د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

شرعية الثورة أواختراقات العلمانية في مجال الفتوى

2/13/2011

د. يحيى هاشم فرغل :

بالرغم من ان العلمانية لا دين إلهيا لها فقد وجدناها وهي بصدد التخطيط لضرب ثورة 25 يناير تلجأ إلى جنرالات الأوقاف وعلماء السلطة لإذاعة فتواهم بتحريم الثورة باعتبارها فتنة ،والفتنة لعن الله من أيقظها مما تلقفه بعض ربات البيوت – من بعض الرجال والنساء – بعد أن أشاعوا- في بداية أمرالثورة - جوا من التجاهل الإعلامي والجبن الأخلاقي متجاهلين ما يعلمه كثير منهم من أن الفتنة إنما تكون كذلك بضوابط أقلها أن تكون خروجا بالسلاح ، وهو ما برئت منه ثورة 25 يناير ، فضلا عن كونها إنما كانت خروجا سلميا على المتغلب لا على ولي الأمر الشرعي ، وشرعية ولي الأمر إنما تكون محكومة بإطار طاعة الله ورسوله وهم يعلمون أن المتغلب إنما جاء بقهر السيف وتزوير البيعة والتمرد على شرع الله والكفر البواح بتعطيل أحكامه اختيارا ، وأنها أي الفتنة الملعونة شرعا لا يمكن أن تتسق مع دين يجعل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فرائضه الأساسية وهي الفريضة التي تؤسس للثورة تأسيسا صريحا فضلا عن ارتباطها بقوانين النفس والمجتمع والتاريخ مما نحاول بيانه في هذا المقال



فقد جاء في سنن الترمذي بسنده عن أبي سعيدٍ الْخُدْرِيّ أَنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ». قال أبو عِيسَى: وفي البابِ عن أبي أُمَامَةَ.

وهذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الْوَجْهِ.

وفي سنن ابن ماجة بسنده عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ وْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللّهِ حَتّى يَنْزِعَ».

وفي سنن أبي داود بسنده عن نَافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَعْنَاهُ قالَ: «وَمَنْ أعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ الله عزّوَجَلّ».

وفي جامع الترمذي" بسنده عن حُذَيْفَةَ بنِ الْيَمانِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «وَالّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنّ بالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنّ عَنِ المُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنّ الله أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ ثُمَ تَدْعُونَهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ» .



يدل الحديث على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة أساسية في الشريعة الإسلامية

وعلى هذا انعقد إجماع الأمة .

والأسلوب الخبري الذي جاء عليه الحديث يدل على أن الشارع الحكيم يأمر المسلمين أو يفرض عليهم القيام بمسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

وذلك إذ يوضح لهم أنه لا بد لهم في حياتهم من أحد أمرين :

إما أن يقوموا بهذه المسئولية

وإما أن يلحقهم من الله عذاب لا يجيرهم منه مجير ولا ينفعهم فيه دعاء



والمقصود من الأمر بالمعروف : الأمر بما جاء في شريعة الإسلام من فرائض وسنن وواجبات : في كتاب الله أو سنة رسوله ، والأمر بما يوافق الكتاب والسنة ولا يخرج عليهما مما تعارفت عليه جماعة المسلمين .

والمقصود من النهي عن المنكر : النهي عن كل ما تنكره شريعة الله في كتاب الله أو سنة رسوله ، أو تنكره جماعة المسلمين الملتزمة : عقيدة وفكرا وثقافة و عملا ومن ذلك قول ملاحدتهم لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة . .

. أما ارتباط هذه الفريضة بقوانين النفس البشرية .. فيدل عليها ما رواه مسلم بسنده عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودا عُودا. فَأَيّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ. وَأَيّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ. حَتّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْل الصّفَا. فَلاَ تَضُرّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ. وَالاَخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادا كَالْكُوزِ مُجَخّيا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرا. إِلاّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ».

فهذا الحديث يشرح لنا قانونا من قوانين النفس خلاصته أن النفس البشرية إذا لم تقاوم المنكر من حولها انتهت إلى الوقوع فيه .

ومن عجب أنا إذ نغفل عن هذا القانون يتيقظ له أعداء الدين ويستغلونه تماما عندما يريدون نشر خبيثة من خبائثهم .

إنهم يبدأون أولا بإسكات الأصوات المعارضة لهم ، وهم يعلمون أنه إذا سكتت هذه الأصوات انتقلت بعد ذلك من السكوت إلى المعايشة ، ثم انتقلت من المعايشة إلى التعود ، ثم انتقلت بعد ذلك من التعود إلى الإقرار ، ثم انتقلت بعد ذلك من الإقرار إلى الممارسة والمشاركة في الفعل .

هكذا يفعلون في خطتهم لنشر زي من الأزياء ، أوعادة من العادات أو مذهب من المذاهب ، أو مساندة الطغاة والمتغلبين ، يريدون به هدم ركن من أركان الدين أو مغالبته في جانب من جوانب الحياة ، لذلك كان حرص الإسلام على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأي وجه من وجوهه الممكنة باليد أو بالقلب ، وذلك لكي تصير نفس المسلم في مأمن من وقوعها نحت طائلة هذا القانون.



أما ارتباط هذه الفريضة بقوانين المجتمع : فيدل عليه أحاديث كثيرة : منها قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن مجاهد قال: حدّثني مولى لنا أنه سمع عدياً يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله عزّ وجلّ لا يعذّب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة».وأخرجه أبو داود في السنن ، وابن ماجة في السنن .

وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود في سننه بسنده عن وَهْبُ بنُ بَقِيّةَ عن خَالِدٍ ح. وحدثنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ قالَ أنبأنا هُشَيْمٌ المَعْنى عن إِسْمَاعِيلَ عن قَيْسِ قالَ قالَ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ أنْ حَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ: « يأيّهَا النّاسُ إنّكم تَقْرَأُونَ هَذِهِ الاَيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غْيَرِ مَوَاضِعِهَا: {عَلَيْكُم أنْفُسَكُمْ لا يَضُرّكُمْ مَنْ ضَلّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ} قالَ عن خَالِدٍ: وَإنّا سَمِعْنَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إنّ النّاسَ إذَا رَأوُا الظّالِمَ فلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمّهُم الله بِعِقَابِ. وَقال عَمْرٌو عن هُشَيْمٍ: وَإنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهمِ بالمَعَاصِي ثُمّ يَقْدِرُونَ عَلَى أنْ يُغَيّرُوا ثُمّ لا يُغَيّرُوا إلاّ يُوشِكُ أنْ يَعُمّهُمُ الله مِنْهُ بِعِقَابِ».

قالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ كَمَا قالَ خَالِدٌ أبُو أُسَامَةَ وَجَمَاعَةٌ. قالَ شُعْبَةُ فِيهِ: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلْ فيهِمْ بالمَعَاصِي هُمْ أكْثَرُ مِمّنْ يَعْمَلُهُ». وأخرجه الترمذي في السنن وأحمد في المسند ، وعقب الترمذي على حديثه قائلا : " هذا حديث حسن صحيح " .



في هذه الأحاديث وأمثالها يظهر لنا قانون من قوانين الله في المجتمعات البشرية إذ يبين لنا أن الفرد العادي متضامن في المسئولية عما يحدث للمجتمع ككل . وقيامه بهذه المسئولية يكون عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود وسعه أما إذا تقاعس الفرد عن هذا الواجب فإن الخطر يحيق بالجميع .



أما ارتباط هذه الفريضة بقوانين التاريخ والحضارة فيتبين من حيث ما نجده في هذا القانون من قوانين المجتمع كونه محل تصديق من التجارب الملموسة ، والأحداث المدروسة ، بل هو محل تصديق من التاريخ إذ يرتفع ليكون قانونا من قوانينه .

وهنا يأتي الجواب على من يتصارخون حول سبب انهيار الحضارة الإسلامية حيث يقرر كل منهم السبب على هواه متجاهلا ذاتية الإسلام في الجواب على الموضوع

إن الدارسين للحضارات التي مرت بها الإنسانية يجدون أنها تنهدم ويؤتى عليها - وبخاصة عندما تصل الحضارة إلى مرحلة الاستمتاع بثمرات مرحلة البناء - من حيث يقصر الأفراد في واجب التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومن حيث يترك لكل أن يأتي بما يشتهي ، وأن يتبع هواه ، بدعوى الحرية الشخصية أومن حيث ينحسر الفرد إلى داخل ذاته ، لا يلقي بالا إلى ما سواه بدعوى اللامبالاة ، هكذا شأن الحضارات السابقة ، وذلكم سبب زوالها .

وهكذا كان شأن بني إسرائيل

فما كانوا شعب الله المختار لبياض بشرتهم وإنما للرسالة الملقاة على عاتقهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

فلما تخلوا عن رسالتهم سقطت عنهم صفة الاختيار واستحقوا اللعنة

هكذا أمرهم فيما جاء بالإصحاح الثامن والعشرين من سفر التثنية ( ولكن إن لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحرص : أن تعمل بجميع وصاياه وفرائضه التي أنا أوصيك بها تأتي عليك جميع هذه اللعنات وتدركك : ملعونا تكون في المدينة ، ملعونا تكون في الحقل ، ملعونا تكون في دخولك ، ملعونا تكون في خروجك ، يرسل الرب عليك اللعن والاضطراب والزجر في كل ما تمتد إليه يدك ، وتفنى سريعا من أجل سوء أفعالك إذ تركتني ، يلصق بك الرب الوباء حتى يبيدك عن الأرض التي أنت داخل إليها لكي تمتلكها ، يجعلك الرب منهزما أمام أعدائك ، في طريق واحدة تخرج عليهم ، وفي سبع طرق تهرب أمامهم ، يذهب بك الرب وبمليكك الذي تقيمه عليك إلى أمة لم تعرفها أنت ولا آباؤك ، وتعبد هناك آلهة أخرى من خشب وحجر ، وتأني عليك جميع اللعنات ، وتتبعك وتدركك حتى تهلك ، لأنك لم تسمع لصوت الرب إلهك لتحفظ وصاياه وفرائضه التي أوصاك بها ، فتكون فيك آية وأعجوبة ، وفي نسلك إلى الأبد من أجل أنك لم تعبد الرب إلهك ، تستعبد لأعدائك الذين يرسلهم الرب عليك في جوع وعطش وعري وعوز . يجلب عليك الرب أمة من بعيد من أقصاء الأرض كما يطير النسر ، أمة لا تفهم لسانها ، أمة جافية لا تهاب الشيخ ولا تحن إلى الولد ، فتأكل ثمرة بهائمك ، وثمرة أرضك حتى تهلك ، …تحاصرك في جميع أبوابك ، في كل أرضك التي يعطيك الرب إلهك ، ويبددك الرب في جميع الشعوب من أقصى الأرض إلى أقصاها ، وتعبد هناك آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك ، من خشب وحجر ، وفي تلك الأمم لا تطمئن )

وهكذا أمرهم فيما يقرر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود بسننه بسنده عن عَبْدِ الله بنِ مَسْعُودٍ قال قال رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ أوّلَ مَا دَخَلَ النّقْصُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ الرّجُلُ يَلْقَى الرّجُلَ فَيَقُولُ: يَا هَذَا اتّقِ الله وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فإنّهُ لا يَحِلّ لَكَ ثمّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ الله قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، ثُمّ قالَ: { لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى بنِ مَرْيَمَ ـ إلَى قَوْلِهِ ـ فَاسِقُونَ}، ثُمّ قالَ: كَلاّ والله لَتَأْمُرُنّ بالمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنّ عن المُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنّ عَلَى يَدَيِ الظّالِمِ، وَلَتَأْطِرُنّهُ عَلَى الْحَقّ أطْراً، وَلَتَقْصُرُنّهُ عَلَى الْحَقّ قَصْراً» .وأخرج الترمذي مثله بسننه .



وهكذا يكون شأن كل أمة مكلفة من قبل الله .

إنه قانون الله الذي وضعه لمجرى التاريخ .



وهكذا يكون شأن الأمة الإسلامية ، ما كانوا خير أمة لسواد في عيونهم ، وإنما للرسالة الملقاة على عاتقهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

فإذا تخلوا عن رسالتهم – وإنهم ليتخلون منذ زمن - سقطت عنهم صفة الخيرية واستحقوا اللعنة قياسا على بني إسرائيل ودخولا تحت قانون التاريخ ،.

وروى الإمام أحمد بمسنده عن عائشة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفت في وجهه أن قد حضره شيء- يعني من الوحي - ، فتوضأ ثم خرج فلم يكلم أحداً، فدنوت من الحجرات فسمعته يقول: «يا أَيّها النّاسُ إنّ الله ـ عَزّ وَجَلّ ـ يقولُ: مُرُوا بالمعروفِ وَانْهُوا عَنِ المُنْكَرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُوني فلا أُجِيبُكُمْ، وَتَسْأَلُوني فلا أَعْطِيكُمْ وَتَسْتَنْصِرُوني فلا أَنْصُرُكُمْ».وروى ابن ماجة مثله بسننه بسنده عن عائشة .



ومن هذه الأحاديث ما أخرجه الإمام أحمد بسنده عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما من قوم يعملون بالمعاصي وفيهم رجل أعز منهم وأمنع ، [ يعني أعز من أن يجري عليه ما يجري عليهم ] لا يغيرون إلاّ عمهم الله عزّ وجلّ بعقاب ـ أو قال: أصابهم العقاب ـ».

وأخرج مثله أبو داود بسننه بسنده عن ابنِ جَرِيرٍ قال سَمِعْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ في قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بالمَعَاصِي يَقْدِرُونَ عَلَى أنْ يُغَيّرُ واعَلَيْهِ فَلاَ يُغَيّرُوا إلاّ أصَابَهُمُ الله بِعِقَابٍ مِنْ قَبْلِ أنْ يَمُوتُوا».

وما رواه أبو داود بسننه بسنده عن الْعُرْسِ بنِ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيّ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «إذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ في الأرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فكَرِهَهَا،- وقالَ مَرّةً أنْكَرَهَا- كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا».



وأخيرا يأتي على قمة هذه المجموعة من قوانين النفس والمجتمع والتاريخ ..

قانون العلاقة بين العبد وربه :

إذ تبين الأحاديث والآيات :

1- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو جوهر وظيفة الرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام ، يقول سبحانه تعالى عن سيدنا رسول الله : { الَّذينَ يَتَّبِعونَ الرَّسولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذي يَجِدونَهُ مَكْتوباً عِنْدَهُمْ في التَّوْراةِ والْأِنْجيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْروفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والْأَغْلالَ الَّتي كانَتْ عَلَيْهِمْ فالَّذينَ آمَنوا بِهِ وَعَزَّروهُ وَنَصَروهُ واتَّبَعوا النّورَ الَّذي أُنْزِلَ مَعَهُ أولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحونَ } 157 الأعراف



2- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو فرق ما بين المؤمنين والمنافقين

يقول تعالى : { والْمُؤْمِنونَ والْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرونَ بِالْمَعْروفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقيمونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتونَ الزَّكاةَ وَيُطيعونَ اللَّهَ وَرَسولَهُ أولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزيزٌ حَكيمٌ } 71 التوبة ؛ يقول القرطبي في تفسيرها " جعله الله تبارك وتعالى فرقا بين المؤمنين والمنافقين " ، ويقول الله سبحانه وتعالى عن المنافقين : {الْمُنافِقونَ والْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْروفِ وَيَقْبِضونَ أَيْدِيَهُمْ نَسوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقينَ هُمُ الْفاسِقونَ } 67 التوبة



وفي مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة بسنده عن عائشة رضي الله عنها ، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « مروا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم». رواه أبو بكر بن أبي شيبة بإسناده ومتنه ، ورواه البيهقي في سننه الكبرى ، من طريق أبي همام الدلال عن هشام بن سعد وسياقه أتم ، ورواه ابن حبان في صحيحه من هذا الوجه.



3- وتبين أن ترك هذه الفريضة يجعل المرء متعرضا لسخط الله وغضبه في الدنيا والآخرة ، كما يدل عليه ذلك في الحديث السابق وقد رواه أبو داود بسننه بسنده عن ابنِ جَرِيرٍ قال سَمِعْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ في قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بالمَعَاصِي يَقْدِرُونَ عَلَى أنْ يُغَيّرُ واعَلَيْهِ فَلاَ يُغَيّرُوا إلاّ أصَابَهُمُ الله بِعِقَابٍ مِنْ قَبْلِ أنْ يَمُوتُوا».

4 – وتبين أن القيام بهذه الفريضة هو سر إخراج الله الأمة الإسلامية للناس ، وتفضيلها على من سواه : يقول تعالى : { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرونَ بِالْمَعْروفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقونَ} 110 آل عمران



5- بل إن القيام بهذه الفريضة هو سر نصرة الله للأمة التي تطلب النصر منه ، يقول تعالى : {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ ، الَّذينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ في الْأَرْضِ أَقاموا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَروا بِالْمَعْروفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمورِ } 40-41 الحج



وخلاصة القول : أن الإسلام حينما يدعو أتباعه إلى القيام بمسئوليتهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، يبين لهم ضرورة هذه الفريضة ، وفقا لقوانين الله الحاكمة على :

نفس الإنسان ، ومجتمعه ، وتاريخه وحضارته ، ووضعية العلاقة بينه وبين ربه في هذه الدنيا ، وفي الدار الآخرة .



النصيحة لله

ومن هنا كانت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور الأساسية التي يبايع الرسول صلى الله عليه وسلم عليها بعض الداخلين في الإسلام تحت عنوان " النصيحة لكل مسلم " ، فقد جاء فيما رواه البخاري في صحيحه - في باب قولِ النبيّ صلى الله عليه وسلم: « الدينُ النّصيحةُ للّهِ ولرسولهِ وَلأِئمّةِ المُسْلمينَ وعامّتهم »، وقوله تعالى: { إِذَا نَصَحُواْ للّهِ وَرَسُولِهِ} التوبة: 91 - بسنده عنْ جَرِيرِ بنِ عبدِ اللّهِ قال: ( بايَعْتُ رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم على إقامِ الصلاة وإيتاءِ الزّكاةِ، والنُصْحِ لِكلّ مُسْلم. ) متفق عليه



هذا الحديث يدل على منزلة النصيحة في البناء الإسلامي ، وأنها لا تقل في أهميتها عن أركان الإسلام الأساسية من الصلاة والزكاة وغيرها من الأمور ، وذلك لأنها جاءت جزءا من مبايعة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين جرير رضي الله عنه .



وقد جاءت النصيحة في حديث آخر على أنها أساس الدين كله ، وذلك إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم بسنده - في باب بيان أن الدين النصيحة - عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيّ أَنّ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الدّينُ النّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: « لله وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامّتِهِمْ ».

وفيما رواه أحمد في مسنده ، بسنده عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدين النصيحة ، إن الدين النصيحة ، إن الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة المؤمنين وعامتهم». وأخرجه الترمذي في السنن ، والنسائي مثله .



ومن أجل هذا ذهب بعض العلماء إلى أن هذا الحديث ربع الإسلام : أي أحد أحاديث أربعة يدور عليها ، وقال الإمام النووي : بل المدار عليه وحده .

ولما نظر السلف إلى ذلك جعلوا النصيحة أعظم وصاياهم ، قال بعض العارفين : أوصيك بالنصح نصح الكلب لأهله فإنهم يجيعونه ويطردونه ويأبى إلا أن يحوطهم ويحفظهم ، وظاهر الخبر وجوب النصح وإن علم أنه لا يفيد في المنصوح .



قال بعض العارفين : النصاح الخيط ، والمنصحة الإبرة والناصح الخائط ، والخائط هو الذي يؤلف أجزاء الثوب حتى يصير قميصا أو نحوه فينتفع به بتأليفه إياه ، وما ألفه إلا لنصحه ، والناصح في دين الله هو الذي يؤلف بين عباد الله وبين مافيه سعادتهم عند الله وبين خلقه .

وقال القاضي : الدين في الأصل الطاعة والجزاء ، والمراد به الشريعة أطلق عليها لما فيها من الطاعة والانقياد .

فالناصح في دين الله هو الذي يؤلف بين عباد الله وبن شريعة الله .

والغرض من النصيحة لله ورسوله : إقامة شريعة الله كما جاءت في كتابه وسنة رسوله ، والغرض من النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم إقامة حياتهم على أساس من تلك الشريعة .

ومعنى الدين النصيحة أن النصيحة عماد الدين وأساسه وقوامه كما نقول " الحج عرفة "



وقد ورد النصح في القرآن الكريم كجزء من رسالة الأنبياء في ستة مواضع منها ما ورد على لسان صالح عليه السلام إذ يقول لقومه بعد إذ أخذتهم الرجفة : { فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبّونَ النّاصِحينَ ) 79 الأعراف



وورد في القرآن أيضا كعمل من أعمال الخير يقوم مقام أعمال من الخير أخرى ، كالجهاد بالنفس والمال عند العجز عنهما ، وذلك في قوله تعالى { لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ وَلا عَلى الْمَرْضى وَلا عَلى الَّذينَ لا يَجِدونَ ما يُنْفِقونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحوا لِلَّهِ وَرَسولِهِ ما عَلى الْمُحْسِنينَ مِنْ سَبيلٍ واللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ } 91 التوبة



ولخطورة النصيحة حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من انحرافها بيد أئمة مضلين ، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم فما جاء بالمعجم الكبير للطبراني بسنده عن أبي أمامة يحدث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( لست أخاف على أمتي جوعا يقتلهم ، ولا عدوا يجتاحهم ، ولكني أخاف على أمتي أئمة مضلين إن أطاعوهم فتنوهم ، وإن عصوهم قتلوهم )



والنصح لله ورسوله يتطابق مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث ما يؤمر به أو ينهى عنه ، فالذي ينصح به أمرا هو كل ما يوافق الكتاب والسنة ، والذي ينصح به نهيا هو كل ما يخالفهما .



ويقول بعض العلماء : إنه لا يجوز الإنكار إلا فيما عليه الإجماع ، فإذا كان هناك خلاف بين الأئمة في حكم من الأحكام يقول بعضهم بالحل وبعضهم بالحرمة فهذا لا يصح الإنكار على فاعله .

وفي هذا المقام تأتي القاعدة الفقهية التي تقرر أنه : إذا تردد الفعل بين أن يكون فرضا أو بدعة فالدعوة إليه وإتيانه أولى باتفاق ، وإذا تردد بين أن يكون سنة أو بدعة فالنهي عنه أو تركه أولى عند أكثر الفقهاء وهو المختار ، وإن تردد بين أن يكون واجبا أو بدعة فالدعوة إليه وإتيانه أولى عند أكثر الفقهاء كذلك .



وعلى وجه العموم يشترط في الآمر أو الناهي شروط :

الأول : أن يكون عالما بما يأمر وينهى

وقد تكون الموافقة للمعروف عند الأمر به ، أو المخالفة له عند النهي عن المنكر .. واضحة ظاهرة يعرفها العوام والخواص ؛ المتخصصون وغير المتخصصين مثل : وجوب الصلوات الخمس ، وصوم رمضان والزكاة والحج … ومثل حرمة الخمر والسرقة والربا .. فهذا النوع الظاهر من المعروف أو المنكر يجب - الأمر به أو يجب إنكاره - على العوام ما يجب على الخواص .

وقد تكون الموافقة أو المخالفة غير ظاهرة ، لا يعرفها إلا الخواص المتخصصون في أمور الشريعة ، أو الخبراء فيما يتصل بها ، فهذا يختص الأمر به والنهي عنه بالعلماء والخبراء



ثانيا : أن يكون قصده وجه الله وإعزاز دينه ، لا الرياء والسمعة والتعصب لنفسه ، أو حزبه ، وهو إنما ينصر ويوفق بذلك ، قال تعالى { إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذينَ اتَّقَوْا والَّذينَ هُمْ مُحْسِنونَ } 128 النحل ، فإذا كان قصده الرياء والسمعة والتعصب كان له الخذلان و الذلة ، والمهانة ، وبقي المنكر على حاله بل زاد واستشرى ..



ثالثا : أن يكون أمره ونهيه باللين والتودد والحكمة والموعظة الحسنة ، وأن يكون على خبرة بالنفوس ومداخلها ، يقول تعالى : { ادْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ والْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدينَ } 125النحل ، ويقول تعالى : { فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَليظَ الْقَلْبِ لانْفَضّوا مِنْ حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ في الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلينَ } 159آل عمران ، وقال لموسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون { فَقولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى } 44 طه .



رابعا : أن يكون عاملا بما يأمر به متنزها عما ينهى عنه . يقول تعالى : { أَتَأْمُرونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلونَ } 44 البقرة



وهذا الشرط الأخير ليس معناه أن مرتكب المنكر عليه أن يمتنع عن النهي عنه إذا كان المقام يدعو لذلك .. بل معناه أن عيه أن يسارع إلى الطاعة ، وأن يكون أول الطائعين ، وأن يوجه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر إلى نفسه ضمن من يوجه إليهم ، فذلك لخيره أولا ، ولنجاح عمله إذ يستمع الناس إليه ويقبلون عليه ثانيا .

فقد ذكر العلماء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على العدل وغيره يعني على المستقيم في طاعة الله وغير المستقيم ، مع الاتفاق على نجاعته في الحالة الأولى أكثر من الثانية .

ففي مجمع الزوائد للهيثمي من حديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به ، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه ، وإنه لا يخلو أحد من معصية إما ظاهرا وإما باطنا ) وعقب عليه قائلا : " رواه الطبراني في الصغير والأوسط من طريق عبد السلام بن عبد القدوس بن حبيب عن أبيه وهما ضعيفان " .

ولكن السيوطي بعد أن أورده في الجامع الصغير وعزاه أيضا إلى الطبراني في المعجم الصغير رمز له بالرمز ( ح ) أي حسنه .



وممن رجح معنى ما جاء في الحديث الإمام عبد القادر الجيلاني ت 561 في كتابه " الغنية " إذ يقول : " فإن قلنا لا ينكر إلا المتنزه عن المنكر تعذر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيندرس الأمر والنهي ويضمحل " .



ومنهم أيضا الإمام ابن حجر في كتابه " الزواجر عن اقتراف الكبائر " إذ يقول وهو يستعرض شروط الآمر والناهي :

( ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكربمسموع القول ، بل على كل مكلف أن يأمر وينهى وإن علم بالعادة أنه لا يفيد .

وإن كان الآمر والناهي غير ممتثل ، ولا مأذون له من جهة الإمام .

ولا يأمر وينهى في دقائق الأمور إلا العلماء دون العامة لجهلهم بها ومن ثم استوى الكل في الظواهر كالصلاة والصيام وشرب الخمر .

ولا ينكر العالم إلا مجمعا على إنكاره ، أو ما يرى الفاعل تحريمه دون ماعدا ذلك . نعم يندب له أن ينكره على وجه النصيحة للخروج من الخلاف إن لم يقع في خلاف آخر .



خامسا: أن يكون رفيقا صبورا حليما حمولا متواضعا : عليه أن يرفق في التغيير ممن يخاف شره ، وبالجاهل ، فإن ذلك أدعى إلى قبول قوله .

وليس لآمر ولا ناه تجسس ولا بحث ولا اقتحام دار بظن .

ولا يسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا إن خاف منهما على نفسه أو ماله ، أوخاف مفسدة على غيره أكثر من مفسدة المنكر الواقع ، أو غلب على ظنه أن المرتكب يزيد فيما هو فيه عنادا )



ولعله من الصحيح أيضا أن نقول إن إنكار المنكر لا يسقط في حالة وجوبه بالقلب.

ومن هنا تقرر في الشريعة الإسلامية أن " وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يضم كل مكلف من حر وقن وذكر وأنثى لكنه على وجوب الكفاية " [1]



أما السلبية التي يتذرع بها بعض " القاعدين " بقوله تعالى " يا أيها الناس عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم " فقد دفعها أبو بكر رضي الله عنه فيما رواه أبو داود في سننه بسنده عن إِسْمَاعِيلَ عن قَيْسِ قالَ قالَ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ أنْ حَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ: « يأيّهَا النّاسُ إنّكم تَقْرَأُونَ هَذِهِ الاَيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غْيَرِ مَوَاضِعِهَا: {يا أَيُّها الَّذينَ آمَنوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذا اهْتَدَيْتُمْ إِلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلونَ } 105 المائدة ، قالَ عن خَالِدٍ: وَإنّا سَمِعْنَا النّبيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إنّ النّاسَ إذَا رَأوُا الظّالِمَ فلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَعُمّهُم الله بِعِقَابِ. وَقال عَمْرٌو عن هُشَيْمٍ: وَإنّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَا مِنْ قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهمِ بالمَعَاصِي ثُمّ يَقْدِرُونَ عَلَى أنْ يُغَيّرُوا ثُمّ لا يُغَيّرُوا إلاّ يُوشِكُ أنْ يَعُمّهُمُ الله مِنْهُ بِعِقَابِ».

يقول صاحب الزواجر : ( وإنما معنى الآية : عليكم أنفسكم بعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) وقال غيره : " إذا اهتديتم " ، إذ الهدى هنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر )



والخلاصة أن النصح لله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عماد الدعوة الإسلامية ، وهو جوهرها من الناحية الإجرائية ، ومن هنا جاء حرص الإسلام على إيجابه على كل مسلم ، كل بحسبه ، كما بين خطورة التفريط به ، وأن إهماله يؤدي إلى تفكك الأمة الإسلامية وضياعها : حتى فيما يتعلق بالصغائر ، ومن هنا ذهب بعض العلماء إلى أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كبيرة ، ولو كان الترك متعلقا بصغيرة من الصغائر لما فيه من أنه ينضم إليها – أي إلى الصغيرة – التغرير بالناس وإظهار سلوكهم على أنه موافق للشريعة مع أنه في الباطن ليس كذلك ، هذا الترك إذن يصطف مع الكبائر بسبب ذلك.



yehia_hashem@ hotmail .com
a-9-0@maktoob.com
--------------------

[1] \ عن الزواجر عن اقتراف الكبائر

العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان