د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

التاريخ المجهول للإسلام المقاوم: الفلبين

6/4/2014

العرب نيوز :
عملت في مانيلا أكبر مدن الفلبين وعشت بها معاصرًا لحكومة الرئيس "ماكاباجال" في أواخر فترة رئاسته، وأُتيحت لي الفرصة لمتابعة حملة الانتخابات الرئاسية في آخر شهر من عام 1964 وأوائل عام 1965، وهي الانتخابات التي نجح فيها "فرديناند ماركوس" وكان لا يزال شابًّا شديد الطموح يتمتع بشخصية متميزة وقدرة على الخطابة ومصارعة الخصوم السياسيين.
تعرفت أثناء هذه الفترة على شخصيات مهمة كان لها أثرها الكبير في استيعابي للأوضاع السياسية والثقافية والتاريخية للفلبين. من أبرز هذه الشخصيات سناتور "أحمد دوموكاوْ أَلُنْتُو " عضو الكونجرس الفلبيني وكان رئيسًا لاتحاد جمعيات مسلمي الفلبين، وهو أول فلبيني مسلم يلتقي بالرئيس المصري جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونج لدول عدم الانحياز بإندونيسيا سنة 1956. وهو الذى طلب منه إنشاء علاقات دبلماسية وثقافية بدولة الفلبين..
كان سناتورألنتو حريصا على أن يشرح للرئيس المصري أوضاع المسلمين السيئة في الفلبين وأنهم في أمس الحاجة إلى زعيم مسلم قوي ذي سمعة عالمية يسعى لدى الحكومة الفلبينية لإنقاذ المسلمين ومساندتهم.
وكانت هذه أول مرة في تاريخ المسلمين الفلبينيين الحديث يستطيعون الاتصال بالعالم الخارجي، ويستيقظون على أمل جديد، فقد اكتشفوا مصر الأزهر، وعلى رأسها زعيم قوي له شهرة ذائعة في مقارعة الاستعمار العالمي، وأثمر هذا اللقاء عن مفاوضات دبلوماسية بين الحكومتين المصرية والفلبينية وافتتاح أول سفارة مصرية بمانيلا سنة 1960، وكان أول ملحق ثقافي بها هو صديقى الدكتور محمد إبراهيم كاظم الذي تمكن من عقد اتفاقية ثقافية مع الفلبين، وبناءً على هذه الاتفاقية انتدبت سنة 1964 لإقامة مركز ثقافي بمانيلا وتجهيزه وإدارته.
وفي عهد الدكتور كاظم نُظمت أول بعثات تعليمية من الفلبين إلى جامعة الأزهر وبض الجامعات المصرية الأخرى، وزار الفلبين الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر واطّلع على أحوال المسلمين هناك، فوجد بضعة نفر من المصريين خريجي الأزهر قد ارتادوا آفاق الدعوة والتعليم متطوعين فأكبر عزيمتهم وألحقهم بوظائف رسمية، وأتبعهم بآخرين عندما عاد إلى مصر، وكذلك فعل الشيخ أحمد حسن الباقوري، زار الفلبين من بعده ودعم البعثات الفلبينية إلى الأزهر .. وهكذا بدأت أفواج الشبان المسلمين من الفلبين يتقاطرون على مراكز التعليم في مصر.
غبت بعد ذلك عن الفلبين فترة من الزمن حيث انتقلت للعمل في أماكن أخرى، ثم عدت إليها في زيارة قصيرة فى يوليه سنة ١٩٨١ م أدركت خلالها أن الفلبين قد تغيرت كثيرًا، فقد كانت ترزح تحت وطأة أسوأ حكم استبدادي شهدته في تاريخها الحديث ذلك هو حكم الديكتاتور فرديناند ماركوس وزوجته إميلدا ..
رحت أبحث عن الأصدقاء الذين كنت أعرفهم من قبل فوجدتهم جميعًا قد فرُّوا خارج الفلبين خوفًا من الاضطهاد وملاحقة رجال الأمن الذين سلطهم ماركوس على كل الأحرار وأصحاب الفكر المستقل في البلاد فتبعثروا في آفاق الأرض.
وعندما كنت أعمل خبيراً لليونسكو في جامعة قطر خلال عقد الثمانينات أُتيحت لي الفرصة مرة أخرى للقاء بروفيسور أحمد دوموكاو ألنتو الذي أصبح مديرًا لمعهد الدراسات الإسلامية الذي أُنشئ في مدينة ماراوي بمنحة من الملك فيصل رحمة الله عليه.
التقيت بالرجل وكان لا يزال نشطًا رغم الشيخوخة والمشيب فتحدثنا طويلًا في شرفة فندق شيراتون المطل على خليج الدوحة؛ فأفاض في الحديث عن تطور أحوال المسلمين، وتبين لى من حديثه أنه لا يزال يميل إلى الحلول السلمية وعدم التصادم مع الحكومة الفلبينية، ويركز جهوده على التعليم والتربية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية للمسلمين، وفي هذا السياق أهداني كل مؤلفاته ومحاضراته التي ألقاها في مؤتمرات وندوات عديدة حول هذه القضايا وأبدى سروره أنني مازلت معنياً بأمور المسلمين في الفلبين.
أما الشخصيات الفلبينية الأخرى الذين عرفتهم أثناء عملي بمانيلا فمن أهمهم: الكاتب والصحفي "جي في كروس" والدكتور "بينيفنيدو سانتوس" والدكتور قيصر أديب ماهول؛ هؤلاء الثلاثة – في الحقيقة – كانو أصدقاء مقربين من الدكتور محمد إبراهيم كاظم، فقد كان رحمه الله يتمتع بشخصية جذابة وثقافة عالية لذلك كان يحوز منهم على كثير من الحب والإعجاب، وقد أعانني على صداقتهم فلم يكن لي فضل في التواصل معهم إذ كان يكفي أن أذكر اسم الرجل فتنفتح لي الأبواب بالترحيب وحسن الضيافة.
كان جي في كروس صحفيًّا لامعًا وكاتبًا رصينًا اشتهر بمقالاته التي كانت تنتشر في صحيفة " مانيلا تَيِمْز" وبها تحليلات نقدية للسياسة الفلبينية التي كانت تغوص – في ذلك الوقت – في مستنقع حلف جنوب شرق آسيا وتخضع للسياسة الأمريكية خضوعًا مزريًا .. أما هو فقد كان مناصرًا للحياد الإيجابي وعدم الانحياز، وكان من الأصوات الفلبينية النادرة التي دافعت بمنطق قوي وعقلانية عن حقوق المسلمين المهدرة .. تصّدى للحملات الصحفية المغرضة التي كانت تثير الشبهات حول برنامج البعثات التعليمية للشبان المسلمين في مصر، وقد روّج أصحابها لفكرة أن هؤلاء الشباب سيعودون مشبعين بفكر ديني متشدد لبعث الهوية الإسلامية وبث روح الانفصال بين المسلمين عن الدولة الفلبينية.
وكانت فكرة الدفاع المحورية عند "كروس" أن الذي سوف يدفع المسلمين دفعاً إلى الانفصال وحرب الدولة ليس هو تعليم الشبان المسلمين في مصر أو غيرها وإنما سياسة الإهمال والاضطهاد التي تتبعها السلطات الحكومية ومعاملة المسلمين كمواطنين من الدرجة الثانية بلا حقوق ولا رعاية ولا خدمات وهذا هو الخلل الحقيقي الذي يجب على الدولة أن تقوم بعلاجه.
نبهتني كتابات كروس إلى مشكلة أخرى مركزية هي مشكلة الأرض التي استولى عليها المستوطنون المسيحيون في جنوب الفلبين والمآسي التي ترتبت على ذلك في المجتمعات المسلمة.
ولابد هنا أن أشيد بالخدمة التي قدمها إليّ أحد الأخوة من المعلمين المصريين في مندناو أرجو ألا أُخطئ في اسمه بعد هذه السنين الطويلة، أظنه الأستاذ "محمد حسين"، علمت فيما بعد أنه انتقل للعمل في إحدى الجامعات السعودية .. عندما ذكرت له حاجتي إلى دراسة مشكلة الأرض وسألته إذا كان لديه وسائق في هذا الموضوع؟ .. فوعدني خيراً وعاد في اليوم التالي بحقيبة كبيرة مليئة بالقصاصات الصحفية حول الموضوع وذكر لي أنه استعارها من إحدى الجمعيات المعنية بحقوق الإنسان في مانيلا، فانكببت عليها ألتهم محتوياتها خلال أسبوعين ثم أعدتها إليه شاكراً فضله.
كانت هذه القضية بالذات حافزًا لي على تأليف كتاب عن الفلبين نشرته دار المعارف مختصراً في سلسلة شعوب العالم سنة 1969م وبقيت عندي أجزاء كبيرة من الكتاب الأصلي غير منشورة حتى هذه اللحظة.
أما "بينيفنيدو سانتوس" فقد كان نائبًا لرئيس جامعة الفلبين الوطنية وأستاذًا للغة الإنجليزية بها، وربما أهم من ذلك عندي أنه كان أديبًا مبدعًا من أبرز كتاب القصة في الفلبين، لا يسبقه سوى "نك جواكين" الذي يعتبر نجيب محفوظ الفلبين، أما سانتوس فقد كنت أضعه في موضع الأديب الراحل يوسف إدريس.
كنت مع الدكتور محمد إبراهيم كاظم نشترك في الإعجاب بمجموعته القصصية بعنوان YOU Lovely People كتبها مبكرًا وهو في الولايات المتحدة الأمريكية بعد انتهائه من رسالة الدكتوراه، وإذا بالحرب العالمية تفاجئه فلا يستطيع العودة إلى بلاده التي كانت تدور فيها معارك طاحنة بين القوات اليابانية والقوات الأمريكية.
انقطعت صلة سانتوس بأهله وبلاده وعاش محنة الاغتراب تؤرقه مشاعر اللهفة والإشفاق والهواجس التي تحيط بمصائر ذويه وأصدقائه في الوطن الذي لم يعد أحد يعرف حقيقة ما يجري فيه مع هذه الحرب المهلكة.
ووجد سانتوس نفسه يغوص في أعماق مشكلات الفلبينيين الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة، كانوا يظنون أنهم سيسعدون في رحاب إخوانهم المسيحيين البيض فإذا بهم يصطدمون بصخرة مجتمع عنصري شديد القسوة على الملونين لا رحمة فيه ولا إنسانية.
وقد انعكس كل هذا في مجموعة سانتوس القصصية، ولعل هذا هو سر انجذابنا إليها، أضف إلى ذلك أسلوبه البديع في التعبير عن هذه القضية الإنسانية.
عندما عدت إلى مصر شرعت في ترجمة هذه المجموعة، ولكني اخترت لها عنواناً آخر هو "المعذبون" الذي رأيت أنه أقرب إلى الروح السائدة فيها.. انتهيت من ترجمتها ولم أسْعَ لنشرها في ذلك الوقت بل سافرت في أرض الله أكثر من عقد من الزمان فلما عدت وكنت قد نسيتها فإذا هي لا تزال في حوزة الدكتور كاظم عثر على أصولها أثناء عملية انتقال من مسكنه القديم إلى مسكن جديد!!..
ذكر لي أنه كان قد أرسل إلى سانتوس يستأذنه في نشر ترجمة لمجموعته القصصية وأطلعني على رده بالموافقة مشترطًا شرطًا واحدًا وهو أن يتصدى لترجمتها شخص اكتملت لديه القدرة في اللغتين العربية والانجليزية مع حاسة الذوق الأدبي جميعًا.
ولعل هذا أحد الأسباب المهمة التي جعلت الدكتور كاظم حريصًا على أن يراجع معي ما كنت أنجزه من الترجمة أولاً بأول.
كان مكان لقائنا في نادي أعضاء هيئة تدريس جامعة عين شمس، حيث تعرفت على عدد من أصدقاء الدكتور كاظم بالجامعة ونعمت بمشروب التمر هندي المثلج الذي كان يقدمه لنا في صيف القاهرة الحار. ولظروف خارجة على الإرادة لم تُنشر هذه المجموعة القصصية إلا بعد خمسة عشر عاما من وقت الانتهاء من ترجمتها ومراجعتها.
يأتي في النهاية "قيصر ديب ماهول" أستاذ التاريخ بجامعة الفلبين الوطنية. وليس ماهول أقل الشخصيات الفلبينية عندي بل ربما كان أهمها وأبلغها أثرًا في نفسي .. أحتفظ له في ذاكرتي بلقطتين، شتان بين سماته في الأولى والثانية، كانت الأولى سنة 1964م، والثانية بعد ذلك بعشرين سنة.
أول ما عرفته كان في الاحتفال السنوي بمناسبة توزيع جوائز التفوق العلمي التي اعتاد الرئيس ماكاباجال الاهتمام بها أبلغ الاهتمام، وقد نال "ماهول" جائزة الدولة على دراسته التاريخية المتميزة لشخصية الزعيم الفلبيني "مابِينِي" أول رئيس وزراء لحكومة الثورة على الاستعمار الإسباني في نهاية القرن التاسع عشر.
كان مابيني معوّق الجسم حبيس مقعده ولكنه كان مهندساً للثورة وأكثر قادتها السياسيين ذكاءً وحكمة وبُعد نظر، لم يكن يثق في وعود الأمريكيين ونواياهم في الفلبين وطالما حذر رفاقه في الجناح العسكري للثورة ألا يضعوا السلاح وأن يتمسكوا بمواقفهم ومطالبهم وأن يدافعوا عنها في المحافل الدولية حتى يتحقق لهم الاستقلال الذي وعدتهم به الولايات المتحدة، وقد صدق حدسه حيث نكست الولايات المتحدة بوعودها وتفردت بالسلطة وأعلنت الأحكام العسكرية ومزقت جموع الثوار، ومن ذلك اليوم اندثرت سيرة "مابيني" حتى أحياها "ماهول" في كتابه الذي اعتمدت عليه كثيراً في فهم مرحلة من أهم مراحل التاريخ الوطني للفلبين.
عندما رأيت "قيصر أديب ماهول" في المرة الأولى كان شابًّا متألقًا لمّاحًا ممتلئًا بالحيوية والطموح، طريقته السريعة في الشرح توحي إلى مستمعه بالثقة في قدرته الفكرية وسيطرته على موضوع الحديث.
فلما التقيت به بعد ذلك في جامعة قطر رأيت كهلًا هادئًا تنِمُّ نظراته عن حزن دفين، كان مُقِلًّا في حديثه ولكنك تشعر في كلامه بحكمة مكثفة وخبرة عميقة بالحياة والناس والأحداث.
جرى هذا اللقاء في إطار الاجتماع الأول للجمعية التأسيسية لمشروع إسهامات المسلمين في الحضارة الإنسانية، وكنت أحد أعضائها .. وهذا موضوع طويل ربما يكون له مجال آخر، ولكن المهم هنا حضور "ماهول" الذي كان مفاجأة سارة لي، ومرة أخرى كان الفضل في ذلك للدكتور محمد إبراهيم كاظم الذي أطلق هذا المشروع وجمع له أفضل العناصر من العلماء والمفكرين والأكاديميين المسلمين من أنحاء شتى في العالم.
الذي لفت نظري بشدة هو أن "قيصر أديب ماهول" قُدّم لنا في الاجتماع باعتباره أحد المفكرين المسلمين وقد كان عهدي به أنه مسيحي.
سألته ونحن على انفراد قلت له:
عندي لك سؤالان أود أن أطرحهما عليك فأنا متشوق لمعرفة إجابتك عنهما، فابتسم قائلاً:
أظن أنني أعرف أحد هذين السؤالين فما هو الآخر؟..
قلت: السؤال الأول هو .. من هو "نور مِسْواري" زعيم جبهة تحرير مورو الوطنية؟..
فأجاب: إنه أحد تلاميذي المتخرجين من جامعة الفلبين .. استهل حياته بالتدريس في الجامعة ثم تفرغ للعمل السياسي والعسكري وخاض أشد المعارك ضراوة ضد قوات ماركوس في الجنوب الفلبيني وهو أكبر أعداء دكتاتور الفلبين.
قلت: إنه متهم بالشيوعية والتطرف؟..
فرد قائلًا: ليس هناك ثوري حقيقي إلا أن يكون يساريًّا بمعنى من المعاني، ولكنه ليس شيوعيًّا على الإطلاق.
قلت: وكيف كان ذلك؟
قال: المسألة هي مسألة أولويات فكرية .. وقد نظر مسوارى في مشكلة المسلمين في الفلبين فرأى طبقة رأسمالية مستغلة تتمثل في السلطة المركزية وأتباعها في الإدارات المحلية ورجال الأمن.. ورأى عبيدًا في قاع المجتمع يُستغلون أبشع استغلال، هم المسلمون الذين يُفرض عليهم هذا الوضع المهين بالقوة العسكرية والإرهاب.
ولم يجد مِسْوارى لهذا علاجًا سوى الثورة المسلحة والانفصال عن السلطة الظالمة، ويخطئ كثيرًا من يظن أن "مسوارى" له أيديولوجية أخرى غير الإسلام.
المسألة كما ذكرت لك هي مسألة أولويات في إطار هذه الأيديولوجية نفسها، ولا تنسى أن العدالة الاجتماعية عميقة الجذور في الإسلام حتى إنه يمكن القول إن الإسلام ليس في حاجة إلى ماركسية من خارجه.
سألته: وماذا عن نائبه هاشم سلامات الذي انشق عليه؟
فأجاب: هاشم ومسوارى متفقان على الأهداف والاستراتيجيات ولكنهما يختلفان على الوسائل والأولويات في العمل .. وهذا طبيعي، فكل منهما مختلف في نظرته وخلفيته الثقافية.. فمسوارى خريج جامعة الفلبين مفتوح على الفكر السياسي الغربي، شديد الوعي بالتيارات السياسية الجارية في الفلبين ويعرف كيف يتعامل معها من منطق القوة، أما هاشم سلامات فهو خريج جامعة الأزهر .. معلم وداعية .. تستند ثوريته إلى ثقافته الفقهية واستيعابه للنضال الطويل في تاريخ المسلمين ضد الاستعمار الإسباني والأمريكي.. وأخشى أن يؤدي انقسامهما إلى انحسار المقاومة الإسلامية ولن يكون هذا في صالح القضية الإسلامية في الفلبين.
قلت: لننتقل إلى السؤال الأول الذي أجّلناه، وهو أنني عرفتك في سنة 1964 وأنت مسيحي والآن أنت مسلم فما هي القصة؟..
تطلع "ماهول" إلى وجهي ثم أخذ نفسًا عميقًا وتنهد وهو يقول:
هذه قصة طويلة تحتاج إلى جلسات لا جلسة واحدة .. ثم سألني: هل قرأت كتابي عن المسلمين في الفلبين؟ .. قلت له: رأيت الكتاب في مكتبة الدكتور كاظم وأعارني إياه ولكنني لم أبدأ قراءته بعد.
فقال: " عندما تقرأ هذا الكتاب ستدرك طرفًا مهمًا عن قصتي مع الإسلام .. فالدراسة التي أودعتها في هذا الكتاب كانت بداية رحلتي الفكرية لأتعرف على الدور الحقيقي الذي لعبه المسلمون في الكفاح الوطني الفلبيني ضد الاستعمار الأجنبي..
وقد تبين لي أن هذا الدور لقي قدرًا هائلًا من التجاهل، بل التشويه المتعمد من جانب المؤرخين الفلبينيين .. هذه الحقيقة أسلمتني إلى سؤال طالما حيرني:
لماذا كان كل هذا الإصرار على تشويه حقيقة النضال الوطني لمسلمي الفلبين؟.. وخلال البحث عن أسباب ذلك هالتني حقيقة أخرى: وهي أن الإسلام نفسه كعقيدة قد ناله أكبر قدر من التشويه والهجوم الذي لا مبرر له .. فالظلم التاريخي لم يقع فقط على المسلمين، وإنما وقع أيضاً على عقيدتهم الدينية.
كان انتقالي في البحث من نقطة إلى نقطة أخرى هو الطريق الذي شاء الله أن يكون طريقي إلى الهداية.
بقيت هناك نقطة مهمة لابد من ذكرها لتكتمل عندك الصورة فعندما أسلمت بدأت أسترجع شريط حياتي فأراها بعين جديدة .. وانبثقت في ذاكرتي أحداث مطمورة فيها.
تذكرت وأنا صبي صغير أن أبي وهو من أصل لبناني كان حريصًا أن يقرأ شيئًا في الصباح قبل الخروج إلى عمله .. ومن كثرة ما سمعته حفظته، دون أن أعرف معناه .. فلما قرأت القرآن بعد ذلك علمت أن ما كان يقرأه أبي كل صباح هو آية الكرسي: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ ...}، فسألت نفسي ما الذي جعل رجلًا مسيحيًّا مثل أبي يحرص في كل صباح أن يقرأ شيئًا من القرآن!!..
وتأكد لي بعد ذلك أن أبي كان مسلمًا يخفي إسلامه، ربما لأنه تاجر ويعيش بالفلبين في وسط كاثوليكي شديد التعصب فإذا عرفوا حقيقة دينه دمَّروا تجارته وشتَّتوا أسرته لذلك أخفى إسلامه..."
ونتابع بمشيئة الله..

العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان