د. عوض السليمان
لهذا قتلوا رستم غزالي

عامر عبد المنعم
التمهيد لدولة بلاكووتر وفرسان

الهيثم زعفان
الطفل اللقيط .... أزمة تعكس

الحج شعار المجد لأمة دوما ناهضة ..!!

11/20/2010

عبد الرحمن عبد الوهاب :
(1) قال الله تعالى :(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج : 27 )
الحج انه بريق الإيمان الأخاذ في أعين الجد المسن والقلب العامر بالإيمان الذي تهفو نفسه وتتوق روحه للبيت العتيق ، الحج النابض في القلوب ،انها القلوب الصادعة بالولاء لركب النبوات ، ها نحن على صعيد عرفة وان كفر الكون كل الكون ،لله منا عهدا بالوفاء وأن نعلي كلمته في ربوع العالمين هيهات ، هيهات ومعاذ الله ، أن نكفره وإن انسلخ منها كل الكون ، ها هي عصبة لا اله إلا الله من الحجيج تقول كلمتها ،على مر العصور والأزمان تأتي إلى هنا تجهر بها عاليا لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لبيك ، تجهر بها الأصوات والأصداء في الوجدان انعكاسا و تلبية لنداء إبراهيم يوم أذن في الناس بالحج ، فكانت هذه الجموع التي تأتي من كل فج عميق ومن شتى بقاع الأرض ، قد تتبدى لك الصورة أكثر في تفاصليها الصغيرة ، لتدرك مدى الروعة مثلا في امرأة مسنة على سجادة الصلاة في صعيد مصر ومجاهل المكان ، تبيع جاموستها أو غنم أو شياه التي تعتبر كل رأسمالها ،وكل مما تمتلكه من الدنيا من زاد ، اليوم لم يعد فقط إيمان الأغنياء ممن يستطيعون إلى البيت سبيلا ، بل أولئك حتى ممن لا يستطيعون إليه سبيلا ، فيحاولوا جاهدين من سبيل يحملهم إلى هناك ، يحدوهم هذا الحنين الجارف إلى البيت العتيق ، هذا الحنين الذي يجعل هذا المسن يبيع قراريطة الصغيرة او فدادينه ويحث الخطى نحو البيت العتيق ..ويتعلق بالأستار ، استجابة لنداء إبراهيم ، هذا النوع من الوفاء ليس له نظير، وفي تفاصيل الموقف على الجهة الأخرى كان إبراهيم عليه السلام رجل شاهق ، كان رافضا وثائرا على الواقع الصنمي . وكانت معالجته الذهنية في محولاته الأولى النظر إلى الفضاء بحثا عن مخرج(فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) (الأنعام : 77 ) وانتهى به البحث بالوصول الى الله وينتقل الحسم والمفاصلة (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (الممتحنة : 4 )

(2) ولكم كان رائعا .حين كسر الأصنام ، وتحمل ضغوط الواقع في سبيل الله وان كانت التكلفة حرقا ، إبراهيم ذلك العملاق الذي تجسدت فيه القيم العليا للإنسان بأعلى درجات الارتقاء .. إذا كان التاريخ ليس إلا سيرة لعظماء الرجال ،فان التفسير الإسلامي للتاريخ ، إن عظماء الرجال كانوا الأنبياء تحديدا . إبراهيم جعل هذه الأمة مسكونة بالتمرد والثورات ناهيك عن الورع والإيمان ، إن كراهية هذه الأمة للأصنام ضاربة الجذور في أعماق التاريخ ومتأصلة ومترسّخة .أيضا في الذات و الوجدان. ويتضح من الآيات الكريمة أن إبراهيم بدأ مسيرته الرائعة في محاربة الصنم أيام الشباب ،(قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) (الأنبياء : 60 ) إيمان الثورة وشموخ الإيمان وتغيير واقع اجتماعي يركع تحت ذل الصنم فجاء إبراهيم ليرفع هامات البشر من الانحناء لغير الله ، ويرتقي بهم هذا الارتقاء الرائع الذي مضماره الإيمان وتوحيد الله ،(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء : 25 )

(3) إبراهيم الذي رفع القواعد من البيت فرفع رقاب البشر من الانكسار لغير الخالق الأعظم –سما مقامه -،(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة : 127 ) فكان بناء رائع يحمل لمسات إبراهيم في الأساس وبين حجارته وزواياه وأركانه لأول بيت وضع للناس : (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران96 : 97 )
إبراهيم الذي كان صادعا لأمر الله وباحثا عن مرضاة الله تعالى وداس على مشاعر الأبوة إنفاذا لحكم الله ويقدم على الأمر وان كان ذبحا للابن ولا بثنيه العزم فيرجم إبليس ثلاث مرات ، إمعانا في إنفاذ أمر الله ، فينزل الفداء من السماء .

(4) إبراهيم ذلك الإنسان الرائع الجدير بكل ما تعنيه النبوة من احترام .. إبراهيم في موسم الحج المبارك نسير على خطاه ونقتفي الأثر في منطقة الجمرات ونسعى بين الصفا والمروة على خطى هاجر عليها السلام ،(رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم : 37 ) هاجر عليها السلام التي عبرت عن مدى الثقة بالله حين قالت لإبراهيم يوم تركهم بواد غير ذي زرع ..أألله أمرك بهذا . فقال نعم فقالت إذن لن يضيعنا . إنها خطى الإيمان الواثق بالله بل الثقة المتناهية بالله ، قالت العرب النجاة من الهلكة هي الثقة بالله ، بل تساءل المحللون ، كيف واجه محمد صلى الله عليه وسلم أبي لهب ، وواجه موسى فرعون وواجه إبراهيم النمرود . قالوا أن ثقة الأنبياء بالله كانت أكثر من ثقتهم بأنفسهم .(رحمة الله وبركاته عليكم آل البيت انه سميع مجيب )، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم . لقد ضرب إبراهيم وآله روعة الصمود في مواجهة الباطل على ساحة الكون من نمرود وأصنام ، فقه الحضارة على سطح الكون هو ما قام به الأنبياء من ترسيخ الإيمان وبث جذور التوحيد عميقا في الأرض . لقد كان آل إبراهيم وال محمد قوم اصطفاهم الله على العالمين وهذا الاصطفاء له مبرراته فالله اعلم حيث يجعل رسالته ..إنهم كانوا أهلا للارتقاء بإيمانهم وبأتباعهم وصمودهم في معترك كفاح الإيمان والثقة بالله ومشروع الحضارة الإسلامي .

(5) لقد كان يتوجب علينا أن نصلي على محمد و آل محمد وهم الطرف الثاني من المعادلة..
محمد الذي علمنا بناء المجد حتى أخذنا إمرة الأرض اغتصابا
ذرية بعضها من بعض ،في معادلة التشهد في الصلوات الإسلامية ،هو الصلاة على محمد وآله وباختصار لقد كان آل محمد أهلا للارتقاء ورفع البنيان الإسلامي ، لقد قالوا إن هناك إنسان ماجد في نفسه ، ويرفع الآخرين إلى سماوات مجده ، وكان هذا درب آل إبراهيم وال محمد ، وقافلة الأحرار على دربهم ..لقد تحدث الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد ،في المفاضلة بين المجد والحياة :" إن المجد مفضل على الحياة عند الأحرار, وحب الحياة ممتاز على المجد عند الأسراء وعلى هذه القاعدة يكون أئمة آل البيت , معذورين في إلقائهم أنفسهم في المهالك لانهم احرار ابرار يفضلون الموت أحرار على حياة ذل ورياء" القيام على شئون العدل في الكون ومواجهة الظلم هو مشروع الأنبياء من إبراهيم وآله و محمد وآله من الأئمة، جاء في التوراة الظلم يخرّب البيت ويقابله في القرآن الآية الكريمة ( وتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) ومن هنا قال الحسين في ثورته " إني لا أجد الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا شقاء وبرما"
على خطاك يشج ليل باهظ وتعود في أجسادها الأسماء

(6) بل إن المحللين منذ 61 هجرية حتى اللحظة مازالوا يقفون مشدوهين ويضربون رأسهم في حائط التحليل والفكر ما بين محب مفرط وبين حاقد مبغض ، بغية الوقوف على هذا الإقدام للإمام الحسين في معادلة غير متكافئة خاضها الحسين ، نهايتها محسومة وتشبه الانتحار .. وعزوا ذلك ان للحسين طبيعة جياشة ثائرة .. هل هي سمات بني هاشم تحديدا كما قال الإمام علي : أما نحن بنو هاشم أمجاد أنجاد ، أو كما قال في موقف اخر : أما نحن(بنو هاشم ) فابذل لما في أيدينا واسمح بنفوسنا عند الموت .لقد كان هذا ناتجا عن يقين راسخ لدى الحسين تجاه مأزق الواقع العام في حينه فقد جاء في كتاب سيد شباب أهل الجنة للشيخ عبد اللطيف مشتهري في كتابه"سيد شباب اهل الجنة"قول الحسين لمعاوية " إني لا اعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها ولا أعظم نظرا لنفسي ولديني ولأمة محمد من أن أجاهدك ومتى فعلت ذلك فانه قربة لله ولو تركته لاستغفرت لنفسي ولديني ، يا معاوية تربص القصاص واستيقن بالحساب واعلم أن لله كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها " وفي كلام الحسين هذا يتضح اختلاف ثورة الحسين عن ثورة جيفارا وماو تسي تونج وماركس . إن التصور الغربي للأشياء يختلف قريبا لما قاله (غرايم سوان) :" لقد جربت الكحول المعقم ومحلول فراير والبول ووضعت يدي في كل منهما ولم أجد أي فرق بينهما " والمفترض ألا يكون تصور الإسلاميين للثورات كما هو تصور (سوان) الذي لا يميز ما بين الطهارة والنجاسة ..أما التصور الإسلامي لثورة الحسين معياريتها التقوى ..تؤمن بالله وتستيقن الحساب وهي ثورة لا تحرق الأخضر واليابس أو تقتل من اجل القتل او سفك دمء من اجل السفك .. فهي تتقي الله في كل صغيرة وكبيرة لان كتاب الله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ..هل السياق العام في نفوس أبيه لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ،لأن الله سبحانه يأبى ذلك ورسوله والمؤمنون وجدود طابت وأرحام طهرت ، توجه عام لدماء الكرام أنها مباحة في هذا المعترك كما قال الشاعر:
ما أبالي وان أريقت دمائي*** فدماء الكرام دوما مباحة
وفي هذا السياق يقول الإمام الحسين :" خط الموت على ابن ادم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وقد خير لي مصرع أنا لاقيه ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن من أكراشا جوفا واحويه سغبا ،لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضا الله رضانا آل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين ، لن تشد عن رسول الله لحمته وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه وينجز بهم وعده ."

(7) ما الذي يحدو بالحسين على الإقدام على الموت أمام أطفاله الصغار وذويه في هذا المشهد المأساوي و المبكي الحزين لينتهي الموقف في منتصف نهار اليوم العاشر من محرم أن يكون قتيلا في العراء بين الضحايا به 33 طعنة و34 ضربة ، مولاي الإمام الحسين يا وجع السنين العجاف ، يا أيها الحرف المدمّى في سفر المجد ، أيها الشاهق في مجتمع يتآكله الفساد ،في مظلوم لا ينتصف وظالم لا ينتهي ، طرفا المعادلة فيه قصر جبار وكوخ لأيتام فكلما انتهب الطغيان تعاظم الحرمان كما قال الإمام علي : ما جاع جائع إلا من تخمة غني .. وينتهي الأمر في مجزرة تعرض لها آل البيت لم يشهد التاريخ لها مثيلا ،لقد اخذ التحليل مني في هذا الصدد 25 عاما ، لنصل إلى كلمة السر وراء هذا الإقدام للحسين ،غير ما ذكرناه سابقا في مقالات سابقة أن العقيدة لدى الحسين جد لا يحتمل الهزل " كما قال العقاد ولكنني أقف مشدوها إلى ما ذكره الحسين من حديث للرسول يتعلق بالموقف تحديدا واحد محفزات الحسين في نهضته, يقول الحسين ": أيها الناس ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان – فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقا على الله أن يدخله مدخله ". ثم يستطرد ،ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتركوا طاعة الرحمن ، واظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستأثروا بالفيء واحلوا حرام الله وحللوا حلاله .. انتهى.

(8) هل هذا الحديث أعلاه وضع الحسين على المحك الذي به يرفض التراجع و أيضا جعل الأمة من جهة أخرى في دائرة الاتهام ، أو الصد عن طرح الحسين استثقالا للحق لأنهم لا يستطيعونه لما له من تكاليف باهظة ونهايتها واضحة المعالم ، قال المصطفى " اشرف الموت قتل الشهداء " و هو أسلوب حياتي لدى آل محمد قال زيد القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة ، هل دائرة مشاريع التغيير و الإصلاح بعيدا عن هذا الحديث- استثمار فاشل ؟!- وهل لو وجد الحسين بدائل أخرى لأقدم عليها ولكنه لم يجد إلا هذا الحل المؤلم لنا حزناً عليه، وبالتالي ليس لديه متسع فقهي لحل أخر ، أو انها لن يؤت ثمرة ، ومثار ذلك أن كل طرح للنهوض أو الإصلاح مجهض في مهده ويُخنق قبل أن يستنشق عبير الحياة - ناهيك أن استثناء وتجنب طرح الحسين استثمار خاسر للشعوب غدا عند لقاء الله . وهو قول المصطفى- كان حقا على الله أن يدخله مدخله – وعلى الجهة الأخرى لقد كان لحركة الحسين ودرس كربلاء أثره الفاعل في أماكن أخرى : يقول الخميني ليس عندنا سوى عاشوراء . هل معضلة الشعوب تتلخص في قوله تعالى " لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ" وهي بعد الشقة التي قال فيها الإمام علي حينما كان يحاور عمار احد الانتهازيين فقال له " دعه يا عمار دعه فإنه لم يأخذ من دينه إلا ما قاربه من دنياه ليجعل الشبهات جسرا لسقطاته " هل المأساة أننا لا نأخذ من الدين إلا ماقاربنا من دنيانا ، وليس الآخرة .. لا يسعنا أن نقدر في هذا الصدد للحسين غضبته فهو يرى أن الدين شرف بيت ، فكيف يتم التلاعب بالدين ، والدين من بيته نالته الأمم .. كيف يتم التلاعب بالدين بعدما جاهد جده محمد صلى الله عليه وسلم ليرى الحسين أن بناء الإسلام يهدم فيه بالمعاول من قبل من لا خلاق لهم ، لا شك ان غضبة الحسين لها مبرراتها في هذا الإقدام وهي المسئولية عن دين نزل في بيتهم خاصة..يقول الحسين عندما أراد ابن زياد أن يستسلم ولم يجعل له خيار : ألا إن الدعي بن الدعي قد ركز بين السلة والذلة ، هيهات منا الذلة يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون وجدود طابت وأرحام طهرت لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام .

(9) إن الحضارة المؤمنة حضارة ناضجة ، حضارة قيمة الروعة فيها أنها تضع الأمور في سياقها الطبيعي من العدل وان كان الشرك ظلم عظيم فإن أولى أولويات العدل هو التوحيد ، فمشروع الحضارة الإسلامي ، مشروع العدل في الكون ليقوم الناس بالقسط وهذا شعار الحج في التلبية "التوحيد"، لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ،
إن الحج في الإسلام يرد الأمور الإيمانية في العلاقة بين العبد وربه إلى الحلقات الحاسمة الأولى والشرارة الأولى التي ابتدأت منذ الجذور الأولى ليس في الثقة بالله واقتفاء الأثر فحسب ، بل النظرة الشاملة لسيرة إبراهيم عليه السلام الحافلة بالمواجهات كمعالجة أبو الأنبياء للواقع الكوني من مواجهة النمرود وتكسير الصنم ..الحج يعيدنا إلى اقتفاء الأثر في السير على درب إبراهيم بما تحمله عبقرية المكان ، و إسماعيل في رفع بنيان الإسلام وهاجر المؤمنة وسعيها بين الصفا والمروة .. ومحمد صلى الله عليه وسلم الذي وضع لنا النسك ،في لواء لا اله إلا الله المركوز في مكة المكرمة وتمام الحلقة بآل محمد الذي رفع البنيان ونكس الأصنام ..
ولذلك قال المفكرون :
إن المجد ما بناه الجد واحيا فعاله المولود .
او كما قال الكميت .
لما عبأت نفوس المجد أسهمها حيث الجدود على الاحساب تتصل
لقد كان مشروع الأنبياء من إبراهيم وآله ومحمد وآله محمد .. هو بعث الأمة في حالات انكسارها ..
وما المجد إلا رافعا علما أو هادما صنما أو باعثا أمما ..
إن مشروع إبراهيم واله ومحمد واله هو بعث هذه الأمة من تحت الركام.

(10)
لقد تعلمت الشعوب من خلال آل محمد وآل إبراهيم كيف ينتصر المبدأ على ذهب المعز وسيفه وتعلمت من إبراهيم كيف تواجه الحرق ومن محمد صلى الله عليه وسلم كيف تواجه الكون ومن الحسين تعلمت كيف ينتصر المبدأ على جسر الموت لا جسر اللوزية كما قال الرحباني .. وهاهو الإيمان متمركز في نواة خلايا هذه الشعوب وكريات دمها الحمراء والبيضاء .. إن الإيمان متمركز في (الدي، إن، ايه) فكيف تقهرها قوى الكفر ..اسألوا التاريخ .. اسألوا الشيشان ، اسألوا أفغانستان ، اسألوا العراق ، كيف ينتفض الإسلام كالعنقاء من تحت الركام .
مشروع آل محمد وال إبراهيم ، في صياغة امة مسكونة بالتمرد والثورات وكبرياء الإيمان .الذي لا يخضع ولا يتذلل إلا للخالق الأعظم – سما مقامه – فلقد قطع إبراهيم واله ومحمد واله بهذه الأمة أشواطا رائعة في درب المجد يستحيل بعدها الركوع لصنم أو الردة إلى الوثنية أو أن تستدير بالجواد ..أنا مطمئن على هذه الأمة أنها لن ترتض بصفقة الإيمان بديلا لأنها فقهت صناعة المجد والتاريخ – قد يسوقها العوام بعفوية – من يرّش الإسلام بالماء ، ترّشه بالدم .. لقد سبق السيف العذل .


العرب نيوز
التاريخ المجهول للإسلام المقاوم:

د. حلمي القاعود
العلماء والعوالم !

د. صفوت بركات
شلل القانون الدولى ومؤسساته

طلعت رميح
بديل انزلاق الثورة إلى الحرب

الرئيسية | الأمة | العالم | نقاط ساخنة | منوعات | مقالات | تقارير | مواقع
عن الموقع | اتصل بنا | الإعلان