العرب : العودة للأصول حفاظا على الوجود

 

بقلم : محمد السخاوي

mohamedelskhawy@hotmail.com

 

اليوم التقت الرؤيتان و المصلحتان الأمريكية و الصهيونية , و تتبعهما بريطانيا , على إعادة هيكلة المنطقة العربية , الخريطة العربية الراهنة , خريطة سايكس بيكو 1917 أصبحت خريطة معادية للمصالح الأمريكية الصهيونية , في المنطقة و العالم , و من ثم يتوجب إعادة رسمها على قاعدة من التفتيت أوسع و اعمق مما حدث في 1917 , فالعرب , لو تركوا في صراعهم مع إسرائيل دون دعم أمريكي كامل لها لاستطاعوا أن يتخلصوا منها في ساعات بما يتمتعون به من تفوق كبير في العدد و امتلاك قدرة قتالية معقولة , و درجة عالية من تحمل الضربات المعادية , بسبب تفوقهم العددي و مساحاتهم الشاسعة , على عكس الكيان الأغتصابي  الصهيوني تماما , الذي ينحصر في جيب صغير على الأرض العربية في فلسطين , و يدرك الصهاينة الأمريكان أن هذه الميزات العربية تتصاعد دائما , على الرغم من قيود سايكس بيكو 1917 التجزيئية , خاصة بعد أن أدرك العرب الميزات الإستراتيجية للتضامن فيما بينهم , أن نيتهما , الأمريكان و الصهاينة يتبعهما بريطانيا انعقدت على اعتبار الوضع العربي الراهن , وضعا معاديا لوجود إسرائيل يجب تقويض اساساته , و فوق ذلك فإن العرب هم أبطال أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي ضربت قلب أمريكا و جعلتها تترنح كالثور المذبوح , و هم الذين قاتلوا و قادوا الأفغان لهزيمة الاتحاد السوفيتي السابق , و هم الذين قاتلوا في البوسنة و الهرسك , و يقاتلون في الشيشان و هم الذين دمروا المدمرة كول قبالة السواحل اليمنية , و قبل ذلك هم الذين اجبروا القوات الأمريكية على الرحيل من لبنان و من الصومال , باختصار , أن أمريكا تعتبر الوضع العربي الراهن , وضعا معاديا يجب اجتثاثه من جذوره و إعادة رسم خريطته من جديد , في هذا كله لا تنظر أمريكا في صفحات اعتد ائتها على مصالح العرب و معتقداتهم و وجودهم , و لكنها تنظر فقط , في صفحات الرد العربي على اعتدائها عليهم  ,  لأن أمريكا البروتستانتية اليهودية تعتقد بأن لها حق العدوان على العرب في كل مكان , على الأرض العربية أو خارجها , و ليس للعرب حق الرد , و بالمثل , فإن , لأختها , إسرائيل , حق إبادة العرب , و ليس للعرب حق الرد , و إذا ردوا بسلاح الاستشهاد أو قاتلوا اليهود بالسلاح وجها لوجه , فهم في عرف الأمريكان و الصهاينة إرهابيون لأنهم يقاومون من أجل الدفاع عن وجودهم , و هم في العرف الأمريكي الصهيوني , لا يستحقون الوجود ,  هذه حقيقة المعتقد الأمريكي الصهيوني , تجاه العرب , مهما بذلوا من خداع و نفاق و الحقيقة , أن هذا ليس أمرا مستحدثا , كما بينا , فالغرب , لم يتعامل أبدا مع العرب , باعتبارهم حزما متعددة , بل تعامل معهم دائما باعتبارهم حزمة واحدة , يتوجب تفكيكها دائما و كلما اقتضت الظروف , و يثبت التاريخ الحديث و المعاصر أن الحركة الصهيونية بنت تحالفها مع الإمبريالية الغربية على قاعدة العداوة المشتركة للعرب و المصلحة المشتركة في تجزئتها , وفصل المشرق العربي عن المغرب العربي , و علينا أن نفهم , على أساس هذه القاعدة , التي لن نمل من تكرارها , و التأكيد عليها , وهي قاعدة التجزئة الإمبريالية الصهيونية للامة العربية – علينا أن نفهم – المحطات التاريخية الأساسية , في تاريخنا المعاصر و الحديث , مثل محطة كامب ديفيد الأولى , و هي معاهدة لندن التي فرضت على محمد علي 1840 بعد أن هزم أمام تحالف الجيوش الغربية , و التي فرضت عليه آن لا ينظر إلى الأرض العربية المحيطة به , و له أن يكتفي بمصر , ملكية وراثية له و لأولاده من بعده , و علينا أن نفهم , لماذا انتهى المؤتمر الصهيوني في بال بسويسرا 1897 , على أن فلسطين هي الأرض المناسبة لاعادة تجميع اليهود فيها , و نفهم مقررات مؤتمر كامبل تيرمان وزير خارجية بريطانيا , الذي دعا له في لندن 1907 , و استدعي له عددا ضخما من العلماء من مختلف فروع العلم و المعرفة , و طلب منهم الإجابة على السؤال التالي , من أين يجيء الخطر على مصالح الإمبراطورية البريطانية , و جاءت الإجابة من العلماء الغربيين , أن الخطر يجيء من الشرق , من المنطقة التي تمتد من جبال طوروس في الشمال حتى المحيط الهندي في الجنوب , و من الخليج العربي في الشرق حتى المحيط الأطلسي في الغرب, ذلك لان هذه المنطقة تقطنها أمة واحدة , لو توحدت بأصولها و توجهاتها الحضارية العربية الإسلامية , لأصبحت خطرا على الحضارة الغربية  القائمة على المنفعة المادية , و الأمر لذلك يتطلب عدم توحدها , هذا عن مؤتمر 1907 , ثم جاءت محطة وعد بلفور وزير خارجية بريطانيا عام 1917 ,ة الذي قال فيه أن حكومة جلالة ملك بريطانيا تنظر بعين العطف لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين سن ما سبق في إقامة التحالف الإمبريالي الصهيوني , الذي سيتطور دائما حسب التطورات في الوضع الدولي و أقطابه , و علينا أن نفهم في هذا الإطار أن التاريخي أن كامب ديفيد ( أنور السادات ) ما هي ألا صورة متطورة من كامب ديفيد الأولى التي فرضت على محمد علي.

وجاءت محطة سايكس بيكو عام 1917 حيث تم وضع و تكريس الخريطة العربية التجزيئية الراهنة التي تتحكم فينا حاليا , وصولا إلى ما نسميه مع كل المحللين السياسيين المحترمين اليوم , الرغبة , أو بمعنى أدق , العقيدة الأمريكية الصهيونية , لرسم سايكس بيكو جديدة للواقع العربي الراهن ,أي, سايكس شارون / بوش / بلير , تعيد هيكلة المنطقة  برسومات جديدة للدول العربية , تجعل من كل دولة أربع دول أو أكثر على أسس عشائرية و قبلية و طائفية ,  فيكون حاصل الجمع حوالي أربعون دويلة متصارعة متناحرة تنكفيْ كل منها على الأرض لتقبل الحذاء الصهيوني الأمريكي , لماذا هذا التفكيك أصبح أمرا ملحا اليوم قبل غد ؟ لأن العديد من الدول العربية أصبح لديها بحكم التطورات على الخريطة السكانية و التقنية لكل منها إمكانيات المقاومة و التصدي للعدوان الأمريكي الصهيوني , و لو بدرجات متواضعة , ألم ترى كيف خذلت أمريكا في لبنان و الصومال و في واشنطن , ألم ترى كيف يصمد العراقيون و الفلسطينيون , ألم ترى كيف وصل العرب إلي درجة من الوعي جعلتهم يتضاعفون قوميا على المستويين الشعبي و الرسمي مع العراق و فلسطين , هذه التطورات على الجانب العربي , جعلت العدو أكثر عجلة و تصميما على العدوان على الأمة , و إعادة هيكلتها من جديد , لقد أعلنت تاتشر, بعد سقوط الاتحاد السوفيتي , أن الإسلام هو العدو الأول , و أعلن بوش الحرب الصليبية وسبقه في ذلك بيرلسكوني , و أخيرا قال وزير الصحة الإسرائيلي في قول نشر بالأهرام يوم الخميس 26/9 أن العرب خلقوا ثعالب ثم تطوروا و أصبحوا أفاعي تزحف في شوارع و طرقات القدس تهددنا و تحاول أن تقضي علينا , و لكننا سننتصر عليهم و نبيدهم .

هذه هي معتقداتهم و خططهم , فماذا نحن فاعلون ؟ العدو مستمر في مخططه العدواني , غزو مباشر للعراق , غزو مباشر للسودان , إبادة للفلسطينيين , دعاية عدوانية ضد سوريا و ليبيا باعتبارهما دولتان تملكان أسلحة دمار شامل و و ضد مصر و السعودية بإعتبارهما دولتان راعيتان للإرهاب , و ضد لبنان باعتباره راعي لحزب الله الإرهابي , و ضد اليمن باعتباره وكر لتنظيم القاعدة ......الخ , ووسط كل هذه الزحمة من التحركات و الأحداث المعادية , ستكون الضربة أو الغزوة الكبرى على الجبهة العراقية , التي هي في ظنهم , أضعف الجبهات العربية , و مرة أخرى ماذا نحن فاعلون ؟

هذا سؤال مهم , و الإجابة عليه أهم ,لأنها تصنع التاريخ المستقبلي للأمة , و تمنع امتداد الماضي الإمبريالي الصهيوني في مستقبلنا ,و الحقيقة , أن أمامنا مهمات أربع متكاملة و مترابطة , المهمتان الأوليتان ذات طبيعة عقيدة سياسية , و المهمتان الأخيرتان ذات طبيعة عملية .

المهمة الأولي : على العرب أن يعيدوا تشكيل وعيهم العقائدي , على أصوله , على أساس , أن الإسلام صنع منهم أمة عربية واحدة , يعيشون معا , و يخوضون معاركهم معا , و ينهزمون معا , و ينتصرون معا , و يرتقون معا , و عليهم بناء على ذلك لا على شيء غيره , أن يواجهوا الحلف الأمريكي الصهيوني البريطاني باعتبارهم حزمة واحدة , باعتبارهم العرب , لا باعتبارهم أعواد متفرقون , يسهل على العدو كسرهم .

المهمة الثانية: انطلاقا من هذه القاعدة تتكون لديهم عقيدة سياسية أمنية من شقين , الشق الأول أن الأمن العربي أمن قومي واحدا لا يتجزأ , يتساوى على أساسه الدفاع عن بغداد و القاهرة و الرياض و دمشق و بيروت وعمان وصنعاء و طرابلس و الخرطوم وتونس و الجزائر و مراكش و كل العواصم العربية , الشق الثاني أن الأمن القومي العربي و الأمن الإسلامي بينهما ترابط عضوي , بحكم الرابطة العضوية بين العروبة و الإسلام .

المهمة الثالثة: أن تقوم كل من مصر و الأردن بإلغاء معاهدتي السلام التي وقعتاها مع العدو الصهيوني , و ذلك استنادا على غير الظروف و قيام إسرائيل بتهديد أمنهما بحرب الإبادة و التدمير التي تشنها على الشعب العربي في فلسطين , إذ أن العمليات الصهيونية تجري على الخطوط المباشرة الفاصلة بين الأردن و فلسطين و فلسطين و مصر , هذا بالإضافة إلى آن الأنشطة الإسرائيلية بجنوب السودان تستهدف خنق مصر بالتحكم في منابع النيل , إن إسرائيل أعلنت أكثر من مرة , أن مصلحة أمنها تتطلب إزاحة العراق من على الخريطة السياسية , و لنا أن نعلن في المقابل , أن الوجود الإسرائيلي , و الحرب الوحشية الصهيونية ضد العرب الفلسطينيين , يتطلب إلغاء معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية و الإسرائيلية المصرية .

المهمة الرابعة: و هي مطالبة الدول العربية التي تقبع على أراضيها قواعد أمريكية , لإنهاء عمل هذه القواعد , لأن مصالحنا الأمنية , لم تعد تتطلب وجودها , بل العكس فقد أصبح وجودها يشكل خطرا على مصالحنا الأمنية , وإذا رغبت أمريكا في بقاء هذه القواعد, فلا بأس  , بشرطين : الأول : أن تلتزم بعدم مهاجمة العراق أو أي دولة عربية , لا الآن و لا مستقبلا , و الثاني : فك التحالف بين أمريكا و إسرائيل , باختصار , على أمريكا أن تقرر إما مصالحها معنا و إما مصالحها مع إسرائيل , و إذا أختارت أمريكا إسرائيل فلتسحب قواعدها من أرضنا , و سيتكفل العرب بإعادة صياغة الحياة على أرضهم صياغة متحررة من كل ظلم و قهر , صياغة ترتكز على تفعيل عوامل الوحدة فيما بينهم و توحيد عوامل المقاومة للعدو , و نحن على ذلك قادرون , إذا ما عقدنا العزم و توكلنا على الله , و الله غالب على أمره , لقد فعلتها الصين و أستردت مقعدها الدائم في مجلس الأمن و تفعلها الآن لاسترداد تايوان , و تفعلها أيضا الآن كوريا الشمالية , حيث تقايض تدمير أسلحتها ذات التدمير الشامل بسحب القواعد الأمريكية من أراضي كوريا الجنوبية .

و نحن العرب لسنا أقل من الصين أو كوريا , و لا آيه أيها القادة الملوك الرؤساء العرب .