الإعلام والسياسة في عصر الإنترنت

 

 

بقلم : محمد بن المختار الشنقيطي

 

أصبحت ثورة الاتصال التي أحدثها الإنترنت من أهم الوسائل التي تستعملها القوى السياسية المستنيرة لتحرير الشعوب من الاستبداد والظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ونشير هنا إلى بعض الإمكانات الجديدة التي يوفرها الإنترنت للحركات الإسلامية في سعيها لبناء مجتمع العدل والفضيلة، خصوصا في مجالي النضال السياسي والعمل الإعلامي.

ولا بد من التنبيه بدءا إلى أن استخدام وسائل التكنلوجيا الجديدة – مثل الإنترنت - مع سيطرة الأفكار الاستراتيجية والتكتيكية العتيقة لا يجدي كثيرا، بل لا بد من وضوح الرؤية النظرية، ليكون الاستغلال العملي لهذه الوسائل الجديدة مثمرا. فثورة الإنترنت تفرض تغيير طرائق التفكير لأن إمكانات هذه الثورة أكبر بكثير من مجرد الاستغلال الفني لها. لقد أدى الإنترنت إلى ترجيح ميزان القوى لصالح الشعوب، على حساب الحكومات المستبدة، التي فقدت الكثير من مظاهر سيطرتها على تفكير الناس، وبالتالي على حياتهم. فما يلزم الآن هو الوعي بأبعاد هذه الثورة وتوظيفها في حركة التغيير.

الإعلام الألكتروني

لقد أضعف الإنترنت بيروقراطية الدولة لصالح القوى السياسية وهيئات المجتمع المدني، من خلال قضائه على احتكار المعلومات، وتوفيره لوسائل اتصال ونضال جديدة لا يمكن التحكم فيها. فظهور الإعلام الألكتروني إيذان ببداية تحرر الإنسان من أجهزة التوجيه الإعلامي التي تسيطر على عقله، من خلال احتكار المعلومات، أو صبغها بصبغة خاصة تخدم الجهة المالكة. وهو تحرر مزدوج، يشمل حرية الإرسال، حيث أصبح المرسل مسيطرا على رسالته الإعلامية، قادرا على تقديمها دون وسيط أو تدخل أو صياغة من طرف الهيئات الإعلامية. كما يشمل هذا التحرر حرية الاستقبال، التي سنتحدث عن بعض مظاهرها.

ومن مظاهر هذه الثورة الإعلامية الجديدة:

أولا: تسهيل الحصول على المعلومات وهي لا تزال طرية من مصادرها المباشرة، فبمجرد نقرة على شاشة الكمبيوتر ينتقل القارئ من موقع إلى موقع أينما أراد على وجه الأرض، ويقرأ عن أي موضوع يشاء بأي لغة يفهم.

ثانيا: تسهيل إيصال المعلومات إلى الجمهور دون تحكم من الحكام المستبدين أو غيرهم. وتوفير المعلومات الصحيحة هو أول خطوات التغيير. وقد كان احتكار الحكام للمعلومات في الماضي من أهم الوسائل التي يحتمون بها.

ثالثا: التمكن من إيصال الرسالة الإعلامية بالشكل الذي يريده المرسل، دون تدخل موجه من أباطرة الإعلام، الذين اعتادوا التصرف في المعلومات التي تصلهم وصياغتها وإخراجها بالطريقة التي تخدمهم، على حساب المرسل الأصلي ورسالته.

رابعا: رخص ثمن الاتصالات، بل ومجانيتها في أغلب الأحوال، مما يجعلها متاحة للجميع، ولا مجال لاحتكارها من طرف الحكومات القمعية أو الشركات الاحتكارية. ومن فوائد رخص ثمن الاتصالات إشراك عامة الناس في المعلومات.

ورغم أن الحكام الدكتاتوريين يميلون إلى التضييق على تكنلوجيا الاتصال الحديثة، مثل الإنترنت، خوفا من انفلات الأمور من قبضتهم، فقد بدأ الإعلام الألكتروني يقضي على إعلام الورق (الصحف) وبدأ يضايق إعلام الصورة (التلفزيون) وهو مرشح للسيادة في المسقبل، لأسباب عديدة، منها ما يتعلق بحرية الانسياب الإعلامي، ومنها ما يتعلق بتسريع وصول المعلومات، وكم تلك المعلومات وكيفها. ومن هذه الأسباب على سبيل الإجمال:

أولا: أن الإعلام الألكتروني يعطي القارئ فرصة اطلاع أكبر من الناحية الكمية، ففي جلسة واحدة أمام الكمبيوتر يستطيع القارئ أن يطالع عشرات المصادر الإعلامية، من جميع أرجاء العالم، ودون تكلفة مالية تذكر، وهو أمر غير ممكن عمليا من حيث الوقت ومن حيث الكلفة، في التعامل مع الإعلام التقليدي.

ثانيا: أنه يعطي القارئ حرية الانتقاء والمقارنة، من خلال الاطلاع السريع على العديد من المصادر المختلفة الرؤى والخلفيات، ثم يستخلص لنفسه النتيجة التي يراها أقرب إلى الحقيقة، دون أن يظل أسيرا لرؤية مخصوصة تفرضها عليه الحكومات أو الشركات المالكة لوسائل الإعلام. 

ثالثا: أنه يمكن من القراءة المتخصصة، فلم يعد من اللازم استنزاف الوقت والجهد في تصفح الصحف بحثا عن موضوع معين، أو انتظار برنامج مخصوص في إحدى القنوات التلفزيونية، بل أصبح الإعلام الألكتروني يمكنك من الاطلاع على الموضوع الذي تريد في الوقت الذي تريد، ولا تخفى قيمة ذلك في عصر السرعة والتخصص الذي نعيشه.

رابعا: أنه يوصل الرسالة الإعلامية إلى مدى عالمي، ويتجاوز القيود التقليدية التي تقيد التلفزيون والصحافة المطبوعة، فهذه تحدها حدود "المكان" فلا يتجاوز أغلبها مساحة معينة من البسيطة، كما تحدها حدود "الإمكان" فلا يستطيع الجميع الوصول إليها لأنها غير مجانية. بخلاف الإنترنت فهو مجاني أو شبه مجاني في العادة. ويمكن أن نضيف أمرا على قدر كبير من الأهمية بالنسبة للحركات الإسلامية، وهو أن الإعلام الألكتروني وسيلة اكتساب فعالة، تستطيع الحركة من خلاله اجتذاب أعضاء ومناصرين جدد باستخدام طرائق عديدة، منها:

مراقبة عدد القراء لمقالات ومواد إخبارية وتحليلية معينة، من خلال العدَّاد الذي يبين عدد الزوار لكل مادة، مما يعين على صياغة المادة المناسبة الجذابة، المؤثرة على القراء. السماح للقراء بالتعليق على بعض مواد الموقع أو الصحيفة الألكترونية، مما يمكن من التعرف على المتابعين للموقع، والمتفاعلين مع رسالته الإعلامية، ويفتح الباب للاتصال بهم، والاستفادة من جهودهم. فتح "غرف دردشة" وأماكن نقاش عامة في الموقع أو الصحيفة، تتعرف الحركة من خلالها على أفكار القراء، ومدى قربهم أو بعدهم من فكرها، ثم تبدأ الاتصال بمن تتوسم فيهم خيرا واستعدادا للعمل الإسلامي.

النضال السياسي

يوفر الإنترنت للحركات الإسلامية إمكانات جديدة في مجال النضال السياسي، لم تكن موجودة من قبل، منها:

أولا: تسهيل سرعة الاستجابة للأحداث السياسية، والرد السريع على التحديات، وسهولة الحشد الجماهيري في سرعة قياسية. فلم يعد الأمر يحتاج إلى سيارات تحمل أبواقا وتجول في المدن لدعوة الناس إلى مسيرة، أو إنفاق مبالغ طائلة لترويج حدث سياسي في وسائل الإعلام التجارية. بل أصبح الأمر مجرد تحرير رسالة تعبئة واستنفار، وإرسالها إلى العناوين الألكترونية لآلاف الناس في لحظة واحدة، أو نشرها على مواقع معنية في الشبكة الألكترونية ليطلع عليها الآلاف، فيستجيبون للنداء.

ثانيا: سهولة التنسيق بين مجموعات شتى، للاحتجاج والتظاهر في موقع معين أو ضد قضية معينة، وحشد القوى الشعبية للانقضاض على الهدف من مختلف الاتجاهات، ومفاجأته بموجات المتظاهرين القادمين من جهات مختلفة، وأماكن متباينة. وقد برهنت هذه الاستراتيجية على نجاحها، خلال مظاهرات القوى المناهضة للعولمة في أمريكا وأوربا. وبدلا من إرسال الرسل للتنسيق بين القوى المشاركة، أظهر الإنترنت في تلك الأحداث أنه وسيلة اتصال وتعبئة يمكن التعويل عليها.

ثالثا: التمكن من توصيل الرأي المساند أو المعارض إلى الجهة المستهدفة بسرعة وبقوة. فلو صدر عن أحد القادة السياسيين – مثلا – موقف لايرضي الحركة الإسلامية، فإن إرسال آلاف رسائل الاحتجاج والإدانة في يوم واحد أصبح ممكنا. ولو أرادت تلك الحركة إيصال مواقفها إلى جمهور واسع حول قضية مخصوصة، فإنها لا تحتاج الآن إلى أكثر من كتابة رسالة وإرسالها إلى بعض المواقع الإخبارية الألكترونية.

رابعا: يمكن الاتصال السريع الذي وفره الإنترنت من تبني تكتيكات نضالية تستنزف العدو، مثل التظاهر المتوازي في مواضع شتى من نفس المدينة، أو في مدن مختلفة، في مجموعات صغيرة منضبطة، لا تستطيع قوى القمع السيطرة عليها، بدلا من المظاهرات التقليدية التي تركز على المظاهر الكمية، على حساب الدقة والفاعلية. وقد برهنت هذه التكتيكات على فائدتها في إرهاق القوى القمعية ومفاجأتها، وتسهيل الوصول إلى الأهداف التي يريد المتظاهرون ضربها، وتقليل الخسائر في صفوفهم، كما يظهر من الانتفاضة الفلسطينية.

خامسا: تشويش أفكار الحكومات القمعية وخلخلة استراتيجيتها من خلال الحشد المتوازي المتعدد الرؤوس والمنابع. بحيث لا تستطيع القوى القمعية أن تحدد هدفها بدقة، أو تصوغ تكتيكا فعالا للقضاء عليه. بل لا تستطيع أن تحدد بدقة من يقف وراء الاحتجاجات الاجتماعية، مما يحول بينها وبين القدرة على عزله عن المجتمع. وهذا التشويش الفكري والاستراتيجي في ذهن العدو يشل تحركه، ويقضي على فاعلية رده. ويختلف الأمر لو كان واضحا للسلطة أن وراء تلك التحركات حزبا أو منظمة أو حركة مخصوصة. يسهل حشرها في زاوية ضيقة واستئصالها.

سادسا: تغير مفهوم التظاهر والاحتجاج بعد وجود الإنترنت، فلم يعد بالضرورة ذلك الحشد البشري المادي، المثير للصخب، المؤدي إلى الشغب، وربما إلى التخريب والقتل، وإنما أصبحت أمواج الرسائل الاحتجاجية أو التأييدية التي ترد عبر الإنترنت تعوض الاحتشاد المادي في مكان واحد، إذا رأى أهل القضية أن يتفادوا المواجهة المباشرة مع القوى القمعية، أو اجتناب الآثار السلبية للاحتشاد المادي.

سابعا: حول الإنترنت تظاهرات الاحتجاج والتأييد من نشاط محلي إلى ظاهرة عالمية، حيث تتوارد الرسائل من جميع أرجاء العالم تأيد موقفا سياسيا معينا، أو تحتج على آخر. ففي عام 2001 وقع مائة ألف شخص من مختلف الأوطان والأديان - خلال أيام معدودة - مذكرة مرفوعة إلى مندوبية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عبر الإنترنت، تطالب بمحاكمة "أرييل شارون" بجرائم الحرب التي ارتكبها عام 1982 إبان الغزو الإسرائيلي لبيروت. فهذه الصيغة الجديدة للاحتجاج والتظاهر ثمرة من ثمرات الإنترنت، وتعبير عن الإمكانات السياسية التي يوفرها. وقد دعاها بعض الباحثين "الديمقراطية الألكترونية" و "المجتمع المدني العالمي".

ثامنا: إن الخبرة والتسهيلات الجديدة التي وفرها الإنترنت في مجال التنظيم والاتصال والإعلام غيرت المعادلة القديمة التي كانت تضطر قوى التغيير إلى الاعتماد على دعم دول أخرى في نضالها السياسي، كما كان الحال في الستينات والسبعينات من القرن العشرين. حيث كانت قوى التغيير تحتاج إلى دعم دول معينة في مجال الاتصال والإعلام والتأمين (حمل جوازات سفر الدول المساندة، واستخدام وسائل إعلامها واستخدام الحقائب الدبلوماسية التابعة لسفاراتها ..الخ) لكن الإنترنت جعل التنظيمات السياسية في غنى عن كل ذلك تقريبا، فحررها من ثمن الدعم الخارجي الذي كثيرا ما يتضارب مع أهداف الحركات الإسلامية ورسالتها.

تاسعا: يمكن الإنترنت من تعبئة آلاف من المتعاطفين عبر العالم – غير الملتزمين في الحركة – للمشاركة في عمل سياسي أو إعلامي ضد العدو، كما فعل المناضلون الفلسطينيون في حملتهم على المواقع الألكترونية الصهيونية، حيث استعانوا بآلاف الأنصار عبر العالم. وكما فعل بعض الذين دعوا إلى حملة توقيعات لمطالبة الأمم المتحدة بمحاكمة "أرييل شارون". وليس من الضروري أن يكون المتعاطف مناصرا دائما، أو مقتنعا بمبادئ الحركة ورسالتها، بل يكفي أن يشترك معها في هدف ظرفي، فيساهم في حملة مخصوصة ذات هدف مخصوص.

السباق إلى المستقبل

يمثل الإنترنت ثورة جديدة غيرت صورة العالم، وكسرت حواجز الزمان والمكان. ورغم أن أنظمة الاستبداد في العالم الإسلامي لا تزال تحاصر الإمكانات الجديدة التي يوفرها الإنترنت للشعوب، وتضيق على انسياب هذه الثورة الجديدة إلى حياة الناس، بأعذار ودواع شتى، فإن انتشار هذه التكنلوجيا الرخيصة في كل أرجاء العالم أصبح أمرا حتميا.

لذلك فإن الحركات الإسلامية مدعوة إلى الاستفادة من هذه الثورة إلى أقصا الحدود، في مجالات التنظيم والاتصال والإعلام والنضال السياسي.. وغير ذلك من جوانب معترك الحياة. فهل تستوعب الحركات الإسلامية المدلول التاريخي لثورة الإنترنت؟