا إذن أن ندرك الحقيقة المعجزة في بساطتها، في بهائها، في سطوعها الذي يعمى الأبصار عن رؤيتها، أن الله فاعل في هذا الكون، لا تتجاهلوا أهم عنصر في أي صراع في هذه الدنيا، أن الله فاعل ..
المادي المجرب المحسوس موجود وعلينا أن نتلمس به الأسباب لكن الله فاعل ..
حسابات الحاسبات الضخمة موجودة ويجب أن تحترم ولكن الله فاعل. الله فاعل في هذا الكون، زاغت عقولنا حين تصورنا أن ارتباط الأسباب بالمسببات حقيقة مطلقة بينما هي ليست إلا مشيئة، تتوقف على الفور حين تشاء المشيئة، إن المؤمن ليس مطالبا بالقوة كلها بل بما يستطيع منها، وأنه حين يتجرد ويخلص، فثمة قانون أشبه بقانون الفيزياء الذي يتحكم بالكتلة الحرجة التي يتحقق بعدها الانفجار النووي، لقد طبق القانون الذي يقضى بأنه حينما يكتمل قدر معين من التجرد والإخلاص، يأتي نصر الله الموعود ليقلب كل موازين القوى. انظروا إلى بدر، انظروا إلى غزوة الخندق، انظروا إلى الحروب الصليبية، انظروا إلى الحرب العالمية في حطين حين خرج صلاح الدين من مصر بجيش قوامه اثنا عشر ألفا ليواجه مئات الآلاف من جيوش الصليبيين، ولينتصر، بالقانون الإلهي الذي لا ندرك كنهه، انظروا إلى ما حدث أيامها عندما جند ملك الألمان جيشا جرارا من ثلاثمائة ألف مقاتل لينجد به الصليبيين وليقضى على المشكلة من جذورها باحتلال مكة والمدينة، وبدأ الجيش الجرار زحفه، تخيلوا لو أن هذا الجيش وصل إلى ساحة الحرب ماذا كان يمكن أن تكون النتيجة؟ .. كيف كان يمكن أن يكون تأثيره على الجغرافيا والتاريخ ؟ هل تعرفون ماذا حدث لهذا الجيش؟ حدث أن الله فاعل، أن الله غالب على أمره، لقد نشبت الصراعات بين الجيش واستحر القتل، ثم غرق الإمبراطور وهو يستحم في ترعة صغيرة فخلفه ابنه، ثم فشت الأوبئة فمات الابن أيضا، فهل تعلمون كم وصل من الجيش الجرار إلى ساحة الحرب في فلسطين؟ ألف .. ألف فقط .. منهكين متعبين مهزومين، الله فاعل، الله فاعل، انظروا إلى صراع الخير والشر منذ آدم، لو اتبعنا قواعد التفكير العلمي بمنطق أهل الأرض ، بالمادي المجرب المحسوس وبأدق وأضخم الحاسبات، لانتهى الخير بالهزيمة الماحقة بعد بضع عشرات أو مئات من السنين من بداية البشرية، لكن الله فاعل، ألق البذرة في الأرض كيفما شئت لكنها ستنبت في اتجاه الشمس، اقلبها، سيستدير الساق نحو الشمس، الله فاعل .. انظروا إلى تلك النسبة المعجزة في الإنسان والحيوان والنبات بين الذكور والإناث وملاءمة ذلك لكل جنس منها، وانظروا إلى زيادة نسبة المواليد الذكور بعد الحروب الكبرى حين يهلك كثير من الرجال، الله فاعل، وثمة قوة لا ندريها ولا ندرك كنهها لكننا نؤمن بها هي التي تحدد النهايات والمصائر، الله فاعل، لكن خطيئتنا الكبرى أننا - خاصة بمفهوم الحضارة الغربية - نعطى العقل أكثر مما يستحق، وليس العقل إلا بعضا من الإنسان قدراته محدودة ومحكومة بوسائل الجسد في تحصيل المعارف، لقد خلقنا الله ثم أعطانا من العقل ما نحتاج فعلا إليه، ما ندرك به النسبي لا المطلق، الناقص لا الكامل، والعقل يشبه حقيبة جراح تحوى من الآلات ما يمكنه من إجراء عمليات محددة، لا يمكنه أداء سواها، وعدم استعماله فيما خلق من أجله حماقة واستعماله فيما لم يخلق من أجله جنون، تماما كما أن الله قد خلق لنا قدمين نسير عليهما، فإن من يتوقف عن استعمالهما أحمق ستدفع حماقته بقدميه إلى الضمور، أما من يحاول استعمالهما للسير بهما على السحاب فهو مجنون ثم إنه لا محالة هالك، الله فاعل، والعقل البشرى محدود، فإذا كنا نؤمن بكل ذلك فلماذا نستبدل المنهج الأرضي بالمنهج الإلهي؟ .. وكيف بعد ذلك ننتظر الفلاح والنجاح؟ .. الله فاعل، انظروا إلى صراع الخير والشر من الأزل إلى الأبد، لقد كان المدافعون عن الخير دائما هم الأقلون، هم المستضعفون في الأرض، كان عددهم في كل بقعة من بقاع الأرض لا يتجاوز العشرات إزاء الآلاف، أو الآلاف إزاء الملايين، لكنهم هم الذين انتصروا دائما، لو أخضعتم التاريخ لمقاييس العقل الأرضي لما بقى في الأرض خير، واحد في الألف هم الذين رفعوا الراية دائما عبر التاريخ وسلموها من جيل إلى جيل، واحد في الألف أظهر الله دائما إلى أيديهم وقلوبهم نوره، واحد في الألف هم الذين أصروا دائما على ألا يستسلموا، ولقد كان الحكام دائما في الجانب الآخر، عدا استثناءات نادرة سجلها التاريخ واحتفى بها أيما احتفاء، واحد في الألف، هم الذين أدركوا أنهم جند الله في الأرض و أنهم هم الوارثون، ليست خيانة الحكام والنخبة اكتشافا جديدا، ومع ذلك، هم الذين يذهبون ملعونين – في أغلب الأحوال – حتى نهاية الزمان ونحن الذين نبقى، نحن المستضعفين، ولست أدعي أننا كنا على الحق دائما، لكننا حاولنا طول الوقت فكنا الخطاءين التوابين، نحن الذين بقينا، نحن الذين ذبحنا وقتلنا وعذبنا وحرّقنا وصلبنا وسجنّا وهزمنا وتُـقُـوُّلِـت علينا الأقاويل وزيف ضدنا التاريخ، هم ذهبوا ونحن بقينا، لأنهم أطفأوا نور الله فيهم فلم يبق فيهم إلا الوجود الحيواني الذي لا يترك خلفه بعد الموت إلا نتن الجيف، نحن، نحن المستضعفين منّ الله علينا فأدركنا أننا حملة راية نور تنتقل من جيل إلى جيل، أدركنا أننا نحملها كأمانة عهد إلينا بها قبل أن نولد بملايين السنين لنوصلها إلى بعد أن نموت بملايين السنين، كي نقف أمام الله يوم الحساب يباهى بنا نبيُّنا عليه الصلاة والسلام الأمم، نقف منتصرين خالدين لا نموت، ليس يضيرنا إذن أن يسقط منا فرد أو مليون فرد، فنحن نحارب من أجل قضية خلق ووجود وكون لا يحده زمن ولا وطن ولا جيل ولا فرد، قضيتنا مستمرة استمرار الوجود، ولأننا واثقون أن رايتنا هي التي تصل، فلا محل عندنا لليأس ولا انتظار للنصر، لأننا منتصرون ونحن محاصرون، منتصرون ونحن نُقصف بالصواريخ أو نُعدم بالرصاص، منتصرون معلقين على المشانق، منتصرون مصلوبين، منتصرون لحظة اتخاذ الموقف لا لحظة النتيجة الأرضية، منتصرون حين انتصرنا في الجهاد الأكبر على نفوسنا فتوقفت ذواتنا عن التضخم، توقف كل واحد منا عن اعتبار نفسه مركز الكون و أن موته هو نهاية الدنيا، توقفنا عن انتظار جني ثمار جهادنا في حياتنا، نحن نحارب اليوم كي ننتصر بعد ألف عام، تماما كما حارب الحسين كي ينفى الشرعية عمن اغتصب الحكم رغما عن المسلمين، ولو أنه استسلم .. لحل لكل غاصب غصيبته، قولوا لي من انتصر، يزيد أم الحسين، انظروا، لتدركوا أن جهادنا نحن هو الذي يبقى في قلوب الناس وأن كلامهم زَبَدٌ يذهب في الأرض جفاء. نحن خسرنا الدنيا فلا نطيق أن نفقد من الآخرة شيئا وهم فقدوا الآخرة فلا يطيقون أن يخسروا من الدنيا شيئا، وما خسرنا الدنيا لقلة حيلة لكننا أدركنا أنها لهو ومتاع الغرور، أنها جيفة، ولولا هوانها إلى الله ما رُزِقَ فيها كافرٌ بشربة ماء، لذلك استعصت قلوبنا عليها، لا لزهدنا، بل لطمعنا فيما هو خير و أبقى. فإذا كانت الدنيا جيفة فما موقع التاريخ الكذوب من الجيفة وما قدر حكامٍ خانوا فيها. انظروا إلى سر الإعجاز الإلهي في خلقه .. إن الواحد في الألف هو الذي يحدد مسار التاريخ، وهو برغم الأغلبية الكاسحة يتطور باستمرار إلى أمام، إنهم دائما يعرقلون التطور، يؤخرونه، لكن مشيئة الله هي التي تنفذ على أيدينا في النهاية، هذا الواحد في الألف لم يخبرنا به حساب ولا تجربة ولا جهاز حاسوب بل أنبأنا به الله حين أخبرنا أنه يأمر آدم يوم القيامة أن يأتيه بحصاد جهنم فيأتيه من كل ألف بتسعمائة وتسعة وتسعين، الواحد في الألف إذن هي الكتلة الحرجة التي يحدث بعدها الانتصار، فهل نعجز كأمة أن نربي من كل ألف واحدا و أن يثبت هذا الواحد وهو على يقين من نصر الله ..
هل لاحظت يا شيخ عبود انفجار موجة الإلحاد؟
إننا الآن في الزمن الذي أخبرنا به الرسول صلى الله عليه وسلم، الزمن الذي يخرج فيه الناس من دين الله أفواجا، زمن العولمة، فهل تعجزين يا أمة الإسلام أن تعطي من كل ألف واحدا فقط ؟ أجل، فليثبت منا من كل ألف واحد، وسيكون لنا النصر …
لسنا مطالبين إذن بالمستحيل، ولا مطالبين بما قد يؤدى إلى مجازر الشعوب والحروب الأهلية، مطالبون فقط بما نقدر ونستطيع، فليكن في الحاشية والجيش والشرطة والقضاة والنيابة والمجتمع كله صالح واحد بين ألف طالح، وسينتصر الواحد الصالح لكن هذا الصالح عليه ألا يخشى إلا الله، أن يعبد الله حقا ويعرفه حقا ويجاهد في سبيله حقا .. إن الآخرين يعرفون عن قوانا الكامنة أكثر بكثير مما نعرف، لكن الجهل والخيانة يحاصراننا، وعلى سبيل المثال فما أكثر ما كتب عن كتاب صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي، ما أكثر ما كتب عنه، لقد قدمه البعض للقارئ كما لو كان كتابا لا يأتيه باطل، ومع ذلك لم يذكر أحد أن رأي المؤلف: "صمويل هنتنغتون" فينا أفضل من رأينا في أنفسنا، يقول الكاتب: "طالما أن الإسلام يظل - وسيظل - كما هو الإسلام، والغرب يظل - وهذا غير مؤكد - كما هو الغرب، فإن الصراع الكبير بين الحضارتين الكبيرتين و أساليب كل منهما في الحياة سوف يستمر " ..
أخيرا أقول لكم يا أبنائي لا تيأسوا أبدا ..
أجل .. مهما كانت كثافة الديجور وضآلة النور وهيمنة الزور، وتغول الفجور، ومهما كانت حسابات العقل متشائمة، فإنه لا ينبغي أن نيأس من المستقبل فثمة وجه آخر للأمر علينا ألا نغفله، ذلك أن التطور البشري كله مبني على اكتشاف خطأ ما ظنناه حقائق راسخة لا يتطرق الشك إليها، إن حساباتهم الآن أننا نحتضر .. حسابات صبيان زويمر وتلاميذ دنلوب وجنود كرومر وجماعة كوبنهاغن أيضا تقول ذلك ..
فهل نستيئس؟! ..
لا .. لا يحق لنا نحن مهما صادفنا من إحباط أو نكران أو فشل أن نيأس، فنحن لا نجاهد من أجل قضية شخصية ولا من أجل مجد أرضي، قضيتنا هي إعلاء كلمة الله، وهي قضية محسومة، نحن على الحق، من يسقط منا فاز، ومن يستمر يفوز والقضية في كل الأحوال مستمرة. حتى الأخطاء والهزائم، يوظفها الله لنا كي تكون جنودا لنا، وانظروا في عصرنا الحديث إلى تصرفات بعض دولنا، لقد كان تصرفها ضد مصلحة الأمة كي تثور في الضمائر الآن تساؤلات عن شرعية وجودها، هذه التساؤلات المثارة اليوم سوف تنفجر غدا، وسوف تغير الجغرافيا والتاريخ، انظروا مثلا إلى الأزهر عندما نسي دوره ليدعم السلطان، عندما راح يقارن كامب ديفيد بالحديبية، لقد انصرفت الأمة عنه، عزلته كي توقف تأثيره الضار على وجدانها، وحل محل الأزهر خطباء مساجد نصف ما يقولونه من أحاديث هي أحاديث موضوعة، وبرغم ذلك فبجهل الجهلاء لا بعلم العلماء احتفظت الأمة بتوجهها الصحيح، تماما كما يحافظ الصدأ على تماسك هيكل معدني ضخم لو أزلت منه الصدأ لانهار، فانظروا فيوض الكرم حين ينصرنا بضعفنا ويحفظ عقلنا بجهلنا، انظروا أيضا إلى البوسنة، لقد كانت محاولة استئصال شأفة الإسلام هي نفسها الطريق إلى انبثاق أول دولة إسلامية في أوروبا الحديثة. اقرؤوا كتاب: "الإسلام يتحدى" لوحيد الدين خان، اقرؤوه لتدركوا أن الله سوف يسبب لكم الأسباب .. انظروا وأيقنوا إذن بالنصر، واعلموا أن مأساة البشرية ليست في الموت بل في الخلد، وما الموت سوى عرض عابر، لقد كنا أحياء قبل أن نولد، وسنحيا بعد أن نموت ثم نبعث ثم لا نموت أبدا، وإننا عندما نبدأ الطريق ندرك أن إخوة وأبناء لنا سوف يكملون ما بدأنا، ما لراية ترفع مشيئة الله أن تسقط فأبدا لا تستيئسوا، بعون الله سوف ننجح، سنوقف التعذيب وسنمنع التزوير وسنقضي على الفساد وسنوحد الأمة وسنحارب إسرائيل كافة كما أمرنا الله - لا لكي نعيدها إلى حدود 67 بل حتى نزيلها من الوجود- ..
لو أن إنسانا شريفا وعدك وعدا فإن وعد الحر دين عليه ولو أن جلالة ملك أو فخامة رئيس أو سمو أمير أو معالي شيخ وعد وعدا فإن وعده أمر .. أما إذا وعدنا الله نفسه فإن وعده قضاء لا رد له، ومجرد الشك في حدوثه معصية نبرأ إليه منها
نحن شتلات الزمن الآتي، نحن الذين سنحافظ بإذن الله على اليقين في قلوبنا كي نمنحه لمن يأتي بعدنا ، نحن جيش الله، وعلى كل فرد منا أن يدرك أنه يحارب وحده وأنه جيش وحده وأن وعد الله حق ونصره قريب ..
علينا أن نحافظ على أنفسنا، على مبادئنا وقيمنا و أفكارنا كي لا يصيبنا البوار والعفن الذي أصاب الذين من حولنا ..
علينا أن نفعل كل ذلك بحب وبثقة ويقين فنحن جنود، أوصانا قائدنا بمهمة، وعلينا القيام بها، حتى لو متنا في الطريق، فالقائد يعلم، وقد كان قادرا على أن ينفذ مهمته بقدرته دون تكليف لنا، لكن التكليف امتحان لنا، ليس من حقنا نحن الجنود أن نسأل القائد لماذا يفعل ما يفعل، فكوننا لا نقرأ إلا صفحة من كتاب الوجود ثم نذهب يحتم علينا بعدم اكتمال المعرفة ألا نسأل أو نعجب أو نعترض، ثم أنه سبحانه ما ضنّ علينا بوعد النصر، إن الإيمان الأكمل كان يقتضي منا أن ننفذ ما كلفنا به حتى دون وعد، لكنه سبحانه رحم الضعفاء فينا، نحن لا نصل إلى الغايات بل نتبع الوسائل، وفي وسائلنا ينبغي أن نكون دائما كما أمرنا، ولا عذر لنا، تحت أي ظرف من الظروف، في أن نتخلى عن نبلنا وشرفنا، ولا أن ننسى أبدا أننا خير أمة أخرجت للناس ..
***
أخيرا يا شيخ عبود
كلمة واحدة بيني وبينك:
هل تأتمن ولاة الأمر على دينك؟ وعلى دين أمتك وعلى الدولة؟
هيا ..
أعطني –أبيت اللعن- إجابة أواجهك بها يوم القيامة ..
ودمت .. ضابطا جسورا ومجاهدا صبورا وشيخا وقورا،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان