د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

فاجعة العراق ما بين سطور كتاب { في سر الرؤساء}
12/16/2010

أمير المفرجي : بين الحينٍ.. والآخر يطفح الجدل والنقاش إلى السطح ويعيد للذاكرة موضوع جريمة احتلال العراق والدور الذي لعبته الدول المارقة وجواسيسها المحليين في تدمير هذا البلد وإهانة شعبه. فبعد أن سجلت الأحداث والوقائع مسؤولية الدول التي شاركت في عملية الغزو والتدمير, ودور عملائها وجواسيسها في كشف أسرار الدولة, تتكاثر الآراء والوثائق المتباينة بشأنها، فمن مشيدٍ بالدور الفرنسي وحكومة جاك شيراك الصديقة والحليفة لنظام الرئيس العراقي السابق، إلى مُحذر ومُشكك في سياسة الغرب قاطبة وإستراتيجيته العسكرية والاقتصادية في العراق والشرق الأوسط، طالما أن مخابرات هذه الدول العظمى تحجب بين حين وأخر المعلومات الأساسية والتي بدونها لا يمكن إعطاء موقف واضح بشأنها. ولعل أبرز خلاصة يقدمها كتاب في (سر الرؤساء) الصادر عن دار (فايار) في باريس، في فصله الخاص بالعراق، هو هذا التناقض بين الموقف الظاهري والحقيقي في الموقف من الحرب ضد العراق وطغيان العامل الاقتصادي المنفعي وغياب المسؤولية واللامبالاة في (سر الرؤساء) لمصير العراق دولة وشعبا. أما في خصوص (التهمة) التي تكلم بها الكاتب فيما يتعلق بوزير الخارجية العراقي السابق فقد نقصت مصادر الكاتب الفرنسي من الدقة ومرجعية المصدر الشخصية. حيث بدون هذا المصدر الموثق يصبح من السهولة للعديد من الأجهزة المتمكنة في نشر الأكاذيب والتظليلات. فهذه الأعمال هي جزء من نشاط مراكز المخابرات فعمليات حرق الشخصية وإفقادها صفة الاحترام والمصداقية لم تكن العملية الأولى في حروب عالم المخابرات السرية وهنا لا نريد أن نبرى أحد فقد ثبت أيضا على الأرض في إن للمخابرات الغربية قاطبة أمريكية أو فرنسية أو إقليمية عملاء محليين. لقد أصبح العراق ساحة مفتوحة وله من الوزن والأهمية في إستراتيجيات الدول العظمى والإقليمية.



وفي خضم كل ذلك، جاء كتاب "في سر الرؤساء" للكاتب الفرنسي فنسان نوزي ليوضح لنا الكثير والعديد من المعطيات فيما يتعلق بموقف الدول المرتبطة بالعراق والمنطقة، ليخرج لنا باستنتاجات توضح وتحدد جزء من"الحقيقة العامة" لهذه الجريمة من حيث تفاصيلها وجذورها وطبيعتها وأطرافها ومساراتها ومستقبلها وأبعادها. ورغم أن هذا الكتاب هو في الأصل بحث خاص يشمل وثائق سرية سُمح له شخصياً لكشف بعض أسرار رؤساء الدول المهمة المهتمة اقتصاديا بالعراق من جهة وإستراتيجياً بالعالم العربي ـ الإسلامي من جهة أخرى الغير متعلقة بمبدأ "Secret Defense", إلا أن الكاتب قام بنشر تفاصيل جديدة لم تنشر سابقا عن خفايا الموقف الفرنسي من الحرب الأمريكية في العراق والأسباب الحقيقة للرفض(الأولي) لحكومة شيراك السابقة من خلال (مظاهر الخطاب التاريخي) الذي ألقاه رئيس الوزراء الفرنسي السابق دوفيلبان في مجلس الأمن والأمم المتحدة.



بيد عند التعمق في خفايا الموقف الفرنسي من خلال المصادر التي كشفها الكاتب الفرنسي, تبدو مظاهر هذا الخطاب التاريخي أكثر وضوح. فبالرغم من الموقف الرسمي المعادي للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط الرافض للحرب العدوانية ضد العراق ظاهريا,ً سعى جاك شيراك في الواقع ( وحسب الكتاب) غداة تسلمه الرئاسة عام 1995 إلى التقارب مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بالملفات المشتركة في الشرق الأوسط وحاول أيضا الابتعاد عن السياسة الديغولية التي يزعم بالانتماء إليها عن طريق نقض الرفض الفرنسي الذي اتخذه ديغول من حلف الناتو والعودة إلى قيادته العسكرية المشتركة، قبل أن يأخذ الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي المعروف بميوله الأمريكية (المعلنة) هذا القرار. كما سعى شيراك لاحقاً غداة الأزمة العراقية عام 2003 إلى إيجاد المصالحة مع الأميركيين، وخضع عام 2004 إلى طلب بوش بشطب ديون العراق التي كلفت الخزينة الفرنسية أربعة مليارات يورو. وقد ترجمت حفلة "المصالحة" في قصر الإليزيه بين بوش وشيراك بعد احتلال العراق في الخامس من حزيران 2004، (وحسب الكاتب) مدى التوافق والانسجام إلى درجة تجنب كل ما يزعج بوش فمثلاً لم يشر الرئيس شيراك إلى فضائح جرائم سجن أبو غريب التي كانت حديثة ومدانة رسميا ًمن الجميع آنذاك.



ويفسر الكاتب في سر الرؤساء هذا التغير(الظاهري)الكبير في الموقف الفرنسي من العراق انطلاقا من الإستراتيجية التي كان إتخدها جاك شيراك بعلاقته بالرئيس العراقي ونظامه السابق والتي وضعت بها المؤسسات والشركات الفرنسية في وقتها أمال اقتصادية ليستنتج في النهاية من هذا بأن الرفض في المشاركة في الحرب في البداية جاء لاعتبارات اقتصادية أساسها حجم الديون العراقية التي كان تنتظرها باريس من حكومة بغـداد بعد كل التسهيلات التي قدمتها الحكومة العراقية للجانب الفرنسي والروسي والألماني. وثمة حقيقة تثبت وتعزز أسباب هذا الرفض الفرنسي الأولي للحرب على العراق. فلم تكن فرنسا الدولة الوحيدة التي رفضت حرب بوش لتغيير النظام العراقي وتدمير بنيته التحتية. حيث لم تقبل روسيا وألمانيا أيضا بالحرب على العراق وكانت هذه الدول من أهم الدول الثلاث المطالبة بديونها انطلاقا من مفهوم ومبدأ تجاري بحت حيث أن إزالة النظام العراقي وإبداله بأخر هو بمثابة تعريض مصالح هذه الدول للخطر وبالتالي شطب تلقائي نهائي لديونها في العراق وهذا ما حصل في النهاية عبر قرارات مؤتمر باريس وبطلب أمريكي واضح وحسب ما ورد في الكتاب.



من هذا المنطق ساهمت علاقات السيد جاك شيراك (الشخصية) منذ أن كان رئيساً للوزراء مع قمة الهرم العراقي على تطوير العلاقات التجارية والنفطية لتجعل من فرنسا أحدى أهم الدول التي تعتمد على العراق كمصدر مهم وحقيقي للتجارة انطلاقا من القيمة الفعلية لمخزونه من ثروات الطاقة الطبيعية ناهيك من موقعه الإستراتيجي المهم في منطقة الخليج والشرق ألأوسط. وقد كانت بلاد الرافدين الغنية بالنفط بيئة خصبة للاستثمار بالرغم من صعوبة حالة العراق الاقتصادية التي خلفتها الحروب والحصار. وفي الوقت الذي دخل العراق في دوامة الحروب والحصار ومن ثم تراكم ديونه, أصبحت فرنسا شريكا تجاريا ومزودا رئيسيا للمنتجات المدنية والعسكرية, وتمتعت فرنسا بعلاقة وثيقة معه قبل الاجتياح الأمريكي له عام 2003. وهنا لابد من الإشارة إلى أن حكومة العراق ما قبل الاحتلال قد بادرت بتطبيق منطق التعامل التفضيلي للجانب الفرنسي في قرار تأميم النفط العراقي عام 1972. ومع تعاقب الرئاسات الفرنسية إبتداءا من جورج بومبيدو وحتى رئاسة شيراك السابقة وبوجود هذا الأخير في درجات مختلفة من سلم الحكم, طغى معيار الخصوصية على العلاقة العراقية ـ الفرنسية. فقد تم تفضيل مبدأ منح الفرص الاقتصادية للمصالح الفرنسية في ما يتعلق بمتطلبات العراق الاقتصادية والدفاعية وانفردت فرنسا لاحقاً ببنود مذكرة التفاهم القائمة على برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء الذي روجت له حكومة الرئيس السابق جاك شيراك.



من هذا المنطلق, عقدت الحكومات الفرنسية الآمال على مستقبل العراق وسمحت لديونه لها في أن تصل وتتعدى ال 5.5 مليار دولار... ومن هذا المنطلق أيضا رفضت فرنسا المشاركة في غزو هذا البلد وكانت من أهم معارضي الحرب عليه عام 2003 بعد شعور الرئيس جاك شيراك بأن الإدارة الأمريكية قد بدأت فعلا حملة إطاحة للنظام العراقي السابق، لتنهي وتهدم بالتالي الآمال الفرنسية في استرجاع ديونها وتثبيت وجودها الاقتصادي المميز الذي سمح لها به عراق ما قبل الاحتلال. وقد أكد كتاب السيد فنسان نوزي ان قصر الاليزية كان على قناعة تامة منذ بداية الإعداد للحرب الثانية على العراق، بان الهدف لن يكون بالعثور على أسلحة الدمار الشامل وإنما الإطاحة بحليف تجاري مهم تربطه بفرنسا بنود ومذكرات تفاهم مهمة وديون ضخمة لم تسدد بعد. ليستنتج بالتالي بأن الرفض الفرنسي لجاك شيراك جاء لاعتبارات اقتصادية أساسها الديون العراقية التي كان تنتظرها باريس.



لقد أظهر كتاب في (سر الرؤساء) على وجود سياسة فرنسية (عربية) عن طريق توافق إستراتيجيات شخصية (اقتصادية) متعددة للمسؤولين الفرنسيين في علاقتهم مع العراق. وبالرغم من ان مفهوم السياسة وكما يراه الجنرال ديغول هو( ليس هناك في السياسة صداقات فالسياسة مسألة مصالح) فلم تكن هناك سياسة فرنسية عربية في المعنى الصحيح في كتاب (سر الرؤساء) بالرغم من هذه التسمية جاءت لملى الفراغ الذي غاب بغياب السياسة الديغولية للشرق الاؤسط غداة التعنت الإسرائيلي واغتصابه للأرض العربية . فلم يكن ديغول أنذاك صديقا لرئيس عربي أو نظام عربي معين, بل كان مع سياسة فرنسية مستقلة هدفها فرض التوازن في الشرق الأوسط . فلم تكن لديغول صداقة شخصية مع العرب ولا حتى مع إسرائيل. حيث أثبتت رسالته التي وجها إلى (بنغوريون) بعد العدوان الإسرائيلي في عام 1967 حين أبلغها" أن للعرب أراضي وحقوقاً يجب الاعتراف بها" بوجود سياسة فرنسية مستقلة ترفض الأمر الواقع الذي فرضته الولايات المتحدة وحلفاؤها بالنسبة للحدود الإقليمية الجديدة لفلسطين، واعترف بحق العرب في أراضيهم وفي تأكيد شخصيتهم الإقليمية وحقهم التاريخي في منطقة الشرق الأوسط.



وبغض النظر عن الاختلاف في طبيعة وثقافة رؤساء فرنسا الذين تعاملوا مع العراق, كان تأثير (سياستهم العربية الشخصية) الدور المـُتميز في التقرب من ثروات العراق. وكان لمواقف هؤلاء الرؤساء في كتاب فنسان نوزي صفحات كثيرة وغير متقاربة، فقد كان للرئيس الفرنسي الاشتراكي(المدان في حرب الجزائر) فرانسوا ميتران وجورج بوش الأب أراء مشتركة في معاداة العراق, بينما حرص الرئيس شيراك على تفعيل سياسة (عربية) انتقائية كان لها تداعياتها حيث انسجمت مع البعض في (عراق صدام) و(لبنان الحريري) وتعادت مع البعض الآخر في (سوريا الأسد). وهذا هو ما يميز هذه السياسة (العربية الشخصية) عن السياسة الديغولية. وحيث ان جاك شيراك وغيره ليسوا بشارل ديغول, فقد خلطوا هؤلاء السياسة الفرنسية الخارجية التي أسموها بـ (العربية) بين جيوبهم ومصالح فرنسا الثابتة.



وبالعكس كان لسياسة الجنرال ديغول أهميتها لفرنسا في تثبيت إستقلالها عن حلفاءها وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية بقرار تفعيل ما يسمى آنذاك (القوة الضاربة) الذي بدأ رسميا في 1958 خلال الحرب الباردة، عندما قرر ديغول إعطاء فرنسا رادعا نوويا يبعدها من التبعية الأمريكية ويحميها من القوى العالمية الأخرى ومن ثم السماح لها في استقلالية العمل لبسط نفوذها وتثبيت مصالحها في عالم متعدد الأقطاب. وكان من نتائج هذه السياسة وبالرغم من بقاء فرنسا كحليف في (حلف الناتو)هو ابتعادها عن الجانب الأمريكي الأطلسي وتنظيمه فيما يتعلق بالقيادة العسكرية المشتركة والطلب بخروج القوات الأمريكية من الأرض الفرنسية غداة تحريرها من القوات النازية الألمانية. وبهذا تميزت السياسة الفرنسية لديغول كإستراتيجية لها مصالح وايدولوجية قد لا توافق بالضرورة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في العالم. وهكذا وبخروج ديغول من الحكم ووفاته تباينت السياسة الفرنسية وتصاعد النفوذ الأمريكي من خلال اختراق الولايات المتحدة للنخبة السياسية الفرنسية والأحزاب المهمة الممثلة لها كالحزب الاشتراكي وتيار الوسط واليمين وتأثرت الاستقلالية الفرنسية ومواقف الرؤساء والمسؤولين بين الحين والأخر بالضغط الأطلسي وكما نراه اليوم في العراق وأفغانستان. لقد ترجمت أحداث ووقائع لقاءات شيراك وجورج بوش التي كشف قسم منها كتاب أسرار الرؤساء للكاتب (فنسان نوزي) وما جاء من بعدها من تغيرات في الموقف الفرنسي من حرب العراق عن وجود عامل أمريكي أطلسي مؤثر في سياسة الدول. لقد ترجم كتاب في سر الرؤساء في جزءه المخصص للعراق وأظهر ما بين سطوره أهمية العراق وثرواته وحجم مأساة شعبه ومدى علاقة كل هذه التطورات وإرتباطها بالتداخل الاستراتيجي بين واشنطن وباريس.





العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان