الثور الابيض والواقع الاسود

د. أحمد نوفل

يرى كثير من مروجي السراب والخراب ان خطاب بوش الاخير امام الأمم المتحدة فيه شيء من الانفراج في أزمة العلاقة بين امريكا والعراق، وان الخطر قد تراجع الى الوراء قليلاً. والذي أراه ان الخطر ازداد واشتد، وان الضربة باتت وشيكة اكثر، وان الخطة نضجت اكثر واحكمت اشد.

ذلك ان بوش بحماقته وحماقة امريكا كانت تروج انها ذاهبة للحرب وحدها، وان الأمم المتحدة واوروبا واصدقاء امريكا وحلفاءها ان لم يسيروا الى الحرب فان امريكا ماضية لا تلوي على شيء. فنصح الدهاقنة من ساسة امريكا والحلفاء الانجليز ثعالب السياسة، ورأوا ان تتقن الخطة اكثر، فالاتفاق على الضربة وارد وقطعي، ولكن الخلاف على احكام الضربة لا على المبدأ.

وبرد الامر ظاهرياً الى الأمم المتحدة «تُعولم» الضربة من جديد مثل الضربة الاولى، وتوضع العراق في الزاوية الحرجة لأنها لا تنفذ الشرعية الدولية، «لن نقول: هذه اسرائيل طيلة خمسين سنة لا تنفذ شيئاً ولا احد يعاقب..».

وسترفع هذه الخطوة الحرج عن الانظمة العربية التي كانت محرجة امام الشعوب كيف تتعاون مع القاتل في قتل اخيها العربي؟ او كيف تسكت على قتل اخيها العربي؟ او كيف ستلجم الشعوب اذا تحركت لقتل اخيها العربي؟ طبعاً ستنطلق اصوات الحكمة: وماذا يجدي الصراخ وما يجدي العويل وما تنفع المظاهرات والاحتجاج؟ ونقول لهم: فأرونا انتم من انفسكم الفعل الذي يؤثر ويجدي طالما ان الشعوب لا تملك الا التحرك الذي لا يجدي.

وتأملوا الواقع العربي العاجز المشلول الارادة كيف تعلق بهذه القشة التي انقذت ماء وجوههم ان كان فيها ماء.. فكلهم باتوا يسدون النصائح للعراق ان يقبل المفتشين، وما دروا ان المفتشين ستار الأمم المتحدة لضرب العراق.

فهؤلاء سيستفزون الشعب العراقي كما كان يحصل في كل مرة، بالتفتيش المهين والاذى النفسي المتعمد، والأمر المفتوح، والوقاحة الزائدة، والتجسس لصالح امريكا و«اسرائيل».. ومن الذي يضع حداً للممارسات المتجاوزة لهؤلاء؟

ان الاستخفاف بنا بلغ مداه الاقصى، والتاريخ يعيد نفسه، فقد كانت أمتنا في نظر الأمم قبل ان اكرمها الله بهذا الدين خفيفة يتطاول عليها كل احد، لكنها اكتسبت وزناً بايمانها، فلما فقدت فعالية الايمان عاد الاستخفاف من جديد. ان قوة الطغيان باشرت فوراً بالتحرك بعد خطاب بوش، فيلتقي باول بوزراء الخارجية لمجلس التعاون والمستهدفون بالضربة لا يتحركون. كل ما يملكه الناصحون، ان يتقدموا للعراق بطلب التعقل والانصياع لقرارات الشرعية الدولية.

ان نذر تعميم تجربة العراق لائحة واضحة، فلماذا لا يبادر المستهدفون بحماية انفسهم؟ ولماذ لا تبادر النظم العظيمة المستهدفة هي والكيانات بالعبث والتمزيق، لماذا لا تبادر باتخاذ الاجراءات الوقائية التي اقلها اطلاق حرية الشعب؟ انكم ترون ان امريكا تدعي حين تعزم على تغييركم انكم انظمة غير ديمقراطية، فبادروا وفوتوا عليها الفرصة باعطاء شعوبكم حقوقها كاملة. ولو ان السلطة الفلسطينية على سبيل التمثيل كانت غير فاسدة، وكانت تعطي شعبها حريته، ولم تكن تعبث بالوحدة الوطنية أكان الموقف اليوم في مواجهة جرافات شارون بهذا الهزال؟ وكذا لو كانت كل الانظمة ملتحمة بالشعب بايقاف سيل الفساد وانصاف المظلومين والمسحوقين، واعطاء الشعب كلمته واختياره، واطلاق روحه ورفع معنوياته بدل العمل على حطها من خلال اذلاله الدائم وقمعه المستديم.

ما زال في الامر متسع، وشعبكم عظيم، وعدوكم لو وقفتم في وجهه وقفة واحدة ليس بامكانه ان يعمل شيئاً. ان العراق يا قوم حجر سنمار بحيث اذا انهار تداعى سائر الجدار. فالحذار الحذار. والبدار البدار! ومتى الواقع الاسود لا يتآمر على بعضه، فتؤكل اجزاؤه وهو يواصل الفرجة والمؤامرة؟ يا صناع الواقع الاسود، الويل لكم جميعاً اذا أكل الثور الابيض. فهل تعقلون؟

ما ان القى الساحر بوش كلمته او سحره حتى استرهب الناس وتحولت المواقف من رافضة للحرب مرجحة للتفاوض الى مؤيدة للغطرسة والقوة والظلم، واذ بعقد الدول العربية غير النضيد ينفرط في الحال، لتسارع بعضها الى اعلان أن العراق ان لم يقبل بالمفتشين فاننا مضطرون للتعاون مع امريكا. يا أيها التسطيحيون والتبسيطيون العرب، هل انتم على هذه الدرجة من البلاهة او الاستهبال؟ هل فعلاً تعتقدون ان المسألة مسألة المفتشين؟ فها قد قبل العراق بعودة الجواسيس بلا قيد ولا شرط، فماذا انتم قائلون؟ وماذا انتم فاعلون؟ ألم تكونوا انتم في نظر امريكا حتى ايام قليلة حاضنة للارهاب وفقاسة للارهاب؟ ألم تكونوا بالتصنيف الامريكي دولة ترعى الارهاب؟ واما الذين يظنون ان انكفاءهم القطري يحمي رؤوسهم فكم هم واهمون. هذا اذا افترضنا انهم واهمون، خاصة واننا نعلم ان بعضهم من اصحاب الخلفيات النضالية!

فيا اصحاب الخلفيات المناضلة هل هذه هي نهاية خلفياتكم ونضالكم؟

يعرّفنا العارفون ويبصرنا المبصرون أننا ضعفاء، آمنا اننا ضعفاء. فما المخرج من هذا الضعف؟ اما آن لعقلاء العالم العربي وقياداته الفكرية ان تفكر في مخرج من هذا الضعف؟ ثم قولوا لنا: ما الحدود التي لا يجوز ان يتجاوزها الضعيف؟ أم ان الضعيف يستسلم لكل ما يريده منه القوي؟ ولماذا لا تتعلمون من لبنان اضعف ضعفاء العرب الذي غدا بمقاومته اقوى اقوياء العرب، وهو الوحيد الذي لا تجرؤ «اسرائيل» على التمادي عليه. ولولا القيادة الفلسطينية لكان الشعب الفلسطيني هو الحلقة الثانية في القوة في تحقيق توازن الرعب مع العدو!

نسأل مثلاً: هل لو قال اليهود والامريكان بنظرية الوطن البديل كنا نقبل منهم بحجة الضعف؟ أم اننا سنرفض مهما كلف الثمن؟ الجواب واضح. اذاً هناك امور لا يستطيع الضعيف ان يقبل بها، وعندما كانت المعايير هي الكرامة والعزة والاباء والشمم والثوابت كان منطق الناس مختلفاً. فلا ادري بأي حديث نخاطب الناس اليوم وقد غدا حديث المصالح التي هي رمال متحركة ويفسرها كل على هواه، غدا هو المقياس الذي اليه تنقاس المواقف.

الحياة وقفة عز،وليكن بعدها ما يكون، ولن يكون الا العز.