د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

من أعلام الصعيد في القرن العشرين
صاحب التفسير الوسيط!
1/8/2013

محمد عبد الشافي القُوصي؛ :
ما فرحتُ بشيءٍ مثل فرحي بالكتابة عن الدكتور/ محمد سيد طنطاوي –شيخ الأزهر السابق- ذلك أثناء إنجاز كتابي (أعلام الصعيد في القرن العشرين) الذي احتوى على لفيف من العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء والكتَّاب!
إذا أراد الله أمراً يسَّر السبيل إليه، وقد أراد أن يكون (محمد سيد طنطاوي) من علماء الإسلام وأئمة الدين في عصره، فيسَّر له السبيل إلى ذلك منذ ولِدَ في 28 أكتوبر عام 1928م بقرية سليم التابعة لمركز طما بسوهاج، وأدلّ حظوظه المباركة في هذا السبيل أنْ نشأ في أسرة كريمة تحترم العلم، وتحرص على أن يكون وليدها المتفتِّح للمجد حافظاً لكتاب الله، فدفعته لشيخ (الكُتَّاب) لينهض برسالته القرآنية قدر ما يستطيع، وقد وجد لدى تلميذه استعداداً هيأ له أن يستظهِر كتاب الله في وقتٍ يسير.
ومن محاسن الأقدار؛ أن يلتحق الطالب/ محمد سيد طنطاوي بقسم التفسير وعلوم القرآن. أيضاً؛ أثناء تدريسه بجامعة الأزهر؛ أُعِيرَ للعمل بالجامعة الإسلامية بليبيا من سنة 1972- 1976م أستاذاً للتفسير، ثم تجددت إعارته للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة رئيساً لقسم التفسير بالدراسات العليا من سنة 1980- 1984م، وكأنَّ هاتيْن الرحلتين قد أمدتاه بعزم ناهض على كتابه (التفسير العام للقرآن الكريم) إذْ كان يشغل أوقات فراغه جميعها فيما انتُدِبَ إليه من أمور هذا التفسير، حتى تمَّ على الوجه المرجو، والذي يقع في خمسة عشر مجلداً خالية من التكرار، هادفة إلى اللباب المنشود من إيضاح المعنى الشريف!
وقد حظيَ هذا التفسير بقبول الجمهرة الواعية من القرَّاء، وتعددت طبعاته في آماد متقاربة، وأخذ مكانه جوار ما كتبه أئمة العصر منذ عهد الإمام/ محمد عبده إلى عهد الشيخيْن/ محمد الغزالي، ومحمد متولي الشعراوي!
قال –رحمه الله- في مقدمته للتفسير: "لقد بذلتُ فيه أقصى جهدي، ليكون تفسيراً علمياً محققاً محرراً من الأقوال الضعيفة، والشبه الباطلة، والمعاني السقيمة. وستلاحظ خلا قراءتك أنني كثيراً ما أبدأ بشرح الألفاظ القرآنية، ثم أذكر سبب نزول الآية، عارضاً ما اشتملت عليه من وجوه البلاغة والبيان والعظات والآداب والأحكام، مدعماً ذلك بما يؤيد المعنى من آياتٍ أخرى، ومن الأحاديث النبوية، وأقوال السلف الصالح. وقد تجنبتُ التوسُّع في وجوه الإعراب، واكتفيتُ بالآراء الراجحة إذا تعددتْ الأقوال، لني توخيتُ فيما كتبتُ إبراز ما اشتمل عليه القرآن من هدايات جامعة، وأحاكم سامية، وتشريعات جليلة، وآداب فاضلة، وتوجيهات نافعة، وأساليب بليغة".
ذات مرة؛ سألنا الدكتور/ عبد الله شحاته: ما هو التفسير الذي تنصح الناس بقراءته؟ فقال –بلا تردد: تفسير الشيخ سيد طنطاوي. قلنا له لماذا؟ فقال: لأنه احتوى على جواهر التفاسير السابقة ومميزاتها؛ فهو خلاصة أكثر من مائة تفسير!
ويقول الدكتور/ محمد رجب البيومي: إنَّ هذا التفسير يعدُّ واحداً من أهم التفاسير في القرن العشرين! وهو ما هيأه لمنصب الإفتاء على مدى عشرة أعوام، أبدى فيها ما شغل الذهن الإسلامي أمداً متصلاً، بلْ مازال يشغله إلى الآن!
* * *
جدير بالذكر؛ أن حياة الشيخ طنطاوي- شهدت معارك فقهية عنيفة بين المؤيدين له والمعارضين! لاسيما أن هذا العصر شهد أكبر ثورة معرفية وتكنولوجية في التاريخ! وقد جَدَّ من الأحداث ما لا يُعرَف له نظير فيما سلف من أقوال الفقهاء!
ومما زاد من اشتعال تلك المعارك؛ أن –الشيخ- كان من دعاة الوسطية، وأحد الأزهريين الإصلاحيين، فلم يكن جامداً كالآخرين، ولا مُقلِّداً لأيّ مذهب في القديم أو الجديد!
ولا ننسى –أيضاً- أن هذه المعارك الفقهية، كان وراءها خلفيات سياسية، وحساسيات مذهبية لا تخفى على أحد! إذْ انطلق أدعياء السلفية، والمغَّفلون من الأعراب يرمون الشيخ بوابلٍ من السباب والشتيمة؛ كما فعل أسلافهم الذين رجموا الأنبياء بالحجارة! قائلين: "لنخرجنَّكم من قريتنا أوْ لتعودُنَّ في مِلتنا"! ناسين أوْ متناسين أنَّ الرأي الاجتهادي الذي يعتمد على استشفاف النص والقياس على مدلوله قد يعارَض برأي مخالِف يعتمد على النص نفسه، ولكن بتأويل آخر، وتلك سُنَّة الفقه والفقهاء منذ ظهر أعلام التشريع!
وإلاَّ فبماذا نفسِّر موافقة مجمع البحوث الإسلامية بالإجماع على فتاوى الشيخ، لاسيما تلك التي أثارت معارك ضارية بين المؤيدين والمعارضين في حياة الشيخ!
* * *
ولعلَّ الكلمة التي نعى بها الدكتور/ يوسف القرضاوي- صديقه الشيخ طنطاوي؛ تلخِّص طبيعة تلك المعارك التي خاض الشيخ غمارها، قال القرضاوي: (لقد عرَفتُ شيخ الأزهر منذ كان طالباً في كلية أصول الدين، وقد دخلها عقب تخرُّجي فيها سنة 1953م. وقد أخبرني بأنه عرَفني قبل أن أعرفه، حينما زرتُ معهد الإسكندرية، وكان طالباً فيه بالمرحلة الثانوية، وكنتُ طالباً في كلية أصول الدين ورئيساً لاتحاد طلاَّبها، وقد ألقيتُ خطبة أعجبت طلاَّب المعهد، ومنهم الطالب طنطاوي. وكان بعد تخرُّجه يخطب في أحد جوامع منطقة شبرا، وكان يزورني بين الحين والحين، وأنا أسكن في حدائق شبرا، ويشاورني في بعض المسائل العلمية، وبعد زواجه اعتاد أن يزورني مع أهله، وتعرَّفتْ زوجته بزوجتي.
وأذكر أنِّي حين اعتقلتُ سنة 1962م في قضية لا ناقة لي فيها ولا جمل، ذهب ليزورني، ففوجئ بأني معتقل، فعرض على زوجتي أن تكلِّفه بما شاءت من خدمات ليقوم بها هو وزوجته. وحين كان يُحضِّر رسالته للدكتوراه، وموضوعها: (بنو إسرائيل في الكتاب والسنة) كان يتردَّد عليَّ، ويتناقش معي في بعض القضايا المتعلِّقة بالموضوع، حتى بعد إعارته إلى العراق ليخطب في أحد مساجد البصرة لعدَّة سنوات. وقد طلبتُه أستاذًا زائرًا بكلية الشريعة في جامعة قطر، حين كنتُ عميدها، ثم بعدها بقليل عُيِّن مفتيًا للديار المصرية.
وظلَّت العلاقة بيننا على ما يرام، حتى بدأ الشيخ ينهج نهجاً جديداً في الإفتاء، لمْ أرضَ عنه، ولا سيما ما يتعلَّق بالبنوك وفوائدها، وهو ما اضطرَّني أن أردَّ عليه بقوَّة، وخصوصًا في كتابي: (فوائد البنوك هي الربا الحرام). فالحقُّ أقوى من الصداقات، والعلم فوق المودَّات.
وحدثت بيننا قطيعة فترة من الزمن.
وبعد أن عُيِّنَ الشيخ طنطاوي شيخاً للأزهر، تقابلنا في مؤتمر بالكويت، فبادرني الشيخ -رحمه الله- بالتحيَّة والمصافحة، ونسي ما وقع من خصومة، وأبى أن يتقدَّم عليَّ في دخول أو خروج، وكان هذا دأبه معي، حتى وافاه الأجل رحمه الله، أدبًا وتواضعًا منه.
وقلتُ له مرَّة: أنت شيخ الأزهر، أكبر وأشهر منصب علمي ديني في العالم الإسلامي، ومن واجبنا أن نحترم هذا المنصب، ونقدِّمه على كلِّ مقام آخر. فقال رحمه الله: أنا أستحي أن أتقدَّم عليك، وأنت طول عمرك أستاذنا! ولا ريب أن هذه المواقف تعدُّ غاية في الأدب والتواضع وحسن الخلق.
كان الشيخ طنطاوي دمث الخلق، لطيف المعشر، فكان ابن الصعيد حقًّا، لا يحسن التجمُّل ولا التكلُّف، بلْ يتعامل على السجيَّة، فهو طيب القلب، يألف ويؤلف، ما لم يستفزَّه أحد بالحقِّ أو بالباطل، فيثور ويخرج عن طوره!
وقد ظلَّ مدَّة يقول لي: لابد أن تكون معنا في (مجمع البحوث الإسلامية). قلتُ له: لعلَّ السياسة تمنعكم من هذا! قال: إذا صمَّمنا فلن يمنعونا. وعندما لقيني في السعودية، قال: أريد فقط أن توقِّع لي على ورقة بيضاء، وعليَّ أن أملأها، وأنْ أتولَّى تقديمها للمجمع. وأنهى كلَّ الإجراءات بعد ذلك، وعرض الشيخ الطلب على المجمع، فوُفِقَ عليه بالإجماع!
وكان رحمه الله أستاذا متميِّزا في التفسير، عاش عمره مشغولا بتدريسه، وألَّف فيه تفسيره الوسيط، حتى إني رشَّحتُه ليكون بديلاً عني في تفسير القرآن الذي كان يشرف عليه الإذاعي المعروف الأستاذ محمد الطوخي، وكان فيه مجموعه من كبار المشايخ: الشيخ الغزالي، والشيخ عبد المعز عبد الستار، ود. الأحمدي أبو النور، ود. عبد الله شحاته، ود. حسن عيسى عبد الظاهر، ود. محمد المهدي، والفقير إليه تعالى، وكنت قد اشتركت في تفسير الربع الأول من القرآن الكريم، ثم حدثت ظروف اقتضت أن أتخلف عن الربع الثاني والربع الثالث، وأن أشارك في الربع الأخير، فطلبوا مني أن أرشح لهم مفسرا بدلي، فاقترحت عليهم اسم الدكتور طنطاوي، وقام بالمهمَّة على ما ينبغي.
وقد خالفتُ الشيخ في عدد من القضايا، وبخاصَّة تلك التي تتصل بشؤون الأمة، وعَلاقتها بالعالم من حولها، مثل استقباله لأكبر حاخامات إسرائيل في مكتبه، ومثل تبريره لفرنسا في منع حجاب الطالبات المسلمات في المدارس، بناءً على أن كلَّ دولة حرَّة في اتخاذ ما ترى من قوانين، ناسيًا أنه ليس من حقِّ أي دولة أن تسنَّ قوانين تُلغي الحرية الشخصية، وتناقض الحرية الدينية، وهما من أقدس حقوق الإنسان. وغير ذلك من المواقف التي أثارت جدلاً واسعًا في مصر، وفي غيرها من بلاد العرب والإسلام.
واليوم فصل بيننا الموت، الذي يفصل بين الأخ وأخيه، وبين الابن وأبيه، وبين الصديق وصديقه، كما يفصل بين المتجادلين بعضهم وبعض، وسيجمع الله بيننا في يوم لا ريب فيه، يوم تُبلى السرائر، ويحكم بيننا بالحقِّ، وهو خير الحاكمين. وقد شاء الله أن يأتيه أجله في الرياض، وأن يُدفن في (البقيع)، بجوار قبور الصحابة والصالحين، وفي هذا بشارة خير.
إننا لنعزِّي أنفسنا، ونعزِّي الأزهر الشريف بمعاهده وجامعته ومجمع بحوثه، ونعزِّي الشعب المصري، ونعزِّي الأمة الإسلامية في شيخ أزهرها، وإمامه الأكبر، وندعو الله أن يأجرنا في مصيبتنا ويخلفنا فيها خيرا.
ولا نملك لأخينا وصديقنا الشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي إلا أن ندعو الله له أن يغفر له ويرحمه، ويعافيه ويعفو عنه، ويَسَعَه بعفوه ولطفه، وبره وإحسانه، ويغسله بالماء والثلج والبَرَد، وأن ينقِّيه من الخطايا كما ينقَّى الثوب الأبيض من الدنس، ويسكنه فسيح جنته، إنه هو الغفور الرحيم، الشكور الحليم، {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10].
الفقير إلى عفو ربه/ يوسف القرضاوي.
* * *
أجل! لقد كانت وفاة الإمام الأكبر الدكتور/ محمد سيد طنطاوي- أشبه بزلزال مفاجئ؛ اهتزَّ له العالم العربي والإسلامي! لذا؛ فقد شهدت وسائل الإعلام سيلاً عارماً من المقالات والقصائد العصماء، التي تُعدِّد مآثر -الشيخ- ومناقبه. من ذلك ما قاله الشيخ/ علي عبد الباقي –أمين عام مجمع البحوث الإسلامية: "كان الشيخ/ سيد طنطاوي- مُحباً لآل البيت وصحابة رسول الله، وهو ما دعاه إلى تغيير موضوع مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية الذي انعقد قبل وفاته، قائلاً: "نريد أن نبرز للعالم كله مكانة الصحابة وجهودهم في الدعوة .. ولعلَّ في دفن الشيخ في (البقيع) أعظم دلالة، وأفضل مكافأة على حبه لصحابة النبيّ الكريم".
وقد رثاه الدكتور/ محمد إبراهيم العشماوي –أستاذ الحديث بجامعة الأزهر- بقصيدة شجية، عدَّدَ فيها مناقبه، وأشاد فيها بمآثره، قال فيها:
تهاوى شهابُ النورِ من أفقِ العلا
لِيَبْكِ على الإسلام في الأرض أهله
وداعاً إلى العلياءِ يا خير راحلٍ
فدفنكَ في أرض (البقيع) كرامةٌ
ليعلم من آذاك قدرك عنده
لقد كنتََ محتاجاً إلى ثوبِ عفوه
سيشفع عند الله فيك كلامه
وكنتَ ذليلَ النفسِ لله خائفاً
لئنْ كنتَ قدْ أخطأتَ يوماً، فهلْ ترى

وأضحى ربيعُ الأرض جدباً وماحلا
فقد صار "شيخ الأزهر" اليوم راحلا
فقد زفَّتْ البشرى إليكَ رسائلا
بها ردَّ عنك الله زوراً وباطلا
وأنكَ عند الله من أشرف الملا
وها أنتَ قد أصبحتَ في الثوب رافلا
فقد كنتَ للقرآن دوماً مُرتِّلا
وكنتَ لفضل الله في الحشر آملا
من الناس معصوماً كمن كان مرسلا؟!

كما رثاه الشاعر/ السيد الصدِّيق حافظ، بقصيدة عنوانها "يا جارَ النبيّ" قال فيها:
جارَ النبيِّ أنعِم بخير جوارِ
اللهُ قدَّرَ أن تُوارى في ثرى
وتنزلت سور الكتاب فمازجتْ
روض البقيع مباركٌ ومكرمٌ
وعلى الضِّفافِ صحابة وأئمة
سترى (الغزالي) في لقائكَ باسماً
ولد دعاكَ كما دعاه مُبشّرٌ
في صحبة الأطهارِ والأبرار
سجدت عليه مواكبُ الأنوار
طهرَ الثرى بأريجها المعطار
فيه من الرحمات نهرٌ جاري
تعلو الوجوه ملاحةُ الأقمار
وله الوقار ورقة الأزهار
من قبل بالجناتِ للأخيار

رحم الله الإمام الأكبر، وسلام عليه في العالمين!
j




العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان