بين الجزائر وواشنطن : تحالف استراتيحي أم 'عمالة' عمياء؟!

بقلم : مصطفى فرحات

 

بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية، تم استحداث تعبئة عالمية شاملة ضد ما سُمي بـ" الإرهاب"، ووجدت الجزائر نفسها منساقة نحو تحالف ميزه شعار "من ليس معنا فهو ضدنا"، وانبرت صيحات متعالية تشجب حظ الجزائريين التعس، مؤكدة أثناء ذلك أنه آن الأوان ليتفهم الجميع معاناة الجزائر من هذا "الوباء" الذي انتشر في جميع بقاع العالم، وتحول الموقف إلى ما يشبه السريالية عندما أرادت عدة أطراف – متباينة التوجهات والأهداف – مجاراة الأحداث التي تجاوزت العالم الثالث بأكمله، وسعت كي تكون الجزائر "قطبا استراتيجيا" في تحالف لا مكان فيه للصغار.

الجزائر.. خارج دائرة الزمن

على الرغم من تاريخ الجزائر الحافل بالآلام والآمال، وعلى الرغم من جعلها – قبلة الثوار – فيما يشبه الهالة البعيدة كل البعد عن الحقائق المجردة، وعلى الرغم من الهزات العنيفة التي تعرضت لها خلال العشرية الأخيرة جراء تفاقم العنف وانزلاق الوضع الأمني إلى جُرُف "اللااستقرار" الذي أهلها لتتصدر بجدارة أخبار الجرائم في العالم، لم يشفع لها كل ذلك في احتلال مكانة محترمة في مختلف المجالات المعرفية، الاقتصادية والسياسية، وحتى الاجتماعية والإنسانية.

فعلى المستوى الإنساني، لم تزل تقارير منظمات حقوق الإنسان تضع الجزائر في الخانة السوداء – بغض النظر عن صحتها أو خطئها – وتجعل الجزائر في طليعة الدول التي تُنتهك فيها هذه الحقوق، وخاصة قضية المفقودين التي لم تجد لها الدولة الجزائرية حلا إلى الآن، أو لم ترد أن توجد لها حلا، ومن مظاهر "التخبط" في هذه القضية الحساسة التضارب الرهيب في أعداد المفقودين المصرح به من طرف رئاسة الجمهورية، وزارة الداخلية ووزارة العدل، حيث يتراوح العدد ما بين 1500 مفقود إلى أكثر من 10 آلاف، وهي أعداد تحاول بعض الجهات الرسمية أن تنسب مجملها إلى الجماعات الإرهابية وتحاول نسج خيوط رفيعة بينها، محاولة منها لإرضاء "الضمير الجمعي" الذي أثقلته الهموم والآفات. وعلى المستوى الاجتماعي، لا تزال التقارير كذلك تبرز الثنائية العجيبة في بلد يعد في الدول ذات الدخل العالي بسبب حقول النفط والغاز، وبالمقابل تقول الإحصاءات الرسمية الجزائرية إن هناك أزيد من 12 مليون يعيشون تحت عتبة الفقر، إضافة إلى الانفجار الاجتماعي الذي سببه انتشار البطالة وتفشي الرشوة وتواطؤ النقابة المركزية "المعلن" مع الحكومة، حيث أضحى العمال بلا سند اجتماعي "نزيه" و"مؤثر" يمكنه المطالبة بحقوقهم المهضومة، والدفاع عن مصالحهم المنسية.

أما فيما يخص المجالات السياسية، فإنه وإن كانت الجزائر تشهد انفتاحا نسبيا "في الظاهر"، إلا أن رفض تسليم الاعتمادات لأحزاب مثل حركة الوفاء التي يتزعمها الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزير الخارجية الأسبق في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، والجبهة الديمقراطية بقيادة سيدأحمد غزالي وزير الحكومة الأسبق، والتضييق والتعتيم الممارس على بعض الصحف، تبقى نقاطا سوداء تحجب آفاق الرؤى الديمقراطية، إضافة إلى "التزوير الذكي" الممارس من طرف سلطة لا تزال تسيّر خيوط اللعبة السياسية بزجها المعارضة – الإسلامية وغيرها – في تحالفات مشبوهة ضربت مصداقيتها في الصميم، لتبقى بعد ذلك عرجاء لا يمكن لها أن تحتفظ بتوازنها وسط عواصف "الثورة". فكل المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وحتى الأخلاقية، ضربت مقومات الجزائر في صميم وجودها وأساسه، فاسحة المجال بعد ذلك إلى فوضى تسيير سياسية واجتماعية وثقافية تُفقد الجزائر مصداقيتها وآفاقها الاستراتيجية، وتجعلها في مؤخرة ركب العالم الذي يتميز بالسرعة والدقة.

المخابرات الجزائرية وعواصف العولمة

بعد الحادي عشر من سبتمبر الذي نقش في ذاكرة العالم صورا رهيبة لما يُمكن أن تصل له "الحروب الموازية" في القرن الواحد والعشرين، حاولت أطراف كثيرة استغلال الظرف العصيب للزج بالجزائر في "عمالة عمياء" للولايات المتحدة الأمريكية تسمى في ظاهر الأمر "تحالفا"، وذلك أن مصطلح "التحالف" إنما يستعمل في الاستراتيجيات العسكرية بين قوتين لهما نفس المنحى ونفس الإمكانيات، أما "التحالف" الذي يُعقد بين جهاز استخبارات ميزانيته أكبر من ميزانية الجزائر لسنوات عديدة، وبين جهاز شهد عدة أخطاء في التسيير أو الاستعلامات أثناء معالجة أزمات داخلية، لن يكون سوى ضرب من ضروب الكذب المفضوح.

ومنذ فترة ليست بالقصيرة، تناقلت وسائل الإعلام الجزائرية جملة أخبار عن التعاون الوثيق بين الجهازين الاستخباريين الأمريكي والجزائري، والذي أدى – حسبهم – إلى القضاء على عنتر زوابري، تتبع شبكات الدعم اللوجستي في دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، والذي تكرس كذلك في صفقات أسلحة زودت بها واشنطن الجزائر، ويتمثل الأمر في أجهزة رصد ليلية ومروحيات متطورة هدفها تتبع الإرهابيين في سعف الجبال. غير أن ثمة سؤال ينبغي أن يُطرح: كيف تنظر الولايات المتحدة الأمريكية إلى جهاز استعلامات يخطئ حتى في تحديد السن والمستوى الدراسي لشاب أثار مقتله موجة فوضى عارمة في منطقة القبائل؟

وعندما حاول البعض استدراك الوضع الملتهب في المنطقة والتخفيف من حدة الغليان، كانت التصريحات التي تصدر من مسؤولين على المستوى الأمني تصب الزيت على النار نظرا لطبيعة الكلام الملقى على عواهنه، مما يوحي أن الأخطاء المرتكبة تنازعها شيئان: سوء النية وسوء التسيير، وهما شيئان لا يمكن قبول وقوعهما في "تحالف" هدفه تطويع العالم للهيمنة الأمريكية.

أمريكا.. والتضليل الاستخباراتي

عندما شعرت كثير من دول العالم بمدى الخطورة التي يمكن أن تشكلها تنظيمات أو أشخاص لا يخضعون لأطر السياسة الدولية، وعلى رأسها التنظيمات التي تسمى "جهادية"، سعت إلى تشكيل تحالفات أمنية واستخباراتية تقضي بتبادل المعلومات وتسليم المتهمين وتسهيل قضايا التحقيق للغير، لكن أمريكا تجاوزت منطق التحالف الذي فرضته على دول أوروبا، وخاصة الغربية منها، لتظل ممسكة بخيوط اللعبة الأمنية التي تظهر الأحداث أنها أكبر المستفيدين منها.

فمباشرة بعد أحداث 11 سبتمبر، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أن بن لادن وتنظيم القاعدة هما المنفذ الفعلي لها، وطالبت بتعبئة شاملة لمواجهة "الإرهاب الإسلامي"، وعندما طالبت الدول الأخرى بحقها في معرفة الأدلة "القاطعة" التي تدين بن لادن وتنظيم القاعدة، أكدت واشنطن أن "الأدلة موجودة، لكنها يجب أن تبقى سرية لا يمكن لأحد الاطلاع عليها"!! ونفس التصريحات أدلى بها الوزير الأول البريطاني "توني بلير" حينما أعلن "أن الولايات المتحدة الأمريكية أطلعته على الأدلة وهي بالفعل قاطعة في إدانة بن لادن وتنظيم القاعدة، غير أننا لا يمكن لنا إظهارها لأنها تدخل في قضايا الأمن الوطني"!!

وهكذا زجت الولايات المتحدة العالم في تحالف تضن وتبخل عليه حتى ببيان الأدلة التي تحمله على المخاطرة بالمال والرجال، مسيّرة بذلك خيوط اللعبة وفق ما تشتهيها. وهنا لابد لنا من وقفة نذكّر فيها بأن سبب الحرب المعلنة على أفغانستان التي كانت تحت حكم نظام "طالبان" هو رفضهم لتسليم أسامة بن لادن دون وجود أدلة قاطعة تدينه، واستغلت الولايات المتحدة ذلك "لتتستر" على الأدلة الموجودة لتضرب عصفورين بحجر واحد، نظام طالبان وتستحوذ من ثم على موقع جيو استراتيجي هام، لتفرغ بعد ذلك للقاعدة التي كانت أفغانستان موقعها القومي.

ثم إن مدى التضليل الأمريكي في المجالات الاستخباراتية لم ينته عند ذلك الحد، وإنما تعداه ليتحول إلى تزويد كافة الاستخبارات الغربية الأخرى، ومن باب أولى العالم الثالث، بمعلومات تضليلية وخاطئة جعلت فرنسا وغيرها ينددون بهذا الفعل لأنه مؤشر "سوء نية"، في صورة تبين أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد أن تأخذ ولا تريد أن تعطي، وهو ما يمكن أن يحدث في إطار التعاون الجزائري الأمريكي، وبصور أبرز وأوضح.

أخطاء الماضي.. تقتل المستقبل

كان الرئيس الأمريكي السابق "دوايت إيزنهاور" يقول: "السياسات الصائبة لا تضمن النجاح، ولكن السياسات الخاطئة تضمن الفشل". ويمكن أن نعتبر هذه الحكمة أساسا يمكن له أن يفسر "لعنة الفشل" التي تطاردنا ولا تتخلى عنا. إن المشكلة الجزائرية اليوم ليست على مستوى انعدام الكفاءة أو نقص الإمكانيات، وإنما هي مشكلة مؤسسات وهياكل، ولهذا تظهر في شكل أخطاء استعلاماتية، وثغرات أمنية، وهزات سياسية، وحتى نكسات رياضية!!. وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية تبحث في كل مربط فرس عن مصالحها دون مصلحة غيرها، كان علينا نحن كذلك أن نسعى لتحقيق مصالحنا، بتحقيق ذاتنا أولا، ولنا في ذلك سند من المنطق الصائب، من الوطنية، وحتى من تأصيلات "البراغماتية" التي تعلمناها منهم.