نقد العقل المسلم (الجزء الثالث )
بقلم : عبد الحليم أبو شقة
والعقيدة
وما يتبعها من عبادات وأخلاق هي جوهر الدين وأساسه ، ليس في الكيف فحسب بل هي كذلك
في الكم أيضا ، إذ تمثل تسعة أعشار الدين، وأما العشر الباقي فهو مجموعة من
الأحكام ذات الجوهر الخلقي لتنظيم وضبط بعض نواحي الحياة الاجتماعية ذات الصيغة
الثابتة ، والتي لا تتغير بتغير الزمان والمكان في القليل النادر0
ولكن ونحن
نحاول المحافظة على قيمنا ، وفي نفس الوقت نحرص على اقتباس النافع من غيرنا كيف
نفرق بين ما يسمى الغزو الفكري وبين التفاعل الحضاري (أي بين التغريب والتحديث)؟0
الغزو
الفكري هو فرع من الغزو الاستعماري ، وهو نوع من التشويه الفكري ، مقصود به تهيئة
البلاد المستعمرة المتخلفة للاستمرار في حالة التخلف والخضوع للاحتلال والسيطرة
الخارجية0
الغزو
الفكري :
يعني
انتقاء المستعمر لنواحي فكرية منحطة من حضارته ، فيقدمها بغية تحقيق هدف استعماري
، وهو يختار ما يهدم لا ما يبني ، وإن كان ولابد من قدر من البناء تحت الضغط
الجماهيري فهو محدود أيضا بالهدف نفسه ، وهو يمكن المستعمر من تحقيق أكبر كسب من
تلك الصور والمنحطة0
والمستعمر
هنا سلبي يتلقى ما يلقي إليه ، دون اختيار أو تمحيص ، بينما التفاعل الحضاري :
جهد إيجابي
شاق في الدراسة والبحث والتمحيص فيما لدى الحضارة الأخرى ، ثم في الاختيار
والانتقاء ثم في التأقلم والتكيف مع خصائص حضارتنا الأصلية ، ومع ظروف بلادنا0
التغريب
يعني :
قبول ثقافة
الغرب قبولا مطلقا بخيرها وشرها وحلوها ومرها 000
والتحديث :
هو
الاختيار الجاد لأحسن ما في ثقافة الآخر ، لتعمل في وحدة مع أحسن ما تراثنا لبناء
حياتنا الحديثة ، وبذلك نحافظ على شخصيتها كأمة لها تاريخ ولها رسالة على مستوى
العصر ، بل في أرقى مستوى للعصر0
ومن سلبيات
الخلط بين الغزو الفكري الاستعماري السلبي وبين الحضارة الحديثة ـ نشوء هذا الحاجز
الضيق بيننا وبين الفكر الإنساني ، وتعميق التصور الخاطئ للعلاقة بين الحضارات ،
فإما أن تبدو كعبودية من حضارة لأخرى ، أو كخصومة وانفصال تام بينهما0
على أنه
إذا حدث اقتباس من حضارة في ظل التصور الخاطئ ، فإن المقتبسين أنفسهم أو من حولهم
لابد أن تخالفهم شعوريا بالاستخذاء والزلة، وكأنهم يقومون يعمل مهين ، بحيث نستطيع
أن ننتشل هذه الحضارة من الحياة الآلية ومن الفراغ الروحي الأليم ، إنها مسئولية
جسيمة ، ولكن القيام بها ممكن جدا0
وهنا تفرض
قضية الاستشراق نفسها ، فالمستشرق ينتمي إلى بيئة لا هي إسلامية ولا هي عربية ،
لذلك يثير في نفوسنا دواعي الانتباه حين نقرأ له ، سواء في الفرق الإسلامية أو في
أعلام الفكر الإسلامي ، أو غير ذلك من موضوعات تخصنا ، فهو يتكلم بروح ليس لها
موقف تقليدي من هذه الفرق أو من هؤلاء الأعلام000
وهذا ـ في
الحقيقة ـ من الحسنات ، أنه يعرض هذه افرق وهؤلاء الأعلام من زاوية لا تتفق كثيرا
لأتباع هذه الفرق والمعجبين بهؤلاء الأعلام0
ولأن
المسلم منا ينظر بعين العطف إلى أبناء مذهبه الديني وبعين الإشفاق إلى أبناء
المذاهب الأخرى ، ومن ثم يصعب عليه عند إرادة البحث العلمي ، الذي لا يعرف العطف
ولا الإشفاق ، أن يتخذ لنفسه موقفا يخلو من أي منهما 0
وفوق ذلك
قد يتيسر للمستشرق كثير من سعة الأفق الفكري وغزارة المنهل الذي يستمد منه
معلوماته ، وذلك لكثرة ما يعرف من لغات 000 فمثلا : قد يحذق ثلاث لغات حديثة كالإنجليزية
والفرنسية والألمانية ، وهذه وعاء الثقافة الحديثة 000 وقد يحذق أيضا لغات قديمة
مثل الإغريقية واللاتينية ، والأولى تأثر الفكر الإسلامي بتراثها في مرحلة من
مراحله ، والثانية عندما تفوق الفكر الإسلامي نقلت عنه وقامت إلى جانبه حتى نهاية
العصور الوسطى وبداية النهضة الدبية الحديثة 000 فلا شك أن بعض ما يرد ذكره في
التراث الإسلامي يجده أيضا لديه في إحدى هاتين اللغتين أو في كلتيهما 0
وقد يعرف
المستشرقون أيضا لغات شرقية مثل العربية والفارسية ، والأولى هي الوعاء الأساسي
للفكر الإسلامي ، والثانية اشتملت على التراث إسلامي لا يستهان به ، ولا سيما في
مجال التصوف 0
ولا ننسى
أن نشير في هذا السياق إلى أنه قد شاع بيننا ـ وبحق ـ أن كثيرا من كتابات
المستشرقين يعتريها الخطأ من نواح ثلاث:
1 ـ الهوى
والغرض أحيانا0
2 ـ عدم
الإدراك أو التذوق لمعاني الألفاظ العربية أحيانا أخرى0
3 ـ ضعف
التحري والاستقصاء العلمي أحيانا0
وقد يعني
ذلك عند بعض منا أن نهمل كتاباتهم ، ولكن إذا كانت تلك عيوبهم ـ على أنهم يتفاوتون
فيها ـ فهناك مميزات كثيرة تدعونا إلى أن نقرأ لهم ، وإنها لخسارة كبيرة أن نحرم
أنفسنا من هذه المميزات 00
13 ـ إذا كان
هدي الله للإنسان في أمور الغيب يأتي كاملا شاملا مفصلا ، حيث لا يستطيع العقل أن
يكمل أو يزيد أو يفصل ، وإنما يتلقى يقظا واعيا دون قهر أو تخبط ـ فإن هدى الله في
أمور الشريعة في غير العبادات يأتي ليقرر قواعد عامة وأحكاما محدودة أشبه بمنارات
على الطريق ، لكنه لا يرسم الطريق ، فالطريق نحن نرسمه بعقولنا ـ مهتدين بهدي ربنا
ـ وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن مثل ما بعثني الله به من
الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا ، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ
والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا
وزرعوا 000" (رواه مسلم)0
إن أصحاب
العقل الذكي الواعي المتأمل هم الأرض الطيبة ، يقبلون ويمتزجون بالواقع و حاجاته ،
كما يمتزجون بعلوم العصر ومعارفه، ثم يخرج منهم إلى الناس الخير الكثير ، فيعمرون
به الأرض ويصنعون النظم ، ويقيمون الحضارة أما عقول الحفظة والنقلة فمثلها مثل
الأجادب من الأرض 0
واجتهادات
عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ خير مثال على الإعمال المنضبط للعقل في فهم الشرع
وتنزيله على واقع الناس0
إن عقل
المؤمن عرضة أحيانا للوقوف أو التوقف ، وذلك أن جلال الدين ومقام النبوة قد يغلبان
المؤمن على عقله ن فيتوقف حيث لا ينبغي له التوقف ، مثل ذلك ما قاله أبو بكر يوم
حدثه عمر في جمع القرآن ، قال أبو بكر : أفعل أمرا لم يفعله رسول الله !!! وظل عمر
يعرض رأيه حتى شرح الله صدر أبي بكر فوافق
مثال ثان :
كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعطي المؤلفة قلوبهم من الزكاة ؛ تأليفا لهم
ومنعا لشرهم ، ثم أعز الله الإسلام وقويت شوكة المسلمين ، ولكنهم ظلوا يعطلون
المؤلفة قلوبهم وقوفا منهم عندما كان يفعله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رضي
الله عنه ـ نظر في دوافع فعل رسول الله ، فوجد أنها قد زالت ، إيقاف ما كان يفعله
رسول الله ثم أقره أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ (انظر فقه الزكاة ليوسف القرضاوي ،
60)0
وهذا مثال
ثالث : فتح المسلمون أرض السواد (ريف العراق) عنوة (أي بالقوة والغلبة) فقال فريق
من المسلمين : إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قسم أرض خيبر فتجب القسمة ،
وطالبوا الخليفة عمر بالوقوف عند سنة رسول الله ، لكن عمر بجرأة قلبه وعقله لم يقف
جامدا عند حادثة خيبر ، بل نظر بعيدا ، وقال : إن قسمتها بينكم فما يبقى لمن جاء
بعدكم من المسلمين؟ (انظر سير عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص66)0
لم يقف عمر
موقف أصحابه ن بل ربط سنة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بظروفها ، ورأى ظروفا
جديدة ، فمضى بسنة جديدة من باب البدعة الحسنة ، وهكذا يتضح أن التوقف فعل رسول
الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون فهم المبررات الموجبة له ، ودون النظر في مقدمات
الموضوع ودواعيه ونتائجه ، أمر شديد الخطر ؛ لأنه يعطل عمل العقل الذي كلفه الله
بالنظر والبحث والتبين ، وإذا تعطل العقل ج الإنسان لا على الحق والخير ، بل ربما
استدبر هدى الله وهو يحسب أنه يستقبله 0
وما أحوج
المسلمين اليوم لعقل جريء : يتحرى هدي الله ، ويثبت جلال الدين وغايته ، ومقام
النبوة وعظمته ، فلا يسرع بالتوقف حيث ينبغي المضيء ولا يقف عند نص حيث ينبغي
اجتهاد جديد في دلالة النص وفي ظروف النص ، على أن يكون له من تقوى عمر ومن فقه
عمر نصيب0
تصورات
أولية لإعادة تشكيل العقل المسلم
يتراوح
تشكيل العقل بين ثلاثة محاور أساسية هي :
أ ـ محور
تغيير الإدراك وأنماط التفكير ليصبح تفكيرا منهجيا سليما (تغيير الوعاء)0
ب ـ محور
التنوير بمعلومات ومنهجية عن الشرع والواقع (تغيير المحتوى) 0
ج ـ محور
التلاقي والتفاعل بين ما سبق بغية بلورة تصور للتغيير والبدء بالتنفيذ0
وليست هذه
المحاور مستويات ولا درجات ولا مراحل ، ولكنها أبعاد للصور فقط ، وعلى هذا أعتقد
أننا لتغيير الإدراك نحتاج دراسات مناسبة في علم النفس وعلم الاجتماع وأصول الفقه
وعلوم اللغة العربية وآدابها وقراءة النص فيها0
أولا : فقه
الواقع :
أ ـ حاضر
الأمة (خاصة المناطق إيران ـ تركيا 000)
ب ـ حاضر
العالم وتاريخه : خاصة عالم المستضعفين : أفريقيا وآسيا، وعالم المستكبرين ، دراسة
ملامح العصر الحضارية ومراحله0
ج ـ حاضر
الحرية وماضيها وخبراتها ، والتعدد داخل الحركة الإسلامية وأسبابه وكيف تتعامل معه
ونستفيد منه0
د ـ حركات
التغيير المختلفة ، خاصة لدى المسلمين ، خبراتها وتجاربها ، مثلا نقابة تضامن
البولندية0
هـ ـ
مفاتيح العلوم :
مبادئ علم
السياسة 0
مبادئ علم
الاقتصاد 0
مبادئ علم
الاجتماع والخدمة الاجتماعية0
مبادئ علم
التربية0
مبادئ علم
الإعلام والاتصالات0
ثانيا :
فقه الشرع :
ـ السيرة ـ
الفقه
ـ التفسير
وعلوم القرآن ـ علم السلوك والأخلاق0
من عوامل
اليقظة :
ومن أدوات
اليقظة العقلية التي تأمل في تحقيقها في حياتنا المعاصرة ، ليحدث النهوض على كل
المستويات ما يلي :
أ ـ تعزيز
موقع "العقلية العلمية" في مجتمعنا ، فهي العقلية التي يتطلبها العصر
الذي نعيش فيه ولا سبيل للحياة على مستوى العصر دون أن نتلبس بهذه العقلية 0
وقد يقال
إننا لا نأتي هنا بشيء جديد ، فما أكثر ما ندعو إلى العلم ، ونعلن إيماننا ، ولكن
بين هذا الإعلان وتلك الدعوة وبين القيام بفروضها مدى واسع 0
وأول ما
تفرضه هذه العقلية يقع في صميم شخصية الفرد ، وجوهره الإيمان الصادق بالحقيقة ،
والعزم على احترامها ، والعمل لرفع لوائها وتغليبها على سواها 00 وليس هذا الأمر
السهل ، فسبيل الوهم أوسع وأيسر من سبيل الفهم والإدراك ، وتتبع الحقيقة يقتضي من
الجهد أكثر مما يقتضيه اتباع العادة واتخاذ التنازل عن مصلحة أو الإعراض عن هوى أو
التخلي عن تقليد متبع ، وهو يتطلب فوق ذلك نقدا صريحا للذات ومحاسبة مستمرة للنفس0
وكل هذه
الفروض عسيرة لا تأتي بالطبيعة ولا تجاري السلبية ، بل تحصل بفعل قناعة مستحوذة
وإيمان مستأثر ، ثم نتيجة ما تفرضه القناع والإيمان من جهد ومن تضحية000
والنهضة
العلمية هي الصفة الأولى المميزة لحياتنا الحاضرة ، بل هي الحقيقة الكبرى التي يجب
أن نتفهمها ونسعى إلى امتلاك ناصيتها ، إذا أردنا أن نكون من أبناء هذا الزمان ومن
بناة الزمان الآتي00
وهناك طرق
ووسائل عديدة تمثل المقدمات الضرورية لكسب الروح العميق 0
مثل :
الإطلاع
على دراسات واضحة ومبسطة ، تعطي صورة عن تطور التفكير الإنساني دون الدخول في
منعطفاته الصعبة ، وربما يحسن تجنب الميتافيزيقيا المسرفة في الخيال والأوهام0
دراسة
النهضة العلمية الحديثة (تاريخها ومقوماتها ونتائجها)0
الإقناع
بأن الروح العلمية ستكون شيئا نافعا لنا ، ولا يمكن أن تؤدي إلى إضعاف رباطنا
بالإسلام إلا أسأنا فهمها
وتؤكد هنا
أن أكبر خدمة يقدمها رجال الفكر هي ألا يقولوا غير الأشياء التي يقبلونها وتقبلها
ضمائرها ؛ لأنهم أعملوا الروية فيها ، وعملوا طويلا على إيضاحا وتحفظا تلك القاعدة
(التي توصي ألا نقبل شيئا ما لم يتبين لنا أنه كذلك) من كل تعجل واستباق ، وهذا
يحتاج إلى الإيمان بروح الدقة والتحري والانغماس في حب العلم ، وهي الروح التي كشف
عنها أبو حامد الغزالي في المنقذ من الضلال0 حين قال " لم أزل في عنفوان
شبابي منذ راهقت البلوغ ـ قبل بلوغ العشرين ـ وإلى الآن ـ وقد أناف السن على
الخمسين ـ أقتحم لجة هذا البحر العميق ، وأخوض غمراته خوض الجسور ، لا خوض الجبان
الحذور ، وأتوغل في كل مظلمة ، وأتهجم على كل مشكلة ، وأتقحم كل ورطة ، وأتفحص عن
عقيدة كل فرقة ، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة ، لأميز بين محق ومبطل ،لأميز بين
محق ومبطل ، ومتسنن ومبتدع ، ولا أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على بطانته ، ولا
ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظهارته ، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه
فلسفته ، ولا متكلما إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته ، ولا صوفيا
إلا وأحرص على العثور على سر صفوته ، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل
عبادته ، ولا زنديقا معطلا إلا وأتحسس وراءه للتنبيه لأسباب جرأته في تعطيله
وزندقته ، وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديداني من أول أمري ، وريعان
عمري ، غريزة وفطرة من الله تعالى وضعها في جبلتي لا باختياري وحياتي ، حتى انحلت
عني رابطة التقليد ، وانحسرت عني العقائد الموروثة على قرب عهد بسن الصبا "
(المنقذ من الضلال : ص 328 ـ 329)0
ب ـ حب
القراءة والبحث والاطلاع ؛ وهذا الحب يفرض علينا أن نقف مع الإسلام في صف العقل والعلم
مواجها ورافضا الخرافة وتعطيل التفكير ، فقد رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
رجلا يسوق بدنه فقال "اركبها" فقال إنها بدنه قال " اركبها
ويلك" (رواه البخاري)0
وكان الناس
في الجاهلية يطوفون بالبيت عرايا ، بما يناقض العقل والفطرة ، فجاء الشرع بتحريم ذلك
، وأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن ينادي في الناس في العام التاسع للهجرة
:"لا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان" (رواه البخاري)0
وكانت
الأنصار إذا حجوا فجاءوا لم يدخلوا من قبل أبواب بيوتهم ، ولكن من ظهورها فنزلت
الآية الكريمة : (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) (سورة البقرة:189)0
وحين مات
إبراهيم ابن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خسفت الشمس فقال بعض الناس إنها
خسفت لموته ، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم " (إن الشمس والقمر آيتان من
آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ) أخرجه البخاري ومسلم0
وحين نقف
مع الإسلام في صف العلم والعقل سنجمع بين هدي الوحي وإرشاد العقل ، والوحي هو
النور الذي يضئ الطريق ، والعقل هو الذي يسعى إلى صواب الاتباع ، مستوثقا من صحة
الطريق0
والوحي ليس
عصا سحرية تعمل كل شئ وحدها : أي بمجرد إيمان الإنسان تتحول حياته كلها إلى نعيم
أو قوة أو حتى إلى استقامة0
يقول تعالى
: (الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) سورة البقرة 257
وهذا
الإخراج إلى النور ليس مثل خروج إبراهيم ـ عليه السلام ـ من النار سالما ، إنما هو
خروج يقتضي عملا متتابعا من العبد وسعيا دءوبا في مرضاة الله تعالى ، حتى ينطبق
عليه قوله تعالى : " والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتاهم تقواهم)سورة محمد 17 0
إن من
العمل الواجب على العقل وهو يقرأ أو يطلع : التفكير فيما يعرضه الله سبحانه وتعالى
من حجج فلإيمان ، فإذا آمن فعليه أن يتبع الوحي المنزل ليهتدي به ويعمل بمقتضاه ،
وهذا الاتباع يقتضي فهما صحيحا للنفس أولا ، ثم تطبيقا صحيحا على الواقع ثانيا ،
ثم استمرار النظر في النص لفهمه في ضوء الخبرات الجديدة 0
وكذلك
الحال في الدعاء والجهد البشري لا غنى لأحدهما عن الآخر ، ولا يناقض أحدهما الآخر
، بل يتكاملان ، والدعاء ثابت من ناحية ومتجدد من ناحية ، بمزيد من الإخلاص
والضراعة والإلحاح ، والتكرار دون يأس ودون استعجال ، والجهد متغير متجدد كذلك0
إن فك
الاشتباك الموهوم بين العقل والنقل ، سيبدو في هذه اللحظة أمرا ضروريا ، وعاملا
مهما من عوامل اليقظة العقلية للمسلمين ، فالمسلم هنا بين أمرين ؛ إما أن يقبل
العقل ويتهم النقل ويرفض حكمه ، وإما أن يقبل النقل ويتهم العقل ويرفض حججه0
ولو أن
المسلم أعمل عقله كما ينبغي له ، فيمحص المصدرين ، وينظر ويتأمل في صريح العقل
وينظر ويبحث في صحيح النقل ـ أقول إن المسلم لو فعل ذلك لظهر له وجه الحق ، وهو ؛
إما أن يكون النقل صحيحا بينما حجة العقل ضعيفة واهية ، وإما أن يكون النقل ضعيفا
سندا أو متنا ، وربما أصاب الضعف كليهما معا0
والنقل
الصحيح المقصود هنا هو "الوحي" أي النقل المضبوط عن الله تعالى أو عن
الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)0
أما النقل
عن الرجال فهو اجتهاد منهم يسمى عقلا ولا يسمى نقلا0
ومن الأمور
التي تظهر فيها التعارض الموهوم بين النقل والعقل ؛ حظر تعليم المرأة وعملها
ولقائها مع الرجال في مواطن الجد والخير ـ وهذه كلها يؤكد العقل والتجربة فائدتها
وحدودها 000 والنقل الخاطئ سندا أو متنا يرى غير ذلك والحق أن النقل الصحيح يقبلها
ويرد النقل الخاطئ0
أما الطلاق
وتعدد الزوجات فالنقل الصحيح يقبلها (بشرطهما وآدابهما) 0
والعقل
الصحيح كذلك يقبلهما0
الخلاصة :
إن ما ينكره العقل يحجج صحيحه يرده النقل الصحيح ، أي أن كثيرا من العادات السيئة
والتقاليد الضارة والمفاهيم الخاطئة ينكرها العقل ويردها النقل0
ورحم الله
ابن تيمية أن أخرج كتابا كبيرا للناس أسماه (ردء تعارض العقل والنقل) ومما قاله :
إن صريح المعقول لا يعارض صحيح المنقول0
والعقل
المتحرر لا يتم تحرره بغير القراءة المتفتحة على عالم الأفكار ـ كل الأفكار على
اختلافها كما أن هذا العقل المتحرر لا يكتمل تحريره بغير الحوار مع المخالفين ـ
سيأتي عن الحوار تفصيل أكثر فيما بعد0
والنصيحة
التي نتوجه بها إلى أهل العلم وطلبته من قومنا ، هي أن نقول لهم : أعملوا عقولكم
مع تقوى الله ومع كامل الحرص على اتباع هدى الله0
أولا : في
استيعاب النصوص المتصلة بالموضوع الذي تدرسونه 0
ثانيا : في
تمحيص النصوص لاستبعاد الضعيف0
ثالثا: في
استخراج الدلالات العميقة التي تحتويها النصوص 0
رابعا: في
نقد النصوص:
ـ هل هناك
تعارض بين النصوص وبعضها بعضا؟ وهل من سبيل للجميع بينهما عند التعارض؟
ـ هل هناك
تعارض بين النصوص الظنية وبين القواعد الشرعية الكلية القطعية؟
خامسا : في
تنزيل النصوص على الواقع:
ـ مع دراسة
عملية وميدانية إحصائية للواقع0
ـ هل تطبيق
النص يعطل مصلحة راجحة (قطعية) بطريقة علمية فيقيد أو يخصص بدل أن يعمم ، أو يعطل
تعطيلا مؤقتا0
ج ـ
والعامل الثالث الذي تتحقق به اليقظة هو : اتهموا آراءكم فلعلها في بعض جوانبها
تخلف هدى الله وأنتم لا تشعرون ، راجعوا عوائدكم وتقاليدكم وما ورثتموه عن أجدادكم
راجعوها على هدى محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإياكم واتباع سنن من قبلكم حيث قالوا
{إنا وجدنا ءاباءنا على أمة وإنا على ءاثارهم مقتدون}(سورة الزخرف23) ولا يصرفنكم
عن المراجعة أقوال قالها رجال كرام أجلاء بل أئمة أعلام ؛ فالرجال مهما جلوا
ولأئمة مهما سمت منزلتهم غير معصومين000
وهم أنفسهم
قد أكدوا أن كل إنسان يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم0
وفرق كبير
بين الأصل الصحيح من كتاب أو سنة وبين القول الشائع ، فقد يكون ذيوع القول على غير
أساس متين ، بل قد يكون مخالفا للأصل الصحيح0
د ـ حفظ
العقل الذي هو من الضروريات الخمس المقررة في أصول الفقه ، وترد نصوص الشرع مؤكدة
حماية العقل ، ومن أمثلة تحريم الخمر لأنها تذهب العقل0
إلا أن
هناك درجات أخرى من الحفظ كما يلي : فضلا عن حفظ وجود العقل فهناك حفظ كماله ؛ أي
أن يكون في أحسن حال ، فإذا كان الموت يذهب بالنفس ، فالأمر تذهب بكمال هذه النفس
، سواء أكانت أمراضا بدنية أم أمراضا نفسية0
وكما يقتل
من قتل نفسا بغير حق فألغى وجودها ، فكذلك يحد أو يعزر من تسبب في مرض نفس أو عجز
نفسي أو نقصها0
ومن ذلك
العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص00 وهكذا أية إصابة متعمدة تصيب البدن يسأل
صاحبها ويعاقب لأنه أساء لهذا البدن0
وكذلك
العقل كما يجب حفظه من الضياع ، كذلك يجب حفظه من سلامة الغذاء الذي يطعمانه حتى
يوفر للبدن الصحة الكاملة والنشاط الكامل ـ كذلك يسألان ويحسبان على مدى سلامة
الغذاء الذي يوفرانه لولدهما ، حتى يصح عقله مهتديا مستقيما تفكيره ، وهذا ما يسمى
العلم الضروري 0 وانظر ما أشار إليه الحديث : " طلب العلم فريضة على كل مسلم
" (رواه ابن ماجة)0
والعلم
الضروري يشمل معرفة الواجبات والمحرمات ، حتى يفعل المسلم الواجبات ويتجنب
المحرمات ، لذا ينبغي تحديدا ما هي الواجبات الشرعية وكما أن الصلاة واجبة فالتبين
واجب وسؤال أهل العلم واجب عند عدم المعرفة0
هـ ـ تجديد
الدين : عن أبي هريرة قال "إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة
سنة من يجدد لها دينها " (رواه أبو داود والحاكم في المستدرك والبيهقي وورد
في صحيح الجامع الصغير وقال المحقق صحيح) ـ سيأتي مزيد كلام حول التجديد0
والتجديد
يستوجب تحديث الفكر(العقل) وإطلاع على منتجات العقل البشري في كل مجال ، حتى يتحقق
تنزيل الشرع على الواقع 0 ولعل النظر في آيات الله الكونية مجال متجدد لتنشيط
العقل وتحديث الفكر0
وتحديث
العقل المسلم ينتج عن تحديث الفهم الإسلامي للنصوص ، وذلك بالتعامل مع النصوص
الثابتة القديمة بفهم حديث ، يستصحب الوصل والكليات الإسلامية0
و ـ لا
يتناقض موقفنا من المتمسكين بالتراث غثه وسمينه مع دعوتنا الأكيدة للعودة إلى
الينابيع والأصول (القرآن والسنة) فهما وحدهما المصدران الأصليان النقيان الصافيان
، بينما غيرهما من آراء وأقوال اجتهادات في فهم النص ، وكلها عرضة للخطأ والصواب ،
وليس من بشر معصوم غير الأنبياء عليهم اسلام0
ز ـ
الالتزام الصادق بأمر الدين الذي يريد من العقل : أن يكون يقظا ، أي أن يكون فاحصا
ناقدا ، وأن يعمل بكل قواه ، وليس مجرد افدراك الحسي القريب الشبيه بإدراك الدواب
، ولا الإدراك المشوب بالأوهام ، ولكنه إدراك يميز بين الحقائق وبين الأوهام ،
يستوعب العلاقات القريبة والبعيدة ، كما يستوعب العلاقات الحقيقة لا المتوهمة0
فإذا تيقظ
العقل كان أول عمله أن يتلقى دين الله عن رسله بالقبول ، فيسلم ويؤمن ، فإذا أسلم
وآمن تلقى من الإسلام والإيمان هدى يتمثل في منارات تنير له الطريق ، وضوابط تضبط
عمله0
ح ـ الوعي
بعصرنا وبواقعنا وبالعلم من حولنا ، بقضايانا ومشكلاتنا الفكرية والعلوم والمذاهب
المعاصرة ، والتفاعل الجاد بين التراث والفكر والعلوم الحديثة وواقعنا الخاص0
ط ـ
التفكير إذا مورس في الخفاء لن يكون له أثر كبير، بل سيصبر مثل العادة السرية (كما
قال أحدهم) أي بلا نتيجة معنوية (صحية نفسية) وبلا نتيجة مادية (أي الحرمان من
الإنجاب) وخروجا من هذه السرية فينبغي على الدولة كما تدعم الخبز أن تدعم رغيف
العقول (كما قال أحدهم) فالتخلف كما يكون بالجوع يكون بالجهل ، وليس بالخبز وحده
يحيا الإنسان ، وإنما به وحده يحيا الحيوان 0
ك ـ الجهد
البشري هو عماد الحركة على الأرض ، والإيمان في قلب المؤمن يوجه ويدعم الجهد
البشري ، ويدفعه ليخترق الأهوال ، ويكابد الصعاب ، ويعالج الأزمات ، والإيمان في
حياة المؤمن قوة دافعة تزكي الجهد البشري وتطهره من الأهواء والانحرافات، ولا يغني
الإيمان صاحبه عن الأخذ بالأسباب0
ل ـ وأخيرا
فإن من عوامل يقظة العقل المسلم صيانة العقول من البرمجة (والشبيه ببرمجة الحاسب
الآلي) وذلك بما يلي :
*بقواعد
ومنهج تفكير منتج لا مجرد أفكار متطايرة مهما كانت صحيحة0
ـ وسيأتي
الفصل الثاني خاصا بخطوات عامة لهذا المنهج0
نقطة
منهجية أساسية تقاوم البرمجة ، وهي الاستماع إلى رأي المخالف ومنهجه (قراءة أو
مشافهة) وقد تؤدي البرمجة الراسخة إلى سوء الاستماع ، وسوء الفهم ، وسوء التأويل ،
وتهميش التقاط الإيجابية ، وتقليل شأنها ثم نسيانها، لذلك لابد من الحوار ـ وهو ما
سنعرض له موضع آخر من هذا الكتاب0
كتب مساعدة
على اليقظة العقلية :
هناك كتب
وجهود فكرية عظيمة تساعد على اليقظة العقلية ، مثل :
ـ مقدمة
ابن خلدون0
ـ كتابات
مالك بن نبي 0
ـ أصول
الفقه محمد أبو زهرة0
ـ فتاوى
معاصرة يوسف القرضاوي0
ـ دستور
الوحدة الثقافية الغزالي0
ـ مشكلات
في طريق الحياة الإسلامية الغزالي0
ـ رسالة
القرضاوي حول التكفير0
ـ رفع
الملام عن الأئمة الأعلام ابن تيمية0
ـ تجديد
التفكير الديني محمد إقبال 0
ـ مقال عن
المنهج ديكارت0
ـ نقد
العقل والخالص إيمانويل كانت0
شخصيات :
وهناك أيضا
شخصيات يفيد تتبع مسارها الفكري ، ومنهجها في إنتاج الفكر على إيقاظ العقل المسلم
، ومنهؤلاء:
محمود شاكر
محمد
الغزالي
القرضاوي
طارق
البشري
محمد عمارة
كمال أبو
المجد0
وهنا ننبه
إلى أننا حين نسعى إلى ضبط مسيرتنا فلن يكون الهدف من ذلك هو التمجيد أو التجريح ،
إنما هو الدراسة والتحقيق ، أي سير الأغوار والبحث في الأعماق عن جذور بعض ظواهر
الفكر الإسلامي ، العمل الإسلامي والحركة الإسلامية ، ويحركنا في هذا الاتجاه أن
الفكر الإسلامي ليس هو الإسلام إنما هو اجتهاد المسلمين في فهم الإسلام وتطبيق
الإسلام ، وإذا كان الإسلام حقا كله ثابتا خالدا ، فالفكر الإسلامي فيه الصواب
والخطأ ، وفوق ذلك فهو متغير متطور ، وإن التزم الإسلام واستنبط من أصوله0
ومع ذلك
فإن وحدة الفكر هي بداية الوحدة الصحيحة ، وأي وحدة أو التقاء أو تعاون دون وحدة
فكر ، إنما هي وحدة أشتات وأخلاط لا تلبث أن ينفرط عقدها من أول اختيار0
ينبغي
دراسة الاتجاهات والتيارات والحركات واستخلاص المخرجات النهائية لها ، ومعرفة
الآثار المتبادلة بينها وبين القدرات والإدارات المحلية ، سواء كانت آثارا إيجابية
تثمر امتلاكا لقوى الأمة ؛ ومن ثم انطلاق تلك القوى في عملية بناء الأمة ـ إن خلصت
النيات وقامت تبتغي البناء ـ أو كانت آثارا سلبية تفرز إنهاكا لقوى ألمة وبعثرتها
؛ ومن ثم تخريب الأمة0
وقبل ختام
هذا الفصل نتساءل : هل يمكن أن نوقف سبيل التفاهة والخرافة والركاكة والغلو
العقائدي والهوس والاحتراس والنمطية والرتابة المنهمر على العقل المسلم؟
إن لم
نستطيع إيقافه فلا أمل أن نصنع بعض مدكات أو صخرات تخفف من شدة اجتياح السيل للعقل
المسلم0
ما لم يحدث
هذا فسيظل الجمود مسيطرا على حياتنا ، أو سيقودنا التغيير الأهوج إلى ما لا نريده
ولا نحمده 000 وسيظل كثير من أبناء قومي يقولون ؛ ومتى توقف العقل المسلم عن العمل
سواء في عصور الانحطاط الطويلة أو في عصرنا القلق ؟ وسيظل قولهم هذا يعني أن يعني
أنهم يفهمون
وأخيرا
أقول : إني حين أريد "عمل العقل " لا أقصد العمل الذي يتحدثون عنه في
كتب علم النفس التعليمي من تذكرة وإدراك وتفكير و 00 و000 إنما أقصد عمل العقل
المبدع ، عملا كعمل الشافعي في الرسالة والغزالي في الإحياء وابن خلدون في المقدمة
وابن تيمية في نقض المنطق وجاليليو وكوبرنيكوس في المناظير والفلك0
الفصل
الثاني
حول منهج
التفكير الإسلامي
سوف نرصد
في هذه الفصل الملامح العامة لمنهج التفكير الإسلامي ، ونعرض لبعض البنود التي
يوجبها هذا المنهج ليكون ثمة تفكير مستقيم ، ثم يأتي حديث في ختام الفصل عن أحد
لوازم منهج التفكير المذكور وهو التجديد0
إن صناعة
الإنسان هي أعظم صناعة ، وعقل الإنسان هو قائده ، وتفكير الإنسان هو موجهه ؛ لذا
كان صناعة تفكير الإنسان أشق كثيرا من صناعة أية آلة من الآلات مهما دقت أو عظمت 0
وإذا كان الإنسان هو صانع الآلة فبقدر ما يتميز تفكيره بالنضج والألمعية تكون
الآلة التي يصنعها وعظيمة ، وكلما ارتقى الإنسان وبلغ درجة عالية من التحضر أدرك
أهمية صناعة الإنسان ، وأولاها عناية خاصة تفوق عنايته بصناعة الآلات ، ورسم الخطط
وبذل المال لإعداد صانعي الإنسان وصانعي الأجيال ـ من أمهات معلمات ومعلمين ـ هي
القاعدة الأساسية للنهوض في هذا الاتجاه0
وستكون
خطانا عملاقة إلى الإمام لو نجحنا في صياغة منهج التفكير الصائب ، وأحسسنا توجيه
الأمهات والآباء والمعلمات والمعلمين إلى إدراكه واستيعابه ، ليربوا النشء على
أساسه ، ونعتقد أنه هو الأساس المتين وهو محور التربية العقلية الصحيحة0
إن تعليم
المنهج الصحيح يعني علاج أصل الداء لا أعراضه ؛ فغياب المنهج هو أصل الداء ،
والأفكار الخاطئة مظاهر هذا الداء ، ومجرد أفكار صحيحة مقابل أفكار خاطئة يشبه
تخفيف أو علاج أعراض المرض لا أصل المرض ، وإذا استمر الميكروب بالجسم فسيظل يفرز
آثاره حتى يستأصل الميكروب0
قال شيخ
الإسلام بن تيمية "لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات ؛
ليتكلم بعلم وعدل ، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت ، وإلا بقى في كذب وجهل بالجزئيات ،
وجهل ظلم في الكليات فيتولد فساد عظيم" (ابن تيمية) مجموعة الفتاوى 19 ص 203)
وقال أبو
قاسم عبيد الله بن عمر بن أحمد " أن من حق البحث والنظر الإضراب عن الكلام في
فروع لم تحكم أصولها"
قال ذو
النون بن إبراهيم :" من أعلام (أي من علامات) البصر بالدين معرفة الأصول
لتسلم من البدع والخطأ
وقال
الشاعر :
ولا ينال
ذروة الغابات إلا عليم بالمقدمات
وقال صالح
بن عبد القدوس :
لن تبلغ
الفرع الذي رمته إلا ببحث منك عن أسه
وقال الأصمعي
: سمعت أعرابيا يقول : إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع
"والأصول : الكتاب والسنة والأصول : القواعد الكلية (مقاصد الشريعة) والأصول
: الكتاب والسنة والأصول : القواعد الكلية (مقاصد الشريعة) والأصول : قواعد
الاستنباط (جامع بيان العلم وفضله : 445)0
وهنا تظهر
أهمية أدوات التفكير والبحث والنظر ، حتى المنطق وعلوم الأوائل صحيح أن قوما
قدسوها فأضلتهم أو جعلوها الميزان ولا ميزان غيره ، ولكن نحن لن ننظر هذه النظرة ،
ففرق بين أن تكون هذه العلوم هي الميزان الوحيد ، وبين أن تكون أداة من أدوات
التفكير والبحث بجوار أدوات أخرى ، وذلك بحكم أمرين ، هما :
أولا :
الميزان الشرعي0
ثانيا:
وجود أدوات أخرى بالفعل0
(لقد جمع
الكثير من المتكلمين عن الفكرة الإسلامية في القديم والحديث بين معرفة دينهم وبين
معرفة علوم الآخرين ، فأعطاهم ذلك إمكانات عالية في تناول أفكارهم عن الإسلام
وعرضها) ومن هؤلاء الدكتور محمد عبد الله دراز صاحب الدراسات العميقة في جامعات
فرنسا وغيرها ، والأستاذ محمد حسين هيكل صاحب الكتابات الإسلامية البديعة ،
والأستاذ سيد قطب المثقف العميق بالثقافة الغربية ، وقبل هؤلاء الغزالي وابن تيمية
اللذين تمكنا من الإلمام بالمنطق والفلسفة إلماما عميقا0
وجاء في
ترجمة ابن دقيق العيد على لسان تلميذه فتح الدين محمد اليعمري : "كان حسن
الاستنباط للأحكام والمعاني من السنة والكتاب ، بلب يسحر الألباب ، وفكر يفتح له
ما يستغلق على غيره من الأبواب ، مستعينا على ذلك بما رواه من العلوم ، مبرزا في
العلوم النقلية والعقلية" (من مقدمة إحكام الأحكام في شرح عمدة الأحكام ،
الجزء الأول ، ص 15)0
وبدون
المنهج يضطرب التفكير والحس والنظر0000
هل يستقيم
بحث فقهي بدون أصول الفقه؟
هل يستقيم
بحث في علم الحديث بدون قواعد الحديث أو علم الحديث أو مصطلح الحديث؟
خطورة
الخطاء المنهجية:
إن خطر
الأخطاء المنهجية أكبر كثيرا من خطر الأخطاء السلوكية ؛ أي المعاصي : الأخطاء
السلوكية (المعاصي) : عجز عن تطبيق الهدي الإلهي في نقاط معينة0
الأخطاء
المنهجية : عجز عن فهم الهدى الإلهي وانحراف عن المنهج الإلهي0
الخطاء
السلوكية : ضعف وعجز عن الاستقامة ، أو تجاوز الجادة عن ضعف وعجز0
الأخطاء
المنهجية : تجاوز الجادة عن عمد من ناحية وعن جهل من ناحية0
الأخطاء
السلوكية : ضعف عن تطبيق واعتراف بالمعصية ، أي أن المخطئ يعصي ويعلم أنه يعصي0
الأخطاء
المنهجية : يظن صاحبها أنه من المحسنين ؛ أي يعصي وهو يظن أنه يطيع طاعة عمياء ،
والحقيقة أنها طاعة في الظاهر ومعصية في الحقيقة ، فهو بفعلها يقصد الطاعة ويفعل
المعصية0
الأخطاء
السلوكية : عجز عن الامتثال لتشريع الله 0
الأخطاء
المنهجية : افتراءات على تشريع الله بالتغيير أو التعديل0
مثلا : شرع
الله يريد بالناس اليسر فيغفل معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ عن ذلك فيوقع عباد
الله في العسر فيطيل الصلاة بهم0
وشرع الله
يقرر أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يعلم السرائر ويغفل أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ
عن ذلك ويحكم على سرائر عباد الله حين قتل في الحرب رجلا شهد الشهادتين لما اقترب
منه أسامة بسيفه0
وشرع الله
يقرر أن الطاعة المطلقة لله وحده أما الطاعة للأمير ففي المعروف فحسب ، ويكاد يغفل
بعض الصحابة عن ذلك ، ولولا وعي آخرين منهم لدخلوا النار في الدنيا وظلوا فيها ،
وذلك عندما أوقد أحد أمراء الجيوش نيرانا وأمر الجنود بطاعته والدخول فيها ،
فامتنعوا ، ولما علم ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ بذلك قال "إنما الطاعة
في المعروف"0
إن القيم
الإسلامية الأصيلة الثابتة تتفاعل مع الإنسان والحياة على مراحل ثلاث هي :
المرحلة
الأولى : مرحلة الإيمان0
المرحلة
الثانية : مرحلة الضبط ، أي وضعها كضوابط وحدود لكل نشاط إسلامي0
المرحلة
الثالثة: نتيجة تفاعل هذه القيم مجتمعة مع الحياة بكل صورها وفي جميع مجلاتها ،
تفرز أنماط ونظما وأساليب وعادات وفكرا وثقافة وتاريخا0
أثر غياب
منهج التفكير الإسلامي :
1. إن غياب
منهج التفكير الإسلامي تبعه غياب الميزان القسط ،2. والميزان الذي ينسق قيم
الإسلام ،3. وتجتمع فيه ككل متناسق ،4. فقدت الأفكار الإسلامية الميزان الذي يقرر
الأولويات الواجبة ،5. فتأخرت أمور هي أولى بالتقديم ،6. وتقدمت أمور هي أولى
بالتأخير0
7. وبغياب
منهج التفكير الإسلامي احتقر العقل المسلم أفكار الآخرين ،8. وغفل عن منهج التفكير
الغربي ،9. فلم يتفاعل مع تلك الفكار وذاك المنهج التفاعل الإيجابي الواجب ،10. أي
التفاعل الذي يعرف كيف يأخذ أحسن ما عند القوم،11. ويدع ما ساء وخبث ،12. يأخذ
بميزان ويدع بميزان 000 ميزان أصولنا 000 صحيح أننا انبهرنا بتلك الأفكار ـ في
كثير من الأحيان ـ ولكن الانبهار والاحتقار سواء في بعدهما عن التفاعل الإيجابي
والواجب ،13. وهكذا ضعف العقل المسلم بضعف تغذيته من أصوله وتراثه ـ هذا من ناحية
،14. وعجز عن الإفادة من أصول الآخرين وتراثهم ـ من ناحية أخرى0
15. فقدت
الأفكار الإسلامية (التي ينتجها العقل المسلم) الميزان الذي يقدر مدى أصالتها وصحة
نسبتها إلى شرع الله ،16. فاختلطت الفكرة الإسلامية الأصلية مع الفكر الدخيلة التي
كانت وليدة جاهليات متعددة ،17. واختلطت الفكرة الإسلامية الأصيلة مع الأفكار الخاطئة
التي كانت نتيجة اجتهاد بشري قاصر ،18. واختلطت الفكرة الإسلامية التي لها صفة
التشريع الدائم مع الفكرة الموقوتة التي جاءت نتيجة اجتهاد بشري ،19. راعى ظروفا
ما ومكانا ما وزمانا ما ،20. وأي فتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان0
21. فقدت
الأفكار الإسلامية ميزان الفهم الصحيح لاستنباط الأحكام ،22. ومن ثم فقدت هذه
الأفكار ميزان الترجيح عند تعارض المصالح والمفاسد (والقاعدة تقتضي ألا تضيع مصلحة
كبيرة بسبب مفسدة صغيرة ،23. ولا ترتكب مفسدة كبيرة طلبا لمصلحة صغيرة) ومن ثم
فقدت الأفكار الإسلامية ميزان التطبيق السليم ،24. فاختلفت القيم الدينية الرفيعة
والحكام الثابتة في الصور التطبيقية التي حكمتها الظروف البيئية ،25. ومن ثم لم
يضبط تنزيل هدى الله على الواقع المعيش0
ملامح منهج
التفكير الإسلامي
هناك منهج
تفكير ترسخه الشريعة للمسلم ، ومن ملامح هذا المنهج ما يلي :
الملمح
الأول:
هذا المنهج
ليس خاصا بالعلماء والمجتهدين، ، وإن كان العلماء والمجتهدين يمارسونه في مستوى
عميق ، ويمارسه المسلم المثقف حسب مستوى ثقافته ، حتى الرجل العامي له في هذا
المنهج قدر يناسبه من الممارسة ، مثال:
1. مصادر
التشريع : الكتاب والسنة والإجماع والقياس (هو لا يمارس القياس بالذات لكنه يعلم
أن العلماء يقيسون ويفهم المعنى العام للقياس)
2. التمييز
بين الفرائض والنوافل أو بين الواجب والمندوب ،3. وتقديم الأول على الثاني 0
4. مراعاة
درجة المصلحة والمفسدة في كل أمر ظاهر واختيار الأرجح منهما0
المهم :
هناك في الأساس مستويان للمنهج : مستوى العلماء ومستوى المثقفين عامة إلا أن
المجال النظري المحض ضئيل جدا بالنسبة للفرد العادي ، أي أن منهج البحث العلمي
(النظري) هو مجال عمل العلماء ، أما الفرد العادي فقليل عنده مجال البحث النظري ،
والغالب عنده مجال السلوك ، فهو في حاجة فقط إلى ضوابط ودوافع لسلوكه السوي ،
والضوابط والدوافع هي القدر النظري قبل السلوك العملي ، وإذا كان الباحث العالم
المتخصص يبحث طويلا لمعرفة الحلال والحرام والواجب والمندوب ، ويقدم خلاصة أبحاثه
لعامة الناس ؛ ليسلك الفرد على أساسها ، فهذا يعني أن الفرد هو الآخر لابد أن يحمل
في عقله بعض الأدوات التي تعينه على معرفة الحلال والحرام والمندوب خلال حياته
اليومية، أي أنه لا يستغني عن بعض الضوابط العقلية ، حتى يحسن التصرف إزاء الأحداث
اليومية ، أي لابد أن يحمل معه بعض مفاتيح السلوك ، بل بعض مفاتيح فهم المواقف ،
وبناء على الفهم الصحيح يسلك السلوك الصحيح0
والمنهج
العلمي مطلوب في مسائل العقيدة ، فضلا عن مسائل التشريع وقضايا التفكير ، ودعك ممن
ينكر الغيب ، ويدعي أن ليس ثمة إلا ما يراه بعيوننا وتحس به حواسنا0
يقول
برترند رسل في محاضرة له سنة 1935 : "لكي ننشئ فلسفة صحيحة يجب أن ننبذ ما
وراء الطبيعة ، ثم تكون رياضيا ممتازا ، لأن ما وراء الطبيعة هنا قائم على أوهام
وتصورات ليس لها أصل واقعي ولا خير موثوق من عالم الغيب"0
ويقول لورد
كلفن : "الرياضيات هي عالم ما وراء الطبيعة الحق الوحيد ؛ أي أنها ليست شيئا
ماديا محسوسا0
وفي
المقابل يقول ألبرت إينيشتين : " كيف أمكن للرياضيات أن تكون قياسية بشكل
يستحق الإعجاب لواقع الأشياء ، مع أنها ثمار التفكير افنساني مستقبلا عن التجربة ،
لم تنشأ عن تجربة ؟ ولم تخضع لتحارب ، إنما نشأت من بديهيات الفكر الإنساني ،
وكذلك العقيدة عند الحقيقة نشأت من التأمل في الكون ، مع أدلة الأنبياء والمرسلين
القائمة على التأمل في الكون"0
ويقول
ديفيد هلبرت سنة 1921 : " حقا لا يوجد سؤال آخر حرك الروح افنسانية كهذا
السؤال : اللانهاية !! وهو تعبير رياضي وهو أفق غيبي في مجال العقيدة0
ويقول جيمس
بيير بونت في نشرة الجمعية الرياضية الأمريكية سنة 1928 "فكرة اللانهائية
صديقتنا الكبرى ، وهي أيضا العدو الكبر لراحة العقل 00"
والفلاسفة
القدامى حينما تعرضوا لما وراء الطبيعة ، كانوا يبحثون فيها عن مجرد توهمات
وتصورات نظرية ، أو قائمة على استنتاجات غير دقيقة لظواهر الكون ، فتعرضوا لنشأة
عناصرها الربعة ، مستندين إلى شواهد غير منضبطة ولا جازمة في دلالتها على النشأة
الأولى 000 ولذلك كانت هذه الميتافيزيقا نوعا من الخرافة0
أما ما
وراء الطبيعة عند المؤمن فلا يقوم على توهمات وتصورات ذهنية وتخمينات واستنتاجات
بلا مقدمات صحيحة ، كذلك لا تقوم في نفس الوقت ـ عند معرفتها ـ على تجارب علمية ،
وكما لا تقوم في تفاصيلها عن النشأة والمصير على شواهد مرئية0
إنما تقوم
في مبدأ الإيمان بالله خالق الكون على آيات الله في الكون ، وهو دليلي البديهي
الواعية ، وهو دليل علمي ، حيث نقيم حياتنا كلها فيما لم تحضره على شهادة الشهود
العدول0
أما افيمان
بباقي الغيب فنقيمه على الخير الصادق المؤكد صدقة (المروي تواترا) عن الله الذي
آمنا به أولا بدليل قاطع ، فأخبرنا عن طريق وحيه بباقي مسائل غيبة0
الملمح
الثاني :
أن لهذا
المنهج مصادر للمعرفة يعتمدها ، ومع المصادر هناك وسائل تحصل بها هذه المعرفة ،
فأما المصادر فهي :
1. الوحي
000 وهو مصدر لبعض المعلومات عن الكون المحيط بنا ،2. ومنها معلومات لم يتوصل
إليها العلم التجيربي بعد (وهو يكشف كل يوم الجديد) ومن قبل ذلك فإن الوحي مصدر
وحيد لكل عقائد الدين وشرائعه ،3. وأمور الغيب التي لا سبيل للعلم إليها ،4. لأنها
وراء الحس ووراء العقل 0
وفضلا عن
كون الوحي مصدرا لجانب عظيم من المعرفة بالموجودات ، فهو يقدم تدعيما للمعرفة وذلك
بما يلي :
أولا :
بالحض على طلب المعرفة ومعرفة الكون0
ثانيا :
بالحض على أخلاق تعيين على طلب المعرفة ، مثل الإخلاص والتجرد في البحث والتحري ،
وبذل أقصى الجهد والقصد الطيب والهدف النبيل من تحصيل المعرفة0
2 ـ الكون
000 ويشمل عالم الطبيعة وعالم الإنسان 000 فمن الدراسة الفيزيقية نعرف عالم
الطبيعة ، ومن الدراسات الأحيائية والأنثروبولجية نعرف الكثير عن عالم الإنسان0
ووسائل
تحصيل المعرفة هي :
ـ الحس 0
ـ العقل 0
وهما
يتعارضان ويتكاملان في معظم الأحوال على أنه يحصل العقل بمفرده بعض المعارف
(النظرية)0
ومن هنا
نستطيع أن نقول إن منهج البحث وتحصيل المعرفة هو :
ـ منهج
أصول الفقه والقواعد الفقهية : (وهو المنهج الموصل لحقائق الوحي ) للبحث في كلمات
الوحي باعتباره مصدرا للمعرفة0
ـ منهج
البحث العلمي التجريبي : (وهو المنهج الموصل لحقائق الكون) للبحث في الكون
باعتباره مصدرا للمعرفة0
ـ المنهج
العلمي يدعو في كل الأحوال إلى : التحرر مت إسار الذاتية ومن النظر إلى أي موضوع
نظرة ذاتية (أي في حدود تجربتك أنت وميلك أنت ومزاجك أنت) 0 والنظرة الموضوعية
تعني محاولة التأمل في تجارب الآخرين، قريبين كانوا أم بعيدين 000 فالصلاح الذي
تراه في تجربتك لابد أن تراه في تجارب الآخرين إن كان صلاحا حقا ، وكذلك الفساد إن
كان فسادا حقا فلابد أن يظهر على هذه الصورة في جميع التجارب0
إن الذاتية
تجعل رضا النفس واطمئنان إلى الشيء دليلا على وجود ذلك الشيء 0 أما الموضوعية
فنعني الاعتماد على وجود شيء يدركه العقل المشترك بين البشر0
انظر كلمة
"سلطان" في القرآن فهو يعني أحيانا البرهان والدليل إذن هو سلطان العلم
، يقول تعالى : {إن عندكم من سلطان بهذا أقولون على الله ما لا تعلمون} (سورة
يونس:68) 000 ويقول {إن الذين يجادلون في ءايات الله بغير سلطان أتاهم إن في
صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} (سورة غافر:56)0
الملمح
الثالث:
عماد
المنهج الإسلامي في التفكير ومحوره الأساسي هو العقيدة ، عقيدة التوحيد ، والتوحيد
ليس مجرد قيمة عقدية " إستاتيكية" جامدة ، بل هو يثمر رؤية للكون المحيط
بالإنسان ، كما يثمر فلسفة للحياة بصفة عامة ، وفلسفة لحياة الإنسان بصفة خاصة ،
ثم إنه منهج للتفكير ومنهج للسلوك0
إن جميع قيم
الدين العلمية الحياتية لا تثمر دون هذا الأساس (العقيدة والإيمان) بل كل القيم
الخلقية التي تحكم الإنسان في البادية والحضر000 ثم يتبع الإيمان بالله طاعته ، أي
تطبيق شريعته ، ومن يؤمن ولا يطيع ؛ أي لا يعمل بشريعته ففي إيمانه خلل كبير أو
صغير على حسب المخالفة إذن هو التكامل المفروض والمطلوب بين العقيدة والشريعة0
الملمح
الرابع:
يؤمن هذا
المنهج بأنه لا إصلاح للدولة إلا بصلاح الأمة ، ولا صلاح للأمة إلا إذا كان فيها
بقية من أولى الرأي والعزم يأمرون بالصلاح وينهون عن الفساد في الأرض ، ولا تأثير
للأمر والنهي إلا بإجماع الأمر وإحكام الرأي ، ولا يفيد الإحكام والإجماع إلا مع
مراعاة سنن الاجتماع ، لاختلاف استعداد الأقوام باختلاف أحوال الزمان والمكان ،
وزماننا هو زمان الجماعات العلمية والأدبية والسياسية ، والشركات الزراعية
والصناعية والتجارية ، ومتى ملكت الأمة بالجمعيات أمورها المعنوية بالشركات أمورها
المادية كانت جديرة بأن تقوم أمر حكومتها وتقيمها على صراط شريعتها (ملة المنار ،
المجلد 17 ، ص 7)0
الملمح
الخامس :
يعتمد هذا
المنهج التكامل بين عالم الغيب وعالم الشهادة كقاعدة أساسية له ؛ أي التكامل بين
معرفة الحق الإلهي وحياة الإنسان (أي علوم الشريعة) وبين حرية سلوك الإنسان0
والخلل
الحاصل عند الغربيين جاء نتيجة توافر دراسات كثيرة عن الإنسان مع تغييب التوجه
الإلهي عنها0
والخلل
الحاصل عندنا نحن المسلمين أتى من توافر الدراسات الشرعية مع غياب الدراسات
الإنسانية على أن التكامل بين العالمين ـ عالم الغيب وعالم الشهادة ـ لا يكون
بصورة صحيحة إذا تمت دراسة أي من الشريعة والإنسان بصورة منفصلة عن الآخر0
ينبغي أن
يحدث تفاعل بين الدراستين ، أي استحضار قيم الشريعة أثناء دراسة الإنسان ، ودراسة
الإنسان واستحضار خصائصه أثناء دراسة الشريعة0
مثال :
الخلل الحاصل في موضوع المرأة ، الخلل ليس فقط نتيجة عدم استقراء النصوص الشرعية ،
إنما وقع الخلل أيضا نتيجة عدم فهم طبيعة المرأة (سواء عن طريق خيرات حية أو نتيجة
دراسات علمية)0
والتكامل
الواجب بين عالم الغيب وعالم الشهادة يفترض وجود عقلية فاحصة متأملة ، سواء في
عالم المادة أو في عالم الإنسان ، وهذان العالمان تقف الشخصية الغربية الحديثة عن
أحدهما فقط (عالم الشهادة ) وتتربى على ذلك منذ الصغر ، أو تحاول ذلك بدراستها
دراسة علمية قدر الإمكان ، ولكن الشخصية المسلمة تضيف عالما آخر وهو عالم الغيب وما
وراء المادة ؛ وتقف فاحصة متأملة ، قال تعالى {الله الذي رفع السموات بغير عمد
ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل
الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون} (سورة الرعد الآية 2 وانظر الآية 4)0
وهذا يوفر
لها أفقا واسعا ، فتحيط بالعالم أكثر ، ولا تكتفي بالإحاطة والعلم ، لكن تتبع ذلك
بإقامة علاقات مع عالم الغيب فتتفهمه ، وتأنس إليه ، وتتعبد إلى خالقه العظيم
سبحانه ، فتستمد منه العون، والإنسان لا يخلو ساعة من حاجة0
إذا هو
استمداد دائم ودعاء دائم يقوي ويشتد عند الشدائد ، فينزل لطف الله بدرجات متفاوتة
حسب تقدير الله ـ سبحانه ـ وحكمته ، من العون على الصبر، إلى التخفيف من المصائب ،
إلى أن تكون الشدائد بردا وسلاما على نفس المؤمن0
وعالم
الغيب في نظر الإسلام ليس بديلا عن عالم الشهادة أو محقرا من شأنه ، بل العالمان
يكمل أحدهما الآخر ، ولا يفترقان ، بل يتفاعلان دائما ، وإن كان عالم الغيب هو
الأسمى ، فهو كذلك يسمو في الإدراك ويرقى بعالم الشهادة إلى أعلى الدرجات وأكمل
الدرجات التي يمكن أن يرقى إليها الإنسان بأن يكون ربانيا0 والربانيون ليسوا هم
الرهبان الذين تركوا الدنيا وتفرغوا للعبادة ، لأن هؤلاء منحرفون عن فطرة الإنسان
التي فكره الله عليها ؛ أو أراده ووجهه إلى أن يمضي في طريق هذه الوجهة0
الربانيون
هم المعمرون للأرض أكمل عمارة وأطهر عمارة ، ومنهم الرعاة والزارعون والصناع
والمعلمون والمهندسون والأطباء والعلماء في جميع التخصصات التي تفيد الناس في هذه
الأرض 000 منهم المرأة راعية لبيتها ولولدها وزوجها 000 وكل هؤلاء يصفون
بالربانيين لأنهم يحسنون توجيه العمل وجهة الخير والحق ، أي يقربون بعملهم هذا
(رأي يتقنونه كل الإتقان) إلى الله ، والتقرب إنما يكون بتحري أوامر الشارع (الله)
أي بتحري كل خلق كريم0
هكذا يكون
عالم الشهادة هو المستغرق لأعمال الإنسان أغلب ساعات يومه ولكل طاقته ، ولا يأخذ
عالم الغيب في التنفيذ والعمل إلا لحظات معدودة يتفرغ فيها العبد لشعائر العبادات
، فالصلاة لا تأخذ ساعة واحدة في اليوم كله ، والصيام شهرا في السنة ، والحج مرة
في العمر ، ولكن يظل عالم الغيب هو الموجه لكل حياة افنسان لكل عمره ولكل خطوة
يخطوها0
انظر
القرآن الكريم ، تجده لم يفصل قط بين الإيمان وبين العمل الصالح {000 إن الذين
ءامنوا وعملوا الصالحات} (سورة الكهف:30) {الذين ءامنوا وكانوا يتقون} (سورة يونس
: 63)0
التوكل
يسبقه أو يصحبه أو يتبعه عمل0
الدعاء
يسبقه أو يصحبه أو يتبعه عمل0
وإلا كان
التوكل هو توكل العجزة أو التنابلة ، وكان الدعاء هو دعاء العجزة والتنابلة ،
وكلاهما لا يقبلان من عبد دون عمل ، وليس أي قدر من العمل ، بل الحديث "إن
الله كتب الإحسان على كل شيء" (رواه مسلم) وفي حديث آخر" إن الله يحب
إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"0
ومع ذلك
فعالم الغيب تؤمن به ، دون أن يعني ذلك أن نكفر بعالم الشهادة0 ومثال قوي عالم
الشهادة العقل : والتفكير والنظر والبحث ، والنشاط البشري بصفة عامة ، من تفكير
أبحاث وتجارب وتداول ومناقشة وحوار ، إلى جانب مختلف أعمال الحواس ومختلف أعمال
البدن ، لكي نستعين بها لترشيد الجهد البشر ومساندته0
والعون
الإلهي الغيبي يعطي مزيدا من القوة النفسية لبذل مزيد من الجهد ، يعطي راحة نفسية
"طمأنينة" تساعد على بذل أقصى الجهد دون قلق أو توتر ، فضلا عن ترشيد
غير مرئي (أي غيبي) للجهد المبذول0
الملمح
السادس :
شرع الله
هو الكتاب والسنة ، وأما أقوال الفقهاء والعلماء ففيها الصواب والخطأ مهما عظموا0
عن عبد
الله بن وهب : أن رجلا جاء إلى القاسم بن محمد فسأله عن شيء فأجابه ، فلما ولى
الرجل دعاه فقال له : لا تقل إن القاسم زعم أن هذا هو الحق ، ولكن إن اضطررت غليه
عملت به0
وقال أبو
عمر بن عبد البر : " أفرط أصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة وتجاوزوا الحد في ذلك
؛ والسبب الموجب لذلك عندهم إدخاله على الآثار واعتبارها 000 وأكثر أهل العلم
يقولون إذا صح الأثر بطل القياس والنظر ، وكان رده لما رد من أخبار الآحاد بتأويل
محتمل ، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره ، وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي ، وجل ما
يوجد له من ذلك ما كان من اتباع لأهل بلده كإبراهيم النخعي وأصحاب ابن مسعود ، وما
أعلم أحدا من أهل العلم إلا وله تأويل في آية أو مذهب في سنة ، رد من أجل ذلك
المذهب سنة أخرى بتأويل سائغ أو ادعاء نسخ"0
عن الليث
بن سعيد أنه قال " أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة ـ
النبي صلى الله عليه وسلم ـ مما قال مالك فيها برأيه 0 قال : ولقد كتبت غليه في
ذلك"
وعن أحمد
بن حنبل يقول " رأي الأوزاعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة ـ كله رأي ـ وهو عندي
سواء ، وإنما الحجة في الآثار"
وقد فهم
أهل العلم في الإسلام هذا جيدا ، وعبروا عنه بأقوالهم وأفعالهم ، فقد أتى زيد بن
ثابت قوم فسألوه عن أشياء فأخبرهم بها فكتبوها ، ثم قالوا لو أخبرناه (أي بكتابها)
فأتوه فأخبروه فقال عذرا لعل كل شيء حدثكم به خطأ إنما اجتهد برأيي"
وعن عمرو
بن دينار قال : قيل لجابر بن زيد : إنهم يكتبون ما يسمعون منك ، قال : إنا لله
وإنا إليه راجعون يكتبون رايا أرجع عنه غدا"
وعن يحيي
بن سعيد قال : جاء رجل إلى سعيد بن المسيب فسأله عن شيء فأملاه عليه ، ثم سأله عن
رأيه فكتبه الرجل ، فقال رجل من جلساء سعيد : أيكتب يا أبا محمد رأيك؟ فقال سعيد
للرجل : ناولنيها ، فناولوه الصحيفة فمزقها0
ولذلك تجب
مطالبة العالم أو الشيخ بالدليل من الكتاب والسنة ، ونطالبه كذلك ببذل الجهد في
تخطي مستوى العامة إلى مستوى إدراك قوة الدليل ومقارنة الأدلة ،كما يجب عليه
التعرف على المخالف وأدلته(المذهب الآخر ـ الجماعة الأخرى ـ العالم الأخرى ـ
المفكر الآخر ـ الرأي الآخر) بصورة مباشرة ، وليس بواسطة 0
وهنا تقول
إن الفرق ضئيل بين عيش المرء في إطار مزاجه وهواه ، وبين عيشته في إطار عقله وحده
وتفكيره وحده وتصوراته وحدها 000 قال أيوب : " ليس تعرف خطأ معلمك حتى تجالس
غيره " لن تعرف خطأ أستاذك ومعلمك حتى تجالس غيره " لن تعرف خطأ أستاذك
ومعلمك وشيخك ومذهبك وجماعتك إلا إذا استمعت إلى رأي مخالف وحجة مخالفة ، لا يغرنك
الذي يقدمه أستاذك ، فقد يبدو قويا ومقنعا ولا يظهر لك عيبه ـ إن كان به عيب ـ إلا
باستماعك إلى حجة معارضة ، مثال ذلك الآية الكريمة:{وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن
من وراء حجاب} (سورة الأحزاب:53) نسمع من يقول : إذا كان الحجاب (والمقصود به
النقاب) مطلوبا من أمهات المؤمنين ، وهن أطهر النساء وأشرف النساء ، فعامة النساء
مطالبات من باب أولى ، فضلا عن أن أمهات المؤمنين هن القدوة الصالحة لعامة النساء
، فيقول المعارض : لا شك أن أمهات المؤمنين هن أظهر النساء ، وهن القدوة الصالحة ،
ولكن هذا لا ينطبق على ما كان من الخصوصيات النبوية ، ولا يكفي دليل على وجوب
الحجاب (النقاب) على كل مسلمة0
ونسمع من
يقول في حديث : "إياكم والدخول على النساء "(رواه مسلم) لا يجوز لقاء
الرجال للنساء بصورة مطلقة ، والقائل غافل عن معنى الدخول في الحديث ، إذ المقطوع
بحرمته هو الدخول في غيبه الزوج أو المحرم ، أي الخلوة والأمثلة كثيرة لا تكاد
تحصى0
وهنا ننوه
إلى أنه قد يقول قائل : كيف سويت بين المزاج والهوى وبين العقل والتفكير؟
وأقول :
الفرق ضئيل ، ضئيل ، بين المزاج والهوى وبين العقل المنغلق المنطوي على نفسه
فانطواء عقل الفرد على نفسه وانعزاله بعيدا عن عقول الآخرين ـ عن عقول إخوانه
الأقربين وإخوانه الأبعدين ، بل عن خصومه ومعارضيه ـ يجعل للأوهام وغلبة الظنون
سيطرة عليه0
كم من
خرافات آوت تحت صيحة الغيبيات في غيبة العقل اليقظ وفي غفلة عن توحيد الله تعالى
000 يقول تعالى :{منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم
زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله}(سورة آل عمران:7)0
إن العالم
ـ مهما تكن مكانته ـ فضلا عن غيره ، ليس له أن يقرر أحكاما شرعية، بل عليه أن يقدم
للناس الدليل من كتاب الله أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم0
وفي
التعامل مع القرآن والسنة ينبغي مراجعة أكثر من تفسير لتبين الاحتمالات فالقرآن ـ
كما يقول ابن عباس ـ "حمال أوجه"0
ومراجعة
كتب الفقه ، حيث تجمع الآيات المتعلقة بالموضوع الواحد ، ولو كانت في سورة متعددة
، كما تجمع الأحاديث أيضا (أي لا نكتفي بالبحث في آية ونبي عليها حكمنا) فكتاب الله
وحدة لا تتجزأ ، والسنة مكملة للكتاب0
والحرص على
اليقظة والوعي والتدبر أثناء تلاوة القرآن ، مما يوفر رصيدا جيدا من الثقافة
القرآنية0
أما
بالنسبة للسنة النبوية ، فينبغي التأكيد من صحة الحديث بالرجوع إلى كتب الحديث
المعرفة وشروح كتب السنة0
ومراجعة
كتب الفقه المؤلفة على أساس أحاديث الباب ، وليس على أساس مذهب فقهي معين ، وهذه
الكتب نفسها تعرض لآراء الفقهاء في دراسة مقارنة ومن أمثلتها نيل الأوطار
للشوكاني0
وإذا كانت
السنة هي كتاب الله الثاني حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم ، "إلا إني
أوتيت الكتاب ومثله معه" فينبغي أن يكون للمسلم قراءات في السنة ، كما أن له
تلاوة واستماعا مستمرين للقرآن ، فالسنة هي المبينة للقرآن وتساعد على ربط الآيات
ببعضها بعضا والموضوعات ببعضها0
وهنا نلاحظ
أن القرآن هو المرجع قبل السنة وذلك لأن :
1 ـ الخضوع
لسطوة الموروث 000 والموروث والمألوف يغلب العقول بل يعميها 0
2 ـ غلبة
رد الفعل دون الفعل المستقل 000 مثال : إسراف الغرب في تبذل المرأة وفي عمل المرأة
إسراف الفساق ، يقابله تشدد الطائعين0
وبالعودة
إلى قاعدة "مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب" نتساءل : ما دام الاجتهاد
لكل عصر واجبا ، فهل من سبيل للاجتهاد بعد استيعاب الكتاب العزيز والسنة الصحيحة
بصفة عامة ، والمتعلق منها بموضوع الاجتهاد خاصة ؟ هل من سبيل بعد هذا الاستيعاب
دون معرفة حقيقية بظروف العصر الحياة ؟ هذه المعرفة الرصينة لن تتوفر للمجتهد في
عصرنا نحن بمجرد تواجده في المجتمع ، لأن مجتمعنا المعاصر بلغ درجة عالية من
التعقيد، ولا يمكن الإلمام بمشكلاته ومعرفة جميع أعراضها وآثارها ، فضلا عن جذورها
وأسبابها إلا بآليات العصر ، وهي في مجالنا هذا العلوم الإنسانية والدراسات
الاجتماعية 000 فهذه هي أدوات فهم الواقع ، وإدراك الشخصية الإنسانية ، والتعرف
على مفاتيح شخصية الأنسان وطرق تفكيره0
وعلى ذلك
نقول :
أولا : من
الواجب دراسة العلوم الإنسانية دراسة متعمقة متجددة على أيدي متخصصة 0
ثانيا :
تجب مراعاة أولويات القضايا والمشكلات المعاصرة ، مثال حقوق المرأة وواجبات
المرأة0
ومن قضايا
التجديد الذي يجب ربطه بالكتاب والسنة ، قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر
" (رواه مسلم)0
قال أبو
عمر ابن عبد البر : " اختلف الفقهاء في تأويل هذا الحديث ، فقال قوم ، لا
يؤجر من أخطأ لأن الخطأ لا يؤجر أحد عليه ، وحسبه أن يرفع عنه الإثم ، وردوا هذا
الحديث ـ يقوله صلى الله عليه وسلم "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان
وما استكرهوا عليه "(رواه ابن ماجة) وبقول الله تعالى {وليس عليكم جناح فيما
أخطأتم به}(سورة الأحزاب : 5) ونحو هذا000
وقال آخرون
: يؤجر في الخطأ أجرا واحدا على ظاهر الحديث ، لأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم
ـ فرق بين أجر المخطئ والمصيب ، فدل على أن المخطئ يؤجر ، وهذا نص ليس لأحد أن
يرده"
وقال شافعي
ومن قال بقوله "يؤجر ، ولكن لا يؤجر على الخطأ ؛ لأن الخطأ في الدين لم يؤمر
به أحد ، وإنما يؤجر لإرادته الحق الذي أخطأة"
وقال
المازني :"قد أثبت الشافعي في قوله هذا أن المجتهد المخطئ أحدث في الدين ما
لم يؤمر به ولم يكلفه إنما أجر في نيته لا في خطته"0
وذكر ابن
وهب في كتاب العلم من جامعة قال :"من سعادة المرء أن يوفق للصواب والخير ،
ومن شقوة المرء أن لا يزال يخطئ " وهذا دليل على أن المخطئ عنده ـ وإن اجتهد
ـ فليس بمرضى الحال ، والله أعلم0
وذكر
إسماعيل القاضي في المبسوط قال ابن سلمة :"إنما على الحاكم الاجتهاد فيما
يجوز الرأي فيه ، فإذا اجتهد وأراد الصواب يجهد نفسه ، فقد أدى ما عليه أخطأ أو
أصاب" 0
وإذا كان
للتحديد والاجتهاد هذا الموضع في الدين، فإن التقليد مذموم بقدر ذلك ، قال ابن عبد
البر : " يقال لمن قال بالتقليد : لم قلت به وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم
يقلدوا ؟ فإن أقلد لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله وسنة رسول الله صلى الله عليه
وسلم لم أحصلها ، والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني قيل له : أما
العلماء إذا اجتمعوا من تأويل الكتاب أو حكاية سنة عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم واجتمع رأيهم على شئ فهو الحق لا شك فيه ، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه
بعضهم دون بعض ، وكلهم عالم ، لعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى
مذهبه"0
يقول تعالى
: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا ءاباءنا
على أمة وإنا على ءاثرهم مقتدون} (سورة الزخرف:32)0
قال بن عبد
البر :"ومثل هذا القرآن الكريم من ذم تقليد الآباء والرؤساء كثير ، وقد احتج
العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها ،
لأن التشبيه لم يقع من وجهة كفر أحدهم وإيمان الآخر ، وإنما وقع التشبيه بين
القليد بغير حجة للمقلد ، كما لو قلد رجل فكفر ، وقلد آخر فأذنب ، وقلد آخر في
مسألة دنياه فأخطأ وجهها ، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة ، لأن كل ذلك
يشبه بعضه وإن اختلفت الآثام فيه"0
عن زر بن
حبيش عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول :"كن عالما أو متعلما ولا تعد إمعة
بين ذلك000"
وعن ابن
عباس قال :"ويل للأتباع من عثرات العالم ، قيل كيف ذلك ؟ قال : يقول العالم
شيئا برأيه ، ثم يجد من هو أعلم برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ منه فيترك قوله
وتمضي الأتباع"0
وقال عبد
الله بن المعتز : " لا فرق بين بهيمة تقاد وإنسان يقلد"0
وقال مالك
: ليس كلما قال رجل قولا ، وإن كان له فضل ، يتبع عليه ، يقول الله عز وجل :{الذين
يستمعون القول فيتبعون أحسنه}(سورة الزمر:18)0
"فإن
قال أحدهم : قصدي وقلة علمي تحملني على التقليد ، فقل له : من كانت هذه حاله هل
تجوز له الفتوى في شرائع دين الله بقول لا يعرف صحته ولا يقوم له الدليل عليه ،
وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب مخالفة في ذلك ربما كان المصيب فيما خالفه
فيه؟!"
قال ابن
عبد البر :"وعندي أن إجماع الصحابة لا يجوز خلافهم فيه ، والله أعلم ، ولا
يجوز على جميعهم جهل التأويل 0 وفي قوله الله تعالى :{وكذلك جعلناكم أمة وسطا
لتكونوا شهداء على الناس} (سورة البقرة:143) دليل على أن جماعتهم إذا اجتمعوا حجة
على من خالفهم ، كما أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حجة عليهم جميعهم0
سئل سحنون
: أيسع العالم أن يقول لا أدري فيما يدري ؟ فقال : أما ما في كتاب قائم أو سنة
ثابتة فلا يسعه ذلك ، وأما ما كان من هذا الرأي فإنه يسعه ذلك لأنه لا يدري أصواب
هو أم مخطئ"0
وقال مالك
: " الحكم حكمان جاء به كتاب الله ، وحكم أحكمته السنة قال : ومجتهد رأيه
لعله يوفق"0
فإذا بل
التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم بها ، وهي الكتاب
والسنة ، وشبه العلماء زلة العالم بانكسار السفينة : إذا غرقت غرق معها خلق كثير ،
وإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ لم يجز لأحد أن يفتي ويدين يقول لا يعرف وجهه0
إن شريعة
الله تعالى هي حكم جاء به كتاب الله أو حكم أحكمته السنة ، وهذا كله صواب ، أما ما
وراء ذلك من اجتهاد المسلمين فهو تشريع المسلمين 000 وهذا فيه الصواب والخطأ ،
والخطأ قد يكون صغيرا وقد يكون كبيرا0
وإذا كانت
نعمة الإيمان هي أعظم النعم ، فالنعمة التي تسبقها في الترتيب هي نعمة العقل
الواعي الفاحص المتأمل المتحرر من سلطان التقليد ، إذ بدون هذه النعمة لا تحصل تلك
، وبدون هذه النعمة لا تعمل تلك عملها الآثم ، ثم بدون هذه النعمة لا تستقيم تلك
على أمر الله ، بل سرعان ما تنحرف بها الأهواء 0
إن العقل
الواعي المتحرر المتأمل هو أحسن ما في الإنسان ، بل هو أنبل ما يميزه عن الحيوان ،
وهو الأداة القيمة القادرة على رفع الإنسان ومنعه من أن يتحول إلى سائمة اجتماعية
ترعى التقاليد ، أو إلى شيء من الأشياء الجامدة أو المتحركة الخاضعة في جمودها وفي
تحركها لإرادة المجتمع ، وهي لا تملك من أمرها شيئا يقول الله تعالى : {وإذا قيل
لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ءاباءنا أولو كان ءاباؤهم
لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} (سورة البقرة170)0
وقد يتحرر
العقل ، ويعي ذاته وما حوله ، ويتأمل ، ومع ذلك قد يضل عن بعض الحقائق 0 حقائق
الغيب أو حقائق الواقع ، ومرد ذلك إلى نقص في التحرر، وقد يكون تحرر من التقليد
والمروثات ولكنه لم يتحرر من الهوى ، فيضله هواه عن إدراك الواقع أو عن الاعتراف
بالواقع ، وإن كمال التحرر يعني التحرر من غرور العقل ذاته ، وإيقافه عند حدوده ،
فكمال التحرر في التعليم ، تعلم سنة الكون من الكون ومن أهل العلم ومن رسل الغيب0
والتعليم
غير الحفظ والتقليد ، فالتعليم للعقل وانفتاح ، والحفظ مسخ للعقل وإلغاء لأصل دوره
، والتقليد طمس للعقل ، وجعله حيوانا معصوبا يدور في ساقية من سبق دون تمييز0
وينقلنا
الحديث عن التقليد إلى ذكر تشريع الله وتشريع غيره (أو تشريع الأرباب) ، فتشريع
الله مصدره الكتاب والسنة ، أما تشريع الأرباب فهي أقوال الرجال ـ أيا كان قدر
هؤلاء الرجال ـ العاطلة عن مؤيد من كتاب وسنة 000
ولكن متى
تكون أقوال الرجال تشريع أرباب ؟ عندما نمضيها أبدا وبإطلاق ، وهي صفة خاصة
للتشريع الإلهي ، أما الاجتهاد فهو اجتهاد لزمانهم ومكانهم 0
وكم من
أقوال تناقلها خلف عن سلف وهي عارية من الدليل ، وأحيانا معارضة للدليل ، ومن
الأمثلة:
ما ورد في
المبسوط للسرخسي عن نسخ آية :{وقرن في بيوتكن} (سورة الأحزاب :33) لجواز خروج
النساء للصلاة في المسجد0
ومن آخر
الأمثلة : نقل الشيخ الشعرواي لقول عكرمة والشعبي عن إخفاء المرأة زينتها الباطنة
عن عمها وخالها بتعليل سقيم "كي لا يصفاها لأولادهما"!
انظر آيات
الاتباع والتقليد للأمراء والرؤساء (سورة البقرة ، الآيات 166 ، 167 ، 170)0
وانظر جميع
آيات الاتباع في القرآن ستجد أن الاتباع المحمود هو اتباع الكتاب والسنة ، وكل
اتباع وراء ذلك غير مأمون العاقبة0
إن المشكلة
في ىراء الخلق تبدو حينما تتناقض مع ما يقوله الوحي ، ومثال ذلك أن :
الدين جاء
بضبط الشهوات وبعض المتدينين يضيقون على الشهوات (يكاد البعض يفضل محوها)0
الدين جاء
يحرر العقل من الأثقال ، ويرشده بمنارات هادية ، وبعض المتدينون يحجرون على العقل
، يذلونه بإهمال تغذيته بما ينفعه ، وبتقديس السلف لمجرد تقديس عقل الغير0
إن هذا
المنهج الذي نرصد ملامحه هنا يسعى إلى تحرير العقل كما فعل في عصر الرسالة :
تحريره من
تقديس الرجال والرؤساء والزعماء والشيوخ واتخاذهم أربابا0
تحريره من
اتباع الظن 000 أي لابد من البرهان والحجة والسلطان " قل هاتوا
برهانكم000"
تحريره من
الأوهام الدينية ، مثل فهم أن القرب من الله يكون بترك الدنيا والترهيب0
الملمح
الثامن :
أن هذا
المنهج لا يقصم العلاقة بين الفكر والخلق ، بل إن للفكر فيه أخلاقا يلزمها 0 إن
ثمة تفاعلا بين الفكر والخلق يظهر في صورة التفكير الإسلامي والخلق الإسلامي كما
يلي :
1. الإخلاص
في طلب الحقيقة ،2. والتنزه عن الغرض ،3. مما يثمر التحري الدقيق والدائب ،4.
والإخلاص العقلي هو اتباع منهج الله ،5. ونحن نقصد وجه الله ،6. وهذا ما يسميه
جودت سعيد الإخلاص والصواب 0 والإخلاص دون الصواب عمل فاسد غير مفيد ،7. والصواب
دون إخلاص عمل غير مقبول من الله ،8. إذن الإخلاص الصحيح الكامل يوجب تحري النية
القصد والهدف ،9. وتحري المنهج والطريقة والوسيلة ،10. وهذا يعتمد على الكتاب
والسنة والحكمة والفقه في الدين والعقل في الدين0
11.
التواضع : إزاء علم الله وقدرته ،12. فلا يصيبه الغرور إذا أحرز نجاحا 0 والذي
يؤثر الشك الجزئي في صواب رأيه ،13. والشك الجزئي في صواب الرأي الآخر ،14. يثمر
احترام فلعل الآخر يكون أصوب أو رأيه به بعض من الصواب 0 وصدق القائل : "
رأيي صواب حسب اجتهادي ،15. يحتمل الخطأ ،16. ورأي غيري خطأ حسب اجتهادي ،17.
ويحتمل الصواب " أي لعل الحقيقة عنده هو0
18. الصبر
في طلب الحقيقة مهما كلف الطلب من جهد ووقت ،19. مما يثمر نيل المراد ؛ أي الوصول
للحقيقة أو ما يقرب منها ،20. ويثمر تحري الطلب من جميع مصادر العلم القريبة منه
(أي المصادر الإسلامية) والبعيدة ؛ أي المصادر الأجنبية شرقية كانت أو غربية ،21.
قديمة كانت أو حديثة0
22.
الاستعانة بالله {إياك نعبد وإياك نستعين} (سورة الفاتحة:5) فهو وحده الذي لا مانع
لما أعطى ولا معطي لما يمنع ،23. {اهدنا الصراط المستقيم} (سورة الفاتحة:6) فهو
الهادي إلى الحقيقة بحوله وقوته وتسديده وتوفيقه0
الملمح
التاسع:
ومن ملامح
منهج التفكير في الإسلام أيضا أن الخشوع من أدوات التفكير (أو قال : ذهاب أوعيته ،
وهل تدري أي العلم أول ما يرفع ؛ قال : قلت لا أدري ، قال الخشوع حتى لا تكاد ترى
خاشعا " (رواه أحمد والترمذي وحسنه)0
العلم هو
إعمال العقل للفهم الصحيح ، في الحديث قال صلى الله عليه وسلم يا أيها الناس ،
خذوا من العلم قبل أن يقبض ، وقبل أن يرفع ، قيل : يا نبي الله كيف يرفع العلم منا
وبين أظهرنا المصاحف ، وقد تعلمنا ما فيها وعلمناه وجهه حمرة الغضب فقال : ثكلتك
أمك وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يصبحوا يتعلقون بحرف مما جاءتهم
به أنبياءهم ، ألا وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته ثلاث مرار" (رواه أحمد في
المسند)0
الملمح
العاشر :
أن منهج
التفكير الإسلامي والمستوى النفسي يتبادلان التأثير ؛ حيث يخطي المستوى النفسي
للمؤمن باهتمام رفيع من دينه ، فهو صاحب نفس مطمئنة ، وهذا السلام ثمرة عدة عوامل:
أولا :
عقيدة التوحيد 000 إله واحد خالق مدبر قادر عليم حكيم رءوف رحيم0
ثانيا :
العبادة الخاشعة ( التقرب إلى ملك الملوك قيوم السماوات والأرض
ثالثا
التوكل على الله ، والاستعانة به 000 ومن توكل على الله فقد أوى إلى ركن شديد0
رابعا :
التوازن بين الخوف والرجاء 000 الخوف من عذاب الله والرجاء في رحمته0
خامسا :
التوازن بين الجبر والاختيار 000 الجبر حيث تتجلى مشيئة الله فيما لا يملك الإنسان
، والاختيار حيث مشيئة افنسان ـ بإذن الله ـ فيما يملك الإنسان0
سادسا :
التسليم المطلق لإرادة الله النافذة في تحديد آجال العباد ، والاستعداد للموت في
أية لحظة ، والتسليم المطلق فرادة الله النافذة وقضائه وقدره خيره وشره ، فإن كان
خيرا نستقبل النجاح ونعم الحياة عامة بنفس شاكرة لأنعم الله ، فلا غرور بالنجاح
ولا فرح مسرف بالنعمة ، وإن كان شرا فهو على استعداد لاستقبال الإخفاق ومصائب
الحياة بنفس راضية ، أي محتسبة فلا أسى للإخفاق ولا حزن ينسى على المصيبة 0 وهذا
يستوجب وجود استعداد دائم لبذل النفس والمال في سبيل الحق والخير أي في سبيل الله
، {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} (سورة التوبة :111)0
ويدعم هذا
السلام النفسي مجموعة من قيم السلوك الرفيعة ، منها :
1. حب
الخير للناس كل الناس ،2. مؤمنهم وكافرهم ،3. ومطيعهم وعاصيهم 0
4. الحرص
على التعارف مع شعوب الأرض جميعا {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا } (سورة الحجرات:13)0
5. التعاون
على البر والتقوى0
6. تقديم
المعروف للناس ـ كل الناس ـ ما استطاع إلى ذلك سبيلا0
7. نصرة
المظلوم ،8. والعمل على رفع الظلم عن الناس ،9. "وحلف الفضول " الذي كان
في الجالية ،10. وأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ،11. وقال :"لو
دعيت إلى مثله لأجبت" 000 مثال طيب على هذا الخلق0
12.
التكافل بين جميع المؤمنين ،13. ثم بذل المال لكل محتاج من الناس0
14. قوله
الحق في كل مجال0
15. الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر0
16. إعلاء
كرامة الإنسان 00 كل إنسان 00 حتى العدة الذي يقاتله0
الملمح
الحادي عشر :
ومن
الملامح المميزة لمنهج التفكير الإسلامي أيضا :
الإلحاح
على النظر وإعمال العقل وحسن الفهم والفقه والحكمة :{ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا
كثيرا} (سورة البقرة 269 ) 000 والحكمة تستلزم :
1 ـ حسن
الفهم والإدراك (الوعي الصحيح الصادق اليقظ)0
2 ـ حسن
التأتي (رأي حسن معالجة الأمور)0
3 ـ حسن
التمييز ( الحسن المييز بين الخير والشر وبين الحلال والحرام وبين الطيب والخبيث
)0
4 ـ وفقه
الأمر ؛ أي إحسان فهمه ، وإدراكه عميقا بقول تعالى {وما كان المؤمنون لينفروا كافة
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين00}(سورة التوبة: 122) وقال
النبي صلى الله عليه وسلم ، من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " (رواه
البخاري) وقال أيضا : "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا
" (رواه أحمد في المسند)0
إن التفكير
الإسلامي يجمع بين العقل والوحي ، وقد تكرر ذكر الكتاب والحكمة في القرآن ،
والحكمة هي وضع الشيء في موضعه ، أي لابد مع النص من عقل ذكي واع يضع الشيء موضعه
، ويحسن فهم النص ، كما يحسن إدراك الواقع ، فيحسن تنزيل النص على الواقع ، فيصلح
الواقع ويستقيم على أمر الله 0
وإعمال
العقل مع النقل لابد أن تصحبه معرفة جيدة "بالنقل" ؛ ليحسن المسلم فهم
النص ، وإدراك الواقع ، وتنزيل النص على الواقع0
لابد من
تحديد ما هو اختصاص الوحي ، وما هو اختصاص العقل ، فكما يمكن أن يتعدى العقل حدوده
، ويخوض في أمور هي من اختصاص الوحي كالعقائد الغيبية والعبادات والأخلاق ، كذلك
يمكن أن يتعدى الوحي ، ـ على يد المتدين الجاهل أو التزمت أو المغالي ـ حدوده ،
ويخوض في أمور هي من اختصاص العقل ، كتفاصيل العلوم الإنسانية والمادية والصناعات
والنظم ، على أن هناك حلقة أو حلقات اتصال بين مجال الوحي ومجال العقل أيضا ؛ إذ
إن التعامل مع الوحي لا يستغني عن العقل ، فالعقل الذكي اليقظ لابد منه أولا :
ليؤمن بالوحي 000 ثانيا : ليفهم بالوحي ، ثالثا : ليطبق الوحي ، والعقل لا يستغني
عن الوحي في مجالات اختصاصه من علوم وصناعات ونظم ، فلأخلاق ، التي هي أحد أركان
الوحي لابد منها لتوجيه وصيانة نشاطات الإنسان ، فلأخلاق مثلا تفرض:
أولا :
استفراغ الجهد للإتقان والإحسان والإبداع0
ثانيا :
توجيه جميع المحاولات والنشاطات وجهة الخير0
إن الوحي
يوجه العقل وجهة الخير ليضبط خط سيره فيحول بينه وبين الخمول والتقصير ، كما يحول
بينه وبين الشطط والغرور0
وأما العقل
فدوره أن يفهم الوحي دون تقصير أو قصور في فهم أبعاده وغاياته ، وأي تعطيل لعمل
العقل لا يعني ضياع فحسب ، بل يعني ضياع قيمة الوحي معه ، ولذلك لا تكلف على مجنون
فاقد للعقل0
وأهم مسألة
يعمل فيها العقل هي القضية الكبرى في هذا الوجود ، قضية الإيمان بالله تعالى ،
ومعنى إعمال العقل هنا هو أن يكون افيمان بالله عن طريق آياته في الكون والقرآن لا
عن طريق المعجزات الحسية0
لقد كانت
المعجزات الحسية وسيلة مساعدة:
1 ـ لكسر
جبروت الطغاة (انظر موسى وفرعون)0
2 ـ لعلاج
ضعف المؤمنين أحيانا {ولكن ليطمئن قلبي} (سورة البقرة :260) 0
والاطمئنان
هنا ليس لمجرد الإيمان ، ولكن ليبلغ درجة تمكن الرسل من البلاغ المبين ، أي تكون
المعجزات بمثابة في يد الرسول ليضيء أكبر ضوء لمن يدعوهم إلى الإيمان ، كذلك قصة
بني إسرائيل مع عيسى ، حتى دعا ـ عليه السلام ـ ربه فقال : اللهم ربنا أنزل علينا
مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وءاخرنا وءاية منك وارزقنا وأنت خير
الرازقين}(سورة المائدة 114)0
وانظر
تكرار رفض إنزال المعجزات والآيات الخوارق ، والإلحاح على آيات الله في القرآن
والكون ، يقول الله تعالى :"وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها
الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا "
ويقول تعالى {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة
من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما زعمت علينا
كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا(92) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء
ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتبابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا}
سورة الإسراء 90 : 91
كما يجب
إعمال العقل في الموروث عن الآباء ، وإنكار مبدأ تقديس الموروث ، وهو موقف قرأني
أصيل ، يقول تعالى : {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا
حسبنا ما وجدنا عليه ءاباءنا أولو كان ءاباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون}0
ويعني
إنكار التقديس والتسليم للموروث النظر فيه وإعمال العقل لتحديد ما يقبل منه وما
يرفض 0
وأما إعمال
العقل في الأخلاق فيعيني :
ـ تأكيد
مكارم الأخلاق (المعرفة)
ـ بيان
آثار الخلاق الكريمة0
ـ إنكار
الأخلاق المرذولة وبيان بشاعتها والسخرية منها ، ومن إعمال العقل هنا أيضا : فتح
باب الحوار مع الآخرين دائما :
ـ مع
احترام المحاور 0
ـ التزام
آداب الحوار0
ـ الحوار
الموضوعي والإلحاح على الموضوع الأساسي للحوار {قال يا قوم ليس بي سفاهة} (سورة
العراف :67) {قال يا قوم ليس بي ضلالة}(سورة العراف:61)
وأما إعمال
العقل في العبادات فيؤكد أنها :
ـ منسجمة
مع الفكرة0
ـ منسجمة
مع حرية الإنسان ونشاط الإنسان0
قدر من
القيود والضغوط للضبط وتعليق المخلوق بخالقه سبحانه0
ـ أعمال
تتسم باليسر ، يقول الله تعالى فيمن وجب عليه الصوم فعرض له مرض أو سفر : {ومن كان
مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}(سورة
البقرة:185)
وعند إعمال
العقل في الجهاد نجد له ما يلي :
ـ الدافع الإنساني
000 {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان
الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وجعل لنا من لدنك وليا واجعل
لنا من لدنك نصرا}(سورة النساء 75)0
ـ الابتلاء
والتمحيص 000 {وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم )(سورة آل عمران
154)
ـ إحدى
الحسنيين لنا على كل حال0
ـ رد الظلم
000 {وأخرجهم من حيث أخرجوكم}(سورة البقرة :191)
إعمال
العقل بتقرير منهج التفكير والنظر وتناول الأمور كلها :
ـ انظر
آيات القرآن التي تتحدث عن "التبين" فإنها تكاد تشمل جميع المجالات بل
انظر معنى "التبين" في مثل قوله تعالى {فلما تبين له قال أعلم أن الله
على كل شيء قدير} (سورة البقرة 259) فالرجل الذي أماته مائة عام ثم بعثه ، ساق
الله ـ عز وجل ـ غليه الأدلة على هذه المعجزة ليبين له الأمر والحقيقة ، فما كان
منه إلا اعترف بقدرة الله المطلقة بلا قيد0
إعمال
العقل لمعرفة علل الأمور:
ـ (فهل
عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم) (سورة محمد : 22)
ـ انظر
تعليل الأمور في كثير من الآيات ، سواء إيمانية ، أم عبادية ، أم خلقية تشريعية
{لعلكم تشكرون} ، {لعلكم تتقون} ، {ولعلهم يرجعون}0
ـ عدم
إطلاق الأحكام عامة ، فالشعوب والجماعات والأفراد ليسوا كلهم على نمط واحد أو سمت
واحد0
إن فصم
العري بين الدين والعقل يولد نماذج شائهة ، سواء في ناحية المتدينين أم في ناحية
المتفلتين ، ويبقى دور العلماء المثقفين في الدين بارزا دائما : (ليتفقهوا في
الدين) (سورة التوبة: 122) فالكل يقرأ القرآن ، ولكن المتفقهين لهم دور مهم ، وهو
المزيد من النظر والبحث والتأمل ، ثم البيان للناس ، والعلماء ورثة الأنبياء 0
الأنبياء
مهمتهم بيان الكتاب وكذلك العلماء إلى أن تقوم الساعة ، وبيانه إنما يكون بأسلوب
يناسب العصر الذي يتم فيه البيان0