د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

الربيع الديمقراطي العربي بداية عصر النهضة

9/2/2012

محمد طلابي :
1. الربيع الديمقراطي سنة تاريخية مركبة
رغم الانفجار المفاجئ للربيع الديمقراطي العربي، والصدمة التي أحدثها فينا كعرب ومسلمين وفي سكان العالم، رغم ذلك فالجدّ في فهمه سيجعله مساراً طبيعياً لسنن التاريخ البشري باعتبارها قواعد صارمة تحكم مجرى الفعل التاريخي للمجتمعات في مرحلة تاريخية محددة.
فتاريخ البشرية المعاصر والراهن تحكمه سنن صارمة لن تجد لها تغييراً أو تبديلاً قبل نهاية مرحلتها التاريخية. وهذه السنن كما ذكرتها قبل سنوات هي أربع هجرات كبرى تعرفها مجتمعات الأرض: أولها بداية هجرة البشرية نحو الله عز وجل أو الصحوة الدينية العالمية، وثانيها بداية هجرة البشرية نحو الحرية السياسية أو الصحوة الديمقراطية العالمية، وثالثها بداية هجرة الحضارة المادية نحو الشرق، المرجح أن تصبح الصين الكونفوشيوسية والهند الهندوسية القائدة للحضارة بعد ثلاثينيات هذا القرن.ورابع هذه السنن التاريخية الصارمة بداية هجرة الدولة الوطنية نحو الدولة العابرة للأوطان. قانون ميلاد دولة التكتلات الكبرى. وأحسن مثال لها الاتحاد الأوروبي.كما أن الصين والهند هي في الأصل دول كتل عملاقة.
ما يهمنا من هذه السنن التاريخية بداية هجرة الشعوب نحو الحرية السياسية أو الصحوة الديمقراطية العالمية. أي الشوق السياسي الشديد للشعوب لاسترجاع ملكيتها في صناعة القرار السياسي بأوطانها، بعد احتكار طويل لهذه الصناعة من طرف الحكام الطغاة. فالربيع الديمقراطي هو التعبير التاريخي على هذه الرغبة الشديدة للشعوب في الانعتاق من الاستبداد السياسي وطبائع الاستبداد الشامل. والربيع الديمقراطي كائن سياسي راحل في الزمان بامتياز، وعمره يناهز الثلاثة قرون من العصر الحديث. فتنقله بين الشعوب يأخذ خطا منكسرا، لكنه في شكل خط حلزوني صاعد رغم الانكسارات والتوقفات التي تصيبه في سيره العنيد نحو الحرية.
وآخر استئناف لرحلة الربيع الديمقراطي تعود إلى سبعينات القرن العشرين، حيث حط الربيع الديمقراطي في بيئة أوروبا الجنوبية فحرر شعوب البرتغال واسبانيا واليونان وغيرها إذ خلصها من الاستبداد وغرس شجرة الحرية والديمقراطية. ثم رحل إلى أمريكا اللاتينية في عقد الثمانينات ليخلصها من الأنظمة الفاشية هناك. ثم رحل إلى أوروبا الشرقية في عقد التسعينات من القرن الماضي فأجهز على الاستبداد الشيوعي وقضى على أنظمة الحزب الواحد وأشاع بدلها تعددية في كل شيء. ثم انتقل نحو بيئة جنوب شرق آسيا فأسقط نظام سوهارطو بأندونيسيا ليختم رحلته في القرن العشرين بإسقاط نظام الأبارتايد في جنوب أفريقيا مع انتصار ثورة نلسون مانديلا.
وها هو الربيع الديمقراطي يحط في بيئتنا العربية في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، مجدداً بنا مسيرته في هذا القرن. إنها سنن الله في التاريخ. فماذا نقصد بسنة الديمقراطية كسنة تاريخية؟ وما مكوناتها ؟
السنة التاريخية عموماً هي شوق عميق وعطش زائد عند أمة ما أو عدة أمم لاسترجاع قيمة مركزية مفقودة أو إعادة بنائها؛ قيمة تحولت إلى مطلب ملح جداً في النفسية الجمعية لشعب ما، كقيم: الحرية والديمقراطية والعزة والكرامة والآدمية والتنمية والعمران والشهود الحضاري. فتتحول الرغبة والعطش لإرادة جمعية، والإرادة تتحول لقدرة جمعية عند تلك الأمم أو الشعوب.
فالربيع الديمقراطي العربي سنة تاريخية تعبر عن شوق الشعب العربي الشديد لاسترجاع القيم المركزية المفقودة منذ قرون وليس فقط عقود؛ قيم الحرية والعزة والآدمية الحقة والتنمية الشاملة. وهذا هو المكون الأول من مكونات سنة الربيع الديمقراطي العربي.
أما المكون الثاني لهذه السنة فهو تراكم القهر السياسي والاجتماعي والنفسي في كيان شعبنا العربي؛ قهر مارسه الغزاة من الخارج والطغاة في الداخل منذ أكثر من قرن من الزمان، ومن جهة ثانية تراكم الوعي والغضب واستنكار هذا الطغيان السياسي في الكيان النفسي للمجتمع. هذا التراكم الكمي في القهر والغضب غير النشيط خلال عقود، يتحول إلى تغير كيفي أو نوعي نشيط في لحظة فارقة. كالماء ذو الطبيعة السائلة تتراكم فيه الحرارة إلى درجة المائة فيحدث التغير الكيفي وهو تحول الماء السائل إلى غاز البخار، وما أدراك ما قوة البخار كقوة محركة للثورة الصناعية في جيلها الأول؟؟؟ والتحول الكيفي هو المكون الثالث لسنة الديمقراطية كسنة تاريخية؛ التحول الكيفي عند شعبنا العربي هو ثورة الغضب على القهر بكل أشكاله قصد إشباع حاجته الملحة إلى العزة والحرية والديمقراطية والعيش الكريم. لكن تحول الشعب العربي من الوضع التاريخي غير النشيط لعقود إلى الوضع التاريخي النشيط يتطلب تغيرا عميقا في قوانين النفس الجمعية للأمة أو الشعب. إنه الضابط النفسي الجمعي الجديد للحالة الثورية عند شعبنا العربي. كيفما كانت عقيدة الإنسان فهو تركيبة آدمية من ثلاث قوى جبارة تقود نشاطه فردا أو جماعة؛ نشاطه الذهني والعضلي والتاريخي وهذه القوى هي: قوة العقل وقوة الشهوة وقوة العزة. ففي فترة استحكام قوة الطغاة غالباً ما يتزامن معها استحكام آفة الخوف في نفوس أبناء الشعب الواحد. وغالباً ما تكون القيادة للكيان الآدمي إما لقوة العقل أولقوة الشهوة أولهما معاً، مع تواري كبير لقوة العزة عن القيادة . ففي وضعية استحكام الخوف فإن أفراد الشعب الواحد يتجنبون التفكير في أمر الثورة أو الخروج على الطاغية المستبد، لأن ذلك غير مقبول بمنطق العقل، حيث موازين التدافع مختلة لصالح الطاغية المستبد، وإن حكَّموا شهوتهم ومصلحتهم الذاتية وأعلاها حب البقاء بدل الموت في سبيل الحرية، فإنهم لن يغامروا أبداً، ولأدبروا وما أقدموا.
لكن الحالة المدهشة والرائعة هي حالة الإقدام لا الإدبار عند ثوار الربيع الديمقراطي في الوطن العربي، في تونس ومصر وليبيا واليمن، وبلغ الإقدام أوجه، على الشهادة من أجل قيم العزة والحرية والديمقراطية، في الثورة السورية. لقد أحرق ثوار الربيع الديمقراطي سفينة الخوف، تحت شعار (( الموت ولا المذلة)). باختصار لم تعد قوة الشهوة أو قوة العقل هي القائدة للنفس العربية الثائرة، بل تسلمت قوة العزة القيادة، وأصبح العقل مساعدا وتوارت قوة الشهوة وحب الذات إلى الخلف.
فلو حسب الثوار السوريون بمنطق العقل والمنطق الرياضي وقوة الشهوة ما يجري من إجرام من طرف النظام السوري لانسحبوا جميعا من الميادين، لكن تسلم قوة العزة القيادة هي التي حالت دون عودتهم لبيوتهم، والتصميم على مواجهة رصاص النظام بصدور عارية وبدون سلاح يذكر. إنه القانون النفسي للثورات وللربيع الديمقراطي العربي. إنه القانون السحري لنجاح الشعوب في ثوراتها العظيمة قديماً وحديثاً ومستقبلاً.(( لا يغير الله بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم))
أما المكون الرابع للصحوة الديمقراطية العربية كسنة تاريخية فهو المكون السياسي: فمنذ منتصف القرن العشرين إلى الآن اعتمد العرب للتحرر، من قهر الغزاة الخارجيين وقهر الطغاة من الحكام المستبدين في الداخل، رأسيْن في المقاومة والتدافع:
رأس مسلح ضد المحتل لأرضنا بالدبابة كما حدث مع حركات التحرر العربي ضد موجة الاستعمار الأولى في القرن التاسع عشر والعشرين، وضد الغزو العسكري لأفغانستان والعراق في الموجة الثانية في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين. لقد أفلح الرأس المسلح في هزيمة الغزاة وطردهم من أراضينا في الموجة الأولى للمقاومة والموجة الثانية لها والتي بدأت مع الجهاد الأفغاني ضد السوقيات، مروراً بالمقاومة الفلسطينية في جيلها الثاني مع حماس. لقد نجح الرأس المسلح في هزيمة الغزاة فعلاً، ونجحت المقاومة الفلسطينية في هزيمة شارون في قطاع غزة. ونجحت المقاومة العراقية السنية في هزيمة المشروع الأمريكي في العراق، والمقاومة الأفغانية في طريقها لهزيمة الأمريكان بعد هزيمتها النكراء للسوفيات قبل ذلك.
لكن الأهم هو اقتناع تيار عريض من المقاومة الإسلامية بتوظيف الرأس المسلح للإطاحة بالطغاة في الداخل بعد نجاحه في الإطاحة بالغزاة من الخارج. فاعتمد الجهاد والتطرف والعنف المسلح للإطاحة بحكامنا الطغاة؟ لكن الحصيلة المفجعة كانت فشلا مدويا للرأس المسلح وتحوله إلى عنف أعمى وإلى فتنة داخلية وإرهاب للمجتمع والدولة معاً كما حدث مع الجماعات التكفيرية في مصر وتنظيم القاعدة في الوطن العربي.
الربيع الديمقراطي العربي هو الوعي الحاد لشعبنا العربي العظيم بفشل الرأس المسلح في الإطاحة بحكامنا المستبدين وتحرير مجتمعاتنا من القهر السياسي والاجتماعي. فقدم العلاج الناجع والناجح في التحرر من الاستبداد السياسي: إنها الثورة الشعبية السلمية، تحت شعار ((سلمية... سلمية)). الربيع الديمقراطي العربي هو في الوعي السياسي استبدال الرأس المسلح بالرأس المدني في التدافع من أجل العزة والحرية والديمقراطية والعيش الكريم للشعوب العربية. إنه تحول استراتيجي في أسلوب التدافع بمنطقتنا العربية، سيساعد هذا التحول الجذري في المقاومة إلى انهيار سريع لتنظيم القاعدة والتيارات المتطرفة في المنطقة.

2. مقاصد الربيع الديمقراطي العربي
للربيع الديمقراطي مقاصد أربعة: أولها إنتاج السلطة وإعادة توزيعها، وثانيها إنتاج الثروة وإعادة توزيعها، وثالثها إنتاج القيم المركزية وإعادة توزيعها، ورابعها إنتاج المفاهيم الفكرية المركزية وإعادة توزيعها.
المقصد الأول: إنتاج السلطة وإعادة توزيعها:
يعني هذا المقصد في الربيع العربي الانتقال من الحكم الفردي إلى الحكم الديمقراطي، وإرساء أسس البناء الديمقراطي الحديث: ووتتمثل هذه الأسس في المبادئ المركزية التالية:
مبدأ القانونية وهو المتعارف عليه بدولة القانون؛ دولةٌ تطلّق بالثلاث تعليمات الزعيم ومزاج الزعيم كما هو متعارف عليه عند الحكام العرب قبل الربيع. بالمناسبة فقد كانت دولة الشريعة منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى سقوطها في العصر الحديث دولة قانون. فمهما كان طغيان السلاطين والخلفاء المسلمين لم يجرؤ أحد على تجاوز الشرع الإسلامي أي القانون.لكن مع الاستعمار ورث الحكام سلطة المستعمر التي همشت القانون الإسلامي في الحكم. فانهار مبدأ سيادة القانون في دولنا.
مبدأ سيادة الشعب، فالمصدر الوحيد لكل مجالات السلطة وممارستها هو الشعب أوالأمة، وعدد السلط في بيئتنا العربية الإسلامية خمس هي: السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية والسلطة الدينية وسلطة المجتمع المدني.
فقبل الربيع الديمقراطي كانت السلط الأربع الأولى محتكرة من طرف الحكام: فهو القاضي الأول والمشرع الأول والمنفذ الأول والإمام الأول، أما سلطة المجتمع المدني فضامرة أولا وجود لها في مجتمعاتنا.
مبدأ فصل السلط، ففصل السلطة التشريعية عن القضائية عن التنفيذية أمر سياسي ضروري للحفاظ على استقلالية السلط عن بعضها البعض، والحفاظ على توازنها لضمان الممارسة العادلة للسلطة. وللحيلولة دون تغوُّل السلطة التنفيذية كما هو سائد في أنظمتنا المستبدة. وبالمناسبة فقد عرفت الدولة الإسلامية في عصور الازدهار حدا أدنى من مبدأ فصل السلط. فمؤسسة الفتوى أو السلطة التشريعية كانت مستقلة عن مؤسسة القضاء وعن الحاكم، وسلطة القضاء الزاهر كانت مستقلة بدرجة عالية عن السلاطين والخلفاء كممثلين للسلطة التنفيذية. لقد ضاع مبدأ فصل السلط هذا مع دولة الاستقلال حيث احتكر الحكام كل السلط حتى جاء زمن الربيع الديمقراطي هذا.
مبدأ التعددية وحق الاختلاف، فمن أسس البناء الديمقراطي الحديث الإيمان القوي عند المجتمع الديمقراطي أن لا أحد يحتكر الحقيقة الكاملة. فالحق والباطل والصواب والخطأ والحقيقة والوهم أمور حاضرة بمقادير مختلفة في كل المدارس الفكرية والأيديولوجية والسياسية مهما بلغت من الرشد والسداد. بمعنى آخر في المجتمع والدولة الديمقراطييْن نوسع من درجة الحق والصواب والحقيقة فقط عن طريق الحوار الذي يقلص من درجة الاختلاف في الرأي والموقف. ومن هنا تم التأكيد على الحق في الاختلاف والتعددية الفكرية والسياسية والتنظيمية للمجتمع. وحق الاعتراض والمعارضة للحاكم مهما كان عدله ورشده. وهو ما غاب مع عصر الطغيان السياسي في وطننا العربي.
فالربيع الديمقراطي العربي يريد إعادة إنتاج السلطة في مبادئها الكبرى: مبدأ القانونية ومبدأ سيادة الشعب ومبدأ فصل السلط ومبدأ التعددية الحقيقية. وإعادة توزيعها بشكل عادل على فئات المجتمع. وهناك ثلاثة أشكال رئيسية من الأنظمة السياسية لإعادة توزيع السلطة: نظام سياسي رئاسي، نظام سياسي شبه رئاسي ونظام سياسي برلماني أونيابي. وبهذا المقصد نحقق الجيل الأول من حقوق الإنسان، الحقوق السياسية والمدنية.
المقصد الثاني: إنتاج الثروة وإعادة توزيعها:
هذا المقصد هو تعبير عن جزء من الجيل الثاني لحقوق الإنسان، وهي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للشعوب. فشعبنا العربي يعاني من العجز في إنتاج الثروة المادية والفساد المهول في توزيع المتوفر منها على فئات وطبقات المجتمع. فنحن مجتمع عربي عاجز عن تحقيق الأمن الاقتصادي والاجتماعي، ونحن نعاني من الفقر والجهل والمرض، ونحن مستوردين كبار للتقنية والغذاء من الخارج، فلا ربيع عربي بدون امتلاكنا لناصية العلم والتكنولوجية، ولا ربيع عربي بدون التحكم في مواردنا المادية والبشرية وتوجيهها لتحقيق الأمن العربي الشامل، ولا ربيع حقيقي بدون إنتاج الثروة وتوزيع عادل للثروة القومية لوطننا العربي. إن الربيع الديمقراطي هو الطريق إلى العيش الكريم للمواطن العربي.
المقصد الثالث: إنتاج القيم المركزية القائدة وإعادة توزيعها:
القيمة القائدة في تعريفي معتقد ديني أو فلسفي يبلغ درجة التقديس عند أمة معينة أو عند حضارة ما. والقيم بقدسيتها تتحول إلى مبادئ حاكمة لسلوك الأفراد والجماعات داخل الهوية الواحدة، فهي الضابطة لنمط العيش أو أسلوب الحياة عند الأمة الواحدة والحضارة الواحدة.
والربيع الديمقراطي مطالب برسم خريطة طريق لحزم القيم القائدة للأمة العربية في مرحلة انتقالها من عصر الصحوة إلى عصر النهضة.
فإنتاج السلطة والثروة وإعادة توزيعهما بشكل عادل سينتج عنه إنتاج وإعادة توزيع عدد من الحزم القائدة على المجتمع والدولة: كحزمة قيم العزة، وهي حزمة مكونة من قيمة الحرية وقيمة الكرامة وقيمة العفة وقيمة الآدمية. وحزمة قيم الأخوة، وهي حزمة مكونة من قيمة الانتماء للدين والأمة والوطن، وقيمة الولاء لها وقيمة الوفاء في الولاء والانتماء لها.
ومادام الربيع الديمقراطي العربي هو ربيع إسلامي بلا شك فإنه سيعيد إنتاج حزمة قيم الإيمان بقوة. وهي حزمة مكونة من قيمة الألوهية وقيمة الربوبية وقيمة العبودية الآن وقيمة الحاكمية ولو بعد حين. والربيع مطالب بإعادة إنتاج حزمة قيم العمران، وهي حزمة مكونة من قيمة العمل وقيمة العقل وقيمة العلم وقيمة الإنتاج وقيمة الوقت وقيمة النظام.
ولضمان استمرارية قيادة القيم القائدة فلا بد من مأسسة خريطة حزم القيم الأربع، حزمة قيم الإيمان وحزمة قيم العمران وحزمة قيم الأخوة وحزمة قيم العزة، فهي شرط أساسي للإقلاع الحضاري لأمتنا.
المقصد الرابع: إنتاج المفاهيم الفكرية وإعادة إنتاجها:
من المؤكد أن الثورة الديمقراطية العربية مسبوقة وجوباً بإصلاح فكري وثقافي عميق وسط الصفوة والأمة، فلا ثورة سياسية بدون ثورة فكرية سابقة لها تساعد الكتلة الجماهيرية الثائرة على صياغة شعارات الثورة وأهدافها ومقاصدها الكبرى، لكن الحركة التاريخية للأمة العربية بعد تفجر الربيع هي أسرع بكثير من حركة فكر النخبة أو الصفوة اليوم.
فعلى الصفوة المفكرة في وطننا العربي العكوف على حصر المفاهيم القائدة لعملية الانتقال من عصر الصحوة إلى عصر النهضة، ووضع خريطة طريق للمفاهيم المركزية القائدة في كل المجالات الكبرى، كالمجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتنظيمي المؤسساتي والقانوني والحقوقي وغير ذلك من المجالات. والأولوية اليوم لمفاهيم الفكر السياسي الملائم للربيع الديمقراطي، بنقد مفاهيم الفقه السياسي القديم والحديث، بنقد ما يمكن نقده أو نقضه، أو تجديده أو إبداعه وبناؤه.
ومن المفاهيم السياسية المركزية التي علينا كنخبة مفكرة تحرير المقال فيها، مفهوم الدولة المنشودة بعد الربيع الديمقراطي الجاري. أنريدها دولة دينية أم دولة علمانية أم دولة مدنية أم دولة إسلامية؟ فهذه هي أشكال الدولة التي عرفها التاريخ البشري على امتداد الخط الزمني للشعوب. وتتحدد معالم كل دولة انطلاقا من طبيعة العلاقة التي تقوم فيها بين السياسة والقداسة؛ السياسة باعتبارها قرارا قابلا للنقد والنقض، والقداسة باعتبارها قرارا غير قابل لا للنقد ولا للنقض.
ففي الدولة الدينية تقوم العلاقة على تبعية السياسة للقداسة، وفي الدولة العلمانية العلاقة قائمة على فصل الدين عن السياسة، وفي الدولة المدنية العلاقة هي فصل السياسة عن القداسة، وفي الدولة الإسلامية العلاقة هي الشراكة بين السياسة والقداسة.
والدولة الدينية هي أول شكل للدولة في التاريخ البشري، وفيها كانت الدولة هي الحاكم والحاكم هو الدولة، وكان الحاكم إلهاً أو ممثل الإله. فالفرعون كان حاكما وإلهاً. فهو حاكم مقدس ومعصوم من الخطأ والذنب في العرف السياسي والأيديولوجية المهيمنة على ذهنية الشعب المصري. فكل قراراته السياسية مقدسة وغير قابلة للنقد أو النقض، وفي هذه الحالة تكون السياسة في تبعية تامة للقداسة، وهذا هو جوهر الدولة الدينية. والدولة الدينية اليوم لا وجود لها إلا في الفاتيكان وإيران(دولة ولاية الفقيه). وكل من يدعو لقيام الدولة الدينية مع هذا الربيع المبارك فهو غير مبارك بالتأكيد. فالدولة الدينية خطأ قاتل لنهضتنا. والدعوة لدولة دينية خراب عمران، ونفس الموقف ينطبق على الدولة العلمانية والدعوة إليها.
إن تاريخ ميلاد الدولة العلمانية هو العصر الحديث الأوروبي، عصر الثورة الصناعية والثورة الفرنسية خلال القرن الثامن عشر الميلادي. لقد أصدرت الحداثة كفلسفة ومشروع لنهضة أوروبا في العصر الحديث حكما واقعياً على العصر الوسيط الأوروبي، فاعتبرته عصر انحطاط حضاري لشعوب أوربا، وعصر ظلمات وهو كذلك. وحملت تحالف الكنيسة والإقطاع مسؤولية ذلك الانحطاط. ورأت أن الحل للخروج من عصر الظلمات ودخول عصر النهوض الحضاري هو القطع نهائياً مع المتسببين في هذا الانحطاط أي الكنيسة والإقطاع. ولهذا سيتم فصل الدين عن الدنيا والكنيسة والدين المسيحي عن ممارسة السياسة أو التدخل في شؤون الدولة، وهو موقف أصيل ومناسب للتجربة المسيحية البالغة السوء في العصر الوسيط.
لكن هل دعوة العلمانيين العرب إلى فصل الدين الإسلامي عن السياسة وعن ممارسة شؤون الدولة في البيئة الإسلامية موقف أصيل مثله مثل موقف العلمانيين في الغرب؟ الجواب قطعاً لا. لأن تجربة الدين الإسلامي في العصر الوسيط تتعارض تماماً مع تجربة الدين المسيحي، فالإسلام بنى حضارة عملاقة اسمها الحضارة الإسلامية، كانت الحضارة الأكثر رقياً وتقدماً في عصرها، فمع الإسلام كان الرقي الحضاري، لذا فالدعوة إلى إبعاد الإسلام عن السياسة والدولة كلام لا يستقيم أبداً في البيئة الإسلامية. لقد جربنا الدولة العلمانية أثناء الاستعمار لأوطاننا واستمرت الدولة العلمانية في عهد الاستقلال، بعد إبعاد الشريعة الإسلامية من كل شيء ماعدا مسائل الأحوال الشخصية. ومع ذلك لم نتقدم ولم تزدهر شعوبنا، والمثال الأوضح كان مع دول التيارات القومية العربية العلمانية البعثية وغيرها؛ في سوريا والعراق ومصر الناصرية واليمن والجزائر وليبيا وغيرها. لقد كانت الدولة العلمانية وبالاً على شعوبنا. والدعوة إلى الدولة العلمانية في عصر الربيع الديمقراطي كارثة بكل معاني الكلمة، فالدولة الدينية والدولة العلمانية اليوم شر سياسي مستطير.
يبقى لنا فقط الاختيار بين الدولة المدنية الخالصة والدولة الإسلامية لإنجاز مهام ومقاصد الربيع الديمقراطي العربي؟
ففي الدولة المدنية يتم الفصل بين السياسة والقداسة، فالدولة العلمانية هي أيضاً دولة مدنية لكن مرجعيتها الأيديولوجية لا دينية وجوباً. والدولة الإسلامية دولة مدنية لكن أيدلوجيتها إسلامية وجوباً. أما الدولة المدنية الخالصة فهي دولة مدنية بمرجعية أيديولوجية لا دينية أو دينية اختياراً؛ بمعنى أن مرجعيتها متحركة في التاريخ وفق إرادة شعوبنا في المرجعية التي يختارها لدولته.
لكن جوهر الدولة المدنية سواء أكانت علمانية أو إسلامية هو رفض أية قدسية على صناعة القرار السياسي في الدولة؛ بمعنى أن فتاوي العلماء السياسية والبرامج الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والثقافية وغيرها التي تتقدم بها الأحزاب الإسلامية الحاكمة اليوم أوغداً لا قدسية لها حتى وإن اعتمدت في مرجعتها النص القرآني. فكل ما يقدم من برامج وقرارات سياسية هو اجتهاد بشري مدني، يؤخذ منه ويرد. لسبب بسيط هو أن النص القرآني خصوصاً في قضايا العمران لا الشعائر الدينية حمال أوجه: فقد نعتمد نفس الآية في استنباط برنامجين مختلفين.
وفي تقديري أن الدولة المطلوبة اليوم في عصر الربيع الديمقراطي هي الدولة المدنية بمرجعية إسلامية اختياراً لا إجباراً. أي نختارها بإرادة شعوبنا لا أن نرغم شعوبنا عليها إرغاماً. لأنه ((لا إكراه في الدين))، ولأن ذلك يتعارض مع مبدأ السلطة للشعب أو الأمة. فالقرار السياسي في الدولة المدنية قابل للنقد والنقض مها كانت مرجعيته الدينية أو اللا دينية. لأنه اجتهاد بشري ليس إلا.

3. ثمار الربيع الديمقراطي الأولية بداية الانتقال من عصر الصحوة إلى عصر النهضة
الربيع الديمقراطي زلزال تاريخي ضخم أصاب المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج. وهو ثاني أكبر ثورة للعرب كأمة بعد ثورة العرب الأولى مع البعثة المحمدية قبل خمسة عشر قرنا من الزمان. فما هي الثمار الأولى لهذه الثورة العربية الديمقراطية الجارية اليوم؟
الجواب يتطلب تحديد الفرص والتهديدات لما قبل الربيع الديمقراطي، ففي تقديري أن أمتنا كانت تعاني من أربعة عوامل تمثل تهديداً لنهضتها، وتمتلك أربعة عوامل تمثل فرصاً لنهضتها.
تجسدت التهديدات الأربع في الغزاة والطغاة والغلاة والشتات.وتجسدت الفرص في هجرات أربع: بداية الهجرة نحو الله أو الصحوة الدينية العالمية، بداية الهجرة نحو الحرية السياسية أو الصحوة الديمقراطية العالمية، وبداية هجرة الحضارة المادية من الغرب نحو الشرق. وبداية هجرة الدولة الوطنية نحو الدولة العابرة للأوطان أو ميلاد دولة التكتلات.
فعلى أساس هذا الرصد يمكن الحديث بصورة أولية عن الثمار التالية:
أولها انتصار قوة العزة في وطننا العربي، وميلاد الرقابة الشعبية على أداء الحكام:
إن أول حصيلة عملية للربيع الديمقراطي هي ميلاد حقيقي لسلطة المجتمع المدني، أي خروج شعبنا العربي من ثقافة الوهن والمغلوبية والسلبية إلى ثقافة العزة والهمة، خروجه من نفسية الخوف من الحاكم وأدوات قمعه الرهيبة إلى نفسية الشجاعة والإقدام والثقة بالنفس. لقد طلق شعبنا العربي إلى غير رجعة إن شاء الله حالة الخضوع والخنوع للحكام المستبدين. والحصيلة السياسية المباشرة لكل هذا ميلاد آلية الرقابة الشعبية المباشرة لجماهيرنا على سير أعمال الدولة ومسؤوليها. رقابة تتم ممارستها من خلال التظاهر في ميادين التحرير وأيام التحرير وبالخصوص يوم التحرير العظيم يوم الجمعة من كل أسبوع. بل إن هذه الرقابة الشعبية هي الضامن الأساسي بعد الله عز وجل ورقابة المؤسسات لينجز الربيع الديمقراطي العربي مقاصده الكبرى المسطرة أعلاه. إنها خبرة سياسية جديدة ونوعية تضاف لكل منجزات الثورات الديمقراطية منذ القرن الثامن عشر حتى الآن.
فتفجر طاقة العزة فينا اليوم حالة ثورية قد لا تدوم، بل قد تتبدد وتتلاشى مع الزمان، لذا فمن الضروري جداً مأسستها في آليات وهيئات مدنية وحكومية للرقابة، تكون محفوظة بأحكام الدستور.
ثانيها اتساع حجم ومساحة الهجرة نحو الله والهجرة نحو الحرية السياسية:
منذ قيام الثورة الفرنسية العلمانية تم الحكم على الدين بالنفي من الحياة السياسية، ومنذ قيام الثورة الشيوعية الروسية الأكثر تشدداً تم الحكم على الدين بالإعدام حينما أعلن أن الدين الرسمي للدولة هو الإلحاد. وظل الدين في منفاه أوفي زنزانة الإعدام إلى عقد الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين عقد انهيار الشيوعية. لقد عاد الدين من منفاه وخرج منتصراً من زنزانة الإعدام. لقد بدأت العودة بكثافة للدين بالملايين في الغرب والشرق معاً. وأقصد بالدين الإيمان الجديد عند الملايين بوجود قوة غيبية تحكم هذا الكون، الإيمان من جديد بوجود الله سبحانه ووجود الغيب بدل الإلحاد كعقيدة مستحدثة، إنها الصحوة الدينية العالمية. والعودة إلى الدين الإسلامي وسط المسلمين كانت وما زالت الأكثر سرعة وكثافة.
في تقديري أن الصحوة الديمقراطية العربية ستقوي الصحوة الإسلامية عمودياً وأفقياً؛ عمودياً يعني مزيد من الفهم الراشد لهذا الدين العظيم، وأفقياً التحاق سريع لفئات عديدة بالدين الإسلامي وبمزيد من الالتزام بأحكامه السمحة.
فالتوسع الكمي والنوعي للصحوتان الإسلامية والديمقراطية سيكون إحدى الثمار الحلوة للربيع العربي. وخصوصاً أنه ترافق مع ربيع إسلامي بوصول الحركات الإسلامية لسدة الحكم في شمال إفريقيا بالخصوص. وأرجح نفس الحالة في اليمن وسوريا في غرب آسيا بعد نجاح ثورتيْهما المباركتين.
ثالثها بداية انكماش قوة الغزاة والطغاة والغلاة كتهديدات:
من الثمار الأولية للربيع الديمقراطي بداية تراجع قدرة الغرب الغازي على تنفيذ مخططاته المعادية لنهضة أمتنا العربية؛ إذ سيبدأ مفهوم القوة الدولية الغربية في التراجع حتماً. ففي بداية القرن العشرين كان الغزاة الغربيون يمتلكون مفهوم القوة الدولية بالكامل دون نقصان. بمعنى كانوا يضعون الهدف والخطة في بلادنا وينفذونها بالكامل؛ لقد وضعوا هدف تقسيم المشرق العربي في سايكس بيكو وخططوا لإقامة الكيان الصهيوني في فلسطين ونفذوا الخطة بالتمام. ذلك هو معنى مفهوم القوة الدولية المطلق. لكن منذ إحياء فريضة الجهاد في سبعينات وثمانينات القرن الماضي وفي بداية العقد الأول لهذا القرن بفلسطين والعراق وأفغانستان بدأ مفهوم القوة الغربية المطلق يتآكل بالتدريج. وأرجح بشكل كبير أن مفهوم القوة الدولية الغربي سيتراجع بوتيرة سريعة مع ميلاد العصر الديمقراطي للشعب العربي. وبدأ أفول عهد الطغاة الذين كانوا حليفاَ حقيقياً لمصالح الغزاة في بلادنا. وتراجع الطغاة في وطننا العربي هو الثمرة الثانية الكبرى للربيع الديمقراطي. والطغيان السياسي كان تهديداً حقيقياً لنهوضنا الحضاري.
ومن الثمار الأولية للربيع بداية تراجع قوة الغلاة إسلاميين كانوا أو علمانيين. لقد كان التيار السلفي بشكل عام يرفض الديمقراطية الغربية وكل منتجاتها، كالحزب والنقابة والمنظمة الحقوقية والنسائية ويرفض الإضراب والمسيرة الشعبية ويرفض البرلمان والانتخابات وغيرها من منتجات الديمقراطية، ويعتبر كل ذلك كفرا لأن الغرب أمة كافرة. واليوم المدرسة السلفية في مصر وخارج مصر تتراجع عن هذا الحكم وتحل الديمقراطية بل وتدخل قبة البرلمان المصري. وهذا نضج سياسي وتاريخي كبير في الصحوة الإسلامية الجارية، نحيي فيه السلفية تحية كاملة. هذا النضج السياسي سينتهي باندحار التيارات الإسلامية الإرهابية على المدى المتوسط بما فيها تيار القاعدة. وبالخصوص في مواجهته العنيفة للطغاة وليس الغزاة. ونفس الحالة تنطبق على العلمانيين الاستئصالين، لقد اندحروا في الميدان، بل إن استمرار بعض التيارات العلمانية في الدعوة لإبعاد الإسلام عن التدخل في الحياة السياسية هو غلو كبير، ستكون نتيجته انهيارها في المنطقة العربية، بل إن نجاح التجربة الديمقراطية في مصر قد ينتهي في مصر ومحيطها العربي على المدى الطويل إلى احتكار ديمقراطي في التناوب على السلطة السياسية بين مدرستين فكريتين إسلاميتين كبيرتين: هما المدرسة الإخوانية والمدرسة السلفية فقط، على نموذج الثنائية الحزبية في الولايات المتحدة وأنلجترا. وربما انهيار المدرسة العلمانية في الساحة مع استمرار شكلي لها في هيئة أحزاب ومنظمات ضعيفة للغاية. وانهيارها ستتحمل فيها المسؤولية لوحدها. هذا ربما هومنطق التاريخ السياسي الجديد بعد الربيع الديمقراطي. وفي كل هذا قوة إضافية لصالح فرص النهضة العربية الإسلامية الثانية.
رابعها بداية تصالح المسلمين مع القيم الإنسانية في الحداثة الغربية وبداية تصالح الحداثة الغربية مع الإسلام:
الحداثة في تعريفي مكونات سبعة: المكون التنظيمي للحداثة هو العلمانية، والمكون السياسي للحداثة هو الديمقراطية، والمكون الاقتصادي للحداثة هو الرأسمالية، والمكون الاجتماعي للحداثة هو الفردانية، والمكون الفكري للحداثة هو العقلانية، والمكون النفسي للحداثة هو الشهوانية، والمكون الإقليمي للحداثة هو الوطنية أو القومية. فلا تعارض تاما وكاملا مع الحداثة عند المسلمين إلا في المكون التنظيمي أي العلمانية. فهي مرفوضة بالمطلق بل كارثة على بيئتنا الإسلامية. ما عدا ذلك يمكن البحث عن مساحات كبيرة للتوافق بين الإسلام والحداثة، أما مكونها السياسي أي الديمقراطية فالمسلمون والإسلاميون اليوم يستشهدون من أجله في سوريا وفي كل الثورات الجارية.
إن تخلي التيار السلفي الكبير على حكم تحريم الديمقراطية ومنتجاتها المذكورة أعلاه، هوبداية تصالح المسلمين مع كل ما هو إيجابي وذو قيمة إنسانية في الحداثة الغربية، بل إن الثورات العربية الجارية اليوم تقدم أغلى ما عندها من أجل انتصار قيم مصدرها الحضارة الغربية. فالديمقراطية الحقة، وهي منتج غربي، هي الدافع السياسي الأساس لاستشهاد عشرات الآلاف من الثوار العرب والمسلمين في سوريا وليبيا واليمن ومصر وتونس وغيرها. وهذا هو التعبير التاريخي الملموس على بداية تصالح المسلمين والإسلاميين مع الوجه المشرق في الحداثة الغربية وترك الغث منها. وبالمقابل بدأ الغرب يكيف إستراتيجيته التي كانت وما تزال تعتبر الإسلام العدو الأول لحضارتهم. لكن الاعتراف بوصول الإسلاميين للسلطة وإبداء الرغبة في التعامل معهم مهم للغاية في طريق تصالح الغرب مع الإسلام كدين غير قابل للهزيمة على المدى البعيد.
ولعل ذلك يساعدنا نحن المسلمون ويساعد الغرب على إنجاز تسوية تاريخية بين الإسلام والحداثة الغربية تنهي ألف سنة من الصدام الحضاري بينهما، من أجل صرح حضاري جديد على الأقل بين ضفتي البحر المتوسط خلال هذا القرن؟ وهذا ممكن لحاجة الضفة الشمالية الغربية الحداثية لديموغرافية الضفة الجنوبية الشرقية خلال هذا القرن كقوة ذهنية وعضلية معاً.
لكن تحقيق كل هذه الأحلام المحمودة يتطلب من الضفة الجنوبية الشرقية الانتقال من عصر الصحوة إلى عصر النهضة.
من مرحلة بناء الإيمان إلى مرحلة بناء العمران مرواً ببناء الديمقراطي. وليتم إنجاز هذا الحلم العظيم فنحن أبناء الربيع الديمقراطي العربي مطالبون بإنجاز مهام ثلاث صحوات؛ تعميق الصحوة الدينية الجارية فينا منذ عقود، تعميق الصحوة الديمقراطية الجارية فينا منذ شهور، لكن ذلك غير كاف بدون صحوة قومية في المنطقة العربية، صحوة تنتهي بنا إلى هجرة الدولة الوطنية القطرية نحو الدولة العابرة للأقطار؛ أي بناء دولة التكتلات الجهوية الكبرى كالاتحاد المغاربي وغيره، لأن العصر عصر التكتلات الكبرى، ولا حياة كريمة للدول الصغيرة في القرن الواحد والعشرين، فالصين الكونفوشيوسية والهند الهندوسية ستصبح في منتصف هذا القرن القوة القائدة للحضارة، بفضل التكتل الديموغرافي العملاق في كيان سياسي واحد ووطن وحضارة واحدة.
ومن هنا تأتي أهمية مباشرة تشبيك المجمع المدني في منطقتين كبيرتين:منطقة عرب إفريقيا ومنطقة عرب آسيا.حتى نضمن لنا كأمة عظيمة بصمة إسلامية على الحضارة العالمية في منتصف هذا القرن إن شاء الله.



العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان