مساجد العراق .. حضارة وتاريخ وثقافة عزّ

منعت انهيار المجتمع العراقي في غياب الدولة.. وبريمر حائر في التعامل معها

واشنطن أسقطت صدام ففوجئت بمعممين يملؤون الشارع ويطالبون برحيل قواتها

 

 

بغداد - خدمة قدس برس - نور الدين العويديدي

 

باتت المساجد والجوامع تلعب دورا سياسيا محوريا، في حياة العراق الخاضع للاحتلال. وأضحت خطب الجمعة في جوامع السنة، وحسينيات الشيعة، منابر للمواقف السياسية، تصغي إليها قوات الاحتلال الأمريكي، بإمعان لافت للنظر، وتراعي رموزها، وتحرص على عدم إغضاب هؤلاء المعممين، الذين اكتشفت أن لهم نفوذا على المجتمع العراقي، أكبر بكثير من نفوذ أي سياسي علماني عليه.

 

ومع مرور الوقت عليها، وهي تتخبط في وحل الرمال العراقية الملتهبة، شديدة الحركة، صارت قوات الاحتلال الأمريكي والبريطاني، تدرك، بالتعلم من الأخطاء، أن الوزن السياسي لمعظم زعماء الأحزاب، وقادة المعارضة، الذين دخلوا معها، ممتطين ظهور دباباتها، من فئة وزن الريشة، وما دونها، في الشارع العراقي، وأن أصحاب الأوزان السياسية الثقيلة، هم أولئك الرجال المعممون، كيف ما كانت أشكال عمائمهم وألوانها.

 

فلهؤلاء الرجال المعممون "مقرات" هي الجوامع والحسينيات، وهي أكثر عددا، أضعافا مضاعفة، من مقرات الأحزاب مجتمعة ومتفرقة. ولتلك "المقرات" رواد يرتادونها في اليوم خمس مرات، ولهم ملتقى أسبوعيا، بات اليوم المنبر، الذي تعبر منه رموز القوى الشعبية العراقية الحقيقية عن مواقفها، مما يجري في العراق والعالم. وباتت تلك المواقف ترصدها وسائل الإعلام، وتعطيها من الأهمية الكثير، كما يرصدها السياسيون والمحللون، بالنظر لأهميتها الحقيقية على أرض الواقع، في بلد حُطمت فيه السلطة تحطيما، وغابت فيه مرجعيات، وطلعت فيه أخرى، من رحم الغيب. ولا ينقص من ذلك شيئا وجود عدد محدود من العلماء والمعممين الموالين للاحتلال.

 

 

 

الدور الوطني للمساجد

 

يبلغ عدد المساجد والجوامع السنية المسجلة رسميا في العراق، أكثر من سبعة آلاف جامع ومسجد، فضلا عن المساجد الأهلية غير المسجلة، التي تقدر بالآلاف أيضا، بحسب ما ذكره الدكتور عدنان محمد سلمان، رئيس ديوان الوقف السني، لوكالة "قدس برس" في تصريح خاص. ويقول بعض المراقبين العراقيين إن عدد حسينيات ومساجد الشيعة، الذين تصل نسبتهم في العراق إلى نحو 35 في المائة من إجمالي السكان، قد يبلغ نصف عدد مساجد أهل السنة.

 

ولعبت هذه الأعداد الكبيرة من المساجد والجوامع والحسينيات دورا بارزا، عقب سقوط النظام العراقي السابق، في الحفاظ على الحد الأدنى الممكن من الأمن. ونشطت الكثير من الجوامع والمساجد، في المنطقة السنية، والحسينيات في المنطقة الشيعية، في تشكيل مجموعات محلية لحماية الأحياء السكانية، وممتلكات الناس وأعراضهم وأموالهم، وطرد العصابات وكف يدها، وتقديم الخدمات الضرورية لاستمرار الحياة الحضرية في المدن والقرى.

 

وذكر لي الشاب عامر، وهو في الثالثة والعشرين من العمر، وعمل لفترة طويلة في لجان المساجد، في العاصمة العراقية بغداد، عقب سقوطها بأيدي قوات الاحتلال، إن شباب المساجد قاموا، في تلك الفترة العصيبة من التاريخ العراقي، بأدوار شتى، إذ أشرفوا على عمليات حفظ الأمن، وقاموا بدفن الشهداء والقتلى، من الشوارع والمستشفيات، ونظموا عمليات توزيع المؤن والأغذية على العائلات الفقيرة، وقاموا حتى بتنظيم حركة المرور في أطراف واسعة من العاصمة العراقية، في وقت كاد يتوقف فيه كل شيء.

 

 

 

كما لعبت المساجد والجوامع العراقية دورا بارزا في تحريض اللصوص وضعاف النفوس، الذين اجتاحوا مؤسسات الدولة، وسائر المرافق العامة، ونهبوا وخربوا الكثير مما فيها، على إعادة المسروق منها إليها. وكانت المساجد والجوامع والحسينيات مقرات مفتوحة على مدى الساعة، في سائر مدن العراق، لإعادة ما نهب، وتذكير العراقيين بأن عمليات النهب والسلب، عمل حرام، يعاقب عليه الشارع، وأن الممتلكات المسلوبة، إنما كانت لدولة هي دولتهم، ولمؤسسات قد أنشئت في الأصل لخدمتهم.

 

في المقابل كانت الأحزاب عامة، وتلك التي قدمت مع قوات الاحتلال خاصة، بحسب ما بات من أحاديث الشارع العراقي المشهورة والمتواترة، وبحسب ما دونه خبراء وأكاديميون عراقيون معروفون، مشغولة في ذلك الظرف العصيب، الذي عرفه العراق، في أخذ حصتها من مخلفات العهد السابق، فمن حزب يسطو على أرشيف الدولة العراقية، إلى آخر يسطو على بعض ما أمكنه السطو عليه من أموالها، أو سياراتها، وحتى الكراسي والطاولات وأجهزة الحاسوب في مكاتبها.

 

وكانت الأحزاب سواسية في عملية السيطرة على مقرات حزب البعث، الحاكم سابقا في العراق، وكان نصيب تلك التي تملك مليشيات مسلحة، أو شبه مسلحة، هو الأوفر من مقرات حزب البعث، بل وسيارات الدولة ومرافقها، مبررة ذلك بأنها أحزاب الشعب، وأنها أولى من الحزب المنحل بتلك المقرات والمرافق.

 

في ذلك الوقت كانت قوات الاحتلال تسيطر، هي الأخرى، على القصور الرئاسية السابقة، وعلى المطارات، وعلى معسكرات الجيش العراقي، وعلى مقرات الضباط ومساكنهم، وتحولها إلى معسكرات مدججة بالسلاح، ومحاطة بكم هائل من الأسلاك الشائكة، والحواجز، من كل نوع ولون.

 

أما المساجد والحسينيات، فبرز دورها الديني والوطني واضحا جليا، منذ اليوم الأول لاحتلال العراق. إذ كان الأئمة والعلماء ورجال الدين، مراجع الناس وموجهوهم، بسبب الثقة الكبيرة، التي يتمتعون بها، وبسبب سلطتهم الروحية على عامة الناس وخاصتهم، وهي السلطة، التي أحسنوا توظيفها، بما يحفظ للعراق والعراقيين الحد الأدنى من شروط الاجتماع والعمران الإنساني، ألا وهو الأمن والتعايش بين الناس، في وقت غاب فيه القانون، واندثرت فيه السلطة، وحطمت رموزها عنوة، وهي التي تردع المعتدي، وترده إلى رشده، راضيا أو مكرها.

 

 

 

الحفاظ على وحدة البلاد

 

ويلعب الآن أئمة المساجد والجوامع ورجال الدين، فضلا عما سبق ذكره، دورا محوريا في الحفاظ على وحدة الدولة العراقية، ورفض تجزئتها، وإبقاء العراق دولة موحدة. وتحفل العديد من خطب الجمعة، وتصريحات العلماء والمشايخ والمراجع الدينية بإعلان مواقف قاطعة في رفض الفيدرالية، التي تكون مقدمة لتجزئة العراق إلى ثلاث دويلات صغيرة: كردية في الشمال، وسنية عربية في الوسط، وشيعية في الجنوب.

 

ويقول الدكتور أحمد عبد الغفور السامرائي، إمام وخطيب جامع أم القرى (أم المعارك سابقا)، في هذا الصدد، إنه لا يقبل أي فيدرالية "قائمة على العنصرية، ولها منطلقات تخرجها من ضمن الدولة الواحدة، ومن ضمن العلم الواحد، ومن ضمن الرئيس الواحد، ومن ضمن الجيش الواحد". كما أعلن العديد من علماء الشيعة، من جانبهم، رفضهم لمثل تلك الفيدرالية العنصرية أو الطائفية، واعتراضهم القاطع على تجزئة الدولة العراقية، والمساس بسلامة ووحدة أراضيها.

 

 

 

المساجد حصن المقاومة

 

لم يعد خافيا على أحد أن المساجد قد أضحت حصنا لمقاومة الاحتلال، يشهد على ذلك عدد العلماء والمشايخ والأئمة، الذين اعتقلوا، والمساجد التي دوهمت أو حوصرت، وحطمت أبوابها، وانتهكت حرماتها، في عملية استعراض مقصودة للقوة، بقصد الترهيب والتخويف. كما يشهد على ذلك أيضا خطب الجمعة، والتجمعات الخطابية، التي تعقبها، تحريضا على المقاومة، وتأكيدا على ضرورة خروج المحتل من العراق.

 

وبالرغم من تباين خطب الجمعة والدروس الدينية في المساجد والحسينيات، حدة ولينا، تجاه الموقف من الاحتلال، ووجود قواته في العراق، إلا أن المساجد، وخاصة السنية منها، قد باتت حصنا حصينا لفكر المقاومة وثقافتها، من خلال، إشاعة روح التضحية والفداء، والتذكير بالآخرة، وبمحدودية الحياة الدنيا، بالقياس إلى نعيم الآخرة، للشهداء والمضحين من أجل دينهم وبلادهم.

 

في حين تصل العديد من المساجد، وخاصة في المناطق الساخنة، مثل الفلوجة والرمادي وسامراء والموصل وبعقوبة، إلى حد الدعوة جهارا نهارا للمقاومة العسكرية، والجهاد المسلح ضد قوات الاحتلال. وبسبب من ذلك كان نصيبها كبيرا من الاقتحامات واعتقال الأئمة والخطباء والمشايخ.

 

ويذكر العديد من العلماء العراقيين، من أهل السنة، أن أكثر من 50 مسجدا، جرى اقتحامها من قبل قوات الاحتلال، خلال الأشهر الماضية. في حين قال الشيخ رياض الدليمي، وهو أحد الناشطين البارزين في التيار السلفي العراقي، لوكالة "قدس برس" إن قوات الاحتلال اعتقلت أكثر من 70 إماما وشيخا وخطيبا حتى الآن، لا يزال بعضهم رهن الاعتقال، منذ احتجازهم قبل أشهر. وكان آخر من اعتقل من الأئمة، إمام جامع في تكريت، سمح بالكلام لمصل دعا صراحة للجهاد ضد قوات الاحتلال.

 

وكثيرا ما تحفل خطب الجمعة، التي يحضرها الآلاف المؤلفة من العراقيين، بالحديث عن الانتهاكات، التي تقوم بها قوات الاحتلال، أثناء اقتحامها للمساجد والجوامع، من قبيل دخول جنود الاحتلال للمساجد بأحذيتهم، وكلابهم البوليسية، أو تمزيقهم للمصاحف، أو العبث بها، وبعثرة الكتب الدينية، في مكتبات الجوامع، من دون قصد في الأغلب الأعم، وذلك بسبب عدم الوعي بخطورة ما يحصل على الشعور الديني للعراقيين.

 

وتلعب تلك الخطب وما تحويه من "تحريض"، بحسب وجهة النظر الأمريكية على قوات الاحتلال، دورا بارزا في تأجيج الشعور الديني والوطني ضد المحتل. وكثيرا ما ينتهي ذلك إلى الممارسة العملية، ورد الفعل، بشكل مادي، في مواجهة قوات الاحتلال، من قبل الكثير من المتدينين، الذين يسوؤهم "عبث" المحتلين بمقدساتهم الدينية.

 

وتجد قوات الاحتلال حرجا كبيرا في التعامل مع العلماء والأئمة، الذين يتجهون للمزيد من التكتل في هيئات علمية ودينية، لا يخفى طابعها السياسي، مثل هيئة علماء المسلمين، ومجلس شورى أهل السنة والجماعة. فإن هي اعتقلتهم أثارت المزيد من الغضب عليها، وإن هي غضّت الطرف عنهم، تمادى عدد منهم في "التحريض" على قواتها، والدعوة لطردها، بشتى السبل والوسائل، بما فيها الوسائل العنيفة. وقد كشف عدد من العلماء، في الأيام الماضية، عن توجه لدى قوات الاحتلال للسيطرة على المساجد، وطرد الأئمة والخطباء، غير المتعاونين معها من وظائفهم، لتحجيم دور المساجد في المقاومة.

 

 

 

ولكن لا يعرف حتى الآن ردود الفعل، التي قد تنشأ عن ذلك، والنتائج التي قد تنجم عنه، وهل ستخدم قوات الاحتلال، أم تراها ترتد عليها بالويل والثبور وعظائم الأمور، كما يقال. وكان رد أحد علماء الدين في تجمع شعبي ضخم، قبل نحو 10 أيام، عقب صلاة الجمعة في جامع ابن تيمية (أم الطبول سابقا) لافتا للنظر، حين علق على منشور أمريكي أرسله، قسٌ يعمل في الجيش الأمريكي، إلى أئمة العديد من المساجد، يدعوهم للاجتماع لبحث موضوع طرد الأئمة غير المتعاونين مع قوات الاحتلال من وظائفهم، بالقول "(هذه رسالة) من القس النقيب.. القس النقيب هو اللي يدير أئمتكم في مساجدكم قرة عينكم"، وهو ما ووجه بعاصفة من التكبير، والشعارات المعادية للاحتلال.

 

 

 

ظاهرة السيستاني

 

السيد آية الله علي السيستاني، بات اليوم ظاهرة سياسية، في حد ذاته. فالرجل الذي يحظى باحترام كبير في الوسط الشيعي العراقي، صار الآن حديث الساسة العراقيين، والموضوع المفضل لدى وسائل الإعلام المحلية والدولية، وبات يمثّل كابوسا مزعجا للسفير الأمريكي بول بريمر، الحاكم الأعلى لقوات الاحتلال في العراق.

 

فالسيستاني، الذي لا يملك سلاحا يشهره في وجه السفير بريمر ولا قواته، سوى إصدار فتوى دينية، تحض أتباعه على عدم التعاون مع قوات الاحتلال، وربما مواجهتها، في مرحلة لاحقة، بات يقلق القوات الأمريكية وخبراءها العسكريين والاستراتيجيين، أشد القلق.

 

وينقل صحفي عراقي، طلب عدم الكشف عن اسمه، في حديث مع الموفد الخاص لوكالة "قدس برس" عن السفير بريمر أنه أرسل رسالة للسيستاني يقول له فيها بشأن صياغة الدستور العراقي: "إما أن أكتبه أنا وتنقحه أنت، وإما أن تكتبه أنت وأنقحه أنا"، فرد السيستاني على ذلك بالقول "لا يحق لك وأنت الأمريكي أن تصوغ دستور العراقيين، كما لا يحق لي وأنا الإيراني، أن أصوغ دستور شعب لست فردا منه".

 

ويرى بعض المراقبين أن هذا الاحترام الخاص للسيستاني، بحيث جعله بريمر ندا له وكفؤا، وهو الذي يقود مئات الآلاف من الجنود المجندة، تعمل تحت إمرته، مرجعه خشية العسكريين والاستراتيجيين الأمريكيين، من انتقال الصف الشيعي إلى المقاومة المسلحة، التي قد تضاف إلى المقاومة السنية، التي دوخت قوات الاحتلال، وهو ما سيجعل العراق، حينئذ، أرضا أشبه بجحيم من فئة خمسة نجوم لقوات الاحتلال.. كل ذلك جعل تلك القوات حساسة جدا للموقف الشيعي عامة، ولموقف آية الله علي السيستاني خاصة.

 

وقد سبق لأحد المشايخ وعلماء الدين العرب، أن علق ذات يوم، على ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، بالقول إن واشنطن كانت تتعامل مع رئيس عراقي علماني، عمل معها لفترة طويلة، بما يحقق مصالحها، وكان قابلا للضبط والتدجين، فعمدت لإسقاطه، لتجد نفسها مضطرة، بشكل مفاجئ، للتعامل مع علماء ورجال دين ورؤوس معممة، خرجوا لها من قمقم لم تكن تعرف عنه شيئا، وبات من الصعب لها أن تسيطر عليهم، فاختارت سياسة المحاولة والتجربة والخطأ، في التعامل مع أولئك المعممين..

 

ولا يعرف أحد غير الله، إلى أين ستقود تلك السياسة.