د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

قُلْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ
لماذا حدث الانقلاب؟

12/19/2013

أبورقية أحمد سليمان الدبشة :
انهزم المسلمون في غزوة أحد، وقتل من الصحابة الكرام يومها سبعون من خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من بينهم : حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر، وسعد بن الربيع، وعمرو بن الجموح رضي الله عنهم جميعًا. بل وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت أحرج ساعة بالنسبة إلى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرصة ذهبية بالنسبة إلى المشركين، ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة، فقد ركزوا حملتهم على النبي صلى الله عليه وسلم، وطمعوا في القضاء عليه، رماه عتبة بن أبي وقاص بالحجارة فوقع لشقه، وأصيبت رباعيته اليمنى السفلى، وكُلِمَتْ شفته السفلي، وتقدم إليه عبد الله بن شهاب الزهري فَشَجَّه في جبهته، وجاء فارس عنيد هو عبد الله بن قَمِئَة، فضرب على عاتقه بالسيف ضربة عنيفة شكا لأجلها أكثر من شهر إلا أنه لم يتمكن من هتك الدرعين، ثم ضرب على وجنته صلى الله عليه وسلم ضربة أخري عنيفة كالأولي حتى دخلت حلقتان من حلق المِغْفَر في وجْنَتِه، وقال: خذها وأنا ابن قمئة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يمسح الدم عن وجهة: (أقمأك الله) . وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كسرت رَبَاعِيَته، وشُجَّ في رأسه، فجعل يَسْلُتُ الدم عنه ويقول: (كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم، وكسروا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله)، فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:128] . وفي رواية الطبراني أنه قال يومئذ: (اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسوله)، وسقط في حفرة من الحفر. ولما انتهت المعركة ووضعت الحرب أوزارها تساءل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبب هذه الهزيمة التي لحقت بهم ، فجاءهم الجواب صريحا دون مواربة من رب العزة (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[آل عمران:165] - (قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا): يعني يوم بدر فإنهم قتلوا من المشركين سبعين، وأسروا منهم مثل هذا. -(قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ): لأنكم خالفتم أوامر قائدكم المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي قال للرماة أوامر لا تحتمل جدلا ولا اجتهادا:(انضح الخيل عنا بالنبل، لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك، لا نؤتين من قبلك) وقال للرماة: (احموا ظهورنا، فإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا)، وفي رواية البخاري أنه قال: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم ووطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم) وذلك لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم، وبعد أن انتصر المسلمون في بداية المعركة تنازع الرماة، فقال بعضهم لا نترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذهب عامتهم في طلب الغنيمة، وغادروا الثغر الذي أوقفهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأى خالد بن الوليد-وكان وقتها ما زال على شركه- قلة الرماة التف حول الجبل واحتل موقعهم فتغير وجه المعركة، وتحول النصر إلى هزيمة لأن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم شرط مهم من شروط النصر والتمكين ، وهذا ما قرره الحق جل وعلا في بيان المنهج وخارطة الطريق (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) النور وعقب الحق جل وعلا على ما حدث موضحا ملابسات وأسباب النصر والهزيمة (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)آل عمران وقال( إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) آل عمران مع ملاحظة أن هناك أعذار كثية كان من الممكن ذكرها: منها : أن عدد جيش المشركين أكثر من ثلاثة أضعاف عدد الجيش الإسلامي. ومنها: أن عبد الله بن أبي بن سلول انسحب في الطريق- وفي أحرج الظروف- بثلث الجيش محتجًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه عصاه، وأطاع غيره .. فقال :(عصاني محمد وأطاع الولدان،) وعندما اتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام وهو يقول: يا قوم، أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوكم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم، قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغنى الله رسوله عنكم. ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ) آل عمران 167 ومنها : غربة المسلمين بين اليهود والمنافقين في المدينة من جهة، وبين المشركين في مكة والجزيرة كلها، وكان هؤلاء جميعًا يتآمرون على المسلمين ويحيطوا بهم من كل جانب وناحية. لكن لم تكن هذه هي أسباب الهزيمة رغم أهميتها ، وذلك لأن تفاوت العدد وبمثل هذه النسبة كان النصر المبين والآية المعجزة في غزوة بدر التي انتصر المسلمون فيها انتصارًا سجله التاريخ كمعجزة باهرة ( قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ) آل عمران 13 يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في ظلاله: (لقد كتب الله على نفسه النصر لأوليائه، حملة رايته، وأصحاب عقيدته.. ولكنه علق هذا النصر بكمال حقيقة الإيمان في قلوبهم وباستيفاء مقتضيات الإيمان في تنظيمهم وسلوكهم وباستكمال العدة التي في طاقتهم، وببذل الجهد الذي في وسعهم.. فهذه سنة الله. وسنة الله لا تحابي أحداً.. فأما حين يقصرون في أحد هذه الأمور، فإن عليهم أن يتقبلوا نتيجة التقصير. فإن كونهم مسلمين لا يقتضي خرق السنن لهم وإبطال الناموس. فإنما هم مسلمون لأنهم يطابقون حياتهم كلها على السنن، ويصطلحون بفطرتهم كلها مع الناموس.. ولكن كونهم مسلمين لا يذهب هدراً كذلك، ولا يضيع هباء. فإن استسلامهم لله، وحملهم لرايته، وعزمهم على طاعته، والتزام منهجه.. من شأنه أن يرد أخطاءهم وتقصيرهم خيراً وبركة في النهاية- بعد استيفاء ما يترتب عليها من التضحية والألم والقرح- وأن يجعل من الأخطاء ونتائجها دروساً وتجارب، تزيد في نقاء العقيدة، وتمحيص القلوب، وتطهير الصفوف وتؤهل للنصر الموعود وتنتهي بالخير والبركة.. ولا تطرد المسلمين من كنف الله ورعايته وعنايته. بل تمدهم بزاد الطريق. مهما يمسهم من البرح والألم والضيق في أثناء الطريق. وبهذا الوضوح والصرامة معاً يأخذ الله الجماعة المسلمة وهو يرد على تساؤلها ودهشتها مما وقع ويكشف عن السبب القريب من أفعالها كما يكشف عن الحكمة البعيدة من قدره- سبحانه- ويواجه المنافقين بحقيقة الموت، التي لا يعصم منها حذر ولا قعود: «أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .. والمسلمون الذين أصيبوا في أحد بما أصيبوا والذين فقدوا سبعين من شهدائهم غير الجراح والآلام التي عانوها في هذا اليوم المرير والذين عز عليهم أن يصيبهم ما أصابهم، وهم المسلمون، وهم يجاهدون في سبيل الله، وأعداؤهم هم المشركون أعداء الله.. المسلمون الذين أصيبوا بهذه المصيبة، كان قد سبق لهم أن أصابوا مثليها: أصابوا مثلها يوم بدر فقتلوا سبعين من صناديد قريش. وأصابوا مثلها يوم أحد في مطلع المعركة، حينما كانوا مستقيمين على أمر الله وأمر رسوله- صلى الله عليه وسلم- وقبل أن يضعفوا أمام إغراء الغنائم. وقبل أن تهجس في أنفسهم الخواطر التي لا ينبغي أن تهجس في ضمائر المؤمنين! ويذكرهم الله هذا كله، وهو يرد على دهشتهم المتسائلة، فيرجع ما حدث لهم إلى سببه المباشر القريب: «قُلْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ» .. أنفسكم هي التي تخلخلت وفشلت وتنازعت في الأمر. وأنفسكم هي التي أخلت بشرط الله وشرط رسوله- صلى الله عليه وسلم- وأنفسكم هي التي خالجتها الأطماع والهواجس. وأنفسكم هي التي عصت أمر رسول الله وخطته للمعركة.. فهذا الذي تستنكرون أن يقع لكم، وتقولون: كيف هذا؟ هو من عند أنفسكم، بانطباق سنة الله عليكم، حين عرّضتم أنفسكم لها. فالإنسان حين يعرّض نفسه لسنة الله لا بد أن تنطبق عليه، مسلماً كان أو مشركاً، ولا تنخرق محاباة له، فمن كمال إسلامه أن يوافق نفسه على مقتضى سنة الله ابتداء! «إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .. ومن مقتضى قدرته أن تنفذ سنته، وأن يحكم ناموسه، وأن تمضي الأمور وفق حكمه وإرادته، وألا تتعطل سننه التي أقام عليها الكون والحياة والأحداث.) انتهى كلامه رحمه الله في ظلال القرآن المجلد الأول الجزء الرابع صـ 514 والقيادة الإسلامية - متمثلة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين كان يكثر من استشارتهم من السابقين الأولين- كانت على علم ودراية بطبيعة الأخطار المحدقة بهم السابق ذكرها ، كانت تعلم طبيعة المنافقين، ولم تفاجأ بانسحابهم قبل بدء المعركة، كما أنهاكانت تعلم أخلاق اليهود وحقدهم واتصالاتهم مع المشركين في مكة ...وإذن فمخططات القيادة كانت دقيقة، ولم يكن بن سلول بمؤامرته ودسائسه غائبا عن فكر ونظر القيادة وكذلك اليهود بمكائدهم وحربهم الضروس ضد الاسلام والمسلمين لم يكن هذا كله غائبا وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقع في مثل هذه الأخطاء. إن سببالهزيمة واحد لا ينبغي تجاهله ولا طمسه ولا التغافل عنه بأي أعذار واهية أو مسوغات ومبررات جدلية السبب واحد لا يتغير:(«قُلْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ» فأنتم أيها المسلمون الذين تنازعتم .. وأنتم الذين عصيتم أمر ربكم وأمر نبيكم صلى الله عليه وسلم ، فالسبب داخلي وليس خارجيًا، فلا تلوموا الناس ولكن لوموا أنفسكم، واللفظ هنا ورد بصيغة العموم مع أن الذين خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هم معظم الرماة، والرماة كلهم كانوا خمسين رجلًا ، والعبرة هنا بالنتائج فهذه المخالفة كانت سببًا في هزيمة الجيش كله، وجندي واحد قد يقود جيشه إلى هزيمة إذا كان يرابط في ثغر خطير وخالف أوامر قيادته أو كان عينًا للعدو فدلهم على مواطن الضعف.. والجيش الإسلامي والجماعة المسلمة يجب أن تكون كالبنيان المرصوص، ولا تسمح للمنافقين أو الخائنين أن يتسللوا إلى صفها بله إلى قيادتها. ولقد عفا الله عن أهل أحد لأن فرارهم لم يكن نفاق أو خيانة ، وإنما كان عارضًا ، فهم بشر ، وقد مرت بهم فترة من فترات الضعف البشري، فعاقبهم الله جل وعلا بمعصيتهم في عاجل الدنيا قال تعالى: (وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) آل عمران 152. وبعد أحد انتصر المسلمون في مواطن كثيرة.. انتصروا في بني النضير ، وانتصروا في الخندق . وفي بني قريظة والحديبية وخيبر وفتح مكة ، وأصبح النصر حليفهم وقدرهم قي كل معركة ،وهذا بحد ذاته ابتلاء لهم، فمن الناس من يغريه النصر فيضعف اعتماده وتوكله على الله، ومنهممن تتضاعف ثقته وإيمانه بالله، والقدوة الحسنة في ذلك كله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء يوم حنين بعد أيام الانتصارات الكاسحة التي أحرزها الصف الإسلامي وتوجوها بانتصار فتح مكة، وبعد أن أصبحوا قوة عزيزة لا قبل للعرب ولا للعجم بمثلها .. فكان هذا اليوم كيوم أحد من بعض الوجوه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هوازن وثقيف قد جمعوا له ، وأنهم قاصدون مكة ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم في اثني عشر ألفًا من المسلمين : عشرة آلاف صحبوه من المدينة ، وألفان من الذين أسلموا بعد فتح مكة. وعندما رأى بعض المسلمين هذا العدد الكبير من الجيش قالوا: (لن نغلب اليوم من قلة) والنصر من عند الله وحده، ومن ينصره فلا غالب له، ومن يخذله فلا ناصر له، وليس النصر بالكثرة ولا بالقلة. نزل المسلمون وادي حنين - وهو موضع بين مكة والطائف- وكانت هوازن قد كمنت في جانبيه، فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد، فولى المسلمون الأدبار لا يلوي أحد على أحد،وظن بعض الطلقاء وحديثي العهد بالإسلام منهم أن لا نصر بعد اليوم وأن هذه الهزيمة هي نهاية المطاف . انهزم المسلمون أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهزم، وهذا شأنه في جميع غزواته، وثبت ثبات الجبال الرواسي وثبت معه نفر قليل من أصحابه الكرام منهم : أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم ، وكان يوم حنين كما ذكرنا قد بدأ بداية سيئة لأن المسلمين غرتهم كثرتهم، ثم لما انكشف الطلقاء والمرتزقة ومن يكثرون السواد ولا يصلحون فى الجد، وقف النبي صلى الله عليه وسلم ونادى نداءين اثنين لم يفصل بينهما: "التفت عن يمينه فنادى: يا معشر الأنصار يا أصحاب بيعة العقبة ، فقالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فنادى: يا معشر الأنصار يا أصحاب بيعة العقبة، فقالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك " فاجتمعوا عليه، وانتصر بهم وحدهم !! وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه العباس - وكان جهير الصوت- أن يكرر ندائه فلما سمعوا الصوت، صدهم ازدحام الناس عن أن يثنوا رواحلهم، فتناولوا أسلحتهم ، واقتحموا راحعين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اجتمع منهم حواليه نحو المائة ، فاستقبلوا هوازان، والناس متلاحقين، وعندما حمى وطيس المعركة، قذف الله في قلوب هوازن الرعب، فانهزموا شر هزيمة وقد صور الحق جل وعلا هذه الواقعة فقال سبحانه:( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26)التوبة. يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في ظلاله :(إن معركة حنين التي يذكرها السياق هنا ليعرض نتائج الانشغال عن الله، والاعتماد على قوة غير قوته، لتكشف لنا عن حقيقة أخرى ضمنية. حقيقة القوى التي تعتمد عليها كل عقيدة. إن الكثرة العددية ليست بشيء، إنما هي القلة العارفة المتصلة الثابتة المتجردة للعقيدة. وإن الكثرة لتكون أحياناً سبباً في الهزيمة، لأن بعض الداخلين فيها، التائهين في غمارها، ممن لم يدركوا حقيقة العقيدة التي ينساقون في تيارها، تتزلزل أقدامهم وترتجف في ساعة الشدة فيشيعون الاضطراب والهزيمة في الصفوف، فوق ما تخدع الكثرة أصحابها فتجعلهم يتهاونون في توثيق صلتهم بالله، انشغالاً بهذه الكثرة الظاهرة عن اليقظة لسر النصر في الحياة. لقد قامت كل عقيدة بالصفوة المختارة، لا بالزبد الذي يذهب جفاء، ولا بالهشيم الذي تذروه الرياح! ) انتهى كلامه رحمه الله إن سبب الهزيمة في بداية معركة حنين اعتماد بعض المسلمين على كثرتهم ، والنصر من الله وحده، وليس منوطًا بالكثرة أو القلة.. ومن جهة أخرى فقد كان جيش المسلمين خليطًا من الطلقاء والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، وليست نوايا وغايات هؤلاء كأولئك، ولهذا فقد نادى النبي صلى الله عليه وسلم وأمر عمه العباس أن ينادي الأنصار بل وخص منهم أصحاب بيعة العقبة، ولم ينادي ولم يأمر عمه أن ينادي عامة المسلمين.. وإذن فسبب الهزيمة من المسلمين أنفسهم وليس من عدوهم أو من أي جهة أخرى:( أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آل عمران 165




العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان