الشيخ القرضاوي :

الاستشهاديون هم العنصر الحي المعبر عن حيوية الأمة وإصرارها على المقاومة

 

 

 

استنكر فضيلة العلامة د. يوسف القرضاوي ما تردد مؤخرا عن عدم شرعية العمليات الاستشهادية التي يقوم بها أبطال الانتفاضة الفلسطينية وقال في تصريحات خاصة لـ الراية: إن هذه العمليات من أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله، كما أنها من الإرهاب المشروع الذي جاء في القرآن الكريم (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم) وقال إن تسميتها عمليات انتحارية تسمية خاطئة ومضللة فهي عمليات بطولية استشهادية أبعد ما تكون عن الانتحار، ومن يقوم بها أبعد ما يكون عن نفسية المنتحر. وتحدث عن اشتراك الأطفال في الانتفاضة فقال:

 

ان الجهاد نوعان: جهاد الطلب، وجهاد الدفع. جهاد الطلب، هذا فرض كفاية إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقي، أما جهاد الدفع: اذا اغتصب عدو أرض المسلمين، فهنا يجب على المسلمين جميعا أن ينفروا، الولد بدون إذن والديه، والمدين بدون إذن دائنه، والطفل بدون إذن أهله.

 

واننا لنباهي بما يفعله أطفالنا في فلسطين، وماذا نفعل إذا تقاعس الرجال الكبار عن الجهاد، وتقدم الأطفال، بل إن أعمالهم فيها ما فيها من رعب لليهود، فهؤلاء هم - بحق - الصغار الكبار، التلامذة الأساتذة، الأشبال الأسود.

 

وشرح فضيلته في تحقيق علمي مميز تفسير العلماء للآية الكريمة، (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) فبدأ بالجصاص الحنفي: قال الإمام الجصاص الحنفي في كتابه (أحكام القرآن) في تفسير هذه الآية: قد قيل فيه وجوه: أحدها: ما حدثنا محمد بن أبي بكر قال حدثنا أبوداود قال حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح قال حدثنا ابن وهب عن حيوة بن شريح وابن لهيعة عن يزيد بن ابي حبيب عن اسلم ابي عمران قال: غزونا بالقسطنطينية وعلى الجماعة عبدالرحمن بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: معه! لا إله إلا الله! يلقي بيديه إلى التهكلة! فقال أبوأيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لمّا نصر الله نبيه وأظهر دينه الإسلام، فقلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا فنصلحها وندع الجهاد. قال أبوعمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية.. فأخبرأبو أيوب أن الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله، وأن الآية في ذلك نزلت، وروي مثله عن ابن عباس وحذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك.

 

وروي عن البراء بن عازب وعبيدة السلماني: الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة هو اليأس من المغفرة بارتكاب المعاصي.

 

وقيل: هو الإسراف في الانفاق حتى لا يجد ما يأكل ويشرب فيتلف. وقيل: هو أن يقتحم الحرب من غير نكاية في العدو، وهو الذي تأوله القوم الذي أنكر عليهم أبو أيوب وأخبر فيه بالسبب وليس يمتنع أن يكون جميع هذه المعاني مرادة بالآية لاحتمال اللفظ لها وجواز اجتماعها من غير تضاد ولا تنافٍ. فأما حمله على الرجل الواحد يحمل على حلبة العدو، فإن محمد بن الحسن ذكر في السير الكبير: أن رجلا لو حمل على ألف رجل وهو وحده لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، فإني أكره له ذلك لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، ولكنه يجريء المسلمين بذلك، حتى يفعلوا مثل ما فعل، فيقتلون وينكون العدو فلا بأس بذلك إن شاء الله، لأنه لو كان علىطمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة، لم أر بأسا أن يحمل عليهم، فكذلك إذا طمع أن ينكي غيره فيهم بحملته عليه فلا بأس بذلك، وأرجو أن يكون فيه مأجورا، وانما يكره له ذلك: إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية، ولكنه مما يرهب العدو، فلا بأس بذلك، لأن هذا أفضل النكاية وفيه منفعة المسلمين.

 

قال الجصاص: والذي قاله محمد من هذه الوجوه صحيح لا يجوز غيره، وعلي هذه المعاني يحمل تأول من تأول في حديث ابي ايوب انه ألقي بيده الي التهلكة

 

بحمله علي العدو، اذ لم يكن عندهم في ذلك منفعة، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن يتلف نفسه من غير منفعة علي الدين ولا علي المسلمين، فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة علي الدين، فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم قوله إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ، (التوبة: 111) وقال ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (آل عمران: 169)، ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله (البقرة: 207)، في نظائر ذلك من الآيات التي مدح الله فيها من بذل نفسه لله.

 

قال: وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين، فبذل نفسه فيه حتي قتل كان في أعلي درجات الشهداء قال الله تعالي: وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر علي ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور (لقمان: 17)، وقد روي عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: أفضل الشهداء حمزة بن عبدالمطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله وروى أبوسعيد الخدري عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ، وذكر الجصاص هنا حديث أبي هريرة مرفوعا: شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع ، وقال: وذَم الجبن يوجب مدح الاقدام والشجاعة فيما يعود نفعه على الدين وإن أيقن فيه بالتلف، والله تعالى أعلم بالصواب. ثم نقل قول القرطبي:

 

ما قاله القرطبي المالكي: وقال الإمام القرطبي المالكي في تفسيره: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده، فقال القاسم بن غيرة والقاسم بن محمد وعبدالملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده علي الجيش العظيم وإذا كان فيه قوة، وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة.

 

وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فيحمل، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك وبيَّن في قوله تعالي: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله .

 

وقال ابن خويزمنداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة، أو على جملة العسكر، أو جماعة اللصوص المحاربين والخوارج، فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن وكذلك لو علم أو غلب علي ظنه أن يقتل، ولكن سينكي نكاية، أو سيُبلي، أو تؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا، وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة، فعمد رجل منهم، فصنع فيلا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه، فلما اصبح لم ينفر فرسه من الفيل، فحمل علي الفيل الذي كان يقدمها، قيل له: انه قاتلك، فقال: لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين، وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة فقال رجل من المسلمين: ضعوني في الحجفة، وألقوني إليهم، ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب.

 

قال القرطبي: ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أرأيت ان قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا؟ قال: (فلك الجنة) فانغمس في العدو حتى قتل، وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلي الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه، قال: من يردهم عنا وله الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ، ما أنصفنا أصحابنا هكذا الرواية (أنصفنا) بسكون الفاء (أصحابنا) بفتح الباء، أي لم ندلهم للقتال حتى قتلوا، وروي بفتح الفاء ورفع الباء، ووجهها أنها ترجع لمن فرَّ عنه من أصحابه والله أعلم: ثم ذكر القرطبي كلمة محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة المسلمين... الخ.

 

ما قاله الرازي الشافعي:

 

وقال الإمام الرازي الشافعي في تفسيره المراد من قوله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم، فإن ذلك لا يحل وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في الكناية، وإن خاف القتل، فأما إذا كان آيسًا من النكاية وكان الاغلب انه مقتول، فليس له ان يقدم عليه، وهذا الوجه منقول عن البراء بن عازب ونقل عن أبي هريرة عن الرسول صلي الله عليه وسلم انه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقل بين الصفين، قال الرازي: ومن الناس من طعن في هذا التأويل وقال: هذا القتل غير محرم واحتج عليه بوجوه.

 

(الأول) روي أن رجلا من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به الناس، ألقي بيده في التهلكة! فقال أبو أيوب الانصاري: نحن أعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا.. وذكر خلاصة ما حكاه الجصاص في سبب نزول الآية.

 

(والثاني) روي الشافعي رضي الله عنه ان رسول الله صلي الله عليه وسلم ذكر الجنة، فقال له رجل من الانصار: أرأيت يا رسول الله إن قتلت صابرا محتسبا؟ قال صلي الله عليه وسلم : لك الجنة، فانغمس في جماعة العدو فقتلوه بين يدي رسول الله.. وأن رجلا من الانصار ألقي درعا كانت عليه حين ذكر النبي صلي الله عليه وسلم الجنة ثم انغمس في العدو فقتله.

 

(والثالث) روي ان رجلا من الانصار تخلف عن بني معاية، فرأي الطير عطوفا علي من قتل من أصحابه، فقال لبعض من معه، سأتقدم إلى العدو فيقتلونني، ولا اتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي، ففعل ذلك فذكروا ذلك للنبي صلي الله عليه وسلم فقال فيه قولا حسنا.

 

(الرابع) روي أن قوما حاصروا حصنا، فقاتل رجل حتي قتل، فقيل: ألقي بيده الي التهلكة، فبلغ عمر بن الخطاب صلي الله عليه وسلم ذلك فقال:كذبوا أليس يقول الله تعالي: من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ولمن نصر ذلك التأويل أن يجيب عن هذه الوجوه فيقول: إنا إنما حرمنا إلقاء النفس في صف العدو إذا لم يتوقع ايقاع نكاية فيهم، فأما إذا نوقع فنحن نجوز ذلك.

 

ما رواه ابن كثير والطبري:

 

روي الحافظ ابن كثير ان رجلا قال للبراء بن عازب الانصاري: إن حملت علي العدو فقتلوني: أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة؟ قال: لا، قال الله لرسوله فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وإنما هذه في النفقة أي ترك النفقة في الجهاد.

 

وروي الإمام الطبري بسنده في تفسيره عن أبي اسحاق السبيعي قال: قلت للبراء بن عازب (الصحابي): يا أبا عمارة الرجل يلقى ألفا من العدو، فيحمل عليهم، وإنما هو وحده 0يعني: أنه مقتول في العادة لا محالة أيكون ممن قال الله تعالي فيهم: ولا تلقوا بأيديكم إلي التهلكة ؟ فقال: لا.. ليقاتل حتى يقتل، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك (النساء: 84).

 

ما قاله ابن تيمية:

 

وذكر نحو ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في فتواه المشهورة في قتال التتار مستدلا بما روي مسلم في صحيحه عن النبي صلي الله عليه وسلم من قصة أصحاب الأخدود، وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين (حين طلب إليهم أن يرموه بالسهم، ويقولوا: باسم الله رب الغلام)، قال: ولهذا جوز الائمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر.

 

ما قاله الشوكاني:

 

وقال الإمام الشوكاني في تفسيره 0فتح القدير): والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو في الدنيا: فهو داخل في هذا، ومن جملة ما يدخل تحت الآية: أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش، مع عدم قدرته على التخلص، وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين.

 

ومعنى هذا: أنه إذا كان لاقتحامه أثر بنفع المجاهدين كإرهاب العدو وإفزاعه لم يعد هذا في التهلكة، ومن التفسير المعاصر نقل ما يلي:

 

ما قاله صاحب تفسير المنار:

 

وفي عصرنا قال العلامة رشيد رضا في تفسير المنار: ويدخل في النهي: النطوح في الحرب بغير علم بالطرق الحربية، التي يعرفها العدو، كما يدخل فيه كل مخاطرة غير مشروعة، بأن تكون لاتباع الهوى لا لنصر الحق وتأييده .

 

ومفهوم هذا أن المخاطرة المشروعة المحسوبة التي يرجي بها إرهاب عدو الله وعدونا ويبتغي فيها نصر الحق لا اتباع الهوى، لا تكون من الإلقاء باليد إلى التهلكة.

 

وفي نهاية هذه الجولة مع أقوال المفسرين قال د. القرضاوي: إن هؤلاء ليسوا بمنتحرين ولم يلقوا بأيديهم إلى التهلكة وهم في طليعة الشهداء عند الله وهم العنصر الحي المعبر عن حيوية الأمة واصرارها علي المقاومة وانها حية لا تموت، باقية لا تزول.