هستيريا

 

بقلم : محمد كريشان

 

لا أستطيع أن أفهم هذه الهستيريا.. لم تجد وزيرة العدل الألمانية هرتا دوبلر غملين أبلغ من هذا التعليق علي الضجة التي أثارتها تصريحات أدلت بها مؤخرا وأشارت فيها إلي مسعي الرئيس الأمريكي جورج بوش لصرف الأنظار عن مشكلاته الداخلية من خلال تصعيد نذر المواجهة مع العراق وأن الشعـب الألماني مر بتجربة مشابهة خلال العـهد النازي.

قامت الدنيا ولم تقعد علي هذه الإشارة التي أصبحت تعني ببساطة لدي الأمريكيين تشبيه بوش بهتلر. ولم تسهم رسالة الاعتذار التي أرسلها المستشار الألماني إلي الرئيس الأمريكي الذي يشعر بإهانة كبيرة وخيبة أمل من الحليف الألماني ، حسب المتحدث باسم البيت الأبيض، في تخفيف حنق واشنطن كما لم تؤد المكالمة الهاتفية التي أجراها وزير الخارجية الألماني مع نظيره الأمريكي إلي شيء بل إن وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد وفي نبرة انتقامية غاضبة تعهد بألا يتحدث بكلمة واحدة إلي نظيره الألماني خلال اجتماع وزراء دفاع الحلف الأطلسي في وارسو؟

هذه الأزمة التي أثارها مجرد تصريح لوزيرة ألمانية خلال اجتماع انتخابي وما أعقبه من دعوات محمومة من بعض الجهات الألمانية تدعوها إلي الاستقالة ـ وهوما رفضته بالمناسبة ـ تعكس في الحقيقة أمرين هامين: أولا مدي الصدر الضيق لــواشنطن من أية ملاحظة انتقادية هنا أوهناك حتي عندما تصدر من صديق أو حليف وثانيا مدي هشاشة الموقف الأمريكي تجاه العراق والذي باتت تهزه كلمات عابرة رغم كل جبروت القوة العسكرية التي تسنده... وفي كلتا الحالتين هناك ضعف أمريكي أكيد يختفي وراء صورة المارد الهائج الذي لا يرد له طلب ولا ترفض له أوامر. وربما كانت الحالة الأولي هي الأخطر إذا نظرنا إليها من زاوية بلد ومنظومة قيم قاما علي أساس حرية الرأي والتعبير فما كان يفترض أصلا من دولة تعتبر نفسها رائدة الحريات والحقوق المدنية في العالم بأسره أن تغتاظ من تصريح عابر لمسؤول سياسي مهما بدا لها متحاملا أوعدائيا فهو في أحسن الحالات رأي شخصي لا يلزم إلا صاحبه وفي أسوأها رأي الحكومة الألمانية كلها وهوأمر غير وارد بالمرة بحكم سياق ما جري وبحكم مساعي تطييب الخواطر الذي قام به كبار مسؤوليها تجاه واشنطن.

صحيح أن أقوال أي مسؤول سياسي ليست آراء يقولها مفكر أويكتبها باحث أومحلل سياسي في دراسة أومقال ولكنها تظل رأيا أولا وأخيرا، وأن يكون الواحد وزيرا فذلك لا يعني ويجب ألا يعني أبدا أن يصادر حقه في الرأي والتعبير كأي مواطن حر في بلد حر... وكم مرة سمعنا أن ما قاله فلان أوعلان في هذا البلد أو ذاك هو رأي شخصي يلزم قائله دون غيره وهكذا تمر العاصفة، لكن يبدو أن المعايير كلها تنقلب طواعية أو كرها عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة أو بإسرائيل بطبيعة الحال؟

ربما تتمثل خطيئة الوزيرة الألمانية أنها قالت ما قالته في اجتماع عام مفتوح وما نقل عنها نقله صحافيون بحضور شهود عيان كثيرون فيما يقول مسؤولون أمريكيون تجاه غيرهم كلامــا أخطر بكثير فيمر بلا ضجيج إما لأن صحيفة واحدة مثلا أوردت تفاصيله أو لأن من وقعت الإشارة إليهم بلعوا الإهانة بسبب العجز الذي أقعد الجميع. ماذا يمكن أن يقال مثلا عما نقلته صحيفة يديعوت أحرونوت في السادس من ايلول (سبتمبر) الحالي عن الجلسة الضاحكة التي كانت لنائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط دافيد ساترفيلد مع عدد من القيادات الأمنية والسياسية الإسرائيلية والتي تحدث فيها عما جري بينه وبين مستشارة الأمن القومي الأمريكي كونداليزا رايس عن احتمال حضور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك حين قالت إذا اقتربت طائرته من الأجواء الأمريكية سنسقطها.. هكذا بكل بساطة؟ ولم ينف الواقعة لا ساترفيلد ولا رايس فما بالك بالاعتذار عنها مع أن ما قالته رايس ليس رأيا سياسيا بل إعلاناً صريحاً عن النية في القتل والاغتيال لم ينطق به رئيس عصابة بل مسؤولة بارزة في حكومة الدولة الأولي في العالم. وكذلك الشأن عما نقل قبل أشهر من تحقير الرئيس بوش لزعماء عرب بالإسم في جلسة مغلقة له مع شخصيات من اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة... لم ينف أحد ولم يحتج أحد !! .. أما الوزيرة الألمانية فمدعوة للاستقالة فيما عوقب السفير السعودي في لندن غازي القصيبي بوزارة في بلده لمجرد قصيدة وآراء جريئة أخري.