المشروع الصهيوني في فلسطين

 

 

 

 

 

بقلم: أحمد خليل

 

اعتمد المشروع الصهيوني لبناء "إسرائيل الكبرى" في فلسطين كوطن قومي ليهود العالم على ثلاث قوى محركة هي: الأيدولوجية التوراتية، والأطماع الاستعمارية الغربية، والضرورات الحياتية. وقد استثمرت الحركة الصهيونية هذه القوى الثلاث ونظمتها بصورة جيدة جعلتها تكمل بعضها، وقد تجلى ذلك في دمجها للأيدولوجية التوراتية بالأطماع الاستعمارية البريطانية ونجحت في استصدار ما عرف بوعد بلفور من الحكومة البريطانية التي أوفت بوعدها يوم هيأت للحركة الصهيونية الأوضاع في فلسطين لإعلان قيام "إسرائيل" بعد يوم واحد فقط من انسحاب الجيش البريطاني من فلسطين يوم 15 مايو 1948.

 

بعد أن أصبح لليهود دولتهم في فلسطين حرصت الدول الاستعمارية الغربية على رعايتها وتوفير كل أسباب تفوقها العسكري على الدول العربية ومن دون أن تتخلى الحركة الصهيونية عن علاقاتها المتينة مع فرنسا وبريطانيا تحولت إلى ربط مشروعها بالسياسة الخارجية الأميركية التي باتت زعيمة الغرب كله عقب الحرب العالمية الثانية واشتداد الصراع بين الشرق السوفياتي الشيوعي والغرب الإمبريالي الرأسمالي.

 

بعد انتهاء الحرب الباردة تصورت الدوائر الغربية والصهيونية داخل "إسرائيل" وخارجها بأن الباب بات مفتوحاً للتسيد الكامل على العالم بأسره ومن خلال ذلك تصور غلاة الأيديولوجية أن تحقيق "إسرائيل الكبرى" بات مضموناً سواء عن طريق فرض تسوية تقود في النهاية إلى قيام "إسرائيل الكبرى" باستكمال هجرة اليهود والعالم إلى فلسطين وبناء المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

على هذه الخلفية جاءت الهجرات الكبرى ليهود المعسكر الشيوعي سابقا والتي أملتها الاحتياجات الفردية لحياة أفضل في "إسرائيل" التي تقدم لهم المغريات والاحتياجات الأيديولوجية للقوة البشرية القادرة على إنجاز مشروع "إسرائيل الكبرى" بمصادرة الأرض وتوطين المهاجرين الجدد وتضييق الخناق على الفلسطينيين لإجبارهم على مغادرة وطنهم وتحين الفرص لتهجيرهم جماعياً.

 

لكن الأيديولوجية الصهيونية والنظريات التي استندت إليها الحركة الصهيونية اصطدمت بوقائع عنيدة لم تتمكن من طمسها أو الالتفاف عليها، وهي أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين عجزت عن مجاراة النمو السكاني الطبيعي للفلسطينيين، كما أن التضييق على الفلسطينيين لم يدفعهم إلى الهجرة ولم تعد الظروف الدولية تسمح لها بالإقدام على التهجير الجماعي للفلسطينيين علاوة على ذلك فإن احتلالها المريح للضفة الغربية وقطاع غزة بدأ يتحول إلى احتلال مكلف منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في ديسمبر 1987.

 

مع انهيار عملية سلام أوسلو تبخرت أحلام الحركة الصهيونية بفرض "إسرائيل الكبرى" في المنطقة وتزعم نظام شرق أوسطي بجمعها مع الدول العربية المحيطة فيما يتحول الفلسطينيون إلى أقلية عربية تعيش بصورة مؤقتة في إطار حكم ذاتي إداري دائم.

 

عندما أخفقت الوسائل الدبلوماسية في تحقيق التصور الإسرائيلي لإسرائيل الكبرى جاءت حكومة شارون لكي تحققه بالقوة العسكرية وبدأت حرباً مفتوحة ضد الفلسطينيين ما زالت مستمرة منذ سبتمبر 2000 حتى اليوم.

 

لقد جربت الحركة الصهيونية كل عناصر القوة التي اعتمدت عليها تاريخياً ولم تفلح في تحقيق ما تريده والمفاجأة الكبرى أنها اكتشفت أن إفراطها في استعمال تلك العناصر بدأ يؤدي إلى نتائج عكسية.

 

فبعد أن كانت تتصور أن قيام دولة فلسطينية يعني تهديد وجودها كدولة في فلسطين أصبحت تدرك الآن أن قيام دولة فلسطينية هو الضمان لبقاء الدولة الإسرائيلية يهودية الطابع.

 

وبعد أن كانت تتصور وجود المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة جزءاً من مخططها لقيام "إسرائيل الكبرى". صارت تدرك أن ذلك التوجه بدلاً من أن يحقق "إسرائيل الكبرى" سوف يقضي على وجود "إسرائيل الصغرى". ومن هنا بات اليمين الإسرائيلي يدرك ما أدركه اليسار الإسرائيلي قبله ضرورة رسم حدود "إسرائيل الصغرى" في أسرع وقت ممكن قبل أن يتخلى الفلسطينيون عن حل الدولتين ويطالبون بحل الدولة الواحدة لشعبين. ومن هنا جاء مشروع «اتفاقية جنيف» وخطة كل من أيهود أولمرت وتهديدات شارون لرسم حدود "إسرائيل الصغرى" من جانب واحد.