صلاة بغير وضوء..!!

***

هل كانت ثورة 23 يوليو ممكنة؟!

 

 

بقلم: دكتور محمد عباس

www.mohamadabbas.net

 

 

 

انتظرت حتى انتهى صخب الاحتفال كي أقول كلمتى، رغم أن الاحتفال هذا العام قد حفل بظاهرة من أغرب الظواهر، وهو احتفاء الدولة واحتفالها بالثورة، في مشهد كريه ومقزز، كزنا المحارم، فالسلطة التى صدر عنها كل هذا الضجيج والصخب احتفالا بالثورة، أكثر فسادا و أنكى ظلما من ذلك الذي قامت الثورة للقضاء عليه.

نعم.. كان الاحتفال الرسمى بثورة 23 يوليو أشبه بقرصان أو مملوك قتل أستاذه.. وصنع من جمجمته قدحا يشرب فيه الخمر في مخازيه كل مساء.. فلما انقلب عليه غلمانه، وعاداه سادته وتنكر له أقرانه وفقد سطوته وسلطته، لم يجد إلا أستاذه القديم يتمسح فيه ويحتفل به.

ولقد انتظرت حتى ينتهى كل ذلك لأقول رأيا.

***

إذ نتناول ثورة 23 يوليو، علينا أن نحذر من ذئب التفاصيل، وغواية الحكايات، وطوفان الأحداث، فكل ذلك كفيل بإغراقنا، وبحصارنا فى أنفاق مسدودة، متناقضة، متضادة، حيث يتشبث كل منا بأن نفقه هو الذى يشكل المجرى الرئيسي لثورة 23 يوليو.

الغرق فى التفاصيل قد يكون مغريا، لكنه فى نفس الوقت يمنعنا من تكوين نظرة شاملة للأمر، لأى أمر، إذ يمكن أن ينقضى العمر كله ونحن نناقش التفاصيل، دون أن نصل إلى أى نتيجة ، أو تصور كلّى.

لكن هذا لا يعنى أن نندفع إلى الاختزال المخل، الذى قد ييسر لنا الوصول إلى تصور شامل كلى، و إلى إصدار أحكام قاطعة، تكون فى أغلب الأحيان خاطئة.

بين هذا وذاك إذن يجب أن يكون أمرنا، ومن هذا المنطلق، فإننا نستطيع القول بأن ثورة 23 يوليو هى جمال عبد الناصر و أن جمال عبد الناصر هو ثورة 23 يوليو. لن ندخل فى التفاصيل، لن نهتم على سبيل المثال بما بعد جمال عبد الناصر، لأنه يشكل شيئا آخر، لا يهمنا الآن إن كان مناقضا ، أو إن كان أسوأ، ذلك أنه فى كافة أحواله شيء آخر، غير ثورة 23 يوليو.

لن نهتم أيضا بإيجابيات الثورة ولا بسلبياتها، ولا بهزائمها وانتصاراتها، فقد قتل كل ذلك بحثا، وما من صواب قيل إلا وفيه باطل، وما من باطل قيل إلا وفيه بعض صواب.

لا يدخل فى بحثنا هذا إذن قضايا جوهرية ، كدور الثورة فى التحرير من الإنجليز، أو مسئوليتها عن الاحتلال الإسرائيلى. لن نتحدث عما أحدثته من انقلاب اجتماعى، ولا نحن سنتورط فى الغرق فى تفاصيل إذا ما كان هذا التحول خيرا أم شرا.

لن نتحدث حتى عن التعذيب، الجريمة التى لا تفوقها جريمة، ولا يمكن غفرانها أو الدفاع عنها. ولا نحن سنتحدث عن برامج التصنيع، والتحديث، وتفجير وعى العرب بهويتهم.

سوف نترك ذلك كله، فلقد تحدث غيرنا فيه، ربما بأفضل مما نستطيع..

نتركه كله لنسأل سؤالا واحدا:

-       هل كانت ثورة 23 يوليو ممكنة؟!..

نعم، ذلك هو السؤال الذى لم نتطرق أبدا – فيما أعلم- إليه..

***

لن نحاسب ثورة 23 يوليو إذن من خلال كل ما نسب إليها من انتصارات وانكسارات، ولا من مظالم وجرائم أو إنصاف وعدل. ولا نحن سنحاسبها عن تحقيق أهدافها، فقد تقصر الأعمار فلا تتسع لأمر جليل.

سوف نحاسبها بمعيار آخر، ولكى نصل إلى هذا المعيار سوف نتعسف فنفترض افتراضات مذهلة، سنفترض على سبيل المثال أن كل ما نسب إلى الثورة من جرائم لم يحدث، ولا أيضا هزيمة 67، وسوف نفترض أيضا تضاعف الإنجازات الإيجابية، وسوف نفترض أكثر من هذا كله أن جمال عبد الناصر لم يمت – أويقتل – عام 1970. وبعد كل هذه الافتراضات سوف يكون من حقنا أن نوجه السؤال:

-  هل كانت ثورة 23 يوليو ممكنة؟!..

و أعنى بالسؤال: هل كان يمكن للثورة، مع كل هذه الافتراضات، أن تحقق الأهداف التى قامت لتحققها؟‍.

سوف نتجنب الأنياب البارزة المتلمظة لذئب التفاصيل مرة أخرى.. وسوف نصل إلى غايتنا مباشرة: هل كان يمكن لثورة 23 يوليو أن تحقق – فى إطار رؤيتها النظرية وفلسفتها – الانتصار فى معركتها تلك، بل هل كان يمكن أن تصل إلى نوع من التعايش المقبول بالحد الأدنى من القوة والكرامة.

لو افترضنا أن مصر كان يمكنها الانتصار على إسرائيل، فهل كان يمكنها الانتصار على أمريكا؟ وعلى الدول الأوروبية مجتمعة؟‍

***

كيف لم يدرك رائد القومية العربية أن القومية كلها فكرة غربية ومنهج صليبى..

ماذا كان يمكن أن يحدث لو أن زعيما بقامته وتأثيره قد فهم جوهر الصراع بين الحضارات وأدرك أبعاد الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية فاتخذ الإسلام سبيلا ومنهجا وحاديا وهاديا..

كيف لم يدرك أن الصراع هو ما أنبأنا به المصطفى صلى الله عليه وسلم، و أن الغرب سيحاربنا كافة، و أن علينا أن نتجمع كافة لكى نستطيع مواجهته والانتصار عليه.. كافة.. ليس تحت راية وطنية ولا قومية و إنما تحت راية الإسلام.

***

بدت لى المسألة فى غاية الوضوع فرحت أتساءل فى ذهول : " كيف لم يرها؟"..

لم تكفنى الكتب فلجأت إلى رفاقه..

السيد حسين الشافعى، نائب جمال عبد الناصر ورفيقه فا جأنى بإجابة لم أتوقعها أبدا حين قال:

- سوف يثبت التاريخ أن ثورة 23 يولية كانت شتلات الصحوة الإسلامية التى ستنهض لمواجهة الغرب.

والحقيقة أننى لم أقتنع، رغم أنى أحب الرجل و أحترمه كثيرا، وهو شديد التدين، وقد جاوز الثمانين، ولم يعد لبهرج الدنيا ومغانمه عنده غاية.

سمعت أيضا من السيد  أحمد طعيمة وزير الأوقاف السابق- وهو من الضباط الأحرار-  والذى يقرر أن تصرفات الأحزاب السياسية  مع عبد الناصر  هى التى حولته من شخص يترسم خطى عمر بن الخطاب رضى الله عنه إلى طاغية.. لكنه امتدح إسلامه و إخلاصه كثيرا

استمعت أيضا إلى اللواء جمال ربيع، أحد ضباط الثورة..

كان الرجل حادا جدا وهو يدين ثورة 23 يوليو وجمال عبد الناصر  .. كان الرجل حادا حتى أنه أخرجه من زمرة المؤمنين...

-  ألا تظن أن أحاديث التعذيب فى عهده مبالغ فيها؟.. و أن الخلاف لم يكن بينه وبين الإسلام، و إنما بينه وبين بعض المسلمين؟..

وهنا صرخ الرجل:

-    قم.. تعال إلى جوارى.. ضع يدك على ظهرى..

ووضعت.. وليتنى ما وضعت.. لم تخف ملابسه من على  ظهره كله تلك التضاريس المرعبة للندبة الهائلة المتصلة فكأنما افترسه وحش مسعور..

اقشعر شعر رأسى هولا.. منعت صرخة وكبحت دمعة ودوى فى أذنى طنين كأنه أنين المعذبين وآهات المكروبين.. ومن خلف الدمعة والصرخة والطنين كان يأتينى صوته:

-  هذه آثار التعذيب المتبقية بعد نصف قرن..

وجهت إلي رفاقه السؤال:

-  هل كانت الثورة ممكنة؟

كان السيد حسين الشافعى فخورا بالثورة رغم كل ما حدث مؤكدا أنها غيرت، وستواصل تغيير وجه التاريخ.

كانت إجابة اللواء جمال ربيع حادة باترة أن الثورة كانت نكبة..

ولقد اتفق معه - لدهشتى وأساى - الوزير أحمد طعيمة  رغم اختلافهما حين قال:

- قد بكيت  طويلا   لأننى  شاركت  فى  الثورة التى  وصلت بالوطن  والأمة   والنظام  إلى  ما صاروا  إليه،  ليتنى  ما  شاركت  فيها،  ليتنا ما  قمنا  بها.

***

- هل كانت ثورة 23 يوليو ممكنة؟.

أحد الأصدقاء، وهو كاتب كبير، ومفكر بالغ العمق، ووطنى من الطراز الأول، ومثقف حقيقى واسع الاطلاع، راح يتساءل أثناء حوارنا حول ثورة 23 يوليو:

- كيف تسأل إن كانت الثورة ممكنة أم غير ممكنة بينما هي قد قامت فعلا، ووجدت على الساحة وكان لها تأثيراتها الكبرى؟.

قلت للصديق:

- دعنى كي أوضح نفسي أبدأ بطرفة، إذ يحكى أن شابا ذهب إلى شيخ المسجد ليسأله: يا مولانا: هل تنفع الصلاة بغير وضوء؟ وأجابه الشيخ على الفور: لا يا بنى.. لا تنفع أبدا، وهنا فاجأه الشاب: يا مولانا، لقد جربت بنفسى: عملتها ونفعت!!..

لقد قام هذا الشاب بكل حركات الصلاة، وربما يكون من حق كل من شاهده أن يقسم أنه صلى، إلا أنه في الواقع لم يصل!!.. كذلك ثورة 23 يوليو، مارست كل طقوس الثورة لكنها في الواقع لم تقم.

دعنا من الرمز المكثف الآن من أن الصلاة لا تصلح دون وضوء، وكذلك الثورة ما كانت لتصلح دون وضوء، ودون مرجعية إسلامية كاملة ومهيمنة، فالأمة لن تحررها إلا الأيدى المتوضئة.

قلت للصديق أن ثورة يوليو 52 قد قامت على خلفية قصور شامل في إدراك التاريخ من ناحية، وواجبات العقيدة من ناحية أخرى.

لم تفطن الثورة إلى قاعدتين أساسيتين لم يكن لقيامها أن يصح بدونهما: أننا كما يقول القرآن أمة واحدة، و أن أعداءنا يقاتلوننا كافة، و أنه يجب علينا أن نقاتلهم كافة. تبنت الثورة فكرة القومية وهى فكرة غربية، يقول جارودى ( الإسلام الحى- دار البيرونى-بيروت) أنه ليس هناك فكرة مناقضة  لعقلية الأمة الإسلامية أكثر منها، وهى فكرة تتناقض مع وحدة الإنسانية التى تعتبر المفتاح الرئيسي للنظرة  الإسلامية للعالم. كانت القومية تمزيقا للأمة، وكانت مؤامرة غربية صليبية، وكانت شَركا وقعت فيه الثورة، وطعما ابتلعته، فما نجحت في إرساء الدولة القومية ولا هي سعت إلى وحدة الدولة الإسلامية. بل لقد استبعدت الدين أصلا كمحرك للصراع. وتجاهلت تاريخا طويلا مضمخا بالدم والمعارك.

كان  مد العرب الحضارى قد توقف وقوتهم قد استنزفت  في الانتصار على الصليبيين والتتار،  وكان يمكن أن يكون مصيرنا كمصير الهنود الحمر و أهل استراليا الأصليين ( فوحشية استعمار القرن الخامس عشر بالظروف العالمية المحيطة  لم تكن كوحشية استعمار القرن العشرين)  لولا أن قيض الله الدولة العثمانية.. الدولة العثمانية التى ابتلعت ثورة 23 يوليو الطعم واعتبرتها رمزا للجمود والتخلف.. وكانت في ذلك متطابقة تطابقا مذهلا مع وجهة نظر أعدائنا.. و أعداء ثورة 23 يوليو و أعداء جمال عبد الناصر. امتصت الدولة العثمانية الهجمة الشرسة للقوة الغربية المفعمة بالحقد والوحشية والرغبة في الانتقام، بل وحققت الكثير من الانتصارات ،  و كبحت سرعة الانهيار، و أجلت احتلال بلادنا ثلاثة قرون على الأقل.

لو أن المسألة كانت تنحصر في هزيمة 48  و إسرائيل لكانت  مصر بالثورة كافية لهزيمتها.. لكنها كانت حربا شاملة لم تدرك الثورة أبعادها فلم تستعد لها كما يجب.

لم يكن الأمر يتعلق بعام 67 ( حيث الهزيمة المذلة المهينة) ولا بعام 48 ( حيث الهزيمة الأكثر إذلالا ومهانة) بل كان يتعلق بألف وخمسمائة عام من المواجهة، ظلت لنا فيها السيادة والانتصار ألف عام ثم بدأت الهزائم. ولم تكن 67 و 48 إلا امتدادا لما حدث فى31( عمر المختار) وفى 29 ( ضم طاجكستان المسلمة إلى الاتحاد السوفيتى) وفى 25 ( ضم جمهورية تركمانستان  وجمهورية أوزبكستان إلى الاتحاد السوفيتى) وفى 24( إلغاء الخلافة) وفى 22( استشهاد أنور باشا  وهزيمة المسلمين فى آسيا الوسطى التى احتلها الروس البرابرة) وفى 20( غورو يغزو دمشق صائحا: ها قد عدنا يا صلاح الدين)..  وفى 17( وعد بلفور واحتلال القدس وبغداد) وفى 16 ( الروس يقتلون 150000 مسلم فى قيزغيزيا) وفى 16( سايكس بيكو) ،  وفى 1911 ( احتلال ليبيا- إيطاليا) وفى 8( احتلال فاس بالمغرب- فرنسا) وفى 3 ( احتلال موريتانيا- فرنسا) وفى 1899( احتلال الكويت- بريطانيا) وفى 1892 ( احتلال مسقط والبحرين- بريطانيا) وفى 1890( احتلال تركتستان الغربية-روسيا)   وفى 1882 ( أحمد عرابى) وفى 1881 ( الفرنسيون يحتلون تونس ويذبحون 60000 جزائرى مسلم) وفى 1878( احتلال سمرقند وبخارى وطشقند- روسيا) وفى 1878( احتلال إريتريا- إيطاليا) وفى 1887 أيضا ( احتلال البوسنة والهرسك- النمسا .. وولاية بيساربيا-روسيا))  وفى 1864( احتلال القفقاس- روسيا) وفى 1866 (احتلال إمارات الخليج- بريطانيا) وفى 1858( البحرية الإنجليزية والفرنسية تقصف جدة فتقتل المئات) وفى عام 1840( فصل الشام عن مصر) وفى عام 1839( الألمان يطردون العثمانيين من بلجراد) وفى 1839( احتلال عدن- بريطانيا) وفى 1830( احتلال الجزائر- فرنسا) وفى 1830( الجيش الهولندى يذبح 200000 مسلم فى إندونيسيا بعد استيلائه على الفليبين) وفى عام 1827( أوروبا تحطم جيش محمد على فى ثلاث ساعات  فى نافارين) وفى 1827( انفصال اليونان عن الدولة العثمانية) وفى1820( احتلال مسقط-بريطانياوفى عام 1809 ( الأسطول البريطانى يدمر رأس الخيمة) وفى عام 1807( حملة فريرز) وفى 1799( احتلال مصر- فرنسا) وفى عام 1774( احتلال شبه جزيرة القرم وبحر أزوف والمناطق الشمالية للبحر الأسود ثم سلوفينيا-روسيا) وفى عام 1724( احتلال مناطق بحر قزوين-روسيا)وفى عام 1699: (انفصال المجر و أوكرانيا وترانسيفاليا عن الدولة العثمانية) وفى عام 1687 (انفصال المجر وقبلها مقاطعة كييف)  وفى 1683 (تحالف ألمانيا والنمسا وفك الحصار العثمانى على فيينا) وفى عام 1658 (هزيمة آخر ثورة للمسلمين فى الأندلس حين أصدر فيليب الثانى أمرا بذبح كل مسلم فوق سن الرابعة عشرة) وفى عام 1569 (صدور فرمان بتحريم الشعائر الإسلامية  وتنصير المسلمين) وفى عام 1529 (حرق المسلمين الذين تنصروا بتهمة عدم التنصر الكامل) .. وفى عام 1517( انتهاء الخلافة العباسية رسميا ) وفى عام 1492 (آخر ملوك غرناطة يتركها ذليلا باكيا كالنساء ملكا لم يحافظ عليه كالرجال) و… و… و…

***

لو أدركت ثورة 23 يوليو أن معركتها مع الحضارة الوثنية التى تتستر بالصليب لاختلفت حساباتها..

لو أدركت أنها مواجهة شاملة بين الإيمان والكفر لاختلف الأمر..

لو أنها توضأت لقبلت صلاتها..!!

نعم.. لم تقم ثورة 23 يوليو.. و أي ثورة لا تضع في حسبانها شمول المعركة وهيمنة العقيدة إنما هي صلاة.. لكن بغير وضوء..

***