الانتصار على التتار

(دراسة تربط ماضي الأمة بحاضرها)

 

 

 

دراسة تاريخية  كتبها : سامي بن خالد الحمود

                                                 -  نقلا عن موقع صيد الفوائد

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وقائد المجاهدين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

وسقطت بغداد .. واستباح تتار العصر بلاد الإسلام .. فقتلوا الأبرياء .. و سفكوا الدماء .. وقطّعوا الأشلاء .

مسكينة تلك المرأة المسلمة البغدادية .. عندما أطلقت صافرات الإنذار .. ودوت أصوات الانفجار .. فاحتضنت أطفالها .. واشتد خوفها .. وهي تتذكر أختاً لها في أفغانستان ، دفنت مع أطفالها وهم أحياء ، بعد سيل وابل .. من الصواريخ والقنابل .

ثم بدأت المسكينة ترمق السقف بعينيها .. وهي لا تدري ، أتنجو هي وأطفالُها من القصف ، أم يهوي عليهم السقف ؟

ألم نشاهد عبر وسائل الإعلام ذلك الطفل العراقي ، وهو ينظر للمصوّر بعينيه البريئتين ، وقد قُطعت يداه من الأعلى ، واحترق جسده من الأسفل ، بسبب القصف الأمريكي .

وكم شاهدنا من المشاهد التي يتقطع لها الفؤاد .. وتتقرح لها الأكباد ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

أحلّ الكـفرُ بالإسلام ضـيماً             يطول عليه للدين النحيب

فحـقٌ ضائعٌ ، وحمى  مبـاحٌ              وسيفٌ قاطعٌ  ودمٌ صبيب

وكـم من مسلمٍ  أمسى سليباً            ومسلمةٍ لها حرمٌ سليـب

أمـورٌ لو  تأمـلهن طـفـلٌ             لَطفَّل في عوارضه المشيب

أتسبى المسلمات بكل  ثـغـرٍ              وعيش المسلمين إذاً يطيب

أمـا للهِ  والإسـلام ِ حــقٌ             يدافع عنه شبَّـان وشيب

فقل لذوي البصائر حيث كانوا             أجيبوا الله ويحكمُ  أجيبوا

وماذا بعد هذه المآسي والهزائم ؟ وهل بعد هذا الانكسار من انتصار ؟ هل في التاريخ من أخبار ؟

دعونا أيها الأحبة ، نقلبُ صفحات التاريخ ، وننظرُ في سنن الله وأيامه .

ولماذا هذا الموضوع ؟

التاريخ ديوان المواعظ والعبر ، ومكمن الجواهر والدرر ، فيه سنن الله وأيامه ، وقد أمر الله تعالى بالاعتبار والنظر في أحداث التاريخ ، ونواميس الكون ، وأحوال الأمم فقال سبحانه : (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) ، وقال سبحانه (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) .

إن سنن الله في الهزيمة والانتصار لا تتبدل ولا تتحول ، (ولن تجد لسنة الله تبديلاً ، ولن تجد لسنة الله تحويلاً) ولهذا فإن فيما وقع بين المسلمين والتتار عبرةً عظيمة لنا في هذا الزمان ، الذي نستقبل فيه هجمات شرسة من التتار الجدُد من اليهود والنصارى والهندوس الذين تداعوا على البلاد الإسلامية لتدمير معتقداتها ، ونهب ثرواتها في فلسطين ، والعراق ، والشيشان ، وكشمير ، وغيرها من البلاد .

وأظن أنكم ستشاركوني العجب من الشبه الكبير بين ما تعرض له المسلمون من التتار ، وما يتعرض له المسلمون الآن من تتار هذا العصر ، فما أشبه الليلة بالبارحة ، وكأن التاريخ يعيد نفسه .

التتار القدماء .. سفكوا الدماء .. ونقضوا العهود .. واستمرؤوا الكذب .. وكان مبدؤوهم (من لم يكن معنا فهو ضدنا) .. واعتمدوا على الاستخبارات والتجسس .. وانتهجوا مبدأ الصدمة والرعب .. وأمروا الخليفة أن ينزع أسلحته وهم قادمون لاستباحة أرضه .. وكانوا يلقون المنشورات على أهل بغداد .. ويستعينون بخونة المسلمين .. فما أشبه الليلة بالبارحة .

وصدق الله حينما يقول : ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها ) ، ويقول سبحانه : ( ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات ) .

نعم .. إنها المثلات .. إنه التماثل في المجريات ، وإن اختلفت الأسماء والوجوه والشعارات .. تماثل في تسلط الكافرين .. تماثل في استبداد المجرمين .. تماثل في ابتلاء الصالحين .. ثم بإذن الله تماثل في انتصار المؤمنين ، واندحار الكافرين .

ولهذا كان هذا الموضوع الذي نعرض فيه شيئاً من أحوال المسلمين وأسباب هزيمتهم ، ثم نقف مع الانتصارات الساحقة التي حققتها الطائفة المؤمنة بقيادة الأمراء والعلماء كالمظفر قطز و الظاهر بيبرس والعز بن عبد السلام وابن تيمية ، و أسباب هذه الانتصارات .

والله أسأل أن يسدد القول ، ويحسن العمل ، ويخلص النية ، ويصلح الطوية ، إنه جواد كريم.

وقبل أن نبدأ بملاحم الانتصار على التتار في القرن السابع الهجري ، أود أن أعرض لكم بإيجاز أهم أحوال القرن السادس ، من عام 501 إلى 600 هـ.

1)        عرض موجز للحالة السياسية في القرن السادس الهجري :

يمكن أن نلخص الحالة السياسية في القرن السادس في أربع نقاط :

أولاً) ضعف الخلافة العباسية :

في هذا القرن ، استمرت حالة الضعف والوهن الذي دب في الخلافة العباسية .

ومع أن خلفاء هذا القرن كانوا في الجملة على درجة لا بأس بها من العدل والتقوى ومحبة الناس لهم ، إلا أنه لم يعد للخليفة السيطرة التامة على البلاد الإسلامية ، بل كانت السيطرة لسلاطين الدويلات أو الإمارات الإسلامية كإمارة السلاجقة والأيوبيون الغزنويين والخوارزميين والغوريين والعبيديين الذين سقط حكمهم في هذا القرن ، إضافة إلى دولة المرابطين ودولة الموحدين اللتين حكمتا المغرب .

وكانت أكثر الإمارات تدين بالولاء للخليفة العباسي وتخطب باسمه كدولة السلاجقة وآل زنكي والأيوبيين والمرابطين ، بينما كانت بعض الإمارات تعد نفسها دولة مستقلة ولا تعترف بسلطة الخليفة العباسي عليها كدولة الموحدين في المغرب ، ودولة العبيديين في مصر .

وكانت الدولة السلجوقية أبرز الدويلات الإسلامية ، فقد امتد سلطانها على خراسان وفارس والحجاز والشام و العراق دار الخلافة .

وشهد هذا القرن السادس موجات من النزاع المتكرر بين الخليفة وبين هذه الإمارات ، مع أن أكثر هذه الإمارات كانت تخطب باسم الخليفة ، وتعلن له الولاء .

ومن هذه الأحداث :

في سنة ( 516 ) يقع قتال بين الخليفة المسترشد وبين دبيس بن صدقة صاحب الحِلة .

وفي سنة ( 519 ) يعود دبيس ومعه السلطان طغرل السلجوقي ليأخذا بغداد من الخليفة فينزل الله مطراً كثيراً فتتفرق جموعهم .

في سنة ( 520 ) يدخل السلطان محمود السلجوقي في بغداد على الخليفة فيقع بينهما القتال ، فتثور العامة مع الخليفة حتى وقع الصلح .

في سنة ( 529 ) يقع القتال الشديد بين الخليفة المسترشد و السلطان محمود السلجوقي فيؤسر الخليفة ، وتنهب الأموال ، فيضج العامة حتى إنهم كسروا المنابر وامتنعوا من حضور الجماعات ، وانتشرت الفتنة الداخلية في الأقاليم بسبب أسر الخليفة ، فيكتب السلطان سنجر السلجوقي إلى ابن أخيه محمود يحذره من مغبة هذا الفعل الشنيع ، ويأمره أن يعيد الخليفة إلى مكانه ، فامتثل محمود رأي عمه ، وأخرج الخليفة وأكرمه وأعد له احتفالاً ، وأركبه فرساً وأمسك هو بلجام الفرس ، وقبل الأرض بين يديه ، فرضي الخليفة المسترشد وانقضت الفتنة .

في سنة ( 530 ) يقع الخلاف بين الخليفة الراشد والسلطان مسعود ، فيقوم السلطان مسعود بخلع الخليفة واستدعاء عمه المقتفي ومبايعته بالخلافة .

وفي سنة ( 541 ) يقع خلاف بين الخليفة المقتفي وبين السلطان مسعود ، فيأمر الخليفة بإغلاف الجوامع والمساجد ثلاثة أيام ، فأغلقت حتى اصطلح الخليفة و السلطان .

في سنة ( 551 ) يطلب السلطان محمد بن محمود السلجوقي من الخليفة أن يخطب ببغداد فيرفض الخليفة ، فيحاصره السلطان بغداد شهرين ، وتقاتل العامة مع الخليفة قتالاً شديداً .

ثانياً ) الحروب والخلافات الداخلية :

شهد هذا العصر وقوع كثير من النزاعات و الحروب بين الإمارات الإسلامية ، وفي بعضها يكون طرفا النزاع أخوين أو من أسرة واحدة ، ومن أبرز هذه الأحداث :

في سنة ( 509) السلطان السلجوقي محمد بن ملك شاه صاحب العراق يغزو الأمير طغتكين صاحب دمشق والأمير برشق صاحب ماردين لعصيانهما سلطته وقطع الخطبة له ، فيلجأ الأميران إلى الفرنج ، فيقتل الفرنج من المسلمين خلقاً كثيراً .

وفي سنة ( 513 ) تقع حروب شديدة بين السلطان محمود السلجوقي وعمه سنجر بن ملك شاه .

وفي سنة ( 514 ) وقعه عظيمة بين السلطانين محمود ومسعود ابني محمد بن ملك شاه .

وفي سنة ( 525 ) يعود العداء بين الأخوين محمود ومسعود ، فيتواجهان للقتال ثم يقع الصلح .

في سنة ( 526 ) تقع الحروب بين الخوارزميين والسلاجقة .

في سنة ( 533 ) كانت وقعة عظيمة بين الخوارزميين والسلاجقة .

في سنة ( 547 ) يقع القتال بين السلاجقة بقيادة سنجر ، وبين الغوريين بقيادة الحسين بن الحسن .

في سنة ( 569 ) يموت نور الدين محمود زنكي فيتفرق أمر زنكي وينشب الخلاف بينهم .

في سنة ( 589 ) يموت صلاح الدين الأيوبي فتضطرب الأمور بين أبنائه وبين أخيه العادل ويتفرق شملهم في مصر والشام .

في سنة ( 590 ) تقع الحرب بين السلاجقة بقيادة طغرل الثاني والخوارزمية بقيادة خوارزمشاه تَكَش ، وانتهت بقتل طغرل وانتهاء أمر السلاجقة واستيلاء الخوارزمية على بلادهم .

في سنة ( 600 ) تقع حروب كثيرة بين الخوارزمية والغورية .

ثالثاً ) السنة والشيعة :

لم يزل التوتر قائماً في هذا القرن بين السنة والشيعة ، لكن حدته خف نسبياً بعد أن كسرت شوكة الشيعة وزالت دولهم المتعددة كالبويهيين والحمدانيين والسامانيين ، وبقيت لهم دولة واحدة سقطت في النصف الثاني من هذا القرن السادس وهي دولة العبيديين في مصر ، والتي قامت على يد رجل يهودي اسمه عبيد ادعى أنه شريف علوي فاطمي ، وزعم أنه المهدي ، وأظهر الرفض وأبطن الكفر المحض .

نشأت دولة العبيديين في المغرب ، ثم توسع ملكهم حتى استولوا على مصر .

ويكفي في وصف العبيديين وأثرهم الخطير على الإسلام ما قاله ابن كثير عنهم : " كانو من أغنى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم ، وأنجس الملوك سيرة وأخبثهم سريرة ، ظهرت في دولتهم البدع والمنكرات ، وكثر أهل الفساد ، وقل عندهم الصالحون من العلماء والعباد ، وكثر بأرض الشام النصيرية والدرزية والحشيشية ، وتغلب الفرنج على ساحل الشام بكامله حتى أخذوا القدس الشريف " ا.هـ

وسقطت الدولة العبيدية في سنة 567 هـ عندما هلك العاضد آخر خلفائهم بعد فتح مصر على يد أسد شيركوه وابنِ أخيه صلاحِ الدين الأيوبي ، الذي تولى الحكم بمصر ، وأمر بأن تعود الخطبة للخليفة العباسي .

 رابعاً ) الحملات الصليبية :

كانت الحملات الصليبية قد انطلقت عام 489 هـ بدعوة البابا إيربان الثاني الذي كان يتنقل بين المدن الأوربية يدعو إلى الحرب الصليبية ، وانقسمت جيوش الصليبية في الحملة الصليبية الأولى إلى حملتين :

الأولى على مستوى الشعوب ، وسميت ( حملة الشعوب ) بقيادة بطرس الناسك .

والثانية على مستوى الأمراء والحكام ، وسميت ( حملة الأمراء ) .

توجهت حملة الشعوب إلى بلاد السلاجقة وعاثوا فيها بالفساد وقتلوا ومثلوا وانتهكوا الحرمات وأحرقوا الأخضر واليابس حتى كانوا على أبواب ( نيقية ) عاصمة السلاجقة .

وبينما هم يسيرون إلى نيقية تصدى لهم السلاجقة فهزموهم هزيمة منكرة وأسروا منهم أعداداً كبيرة .

أما حملة الأمراء فكانت أكثر نظاماً ، وسبقها جمع الأموال وتجهيز الأدوات وشارك فيها أبناء ملوك أوربا ، وجمع من أمراء فرنسا وايطاليا وانجلترا .

توجهت جيوش الصليب وحاصرت نيقية ، واحتلوها بعد انسحاب السلطان السلجوقي منها .

ثم انقسمت الجيوش الصليبية فاتجه بعضها إلى الرُّها تلبية لدعوة أميرها الضعيف فدخلوها وأسسوا بها إمارة نصرانية .

وتوجه باقي القادة إلى أنطاكية ، فحاصروها سبعة أشهر ، ثم دخلوها عام 491هـ وقتلوا من أهلها أكثر من عشرة آلاف ، وفعلوا فيها أبشع الجرائم .

ثم توجهوا إلى بيت المقدس فسار لقتالهم صاحب الموصل وصاحب دمشق وصاحب حمص ، لكن الصليبيين كسروهم ووصلوا إلى بيت المقدس وحاصروها واحداً وأربعين يوماً ، ثم دخلوها عام 492هـ فقتلوا من أهلها أكثر من سبعين ألفاً وخاضت الخيول في بحر الدماء .

بعد سقوط بيت المقدس ، لم يسكت المسلمون أمام هذه الأحداث فاستمرت الغارات والحملات على الصليبيين من العبيديين جنوباً والسلاجقة شمالاً ، لكنها لم تسفر عن نتائج واضحة .

في عام 521 قام السلطان السلجوقي بتعيين الأمير عماد الدين زنكي على الموصل التي كانت في مواجهة الصليبيين ، توسع السلطان عماد الدين زنكي فضم إليه حلب وحران والرقة وحماة ، ثم حاصر دمشق عام 529 وحاكمها الذي كان يتعاون مع الصليبيين ضده لكنه لم يستطع دخولها .

وفي عام 531 حاصر حمص فحشد له الصليبيون حشداً كبيراً على رأسهم ( ريموند ) أمير طرابلس و ( فولك ) ملك بيت المقدس ، والتقى الجمعان في معركة قاسية انتصر فيها عماد الدين وأسر فيها ريموند وهرب فيها فولك .

واستمر عماد الدين في قتال الصليبيين حتى استعاد منهم إمارة الرها عام 539 .

وفي سنة 541 قتل عماد الدين زنكي ، فهب الصليبيون بعد موته واستولوا على الرها ، غير أن الله قيض لهم بطلاً من أبطال الإسلام وهو نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي .

سار نور الدين محمود على سياسة أبيه في قتال الصليبيين وتوحيد الشام ، وحاصر الصليبيين في الرها ، وهزمهم هزيمة منكرة ، فكان هذا سبباً للحملة الصليبية الثانية لاستعادة الرها .

في عام 542 كانت الحملة الصليبية الثانية بقيادة ملك ألمانيا ( كونراد الثالث ) وملك فرنسا ( لويس السابع ) ، وكان الهدف منها استعادة الرها بعد أن سقطت بيد آل زنكي .

اتجهت الحملة إلى دمشق وتصدى نور الدين محمود آل زنكي لهذه الحملة فباءت بالفشل وعاد ملك ألمانيا إلى بلاده ثم تبعه ملك فرنسا .

واستمر نور الدين محمود في جهاد الصليبيين حتى توفي عام 569 ، فطمع الفرنج في بلاد المسلمين ، لكن الله قيض للأمة البطل صلاح الدين الذي انتصر على الصليبيين في موقعة حطين عام 583 ، وهي السنة التي استعاد فيها صلاح الدين بيت المقدس .

وفي عام 585 كانت الحملة الصليبية الثالثة بدعوة من البابا غريغوري الثامن ، وتحركت الحملة بقيادة ملك انجلترا ريتشارد قلب الأسد ، وملك فرنسا فيليب أغسطس ، وإمبراطور ألمانيا فريدريك بربروسا ، وكان الهدف منها استعادة بيت المقدس بعد أن استعاده صلاح الدين الأيوبي من الصليبيين عام 583 .

ووقعت بين الصليبيين وصلاح الدين معارك حامية ، ولم يتحقق للصليبيين ما جاءوا إليه فاضطروا إلى عقد الصلح مع صلاح الدين عام 588 وبهذا فشلت هذه الحملة أيضاً ولم تحقق أهدافها .

وبعد وفاة صلاح الدين عام 589 ،  دب الضعف والفرقة بالمسلمين فكانت الحملة الصليبية الرابعة عام 594 بدعوة البابا أنوسنت الثالث ، وقام على هذه الحملة بعض الأمراء الفرنسيين .

وبينما كان الصليبيون يستعدون للانطلاق حدثت ثورة في القسطنطنية عاصمة الروم - وكان هناك خلاف بين النصارى البيزنطيين الروم وبين النصارى الغربيين -  فطمع النصارى الغربيون  في إخضاع الكنسية البيزنطية للبابوية فتوجهوا إلى القسطنطينية واحتلوها عام 600 وقتلوا أهلها وخربوها حتى إن أهلها تمنوا أن يكون المحتلون المسلمين لا النصارى وبهذا فشلت هذه الحملة بسبب ما وقع بين النصارى من الخلاف ( وكفى الله المؤمنين القتال ) .

2)        الحالة الراهنة للعالم الإسلامي مع مطلع القرن السابع :

أ ) الخلاف العباسية :

مع مطلع هذا القرن كان الخلفية العباسي هو ( الناصر لدين الله ) ، وكانت سلطته الفعلية منحصرة في العراق ، وعلى الرغم مما تصف به الناصر من الفصاحة والشجاعة والمكر والدهاء فإنه كان رديء السيرة في الرعية مائلاً إلى الظلم وأخذ الأموال ثم إنه مال إلى التشيع وتفضيل علي على أبي بكر .

ونقلت عنه أشياء غريبة وأفعال متناقضة فكان يفعل الشيء وضده وكانت خلافته سنة 575 هـ ووفاته سنة 622هـ بسبب مرض طويل .

قال ابن الأثير : " وبقي الناصر لدين الله ثلاث سنين عاطلاً من الحركة بالكلية ، وقد ذهبت إحدى عينيه والأخرى يبصر بها إبصاراً ضعيفاً ، ثم أصابه دوسنطارية عشرين يوماً ومات .. ولم يطلق في أيام مرضه ما كان أحدثه من الرسوم الجائرة ، وكان قبيح السيرة في رعيته ظالماً لهم فخرّب في أيامه العراق ، وتفرق أهله في البلاد وأخذ أموالهم وأملاكهم "اهـ .

ب ) الإمارات الإسلامية :

مع مطلع هذا القرن كانت بلاد المسلمين مجزأة إلى مجموعة من الإمارات الإسلامية وكان أكثر هذه الإمارات يخطب باسم الخليفة العباسي في بغداد .

ولعلي أذكر فيما يلي هذه الإمارات ، والبلاد التي تحكمها في بداية هذا القرن السابع .

1- الدولة الأيوبية : وقد امتد سلطانها ليشمل الشام ومصر والحجاز واليمن .

2- الدولة الخوارزمية : التي قضت على السلاجقة وكانت تحكم الجزء الشمالي الشرقي من البلاد الإسلامية ويشمل بلاد ما وراء النهر وخوارزم وخراسان وفارس .

3- الدولة الغورية : وكانت تحكم الجزء الجنوبي الشرقي من البلاد الإسلامية ويشمل في بلاد الهند .

4- دولة الموحدين : وكانت تحكم بلاد المغرب .

ومع توسع الدولة الخوارزمية كان هناك نوع من الخلاف والتوتر السياسي بين السلطان الخوارزمي والخليفة الناصر لدين الله بسبب مطالبة السلطان للسلطنة في بغداد وامتناع الخليفة عن ذلك ، وبسبب نزاعهما على منطقة الري .

ونقل بعض المؤرخين كابن الأثير وابن كثير روايات تفيد أن الخليفة الناصر بسبب هذا الخلاف دعا التتار لغزو أرض الخوارزميين والله أعلم بالصواب .

جـ ) انحسار المد الصليبي :

شهد مطلع هذا القرن انحسار مؤقتاً في المد الصليبي بعد أن مني الصليبيون بالهزائم المتتالية على يد الأيوبيين في القرن السادس ، ويضاف إلى هذا وقوع الخلاف والنزاع بين الروم والفرنج كما تقدم بيانه في الحملة الصليبية الرابعة .

ولكن خطراً بدأ يهدد بلاد الإسلام وهو ظهور التتار وهو ما سنتحدث عنه في العنصر التالي .

3)        ظهور التتار :

من هم التتار ؟

التتار أو التتر شعب بدوي يعيش بأطراف بلاد الصين ، وهم سكان براري مشهورون بالشر والغدر ، ويأكلون لحوم الحيوانات كلها حتى الكلاب والخنازير ، وهوايتهم المحببة صيد الأسود والحيوانات المتوحشة .

وبعض المؤرخين يسميهم المغول ويرى أن التتار فرع من المغول لكن المغول بقيادة جنكيز خان تغلبوا على التتار فتلاشوا في دولة واحدة .

أما عقيدتهم فهم يعبدون الكواكب ويسجدون للشمس ، ويرون أن ( تَنْكَرَى ) وهو الرب الذي يعلو السماء الزرقاء يبارك خطواتهم ، وأنهم خلقوا ليحكموا العالم كله ، ولهذا سمى زعيمهم نفسه بجنكيز خان أي حاكم العالم .

وينطلقون من قاعدة ( إن في السماء رباً واحداً ، فليكن هناك حاكم واحد على الأرض ) وهو الذي يسمونه الخان .

بهذه العقيدة الراسخة والشحن الديني الضال كانوا يدخلون الحروب ويفتكون بالشعوب .

(ولهذا ، الحرب حرب عقيدة ،  فلا تعجب أخي ، حينما ترى تتار هذا العصر ينطلقون من عقائدهم الإنجيلية أو مبادئهم الصهيونية).

ويعد ( جنكيز خان ) أول ملوك التتار ، وهو الذي وضع للتتار كتاب الياسا أو الياسق ، وجعل الناس يتحاكمون إليه ، وأكثر مافيه مخالف لشرائع الله تعالى .

بدأ ملك جنكيز خان في الصين عام 599هـ ، ثم بدأ ملكه بالتوسع في أوائل القرن السابع حتى فتح ( بكين ) عام 612هـ ، أما في جهة الغرب فقد وصل ملكه إلى أواسط آسيا عام 607هـ .

وكان لبعض الكفاءات المسلمة وللأسف دور في بناء إمبراطورية التتار ، منهم القائد العسكري (جعفر الخواجة ) ، والتاجر (حسن حاجي) .

ويصف بعض المؤرخين التتار بأنهم قوم عراض الوجوه صغار الأطراف سمر الألوان تصل إليهم أخبار الأمم ولا تصل أخبارهم إلى الأمم ، وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم لأن الغريب لا يشتبه بهم .

ولهذا كانت شبكة التجسس التترية محكمة التنظيم ، ولها عملاء يندسون بين القوافل التجارية ويزودون جنكيز خان بالمعلومات الدقيقة عن البلدان ، وكان هذا من أسباب الفتوحات السريعة للتتار .

والتتار اليوم يعتمدون كثيراً على أقمارهم التجسسية ، وأجهزة المخابرات السي آي أيه ، وغيرها في التجسس على أعدائهم .

4)        الحملة الصليبية الخامسة (615 هـ) :

كان الملك العادل أخو صلاح الدين قد عقد صلحاً مع الصلبيين امتد من 608 هـ إلى 614هـ ، وبعد انتهاء الصلح دعا البابا أنوسنت الثالث إلى حملة صليبية جديدة فكانت الحملة الصليبية الخامسة عام 614 هـ بقيادة ملوك النمسا وهنغاريا وقبرص .

وصلت الجيوش الصليبية إلى الشام واستولوا على بيسان ، حتى وصلوا إلى نوى ومن جانب آخر سارت جموعهم إلى دمياط في مصر ، فاستولوا عليها ، وكانت باباً منيعاً دون البلاد المصرية ، فلما بلغ العادل أخو صلاح الدين سقوط دمياط وهو في الشام تأوه تأوها شديداً ودق بيده على صدره أسفاً وحزناً ، ثم مرض من ساعته مرض الموت وتوفي ، فاضطرب المسلمون ودخل الصليبيون مصر .

هنا عرض عليهم الملك الكامل بن العادل الصلح فرفضوا ، وقرروا الهجوم على القاهرة لكن أبطال مصر كانوا لهم بالمرصاد ، فقاموا بقطع السدود المائية فلم يستطع الصليبيون التقدم إلى القاهرة ، وفي سنة 616هـ هجم عليهم الكامل في دمياط فكسرهم وقتل منهم عشرة آلاف ، ثم طلبوا الصلح وعادوا إلى بلادهم أذلة صاغرين ، وبهذا فشلت الحملة الصليبية الخامسة .

5)        هجوم التتار على بلاد المشرق ( 617هـ )

بعد فشل الحملات الصليبية امتلأت قلوب الصليبين حقداً على المسلمين ، فقاموا بإغراء التتار وتحريضهم على الهجوم على بلاد الإسلام وكانوا يقولون لهم : إن بلاد الإسلام جنان عظيمة ، تنتج العسل ، وتجري أنهارها باللبن .

ولعبت النساء النصرانيات الحليلات والخليلات دوراً في بث هذا التحريض في المجتمع المغولي .

ثم إن هذا التحريض وافق توجهاً عقدياً لدى التتار بأن الله بعثهم ليحكموا العالم . فبدأ جنكيز خان بالاستعداد لغزو الجزء الشرقي من بلاد الإسلام حيث أراضي الدولة الخوارزمية التي كان يحكمها خوارزمشاه محمد تَكَش ، وكان بعض التجار التتار قد جاؤوا إلى بلاد ما وراء النهر ليشتروا ثياباً لجنكيز خان ، فلما وصلوا إلى خوارزم أمر خوارزمشاه بقتلهم وأخذ ما معهم ، ثم أرسل خوارزمشاه جواسيسه إلى التتار فعادوا بعد مدة وأخبروه بكثرة عددهم وشدة بأسهم وأنهم لا يعرفون الهزيمة فندم على ما فعله بالتجار .

وفي هذه الأثناء وصل رسول جنكيز خان برسالة تهديد يقول فيها : تقتلون تجاري وتأخذون أموالهم !! فإني قادم إليكم بجنود لا قبل لكم بها .

قابل خوارزمشاه هذا التهديد بالتحدي فقتل رسول جنكيز خان ، وحلق لحى الذين كانوا معه وأعادهم إلى جنكيز خان ليخبروه أن خوارزمشاه يقول : أنا سائر إليك ولو أنك في آخر الدنيا ، حتى أنتقم منك وأفعل بك كما فعلت بأصحابك .

استغل خورزمشاه انشغال التتار بقتال أحد أمرائهم فأغار على بلادهم ،وقتل الأطفال ، وسبى النساء .

ولما وصلت الأخبار عاد التتار بسرعة ، فأدركوا خوارزمشاه قبل أن يخرج من بلادهم ، فوقع بينهم قتال شديد لم يسمع بمثله استمر أربعة أيام ، وكانت الخيل تسقط على الأرض بسبب كثرة الدماء ، وقتل من المسلمين عشرون ألف ، ومن التتار أضعاف هذا العدد .

ثم عاد خوارزمشاه إلى بخارى وسمرقند ، وبدأ يجمع الجنود من خراسان وخوارزم .

وبينما كان خوارزمشاه منشغلاً في تجهيز الجيوش هجم التتار بقيادة جنكيزخان على بخارى ، وبعد ثلاثة أيام من الحصار طلب أهلها الأمان فأعطهم الأمان ، وأظهر العدل وحسن السيرة وأمرهم أن يخرجوا بأسلحتهم ويقاتلوا معه من اعتصم بالقلعة ، وكان في القلعة أربعُمائة من فرسان المسلمين ، فسقطت القلعة ، وقتل كل من فيها من المسلمين ، ثم عاد جنكيز خان إلى البلد بخارى ، وغدر هو وجنوده بأهلها ، فاستباحوها ، وفعلوا بأهلها الموبقات ، وقتلوا منهم خلقاً لا يعلمهم إلا الله ، وأسروا الذرية والنساء ، وفعلوا بهن الفواحش بحضرة الرجال ، فقتل أناس دون نسائهم ، وأسر آخرون فعذبوا أشد العذاب ، وأحرقت المساجد والمدارس حتى صارت خاوية على عروشها .

ثم سار جنكيز خان وجنوده إلى سمرقند عاصمة الخوارزميين ، وكان فيها من الجيش النظامي خمسون ألف ، فلم يخرج للتتار أحد بسبب الخوف الذي ملأ قلوبهم ، فتصدى لهم الشجعان من أهل سمرقند وكانوا سبعين ألف من عامة الناس .

وفي أول القتال أخذ التتار بالتراجع والانهزام ، فظن المسلمين أنهم انتصروا فلاحقوهم حتى وقعوا في الكمين فأحاط بهم التتار وقتلوهم في ساعة واحدة ، ثم عادوا إلى سمرقند فألقى الجنود الخوارزميون الخمسين ألف أسلحتهم ، فأخذها التتار منهم ، ثم قتلوهم واستباحوا سمرقند وفعلوا بأهلها الأفاعيل ، وإنا لله وأنا إليه راجعون .

وبعد سقوط سمرقند ، بدأت المدن تتساقط الواحدة تلو الأخرى ، فسقطت مازندران ثم الري وهَمَذَان ثم زَنـْجان ثم قَزْوِين ثم أَذْرَبِيجان حتى استولى التتار على جميع أراضي الخوازميين في بلاد ماوراء النهر ، وطغوا في البلاد ، وأكثروا القتل والفساد .

أما السلطان خوارزمشاة فإنه هرب من بلاده ، وأرسل جنكيزخان وراءه ثلاثة من كبار قواده على رأس عشرين أو ثلاثين ألف مقاتل ، وأمرهم أن يحضروه حياً أو ميتاً قال : أدركوه ولو تعلق بالسماء .

أدرك التتار خوارزمشاه وبينهم وبينه نهر جيحون ، فعبروا النهر وراءه ، فهرب إلى نيسابور ، ولم يزل يهرب منهم من مدينة إلى أخرى حتى توفي في جزيرة في بحر طَبَرستان ( الخَزَر ) سنة 620هـ .

ثم قام جنكيز خان بتسيير جيش إلى خراسان فصالحوا بَلْخ وبعض المدن ، ثم قصدوا قلعة الطالَقان فحاصروها ستة أشهر فأعجزتهم ، فجاء جنكيز خان بنفسه فحاصرها أربعة أشهر ثم فتحها قهراً وقتل كل من فيها .

ثم ساروا إلى ( مَرْو ) فتصدى لهم مائتا ألف مقاتل فكُسروا ، وقتل منهم التتار وأسروا الكثير ، ثم حاصرو مرو وطلبوا أميرها فخرج إليهم فأكرموه ثم طلبوا منه أن يحضر معه أصحابه فلما حضروا أخذوهم وقتلوهم ، ثم استباحوا البلد ، وكانت المقتلة العظيمة فقتلوا في يوم واحد سبعَمائة ألف إنسان .

ثم ساروا إلى نيسابور وطوس فقتلوا العباد وخربوا البلاد ، ثم ساروا إلى غزنة فتصدى لهم جلال الدين بن خوارزمشاه وهزمهم وأوقف زحفهم .

ثم سارت طائفة أخرى من التتار إلى خوارزم فحاصروها خمسة أشهر ، وقتل من الفريقين خلق كثير حتى فتحوها ، وقتلوا من فيها ونهبوها وسبوا أهلها .

وكان التتار في هذه المعارك يعتمدون كثيراً على الحرب النفسية ، فكانوا يكرهون الأسرى على القتال معهم وإلا قتلوهم ، فيوهمون الناس بكثرتهم ، ويتقون بالأسرى في المقدمة ، وكانت وسائل الإعلام تنقل أعمال التتار الوحشية فتتقطع قلوب الناس رعباً قبل المعركة ، وهذا ما يسمونه اليوم بحرب الأعصاب.

بعد أن فرغ التتار من خراسان وخوارزم لم ينسوا هزيمتهم في غزنة على يد جلال الدين بن خوارزمشاة ، فجهزوا جيشاً كبيراً وساروا مرة أخرى إلى غزنة فخرج إليهم المسلمون مع جلال الدين ، واقتتلوا قتالاً شديداً ثلاثة أيام ، ثم أنزل الله نصره ، فهُزم التتار وقتل منهم الكثير ، واستنقذ المسلمون منهم بعض الأسرى ، ثم أرسل جلال الدين إلى جنكيز خان رسالة تحدي يقول فيها : في أي موضع تريد أن تكون الحرب حتى نأتي إليه .

فجهز جنكيز خان جيشاً أكثر من الأول وتقابل الجيشان في كابل فانهزم التتار مرة أخرى وقتل منهم خلق كثير ، وكان ممن كسر التتار وأبى بلاء حسناً في هذه المعركة الأمير سيف الدين بغراق .

بعد انتهاء المعركة وقعت الفتنة بين الأمير سيف الدين وبين أمير آخر يقال له ملك خان بسبب الغنائم ، ثم اقتتلت الطائفتان وقتل أخو سيف الدين فقال : أنا أهزم الكفار ، ويقتل أخي لأجل هذا السحت ، فغضب وانسحب من الجيش وتبعه ثلاثون ألفاً من أصحابه ، فسار إليه جلال الدين بنفسه واستعطفه ، وذكره الجهاد وخوفه من الله وبكى بين يديه ، لكنه لم يرجع .

عند ذلك شعر جلال الدين بضعف الجيش فسار نحو السند ، ثم علم جنكيزخان بتفرق المسلمين ، فانطلق بجيشه وراءهم ، حتى أدركهم عند نهر السند ، فتقاتل الجيشان قتالاً شديداً ثلاثة أيام وقتل منهما خلق كثير ، ثم عبر الجيش المسلم نهر السند ، فلما كان من الغد عاد التتار إلى غزنة من العسكر فقتلوا أهلها ونهبوا الأموال وسبوا الحريم .

وفي عام 619هـ جاءت الأخبار بقيام بعض الثوارت وحالات التمرد فعاد جنكيز حان إلى بلاده .

وفي سنة 621هـ عاد التتار مرة أخرى فاستولوا على الري وقُم وقاشان وهمذان وانهزم العسكر الخوارزمية ووصل بعضهم إلى تبريز ، فأرسل التتار إلى أمير تبريز أوزبك بن البهلوان يقول له : (إن كنت موافقنا فسلم إلينا من عندك من الخوارزمية وإلا فعرفنا أنك غير موافق لنا ولا في طاعتنا) .

وهذا على طريق التتار الجدد ( من لم يكن معنا فهو ضدنا ) وكأن التاريخ يعيد نفسه .

والمصيبة أن التتار الذين كانوا يهددون أمير تبريز نحو ثلاثة آلاف فارس ، بينما كان الخوارزمية الذين انهزموا إليه ستة آلف ، وعسكره هو أكثر من الجميع ، ومع هذا لم يحدث الأمير نفسه بالمقاومة بل قام بقتل عدد من الخوارزميين وأسر آخرين وبعث بالرؤوس والأسرى إلى التتار ومعها شيء كثير من الأموال والثياب والدواب ليثبت ولاءه للطغاة ، فعادوا عن بلاده نحو خراسان .

وفي سنة 622هـ عاد جلال الدين بن خوارزمشاه من الهند ووصل إلى أصفهان وهي بيد أخيه غياث الدين ثم سار إلى خُوْرستان وحاصر مدينة تُسْتَر فلما عجز عنها نهبها هو وجنده ، ثم سار إلى العراق ومنعته جنود الخليفة ، فأخذ يراسل الأيوبيين ويحرضهم على قتال الخليفة .

ثم سار جلال الدين إلى خِلاط سنة 623هـ ووقع القتال بينه وبين صاحبها الأشرف ولم يتمكن من أخذها .

ثم انشغل جلال الدين بعصيان نائبه بمدينة ( كَرْمان ) الذي بدأ يراسل التتار ويخبرهم بأحوال جلال الدين .

فتلاحظون أن المسلمين وهم يواجهون التتار يقاتل بعضهم بعضاً ، وينهب أحدهم بلاد الآخر ، ويتقرب بعضهم إلى العدو بنقل أخبار أخيه إليه مع أن الخطر محدق بهم جميعاً . ( وما أشبه الليلة بالبارحة ) .

استمرت الحروب بين التتار وبين جلال الدين الخوارزمي حتى ضعف أمره وفسد عقله فظهر منه فساد في الدين وقتل للعباد وتخريب للبلاد ، فقام بالاستيلاء على خِلاط وأفسد فيها هو وجنده فتصدى لهم الأشرف بن العادل الأيوبي والتقى الجيشان في أذربيجان عام 627 وكان وقعة عظيمة كسر الله فيها جلال الدين وجنده فضعفت قوتهم .

وبعد هذه الوقعة كتب الإسماعيلية الباطنية إلى التتار يخبرونهم بضعف جلال الدين ، فهجم التتار عليه سنة 628هـ وتمزق شمله وتفرق عنه جيشه فأصبحوا شذر مذر ، ثم كانت وفاة جلال الدين في تلك السنة .

وبوفاة جلال الدين كسر الباب الذي كان يحول بين التتار وبين بلاد الإسلام .

فإن جلال الدين الخوارزمي - على الرغم مما ظهر منه في أواخر أيامه من الفساد والظلم - كان سداً في وجه عدو هو أعظم منه خطراً على الأمة .

ولهذا لما سمع الملك الأشرف الأيوبي بموت جلال الدين وتفرق أمره قال : هو سد ما بيننا وبين التتار ،كما أن السد بيننا وبين يأجوج ومأجوج .

6)         وفاة الخليفة الناصر ، الخليفة الظاهر ، جنكيز خان :

في سنة 622هـ توفي الخليفة العباسي الناصر لدين الله وتولى الخلافة بعد ابنه الظاهر .

وكان الظاهر هذا عاقلاً دينياً محسناً ، رد مظالم كثيرة قد أحدثها أبوه وسار في الناس سيرة حسنة ، لكن خلافته لم تدم عشرة أشهر وتولى بعده الخلافة ابنه المستنصر بالله والذي سار في الناس بسيرة أبيه في الجود والإحسان .

ثم دخلت سنة 624هـ وفيها توفي الطاغية ملك التتار جنكيز خان عامله الله بما يستحق وتولى أبناؤه من بعده الحكم .

7)        الحملة الصليبية السادسة ( 625هـ ) :

ضعف أمر الدولة الأيوبية بعد أن دب الخلاف بين أبناء الملك العادل أخي صلاح الدين ، فخاف السلطان الكامل من أخويه الأشرف والمعظم ، فاستنجد الكامل بإمبراطور ألمانيا (فريدريك الثاني) وعرض عليه تسليمه القدس في مقابل إعانته على أخويه ، وسار فريدريك إلى الشام 625هـ على رأس الحملة الصليبية السادسة ، وبينما هو في الطريق  إلى الشام مات المعظم أخو الكامل وأمن الكامل على ملكه ، لكنه لم يرغب في قتال الصليبيين فعقد الصلح بينه وبين فريدريك وكانت المصيبة العظمى بستليم بيت المقدس للصليبيين .

وهكذا أضاع الكامل كل ما بذله عمه صلاح الدين رحمه الله في مقابل ملك دنيوي سرعان ما زال بموته عام 635هـ  .

وكان للكامل ولدان العادل الصغير ، والصالح نجم الدين أيوب .

أما العادل الصغير فتولى مصر بعد أبيه لكنه شرع في اللهو والفساد وأعلى منزلة أهل الطرب ، فتحالف عليه الأمراء وقبضوا عليه ثم خلعوه ، واستدعوا أخاه الصالح أيوب وبايعوه واستقر ملك الأيوبيين في مصر .

8)        الحملة الصليبية السابعة ( 637هـ ) والحملات التابعة لها ( 639هـ ) ، ( 649هـ ) :

مع استمرار ضعف الأيوبيين ووقوع القتال بينهم وبين خوارزمشاه وسلاجقة الروم ، دعت الكنسية إلى حملة صليبية جديدة ، فسار الفرنسيون بقيادة ( ثيبوب الرابع ) عام 637هـ ووصلوا إلى عكا ، ثم ساروا إلى عسقلان فهزمهم المسلمون فهربوا إلى عكا وفي هذه الأثناء جاء الأخبار بخلع العادل الصغير وتولي الملك الصالح أيوب بمصر ، فغضب عمهما الصالح اسماعيل أمير دمشق وتحالف مع الصليبيين ، ثم سلمهم حصن الشقيف ليساعدوه على ابن أخيه الصالح أيوب ، فلما رأى العز بن عبد السلام وابن الحاجب هذه الخيانة تصديا للإنكار على إسماعيل وانسحبا من الجيش ومعهما عدد كبير .

ثم أفتى ابن العز بتحريم إعانة الصليبيين ، وعرّض بالسلطان في الخطبة .

ونقلت الاستخبارات الأخبار إلى إسماعيل ، فأمر بعزل العز عن الخطابة واعتقاله هو وابن الحاجب .

وبعد أيام أطلق سراح العز فتوجه إلى مصر ، وعندما وصل إلى بيت المقدس كان الصالح إسماعيل هناك ، وكان يخشى من ذهاب العز إلى مصر ، فأرسل إليه بعض أصحابه يقول له : إن السلطان يريد أن يعيدك إلى مناصبك وزيادة بشرط أن تنكسر بين يديه وتقبل يده فقط .

فانتفض العز وأطلقها من فمه قذائف من العزة ، قال : والله يا مسكين ، ما أرضى أن يقبل السلطان يدي فضلاً أن أقبل يده ، يا قوم أنتم في واد وأنا في واد ، الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به .

فقال : إذن فقد أمر السلطان باعتقالك . قال : افعلوا ما بدا لكم . فاعتقلوه في خيمة بجوار خيمة السلطان .

وفي أحد الاجتماعات قال إسماعيل لملوك الفرنج : هل تسمعون هذا الشيخ الذي يقرأ القرآن؟ قالوا : نعم . قال : هذا أكبر قسوس المسلمين ، وقد حبسته لإنكاره علي تسليمي حصون المسلمين لكم ، وفعلت به كذا وكذا لأجلكم . فقالوا له : لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقتها .

وسبحان الله .. بعض الكفار اليوم يعرفون قدر العلماء والمصلحين ، بينما تتقرب بعض الحكومات العربية في فلسطين وغيرها إلى أعداء الله بحرب الدين ، واعتقال المجاهدين ، وضرب الجماعات الإسلامية .

تحرك الجيش المصري بقيادة الصالح نجم الدين أيوب للتصدي للصليبيين ، وهزموهم هزيمة كبيرة وفشلت الحملة الفرنسية .

وبعد نجاة العز من الاعتقال سار إلى مصر ، فاستقبله الملك الصالح أيوب وأكرمه وولاه القضاء والخطابة .

ثم جاءت حملة إنجليزية عام 639هـ بقيادة ريتشارد كورنول وهو أخو ملك إنجلترا ، ووجدت الحملة ضالتها في الخلاف الذي نشب بين الأيوبيين فتحالف معها الصالح إسماعيل وبعض أمراء بني أيوب ، فما كان من الصالح نجم الدين أيوب إلا أن تحالف مع الخوارزميين فانتصروا على الصليبيين في غزة انتصاراً عظيماً ودخلوا بيت المقدس .

وكان قائد الجيوش المصرية نجم الدين الظاهر بيبرس المملوكي الذي سيكون له شأن في الأحداث التالية .

ثم جاءت حملة فرنسية عام 646هـ بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع فاتجهت إلى مصر واحتلت دِمياط ،ثم تقدموا نحو المنصورة وبدأ الصالح أيوب بتجهيز الجيش وفي هذه الأثناء في توفي الصالح نجم الدين أيوب عام 647هـ ، فكتمت زوجته شجرة الدر خبر وفاته وبقيت تدبر الأمر باسمه ، ثم قامت باستدعاء ولده توران شاه الذي كان في حصن ( كِيفا ) على حدود تركستان وكان والده قد أرسله إليه ، فلما حضر توران شاه أُعلنت وفاة الملك الصالح أيوب ، وبايع الأمراء توران شاه ، فسار إلى المنصورة وقاتل الصليبيين فانهزموا وانسحبو إلى دِمياط ، ثم دارت معركة ثانية انتصر فيها المسلمون وأسر فيها ملك فرنسا لويس التاسع وانسحب الصليبيون إلى عكا ، ثم أطلق لويس التاسع  .

9)        ظهور دولة المماليك بمصر 648هـ :

ذكرنا في ما مضى أن توران شاه تولى ملك الأيوبيين في مصر بعد أن توفي أبوه الصالح أيوب .

وكان الملك الصالح نجم الدين أيوب قد استكثر من المماليك حتى سموا المماليك الصالحية أو البحرية لأنه بنى لهم قلعة في إحدى الجزر ، وكان من بينهم بيبرس البندقداري الذي ترقى في الرتب حتى أصبح قائداً بارزاً في الجيش المصري .

وفي بداية عام 648هـ وقع الخلاف بين توران شاه وبين مماليك والده أيوب ، فاجتمع المماليك على توران شاه وقتلوه ، ثم ولوا عليهم زوجة أبيه شجرة الدر .

ثم قامت شجرة الدر بتعيين الأمير المملوك عز الدين أبيك قائداً للجيش ونائباً لها ، ثم تزوجته وتنازلت له عن الملك ، ولقب بالملك المعز .

ووصلت الأخبار إلى الأمراء الأيوبيين في الشام بأن ملك أحفاد صلاح الدين صار بيد هذه المرأة وزوجها المملوك فتجمعوا ساروا إلى مصر لاستعادة ملكهم ، فبرز لهم جيش المماليك المصري ، ووقع القتال الشديد بين الفريقين في بلدة العباسة بمصر ، وانتصر المماليك المصريون وأسروا جمعاً من الأمراء والأعيان .

ولما استقر الملك لعز الدين أبيك أمّـر بعض مماليكه ، وكان كبيرهم الأمير سيف الدين قطز فجعله نائباً عنه بمصر ، ثم إنه خشي على ملكه من بعض المماليك الصالحية فاتفق مع مماليكه على قتلهم .

وبهذا وقع الخلاف بين المماليك ، وانقسموا إلى صالحية وهم مماليك الصالح أيوب ، ومعزية وهو مماليك المعز عز الدين أبيك ، وبدأ أمراء المماليك الصالحية بالهرب من القتل إلى الشام وكان منهم الأمير بيبرس ، وانضموا إلى أمير دمشق الأيوبي الناصر يوسف .

10) حملة هولاكو من 651 ـ 656 :

بعد انهيار الدولة الخوارزمية اتسعت حدود الدولة التترية غرباً حتى توقفت على حدود أراضي الطائفة الإسماعيلية في إيران .

وفي عام 651هـ تحرك المغول بقوات كبيرة ومعدات ضخمة نحو المغرب لغزو الأراضي الإسماعلية والخلافة في بغداد ، وكانت هذه الحملة العسكرية بقيادة (هولاكو بن جنكيز خان) ، فعبروا الأرضي التركستانية ثم ساروا إلى بلاد ما وراء النهر .

وكانوا يسيرون سيراً بطيئاً ويتوقفون كثيراً ، نظراً لضخامة أعدادهم وثقل معداتهم .

وبعد سنتين أي في عام 653هـ وصل هولاكو وجيشه إلى بلاد ما وراء النهر ، وهناك أرسل هولاكو إلى الخليفة المستعصم ببغداد يدعو فيها الخليفة إلى الاستسلام دون قيد أو شرط ، فإن أجاب واستسلم فعليه أن يرسل قوات بغدادية لتنظم إلى التتار لقتال الإسماعلية .

ومما جاء في نص الرسالة من التهديد أنه قال : " فإذا فعلت ذلك فإن موافقتَكم ستحمد ، وخدماتِكم سوف تقدر جيداً ، ولسوف تبقى لكم أراضيكم وأسلحتكم ، ولكنكم إذا تهاونتم في امتثال الأوامر ، ولم تبدِ احتراماً للغرض الذي طالبَتْكم به هذه الرسالة فإننا عندما نفرغ من أمر الملاحدة ( يعني الإسماعيلية ) سنعود ونتوجه إليكم ، وسيقع عليكم وعلى أراضيكم ومساكنكم ما سبق وجرى عليهم ".

وصلت الرسالة إلى بغداد ، فرد عليها الخليفة برسالة اعتذار عن عدم إرسال الجنود وبعث إلى هولاكو بعض الهدايا .

وهذه الرسالة تدلنا على أمرين :

1) الأول : الضعف والهوان الكبير الذي حل بالخلافة العباسية .

2) الثاني : أن غزو التتار للبلاد الإسلامية لم يكن مفاجئاً بل كانت إرهاصاته ومؤشراته واضحة المعالم كما في هذه الرسالة التي وصلت إلى الخليفة قبل سقوط بغداد بأكثر من سنتين ، ومع هذا لم تكن استعدادات بغداد الهزيلة خلال السنتين بحجم هذا الخطر العظيم .

وبعد وصول هولاكو إلى شرق إيران أرسل حاكم كَرمان المسلم قطب الدين محمد قواتٍ كبيرة للمشاركة تحت راية هولاكو .

و واصل هولاكو سيره إلى الإسماعيلية ، فهاجم بلادهم ، وحاصر قلاعهم ، حتى قرر زعيم الإسماعيلية خورشاه الاستسلام فجاء بين يدي هولاكو وأعلن استسلامه في أواخر عام 654هـ .

وبعد أن قضى هولاكو على الإسماعيلية اتجه غرباً إلى الأراضي العراقية ، وعندما وصل إلى همذان أرسل رسالة ثانية إلى الخليفة ، مليئة بالكبرياء والتعجرف ، يذكره فيها بعصيانه وعدم إرساله الجنود ، وأن أعذاره جوفاء ، وأمر الخليفة أن يسلم البلاد لابنه و يحضر بنفسه بين يديه أو يبعث أحد وزرائه ، وأمره بهدم الحصون وردم الخنادق المحفورة حول بغداد (وهذا على طريقة نزع أسلحة الدمار الشامل عند التتار الجدد .. هولاكو يريد أن ينزع أسلحة العراقيين ، وهو قادم لقتلهم ، واستباحة بلادهم) .

رد الخليفة المستعصم على هولاكو برسالة جوابية متناقضة جمعت الكبرياء والتحدي ، والضعف والخور ، ذكر المستعصم أن قوة المسلمين لا تقهر وأن جميع المسلمين مستعدون ليقاتلوا معه ضد التتار ، لكنه لا يريد أن يعلن الحرب لئلا يزعج المواطنين انظر إلى التصريحات الفارغة)، ثم نصح المستعصم هولاكو بأن يصغي إلى صوت السلام ، وأن يقنع بالأراضي الذي تنازل له عنها ، وأن يضيفها على دولة التتار ، فإن لم يصغ إلى صوت السلام فليتجهز للحرب ، وأرسل مع الرسالة بعض الهدايا القليلة .

وصلت الرسالة إلى هولاكو فطرد الرسل ، ورفض الهدايا ، وبعث برسالة ثالثة عنّف فيها الخليفة ، وتوعده بجيش يفوق النمل والجراد.

11) حال الخلافة في بغداد قبل غزو التتار :

كانت الخلافة العباسية في بغداد تعاني من الضعف الشديد على مختلف الجوانب السياسية والعسكرية والاجتماعية و الاقتصادية .

أما من حيث الجانب السياسي : فقد أقفل الخلفاء العباسيون على أنفسهم أبواب القصور ، وأحاطوها بالحرس ، وأصبحت مقابلة الخليفة أمراً بالغ الصعوبة للخاصة قبل عامة الناس ، وكان الخليفة يعيش في عزلة عن الناس ، حتى إن المستنصر والد المستعصم لما مات لم يدر أحد من الناس ولا أهلِ بيته بموته يومين كاملين سوى الحاشية الذين نصبوا ولده المستعصم .

وشهدت هذه الفترة تسلطاً من الحاشية ورجال البلاط ، لدرجة أنهم هم الذين اختاروا الخليفة المستعصم لما مات أبوه ونصبوه في الخلافة ، ولما اختير للخلافة اعترض بعض أقاربه لعلمهم بضعفه وعدم كفاءته ، لكن الوزراء والحاشية أجبروهم على البيعة وسجنوا من امتنع منهم وحبسوا منهم الطعام والشراب حتى بايعوه مكرهين .

وكان الخليفة المستعصم ضعيفاً قليل الخبرة بأمور الملك ، وكان زمانه ينقضي بسماع الأغاني والتفرج على الأمور التافهة .

وأما من حيث الجانب العسكري : فقد كان للوزير الرافضي ابن العلقمي دور كبير في تقليص عدد الجيش وإهماله بحجة توفير الأموال لخزينة الدولة ، حتى صار الجيش في عهد المستعصم عشرة آلاف ، بعد أن بلغ المائة ألف في عهد والده المستنصر .

أما من حيث الجانب الاجتماعي : فقد شهد المجتمع العديد من الثورات والنزاعات الطائفية الداخلية ، وصل بعضها إلى القتال المسلح وسفك الدماء بسبب وجود الرافضة في بغداد وممالأة الوزير ابن العلقمي لهم ، مما أضعف بنية المجتمع ، وأدى إلى وقوع خيانات مختلفة ضد الخليفة .

وأما الجانب الاقتصادي : فقد شهد عصر المستعصم أعنف الكوارث الطبيعية التي لم تشهد مثلها الخلافة العباسية ، فكثرت الفيضانات التي أتلفت المحاصيل ، وارتفعت الأسعار وتعذرت الأقوات ، مما أدى إلى ضعف الحكم في البلاد .

12) سقوط بغداد 656 هـ :

وبعد استنفاذ الطرق الدبلوماسية ، وفشل المراسلات المتكررة بين هولاكو والمستعصم ، اتخذ هولاكو القرار بالهجوم على بغداد ، فسار إليها في مائتي ألف مقاتل ، وكان بصحبته جمع ممن ينتسب إلى الإسلام منهم نصير الدين الطوسي الفيلسوف والذي كان أحد مستشاري هولاكو ، ومنهم أمير شيراز .

ووصل الجيش التتري بغداد في محرم سنة 656هـ .

ويستمر مسلسل الخيانة ، فيأتي أمير الموصل ( بدرالدين لؤلؤ ) بالمدد والطعام والهدايا للتتار ، وينضم هو وجيشه للتتار يقاتلون إخوانهم المسلمين خوفاً على أنفسهم ( يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) ( فبئس ما يشترون ) .

ويستمر المسلسل فينضم قائدان عسكريان من جيش الخلافة إلى التتار وهما (أيبك الحلبي) ، و(سيف الدين قيليج) ، فهجرا الخدمة العسكرية ، وهربا إلى جيش التتار ، ثم انضم إلى التتار قائد مسلم ثالث هو ( سلطان تشق ) .

أكرم هولاكو هؤلاء الخونة المسلمين . وقسم الجيش إلى ثلاثة أقسام الميمنة بقيادة ( بايجو نويان ) ومعه خونة المسلمين ، والميسرة بقيادة المسيحي ( كد بوقا نويان ) ، والقلب بقيادة هولاكو .

سارت قوات الميمنة حتى وصلت قرب الأنبار على بعد 27 ميلاً شمال بغداد على الضفة الشرقية من الفرات ، فقرر قادة جيش الخلافة أن يبادروا في معالجة هذه القوة قبل وصولها إلى بغداد ، فعبروا دجلة حتى وصلوا إلى التتار فاشتبكوا معهم ، وبدأت القوة الاستطلاعية للتتار تتراجع وتهرب فظن المسلمون أنهم هزموا فأسرعوا وراءهم حتى وصلوا إلى ( بَشِيرية ) بالقرب من دجلة ، وهنا وقع المسلمون في الكمين وأحاطت بهم قوات الميمنة التترية . وبدأت المناوشات بين الفريقين ثم توقفت بغروب الشمس ، وفي الليل قام المسلمون الخونة بإرشاد التتار إلى خطة ماكرة ، فقاموا بتفجير السدود التي كانت على دجلة فأغرقت المياه مواقع جيش الخلافة ، وعند الفجر هجم التتار على قوات الخلافة التي اضطربت بسبب الماء ، فبعضهم هلك في الوحل ، وبعضهم انجرف في الماء ، وبعضهم لازال نائماً في خيمته ، فقتلهم التتار ولم ينج منهم إلا طائفة قليلة فرت إلى بغداد .

ثم واصلت قوات الميمنة التترية سيرها باتجاه الجنوب الشرقي على الطريق بين الأنبار وبغداد حتى وصلت إلى ضواحي بغداد من جهة الغرب في منتصف شهر محرم سنة 656هـ .

وأما قوات الميسرة فسارت إلى أراضي الخليفة الجنوبية الشرقية ، ثم تقدمت من الجنوب باتجاه الشمال الغربي حتى وصلت أسوار بغداد من جهة الجنوب الشرقي شمال شرقي دجلة وكان ذلك أيضاً في منتصف شهر محرم .

وأما قـوات القـلب فوصلت بغداد في الحادي عشر من محرم ، وعسكرت في الجهة الشرقية لبغداد .

وعندما أحاط الجيش التتري ببغداد حفروا الخنادق حول الأسوار لتطويق المدينة ، ثم شرعوا في بناء أسلحتهم الصينية حول بغداد .

كان معهم مجانيق تقذف كتل الصخور ، وعربات ذات عجلات ، وقاذفات نفط تقوم بقذف السهام الملتهبة على مسافات بعيدة المدى ، فأصبح المدافعون وسكان بغداد أهدافاً سهلة لهذه القذائف ليلاً ونهاراً .

ومع بدء الضربات كانت هناك حرب إعلامية ، أراد منها هولاكو تحطيم الروح المعنوية لدى المدافعين والسكان ، فأمر بأن تكتب منشورات ويرمى بها مع السهام وكان مكتوب فيها ( إن السادة والعلماء والقساوسة والمشائخ والأشخاص الذين لا يقاتلوننا ، كل أولئك لهم الأمان من عندنا ) ، سبحان الله ، والتاريخ يعيد نفسه .

ثم كثفت قوة القلب بقيادة هولاكو هجماتها بآلة الكبش على البرج العجمي في الجزء الشرقي من أسوار بغداد فانهار البرج العجمي ، وهرب المدافعون واستولى التتار على الأسوار ، وبدأت المقاومة البغدادية بالضعف شيئاً فشيئاً حتى انتهت تماماً .

وأحاط التتار بدار الخلافة وبدأووا بقصفها من كل جانب ، فيدخل أحد السهام من الشباك فيصيب جارية كانت ترقص بين يدي الخليفة ، (البلاد في الأزمة وعلى أبواب الكارثة ، والخليفة مشغول باللهو والرقص) .

وماتت الراقصة فغضب الخليفة وأمر بزيادة الستاتر على القصر ولا حول ولا قوة إلا بالله .

وكان الوزير الخبيث ابن العلقمي أول من برز إلى التتار ، فخرج بأهله وأصحابه إلى هولاكو واجتمع به ، ثم عاد إلى الخليفة وقال له بلسان الناصح إن الملك يريد أن يبقيك في الخلافة ويزوج ابنته بابنك ، وأنه يريد الصلح حقناً للدماء ، وأشار عليه بالخروج لمقابلة هولاكو وقال ( فليجب مولانا إلى هذا فإن فيه حقن دماء المسلمين ) .

خرج الخليفة وأولاده الثلاثة ومعهم سبعمائة راكب من القضاة والعلماء والأعيان حتى يشهدوا الصلح ، وعندما وصلوا إلى هولاكو احتجزوا ، وسُمح لسبعة عشر رجلاً منهم فقط بمرافقة الخليفة .

ولما وقف الخليفة أمام هولاكو هاله ما رأى من الجبروت والإهانة ، فأراد أن يتكلم فاضطرب كلامه ، ثم تم القبض على الخليفة ، وأخذ الذين جاؤوا معه على مجموعات ليشهدوا العقد فكلما أخذت مجموعة قتلت حتى قتلوا جميعاً .

ثم أُمر الخليفة أن يصدر أوامره للناس في بغداد بإلقاء السلاح ، ثم سار التتار بالخليفة تحت الحراسة إلى دار الخلافة ليدلهم على أماكن الذهب والمجوهرات وكان معهم الوزير العلقمي الرافضي ، ومستشار هولاكو نصير الدين الطوسي ، وبعد أن نهبوا دار الخلافة عادوا بالخليفة إلى هولاكو ، وعندما أراد هولاكو قتل الخليفة نهاه مستشاروه عن إراقة دم الخليفة على الأرض ، وهددوه بأنه إذا فعل ذلك سيثور بركان يدمره هو وجنوده ، فأمر هولاكو بوضع الخليفة في كيس من الجلد ، ثم رفسه الجنود حتى تهشمت عظامه ومات .

وبهذا سقطت الخلافة العباسية في بغداد في الرابع عشر من صفر عام 656هـ .

وبعد أن ألقى سكان بغداد السلاح ، وانتهت المقاومة ، دخل الجنود التتار بغداد ونزلت الكارثة العظيمة بالمسلمين ، فقتل التتار كل من قدروا عليه من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ ، وهتكوا أعراض النساء ، وشقوا بطون الحوامل ، وقتلوا الأجنة ، ونهبوا الأموال ، وأحرقوا الكتب ، وهدموا البيوت .

وكان الناس يجتمعون في البيوت ويغلقون عليهم الأبواب ، فيفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار ، فإذا دخلوا عليهم هربوا إلى السطوح ، فقتلوهم حتى جرت الميازيب بالدماء .

        كبـّلوهم قتـلوهم مثـلوا          بذوات الخدر عاثوا باليتامى
        ذبحوا الأشياخ والمرضى  ولم          يرحموا طفلا ولم يبُقوا غلاما
        هدموا الدور استحلوا كل ما                 حرّم اللهُ ولم يرعوا ذمـاما

كان ضحايا هذه المجزة الجماعية ثمانمائة ألف إنسان ، وقيل مليون وثمانمائة ألف ، وقيل مليونين .

ولم ينج من الناس إلا أهل الذمة من اليهود والنصارى ، وبعض التجار ، ومن التجأ إلى دار الوزير ابن العلقمي .

وامتلأت بغداد بالجثث حتى صارت كالتلال في الطرقات ، وتعفنت الأشلاء ، وتلوث الهواء فانتشر الطاعون في بغداد فمات منه خلق كثير .

وكان كثير من الناس قد اختبؤوا في الآبار وقنوات الأوساخ والنجاسات ، فلما نودي في بغداد بالأمان خرجوا كأنهم الموتى من قبورهم لا يعرف الوالد ولده ، ثم أخذهم الطاعون فألحقهم بمن سبقهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

وبعد سقوط بغداد فوض الطاغية هولاكو أمرها إلى الأمير ( علي بهادر ) ، وجعل معه الوزير ابن العلقمي الذي كان يطمع في الملك ، فأخزاه الله في الدنيا ( ولعذاب الآخرة أخزى ) ، ولما لم يحصل له الملك انقطع في داره فمات هماً وكمداً ، ثم تولى الوزارة بعده ولده الخبيث فأخذه الله سريعاً وألحقه بوالده .

ثم قرر هولاكو مغادرة بغداد بعد أصبحت خرابًا فخرج إلى أذربيجان ، وبدأت استعداداته للمرحلة الثالثة من الحملة ، وهي غزو سوريا وفلسطين ومصر .

13) أحوال دولة المماليك في مصر قبل غزو التتار :

ذكرنا فيما مضى أنه في سنة 648هـ استقرار الملك بمصر للسلطان المملوكي الأول المعز عزالدين أبيك ، والذي تزوجت به شجرة الدر بعد وفاة زوجها الملك الصالح أيوب .

بقي المعز في الحكم ما يقارب السبع سنوات ، وفي عام 655هـ اكتشفت شجرة الدر أن العز خطب ابنة صاحب الموصل ، فتغيرت عليه ، ثم تغير هو عليها وهم بقتلها ، فاتفقت مع مماليكها فقتلوه ، ثم قام مماليك المعز بعد موته بقتلها ، واتفقوا على ولاية ولده المنصور علي بن المعز وكان صغيراً كثير اللعب ، فتولى الأمور نيابة عنه كبير الأمراء سيف الدين قطز .

وخلال فترة المنصور هذا سقطت بغداد عام 656هـ ، وانتشرت الأخبار بزحف التتار إلى الشام ومصر .

وفي العام التالي ، وأمام هذا الخطر العظيم قام سيف الدين قطز نائب المنصور بجمع العلماء والقضاة لمناقشة الأزمة ، ووقع الاتفاق على خلع الملك الصغير المنصور ومبايعة قطز بالملك ، فلُقّب بالملك المظفر سيف الدين قطز .

وفي خضم هذه الأحداث العصيبة يجتمع أمراء الأيوبيين الناصر يوسف صاحب دمشق ، والمغيث صاحب الكرك ، ومعهم الأمير بيبرس ، وقد عزموا على التوجه إلى مصر واستعادتها من المماليك .

وبينما هم على هذه الحال جاءت الأخبار بمسير الجيش التتري إلى بلاد الشام .

14) غزو التتار لبلاد الشام سنة 658 هـ :

صنع الجيش التتري جسوراً على نهر الفرات ، وعبر النهر إلى الشام ، حتى وصلوا إلى حلب في شهر صفر عام 658 ، فأرسل الطاغية هولاكو رسالة إلى أهل حلب ، يقول فيها : نحن إنما جئنا لقتال الملك الناصر بدمشق ولم نأت لقتالكم ، وطلب منهم أن يجعلوا عندهم بعض قواته . فردُّوا عليه بعزة المؤمنين : مالك عندنا إلا السيف . فتعجب هولاكو من ضعفهم وجوابهم ، وزحف إليهم وحاصرهم ، وبعد سبعة أيام من الحصار أعطاهم هولاكو الأمان ، فلما دخل هو وجنده البلد غدروا بأهلها وقتلوا منهم خلقاً كثيراً ، وفعلوا فيها ما فعلوه بغداد .

وبعد أن استولوا على حلب ، جاء صاحب حماه وسلم مفاتيحها إلى هولاكو .

ثم تقدم الجيش التتري إلى دمشق فهرب صاحبها الناصر يوسف واتجه جنوباً إلى غزة ، وصل التتار إلى دمشق وحاصروها ، ثم استولوا عليها في ربيع الآخر عام 658هـ وسلموها لأحد أمرائهم اسمه ( ابل سيان ) وكان يميل إلى دين النصارى ، فاجتمع بنصارى دمشق وعظم شأنهم ، فرفعوا الصليب ، وتسلطوا على المسلمين ، وكانوا يرشون الخمر على وجوه الناس وثيابهم وعلى المساجد ، وإذا مروا بالسوق أمروا الناس بالقيام لصليبهم ، ولما اشتد الأمر بالناس توجه القضاة والفقهاء إلى الأمير ابل سيان فأهانهم وطردهم أخزاه الله .

ثم عزم أمراء الشام الأيوبيون على حرب التتار ، فوقع الخلاف بينهم ، وهم بعضهم بعزل الناصر يوسف وسجنه فهرب منهم إلى القلعة ، وتفرق الأيوبيون ، وانعزل عنهم الأمير بيبرس ومن معه من المماليك .

وفي هذه الأثناء قام المظفر قطز بعمل عظيم فأصدر قراراً بالعفو عن المماليك الصالحية الذين هربوا إلى الشام ، وأرسل إلى بيبرس وتودد إليه ، فقدم بيبرس واستقبله قطز استقبالاً حافلاً ، وأنزله بدار الوزارة ، وبدأت جموع المماليك الصالحية تتوافد إلى مصر .

وبهذا اتحدت كلمة المماليك ، والتأم شملهم ، على يد المظفر قطز رحمه الله .

15) معركة عين جالوت سنة 658هـ :

بعد سقوط دمشق أرسل الطاغية هولاكو رسالة تهديد ووعيد إلى المظفر قطز ، وكان مما جاء فيها ( من ملك الملوك شرقاً وغرباً ، باسمك اللهم باسطَ الأرض ورافعَ السماء .. يعلم الملك المظفر قطز ، الذي هو من جنس المماليك الذين هربوا من سيوفنا أننا جند الله في أرضه ، خَلَقنا من سخطه ، فسلِّموا إلينا تسلموا قبل أن تندموا ، وقد سمعتم أننا خربنا البلاد وقتلنا العباد ، فلكم منا الهرب ولنا خلفكم الطلب ، فعجلوا لنا بالجواب قبل أن تُضرِمَ الحربُ نارها وترميكم بشرارها ، فما بقي لنا مقصدٌ سواكم ، والسلام ) .

وبعد وصول الرسالة عقد قطز اجتماعاً عاجلاً استشار فيه أمراء المماليك وقال لهم : إن القوم لا دين ولا أيمان لهم .

وبعد المداولات انتهى الاجتماع بقرار الحرب ضد التتار .

وفي تصرف سريع وحازم ، أحضر قطز رسل هولامو وأمر بتوسيطهم أي بضرب الواحد منهم بالسيف في وسطه فيقسم قسمين .

ثم بدأ قطز يحشد الحشود ويجهز الجيش ، ويستعين بالعلماء في الحث على الجهاد والنفرة في سبيل الله ، وكان على رأس هؤلاء العلماء الإمام العز بن عبد السلام .

ثم ظهرت مشكلة أخرى ، وهي عدم وجود الأموال الكافية لتجهيز الجيش ، فاجتمع بالعلماء وقال إنه يريد فرض الضرائب على الناس فاعترض العلماء عليه ، وأعلن العز بن عبد السلام أن على الأمير قبل أن يفرض الضرائب أن يخرج الحلي التي في بيته وبيوت الأمراء وأن يضربها نقوداً فإذا لم تف الحاجة فليفرض الضرائب على الناس .

وكان للعز بن عبد السلام منزلةٌ كبيرةٌ عند المماليك ، فامتثل قطز أمر العز ، وكان هذا من توفيق الله لهما وللأمة .

كانت خطة المظفر قطز أن يبادر التتار قبل أن يبادروه ، لكن بعض الأمراء كانوا لا يرون الخروج إلى الشام .

فتجهز للخروج واختار معه بعض الأمراء الذين يوافقونه على الخروج إلى الشام ، وواعد بقية الأمراء في الصالحية ( بلدة في مصر شرق دلتا النيل ) وكان خروجه في رمضان أو آخر شعبان عام 658هـ ومعه أربعون ألفاً من المسلمين .

وبعد أن وصل إلى الصالحية وتجمع الأمراء خطبهم خطبة عظيمة قال فيها : " يا أمراء المسلمين ، لكم زمان تأكلون بيت المال وأنتم للغَزاة كارهون ! وأنا متوجه إلى الله ورسوله ، فمن اختار منكم الجهاد يصحبْني ، ومن لم يختر ذلك يرجعْ إلى بيته فإن الله مطلع عليه " .

ثم تكلم الأمراء الذين معه وأيدوه ، فوافق الآخرون وساروا جميعاً إلى الشام .

جعل قطز على طليعة الجيش بيبرس ، وساروا حتى وصلوا إلى غزة ، ثم سلكوا طريق الساحل حتى بلغوا عكا ، وكانت بيد الفرنج ، فالتقى قطز بملكهم ، وعرض ملك الفرنج على قطز المساعدة فرفض ، وطلب قطز منهم أن يكونوا على الحياد ، وهددهم بالقتل إن بدرت منهم بادرة شر .

وكان هولاكو بعد استيلائه على دمشق قد بلغه نبأ وفاة أخيه ( مانغو ) ملكِ التتار ، وكان هولاكو يطمع في الملك ، فغادر الشام متوجهاً إلى الصين لحضور اجتماع رؤساء التتار لانتخاب الملك الجديد ، وعَيَّن مكانه أحد الأمراء الكبار وهو ( كتبغا نوين ).

وجاءت الأخبار إلى ( كتبغا نوين ) بخروج الجيش المصري إلى الشام فتوجه بجيشه إليهم ، وسار الفريقان حتى التقيا في عين جالوت في الخامس والعشرين من رمضان عام 658هـ  .

ولما تراءى الجمعان ، ورأى قطز كثرة التتار أمر جيشه أن لا يبدؤوا القتال حتى تزول الشمس ، ويدعوَ لهم الخطباء والناس في صلاة الجمعة .

كان التتار يحتلون المرتفعات في عين جالوت ، فانقضوا على جيش قطز تطبيقًا لحرب الصاعقة التي يمارسها التتار في حروبهم ، وهي طريقة تعتمد على الانقضاض السريع ، وسرعة الحركة بالفرسان ، ( وسبحان الله ، التتار الجدد يسمونها حرب الصدمة والرعب ).

وبدأ القتال فهجمت ميمنة التتار على ميسرة المسلمين ، فانكسرت الميسرة كسرة شديدة ، وبدأ التتار يخترقون صفوف المسلمين ، فلما رأى قطز هذا الموقف تقدم بقوات القلب التي كانت بقيادته ، وكانوا من المتطوعين المحتسبين ، فأحاطوا بميمنة التتار قبل أن تحيط بجيش المسلمين ، ثم انتهى اليوم الأول .

ثم وقع القتال في اليوم الثاني وكان سجالاً بين الفريقين .

وفي اليوم الثالث رغب قطز جنده على الفداء والتضحية والشهادة  ، فقاتلوا قتالاً شديداً ، وقاتل قطز حتى قتل جواده ، فوقف ثابتاً على الأرض في موضعه في قلب الجيش ، وهذه اللحظة لحظة قاتلة للجيش .

فرآه أحد الأمراء فنزل عن فرسه ليركب عليه السلطان ، فقال : ما كنت لأحرم المسلمين نفعك ، فحلف عليه أن يركب ، فرفض قطز الركوب حتى جاؤوا له بفرس آخر . ثم لامه بعض الأمراء ، وقالوا : لو أن بعض الأعداء رآك لقتلك وهلك الإسلام بسببك !! ، فقال لهم : أما أنا فكنت أروح إلى الجنة ، وأما الإسلام فله رب لا يضيّعه .

واشتد القتال ، وحمي النزال ، وأزهقت النفوس ، وتطايرت الرؤوس ، وتقدم قطز بنفسه أمام الأمراء والجيش ، ورمى خوذته على الأرض ، وأطلق صرخة قوية سجلها التاريخ ، فصاح بأعلى صوته ( واااا إسلاماه ) ، واندفع نحو نيران التتار ، كالسيل الجرار .

                كالماء أعذب ما يكون ، وإنه         لأشد ما يسطو على النيران

ورأى جنود الإسلام قائدهم أمامهم ، يقاتل كالأسد ، فالتفوا حوله ، واستبسلوا في القتال ، وانقضوا على التتار فخلخلوا صفوفهم ، وكسروهم كسرة عظيمة ، ثم التقى الجيشان مرة أخرى عند بيسان ، ونزل الطاغية ( كتبغا نوين ) بنفسه إلى المعركة ، فهزمه الله ، وعرفت سيوف الحق طريقها إلى رقاب الكفار ، فقتل المسلمون منهم جمعاً كثيراً ، وفر الباقون مدبرين ، والحمد لله رب العالمين .

وحينما اطمأن قطز إلى نصر الله ، ترجل عن فرسه ، ومرغ وجهه في التراب تواضعًا لله ، وسجد لله شكرًا على هذا النصر المبين .

وبعد انتهاء المعركة ، أراد المظفر قطز أن يعرف مصير الطاغية ( كتبغا نوين ) ، فأحضر ولده بين يديه بعد أن أسر وسأله : أهرب أبوك ؟ ، فقال : لا ، إن أبي لا يهرب .

ثم بحثوا عن ( كتبغا نوين ) فوجوده بين القتلى ، فلما أحضروه ورآه ولده صرخ وبكى ، فتحقق قطز من موته ، فخر ساجداً لله وقال : الآن أنام طيباً .

ثم انطلق بيبرس ومجموعة من الأمراء وراء التتار الذين فروا من المعركة حتى أدركوهم في حلب ، وبدأ المسلمون بتطهير البلاد من التتار.

وفي دمشق وصلت البشارة بالنصر فتبادر المسلمون إلى مواجهة من بقي من التتار في دمشق ، يقتلونهم ويطلقون أسرى المسلمين الذين كانوا في أيديهم .

ثم بدأوا في تصفية الحسابات مع الخونة النصارى ، الذي وقفوا مع التتار ، فأحرق المسلمون الكنسية التي أَخرج منها النصارى الصليب ، وقتلوا جماعة من النصارى ، واضطربت الأمور في دمشق ولم يستتب الأمن فيها إلا بدخول قطز إليها في أواخر رمضان .

وطارت الأخبار بانتصار المسلمين وانكسار التتار ، فابتهج المسلمون في الأمصار ، وبدأ التتار يفرون من بلاد الشام خوفاً من انتقام المسلمين .

وبعد أن أتم المظفر قطز السيطرة على الشام  ،واستقرت الأمور ، أعاد بعض الملوك الأيوبيين إلى ممالكهم ، وأخذ عليهم العهود والمواثيق بالولاء ، ثم عاد منصوراً إلى مصر .

16) المماليك بعد عين جالوت (عهد بيبرس ) :

بعد انتهاء فتح الشام ، كان بيبرس يرغب في إمارة حلب ، لكن قطز وولى عليها السعيد علاء الدين ، فوقع هذا في نفس بيبرس ، وهنا تجدد الخلاف مرة أخرى بين المماليك المعزية والمماليك الصالحية .

وفي الطريق إلى مصر يتآمر بيبرس والمماليك على قطز ، فوضعوا خطة لاغتيال قطز ، وجعل بيبرس لهم علامة أنه إذا قبل يد قطز حملوا عليه بالسيوف .

ثم اجتمعوا عند قطز وسأله بيبرس جارية من السبي ، فأعطاها إياه ، فأخذ يده ليقبلها ، ثم أمسك عليها ، وبادره المماليك بالسيوف فقتلوه  ، ثم بايعوا بيبرس سلطاناً على مصر .

كان الناس في القاهرة قد عمهم الفرح والسرور ، وزينوا الشوارع بقدوم المظفر قطز ، فلما قدم الجيش وطلع النهار إذا بالمنادي ينادي : ( أيها الناس ترحموا على الملك المظفر ، وادعوا لسلطانكم الملك الظاهر ركن الدنيا بيبرس ) .

تولى بيبرس الملك في مصر والبلاد مضطربة ، والموظفون فاسدون مرتشون ، والمظالم منتشرة ، والأمراء في الداخل يتربصون به يريدون الملك ، والتتار والصليبيون يعدون العدة للثأر من المسلمين .

بدأ بيبرس حملته الإصلاحية الداخلية برفع الضرائب عن الناس ، ثم قام بإبطال المظالم ، وإصلاح القضاء ، وجلس بنفسه أمام القاضي في إحدى القضايا ، وقام بإراقة الخمور وتوعد من يعصرها بالقتل ، ثم تتبع الأمراء الذين خططوا للثورة فقمعهم ، وأخمد ثورتهم في مهدها .

ثم قام بيبرس بأمر هام وهو إعادة الخلافة للمسلمين ، وكان المستنصر بالله أحمد عم المستعصم بالله قد قدم إلى مصر بعد أن كان معتقلاً في بغداد ، فبايعه بيبرس والقضاة والعلماء خليفة للمسلمين ، وكان ذلك في رجب سنة 659هـ ، فعم الفرح بلاد الإسلام بعودة الخلافة رمزِ الوحدة الإسلامية بعد أن ظل المسلمون ثلاث سنواتٍ ونصف بلا خليفة ، وكان هذا سبباً في تأييد ملك الظاهر بيبرس في مصر .

ثم توجه بيبرس إلى الإصـلاحات السياسية الخارجية ، فقام بعدة أعمال تدل على عبقريته السياسية :

فقام بإحراق المروج التي يعتمد عليها التتار علفاً لدوابهم .

وقام أيضاً بإنشاء الحصون ، وبناء المنائر العالية لمراقبة العدو والإنذار المبكر ، فإذا دهم العدو البلاد أُشعلت النار من المنائر ليعلم أهل المدن بهجوم العدو (هذا على طريقة الأي واكس) .

وكان بيبرس أمام عدوين غاشمين التتار والصليبيين ، فأجرى اتفاقيات ومعاهدات مع بعض الجهات التي هي أقل ضرراً من هذين العدوين فتحالف مع امبراطوار الدولة البيزنطية وامبراطور الدولة الرومانية وملك صقلية ، وكان هدفه من هذا التحالف عدمَ دعم الصليبيين ووقفَ الحملات الصليبيية .

وفيما يلي نلقي الضوء على جهود الظاهر بيبرس ضد الصليبيين أولاً ، ثم جهوده ضد التتار :

أولاً ) فيما يتعلق بالصليبيين : وضع بيبرس خطة لتطهير بلاد المسلمين من عباد الصليب واستعادة أراضيهم منهم .

بدأ بيبرس حملته ضد الصليبيين عام 663هـ فخرج بجيشه إلى الساحل الشامي وحاصر الإفرنج في قيسارية ففتحها ، ثم فتح أرسوف .

وفي العام التالي 664هـ فتح صَفَد واستولى على 20 حصناً من معاقل الفرنج .

وفي عام 666هـ استولى على يافا وحصن الشقيف ، وحاصر أنطاكية وكانت مدينة عظيمة منيعة ففتحها في رمضان .

وفي عام 669هـ سار إلى عكا فحاصرها فسأله أهلها الأمان فأعطاهم ودخلها منصوراً .

وفي هذا العام 669هـ جاءت الحملة الصليبية الثامنة بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع لكنها اتجهت إلى تونس فمرض لويس التاسع ثم مات وانتهت الحملة ، وجاءت حملة أخرى بقيادة الانجليزي إدوارد فنزلت في عكا .

ثانياً ) فيما يتعلق بالتتار : استفاد بيبرس من الخلاف الذي حدث بين ملوك التتار ، فأجرى تحالفاً مع الأمير بركة خان ابن عم هولاكو ، وكان هذا الأمير قد دخل في الإسلام ، وكان بينه وبين هولاكو نزاعات شديدة ، ثم تزوج بيبرس بابنة الأمير بركة خان .

وضعف أمر التتار في الشام والعـراق ، فكانوا بمجرد سماعهم بقدوم جيش بيبرس يفرون من البـلاد .

وفي عام 663هـ هلك الطاغية هولاكو وتولى الملك بعده ابنه ( أبغا ) ، فقام بالاتصال بالصليبيين ، وبدأ التحالف الصليبي التتري ضد المسلمين .

وفي عام 667هـ يرسل ( أبغا ) بن هولاكو رسالة تهديد إلى بيبرس يقول فيها : " أنت مملوك بعت بسيواس فكيف يصلح لك أن تخالف ملوك الأرض ؟ واعلم أنك لو صعدت إلى السماء أو هبطت الأرض ما تخلصت مني " .

فقال بيبرس للرسل بهدوء الواثق : " أعلموه أني من ورائه بالمطالبة ، حتى أنتزع منه جميع البلاد التي استحوذ عليها " .

انشغل أبغا بقتال أبناء عمه ، ثم قام بتجهيز جيش التحالف المكون من خمسة عشر ألف مقاتل من التتار ومثلهم من الروم ، وساروا إلى بلدة ( البيرة ) .

فأسرع بيبرس بالخروج من مصر بعد أن أنفق ستمائة ألف دينار لتجهيز الجيش .

ونزل جيش التحالف على أبواب ( البيرة ) ونصبوا المنجنيقات ، فلما أظلم الليل خرج أهل البيرة الأبطال ، فأحرقوا منجنيقات التتار ونهبوهم ، ثم عادوا إلى بيوتهم سالمين ، وبقي العدو على أبواب البيرة عشرة آيام ، ثم ردهم الله بغيظهم ، لم ينالوا خيراً ، وكفى الله المؤمنين القتال ، ولما وصلت الإخبار لبيبرس عاد إلى مصر .

 وفي العام التالي 675هـ جاءت الأخبار بتجمع التتار والروم من جديد ، فخرج بيبرس بجيشه إلى الشام ، والتقى الجيشان في صحراء الإبلستين وكان التتار أحد عشر ألف مقاتل ، ومعهم جمع من الروم .

ومع بدأ القتال ، حملت ميسرة التتار على ميمنة المسلمين ، فتقدم بيبرس بنفسه إلى الميمنة ، ثم التفت فإذا بميسرة جيشه تكاد أن تنكسر ، فأرسل إليها بعض الأمراء ، وبعد قتال شديد أنزل الله نصره على المؤمنين ، فقتلوا جيش التتار ، وفر الباقون إلى قيسارية .

وبعد انتهاء المعركة جاءت أخبار الهزيمة إلى أبغا ، فجن جنونه ، وأسرع بنفسه ووقف على ساحة المعركة ، فرأى القتلى من التتار ، ولم يجد من حلفائه الروم قتيلاً واحداً ، فاشتد غضبه وهجم على أهل قيسارية ، وقَتل من الروم مائتي ألف إنسان .

وفي العام التالي 676هـ كانت الفاجعة والمصيبة في بلاد الإسلام ، ومات الملك الظاهر بيبرس رحمه الله .

نعم .. بيبرس الذي جلب من بلاده الأصلية في القفقاس إلى سوريا ، وبيع في سوق العبيد بثمانمائة درهم ، وكان فيه بياض في عينه فرده المشتري بخيار العيب كما ترد البضاعة المعبية ، ثم أصبح ملكاً من أشهر ملوك الإسلام .

بيبرس الذي جمع صفحتين متناقضتين : صفحةً قبل الملك مليئةً بالبطش والمؤامرات والغدر والقتل ، وصفحةً أخرى بعد الملك مليئةً بالرحمة للناس و الإصلاح والدفاع عن الدين .

إذا انفتحت ثغرة في بلاد الإسلام سدها ، وإذا انحلت عروة من عرى الدين شدها، وإذا دهمت طائفة بلاد الإسلام صدها وردها ، فكان بحق الأسدَ الضاري والهزبرَ الكاسر والسيفَ الباتر كما يسميه ابن كثير .

ومع هذا فأنه لم يسلم من بعض الهَـنَّات المحذورة ، لكنها في بحر حسناته مغمورة ، تقبل الله منه الحسنات وتجاوز له عن السيئات .

وبعد وفاة بيبرس تولى بعده ابنه الملك السعيد فخُلع ، ثم ابنه العادل فخُلع ، واضطرب حكم المماليك في مصر ، حتى استقر لأسرة المنصور قلاوون الذي تولى الحكم عام 678هـ .

17) المماليك في عهد أسرة قلاوون :

بعد تولي قلاوون الحكم عام 678 كان هناك معارضة شديدة من الأمير سنقر الأشقر صاحب دمشق ، فسار الجيش المصري إلى الشام عام 679 ، وتمكن المصريون من هزيمة الجيش الشامي ودخلوا دمشق .

ووصلت الأخبار إلى التتار بتفرق المسلمين فهجموا على حلب وقتلوا كثيراً من أهلها ، وكانوا يظنون أن جيش سنقر سيكون معهم ضد الجيش المصري ، لكن المنصور قلاوون خيب ظنهم فأرسل إلى صاحب الشام سنقر وطلب منه الصلح والاتحاد ضد التتار حفاظاً على أرواح المسلمين ، فهدى الله سنقر وكتب إلى قلاوون بالسمع والطاعة ، فلما علم التتار بهذا الاتفاق عادوا إلى بلادهم خاسئين .

نعم .. هكذا يجب أن تتناسى الأمة كل الخلافات ، وتقطعَ الطريق أمام أعدائها .

في العام التالي 680هـ عاد التتار مرة أخرى في جيش كبير قوامه مائةُ ألف مقاتل ، وكان جيش المسلمين قرابة الخمسين ألف مقاتل ، والتقى الجيشان شمال حمص .

ومع بدأ القتال ، انكسرت ميسرة الجيش المسلم ، وانهزم كثير من المسلمين وفروا إلى حمص ، والتتار يلاحقونهم ، ولما وصلوا حمص وجدوا الأبواب مقفلة ، فحدثت فيهم مقتلة عظيمة .

وبقي قلاوون في ميدان المعركة ومعه جماعة قليلة فثبت ثباتاً عظيماً جداً ، فلما رأى الأمراء ثباته اجتمعوا حوله ، وحملوا على التتار عدة حملات صادقة ، حتى انكسر جيش التتار ، وقَتل منهم المسلمون جمعاً كثيراً ، وبدؤوا يلاحقون المنهزمين .

في هذه الأثناء عاد التتار الذين لاحقوا المنهزمين من المسلمين ، فوجودا جيشهم قد هزم وجيش المسلمين وراءه ، ثم رأوا السلطان قلاوون ثابت في مكانه ليس معه إلا ألف فارس فانتهزوا الفرصة وهجموا عليه ، فثبت لهم وقاتلهم حتى هزمهم ، وبدأ يلاحقهم حتى قتل أكثرهم .

وبعد أن قام قلاوون بقمع التتار تفرغ لتصفية النصارى من الشام ففتح حصن المرقب عام 684هـ وكان من أمنع الحصون وأضرها على المسلمين .

وفي عام 688هـ فتح طرابلس التي استعصت ، وبقيت بيد الفرنج 185سنة .

وفي العام التالي 689هـ توفي المنصور قلاوون رحمه الله ، وتولى بعده ابنه الأشرف خليل .

وسار الأشرف بسيرة والده فحاصر عكا عام 690هـ بعد أن قتل أهلُها بعض تجار المسلمين ونهبوهم ، ثم أكمل الأشرف تطهير مدن الساحل كلها ففتح صور وصيدا وبيروت وطرسوس وجبيل ، وبهذا انتهى وجود النصارى في بلاد الشام في هذا العام 690هـ ، ولم يبق لهم إلا جزيرة أرواد التي فتحها المسلمون سنة 702 هـ .

وانتشرت البشائر في الأمصار ، وأنشد الشعراء :

        الحـمد لله زالـت دولة الصُلُبِ     وعَزَّ بالترك ديـنُ المصطفى العـربي

        هذا الذي كانت الآمال لو طلبتْ     رؤياه في النوم لاستحيت من الطلبِ

        ما بعـدَ عكا وقد هُدت قواعدُها    في البحر للترك عند  البر مـن أَرَبِ

        لم يبق بـعدها للكفر إذ خَـرِبتْ     في البحر والبر ما ينجي سوى الهربِ

وفي عام 693 قُتل الأشرف خليل بن قلاوون ، واضطرب أمر المماليك بعده ، حتى استقر الملك بعد مسلسلات من القتل والخَلع لأخيه الناصر محمد بن قلاوون عام 698هـ ، حيث قام التتار في عهد الناصر بغزو الشام من جديد .

18) غزو التتار بلاد الشام عام 699هـ :

في عام 699هـ ووصلت الأخبار أن التتار يعدون العدة لغزو الشام ، فخاف الناس ، وغلت المواصلات ، وأصبح إيجار الخيل من حماة إلى دمشق مائتي درهم .

وخرج الناصر بجيشه من مصر إلى الشام ، ففرح الناس ، ودخل الناصر دمشق ، ثم خرج والتقى بالتتار في وادي الخزندار ، فهُزم المسلمون ، وهرب الناصر ، وقُتل جماعة من الأمراء ورجعت العساكر إلى مصر .

ثم سار التتار إلى دمشق ، فاجتمع الأعيان وكان معهم الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية ، فقرروا الذهاب إلى قازان ملك التتار ، ليطلبوا منه الأمان لأهل دمشق ، فكلمه ابن تيمية كلاماً شديداً نفع الله به المسلمين ( وكان قازان بوذياً ثم أسلم عام 694هـ وأسلم معه 70 ألف من التتار ومع هذا جاؤوا لقتال المسلمين ) .

ثم رأى بعض الأمراء تسليم القلعة للتتار حماية للسكان ، فوقف ابن تيمية أمامهم وطلب من صاحب القلعة عدمَ تسليمها لو لم يبق فيها إلا حجرٌ واحد ، فأخذ صاحب القلعة برأي ابن تيمية وكان فيه مصلحة للمسلمين ، ودخل قازان دمشق وخُطِب فيها باسمه على منبر دمشق  ، وقام بفرض الأموال الكثيرة على أهلها .

ثم بدأ بعض التتار ببعض أعمال القتل والنهب والسبي ، فخرج ابن تيمية مع جماعة إلى ملك التتار قازان ولم يحصل لهم الاجتماع به .

واستعصت القلعة على قازان ، فعاد إلى العراق وترك نائبه بولاي في الشام في ستين ألف مقاتل .

ثم توجه جماعة من التتار جهة الغَور فعاثوا فيه الفساد ، فخرج ابن تيمية إلى بولاي وكلمه في أسارى المسلمين الذين معه ، ففك أسر كثير منهم .

وصلت الأخبار بقدوم الجيوش المصرية إلى الشام ، فخرج بولاي ومن معه من التتار من دمشق وبقيت دمشق بلا جند ولا حرس ، فنودي في أهلها أن يخرجوا بأسلحتهم ويبيتون على الأسوار والأبواب يحرسون البلد ، فخرجوا على الأسوار ، وكان ابن تيمية يدور على الأسوار كل ليلة ، يحرض الناس على الصبر والقتال ، ويتلو عليهم آيات الجهاد والرباط ، (هكذا يكون تفاعل الأمة المؤمنة مع الأزمات) .

ولما عادت الحياة إلى دمشق دار ابن تيمية وأصحابه على الخانات فكسروا أنية الخمر وأباريق ، ثم خرج ابن تيمية مع الأفرم نائبِ دمشق إلى بلاد جبيل وكسروان لتأديبهم على دعمهم التتار وإغارتهم على المسلمين ، فخرج رؤساؤهم إلى ابن تيمية فأظهروا الطاعة والندم ورد كل ما أخذوا .

ثم عاد الأفرم إلى دمشق وصدرت الأوامر أن يعلق الناس الأسلحة بالدكاكين ، وأن يتعلموا الرمي ، فبنيت الإماجات ( وهي معسكرات التدريب ) في دمشق ، وأمر الفقهاء أن يتعلموا الرمي استعداداً لأي ظرف طاريء .

وهكذا يجب أن تستعد الأمة في أوقات الرخاء ، حتى إذا نزلت الشدائد انبرى من أبنائها من يدافع عنها ويرد عنها كيد الأعداء .

وفي صفر سنه 700 هـ جاءت الأخبار بعودة التتار إلى بلاد الشام فاضطرب الناس وزادات أجرة النقل ، وبيعت الأمتعة والثياب بأرخص الأثمان .

وجلس ابن تيمية في مجلسه في الجامع في الثاني من صفر ، وحرض المؤمنين على القتال وبذل الأموال ، ونهاهم عن الفرار ، فسكن الناس وهدأت الأوضاع .

ثم قام ابن تيمية بأعمال جليلة في هذه الأزمة فخرج إلى نائب الشام والجيش المرابطين ، فثبتهم وطيب قلوبهم ، ووعدهم بنصر الله ، وبات عندهم ليلة ، وعاد إلى دمشق .

ثم جاءت الأخبار برجوع السلطان الناصر محمد وجيشِه إلى مصر ، فسأل أميرُ الشام ابنَ تيمية أن يسير إليه ، فركب الشيخ حتى وصل إلى السلطان وطلب منه النصرة ، وخوفه بالله ، وهدده بأنه إذا تأخر فإن أهل الشام سيجعلون عليهم سلطاناً غيرَه يدافع عنهم ، ثم أقام شيخ الإسلام بمصر ثمانية أيام يحث الناس على الجهاد والخروج .

فاستجاب السلطان والناس لدعوة الشيخ ، وتحرك الجيش المصري إلى الشام ، واستعد المسلمون للحرب ، ثم جاءت الأخبار بانسحاب التتار إلى العراق وكفى الله المؤمنين القتال .

19) معركة شَقْحَب سنة 702 هـ :

وبعد سنتين أي في شهر رجب عام 702هـ دخل التتار بلاد الشام ، فاضطرب الناس ، واشتد خوفهم ، وقنتوا في الصلوات ، ثم كانت أولى المواجهات ، فجاءت قوة من التتار قوامها سبعة آلاف مقاتل ، فتصدى لها جماعة من أبطال الشام عددهم ألف وخمسمائة ، فنصر الله جنوده الأبطال ، وقتلوا خلقاً من التتار ، وآسروا آخرين .

وبعد شهر ، وصلت الأخبار في شعبان بخروج الجيش المصري إلى الشام فاطمأن الناس وقويت قلوبهم .

ومع اقتراب جيش التتار ، انسحب الجيشان الحلبي والحموي إلى حمص ، ثم خافوا أن يباغتهم التتار فنزلوا إلى مرج الصُّفَّر.

ووصل التتار إلى حمص ، ثم ساروا إلى بعلبك ، واقتربوا من دمشق ، فاشتد خوف الناس ، وانتشرت الإشاعات والأراجيف ، فكان لشيخ الإسلام ابن تيمية دور كبير في تهدئة النفوس والحفاظ على الاستقرار الداخلي في البلد .

ثم اجتمع الأمراء والعلماء في دمشق فتحالفوا على الجهاد ولقاء العدو ، وكان شيخ الإسلام يطمئن الناس و يحلف لهم أنهم سينصرون ، فيقولون له : قل إن شـاء الله . فيقـولها تحقيقاً لا تعليقاً .

ثم بدأ بعض الناس يشككون في شرعية قتال التتار لأنهم يظهرون الإسلام ، فانبرى ابن تيمية لهم ، وأصدر فتاويه المشهورة في وجوب قتال التتار ، وفند جميع الشبه التي أثيرت حول هذه المسألة ، وكان يقول للناس : " إذا رأيتموني في ذلك الجانب ( أي في جانب العدو ) وعلى رأسي مصحف فاقتلوني " فتشجع الناس للقتال ، وقويت قلوبهم .

ثم توجه ابن تيمية إلى الجيش الحموي المنسحب ، واجتمع بالعسكر وأبلغهم بتحالف أهل دمشق على الجهاد ، فأجابوه وحلفوا له .

وفي أواخر شعبان ، خرج الجيش الشامي من دمشق وعسكر في الكسوة ، وخرج ابن تيمية مع أصحابه ليشارك في القتال ، فظن بعض الناس أنه يريد الهرب فقالوا : تمنعنا من الهرب وتهرب الآن من البلد ؟ ( سبحان الله ما أسرع ما يقع العامة في العلماء ) ، ومضى الشيخ رحمه الله إلى المعركة ، ولم يرد عليهم ، إعراضاً عن الجاهلين وتواضعاً لرب العالمين .

وصل الجيش المصري بقيادة السلطان الناصر محمد بن قلاوون والخليفة المستكفي بالله ، والتقى بالجيش الشامي في مرج الصُّفَّر ، وأفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بالفطر في رمضان ، وكان يدور على الأمراء والجند ومعه شيء يأكل منه ، ليعلموا أنه مفطر .

ولما علم التتار باجتماع الجيوش الإسلامية ، انحرفوا عن دمشق ، واتجهوا إليهم .

وبدأ العد التنازلي للمعركة ، وضج المسلمون في دمشق بالدعاء في المساجد والتراويح ، وكان الخليفة والسلطان والقراء يمرون بين صفوف الجيش ، يشجعون الجند ، ويقرؤون آيات الجهاد والاستشهاد ، وكان الخليفة يقول : دافعوا عن دينكم وعن حريمكم .

ثم التقى الجيشان في موضع يقال له ( شَقْحَب ) وهو الطرف الشمالي من مرج الصفر .

وبدأ القتال ظهر السبت الثاني من رمضان ، وثبت الخليفة والسلطان الناصر حتى إن السلطان الناصر بايع الله في ذلك الموقف على النصر أو الشهادة ، وأمر أن يقيَّد جوادُه حتى لا يهرب .

ولما اقترب التتار ، التفت ابن تيمية إلى أحد أمراء الشام ، وقال : يا فلان أوقفني موقف الموت .

يقول الأمير : فنقلته إلى مقابلة العدو ، وهم منحدرون كالسيل ، تلوح أسلحتهم تحت الغبار ، ثم قلت : ياسيدي هذا موقف الموت ، وهذا العدو قد أقبل تحت الغبرة .

فرفع الشيخ طرفه إلى السماء ، وأشخص بصره ، وحرك شفتيه طويلاً يدعو ربه ، ثم التحم بالتتار .

وفي الثاني من رمضان التقت جيوش الإسلام المصرية والشامية في مرج الصُّفَّر وطلبوا من أهل دمشق حماية الأسوار وحفظ الأمن ، ثم أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية بالفطر مدة القتال ، وكان يدور على الأمراء والجند ومعه شيء يأكل منه ، ليعلموا أنه مفطر .

علم التتار باجتماع الجيوش الإسلامية ، فانحرفوا عن دمشق واتجهوا إلى مرج الصفر ، وضج المسلمون بالدعاء في المساجد والتراويح ، وكان الخليفة والسلطان والقراء يمرون بين صفوف الجيش ، يشجعون الجند ، ويقرؤون آيات الجهاد والاستشهاد ، وكان الخليفة يقول : دافعوا عن دينكم وعن حريمكم .

ثم التقى الجيشان في موضع يقال له ( شَقْحَب ) وهو الطرف الشمالي من مرج الصفر فكانت المعركة تسمى معركة مرج الصفر  أو معركة شقحب .

ولما اقترب التتار ، التفت ابن تيمية إلى أحد أمراء الشام ، وقال : يا فلان أوقفني موقف الموت .

يقول الأمير : فنقلته إلى مقابلة العدو ، وهم منحدرون كالسيل ، تلوح أسلحتهم تحت الغبار ، ثم قلت : ياسيدي هذا موقف الموت ، وهذا العدو قد أقبل تحت الغبرة .

فرفع الشيخ طرفه إلى السماء ، وأشخص بصره ، وحرك شفتيه طويلاً يدعو ربه ، ثم التحم بالتتار .

و اشتد القتال ، واشتعل النزال ، واستبسل الأبطال ، ففر التتار إلى الجبال ، ثم أظلم الليل ، وحاصر المسلمون الجبال ، وقد امتلأت قلوب التتار بالرعب .

يقول الأمير الشامي : وإذا أنا بالشيخ ابن تيمية وأخيه يصيحان بأعلى صوتهما تحريضاً للقتال ، فقتل المسلمون التتار وأسروا منهم ، ولم يسلم منهم إلا القليل ، فهربوا والمسلمون وراءهم حتى بلغوا نهر الفرات ، فعبره بعضهم فهلكوا ، وسار آخرون على الشاطيء فانقطعوا وأسروا  .

وفي يوم الإثنين الرابع من رمضان ، دخل ابن تيمية وأصحابه دمشق فاستقبله الناس وفرحوا به ، ودعوا له ، وهنؤوه بما فتح الله على يديه من الخير للمسلمين .

وبهذه المعركة الحاسمة انحصر التتار ، واندفع شرهم عن بلاد الإسلام ، (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) .

20)  وقفة ( من الانكسار إلى الانتصار ) :

وبعد هذه الأحداث والملاحم التاريخية ، أقف وإياكم في ختام هذه المحاضرة ، وقفة هامة ، هي عصارة هذا الموضوع وخلاصته ، وقفة ( من الانكسار إلى الانتصار ) ، لماذا انكسرنا ؟ وكيف انتصرنا ؟ .

وأبدأ بالانكسار فأقول مستعيناً بالله :

1) انكسرنا لما عظمت الدنيا في نفوسنا ، وركنا إلى شهواتها وملذاتها ، وتركنا الجهاد في سبيل الله ، والتضحية لدين الله ، وأنى لأمةٍ أن تنتصر ، وأبناؤها بل كبارها ومنهم الخليفة العباسي مشغولون باللهو والطرب .

ولهذا عندما عجز أحفاد صلاح الدين الذين تربوا في القصور عن حمل لواء الجهاد ، قيض الله للأمة المماليك فنصر الله بهم دينه .

2) انكسرنا لما افترقنا إلى دويلات متنافرة ، فعادى الأخ أخاه ، وقتل أباه ، طمعاً في حطام الدنيا ، وكان التتار يحيطون ببلاد الإسلام ، بينما المسلمون يقاتل بعضهم بعضاً ، وينهب بعضهم بعضاً ، فأذاق الله بعضَنا بأس بعض ، وأُهدرت مقدرات الأمة في هذه الحروب الداخلية .

3) انكسرنا لما دب الضعف في الخلافة العباسية ، وأغلق الخلفاء على أنفسهم أبواب القصور ، ولم يأبهوا بما يجري للناس من الظلم على أيدي الأمراء والحاشية .

        لا يلامُ الذئبُ فــي عـدوانه      إن يـكُ الـراعي عـدوَّ الغنمِ

4) انكسرنا لما ارتفعت رايات المبتدعة من الرافضة والإسماعلية ، وتولى بعضهم المناصب الحساسة في الدولة ، فكانوا جنوداً مخلصين لأعدائنا من التتار والصليبيين ، ولا يزال مسلسل خياناتهم للأمة مستمراً إلى هذا الزمان ، ومع كل عدو من أعدائها .

                                فـزماناً  تهـوّدا              و زمـاناً تنـصراً

                                وسيصبو إلى المجو              س إنْ الشيخُ عُمِّرا

5) انكسرنا لما تكاسل العلماء عن أداء واجبهم في نصح الأمة ، والاهتمام بقضاياها ، والأخذ على يد الظالم ، وانطوى كثير منهم على نفسه ، ونسي الميثاق العظيم الذي أخذه الله على أهل العلم ، ورضي بعرض من الدنيا قليل .

قال الله تعالى : (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه ، والدار الآخرة خير للذين يتقون ، أفلا تعقلون).

6) انكسرنا عندما غفلنا عن أعدائنا ومخططاتهم ، وانخدعنا بشعاراتهم الزائفة ، وتشدقهم بدعاوى الأمان والسلام ، فكان التتار يعطون أهل البلاد الأمان اليوم ويغدرون بهم في الغد ، ثم يسيرون إلى  البلاد الأخرى فيصدقونهم ، فيفعل التتار بهم مثل ما فعلوا بإخوانهم .

7) انكسرنا بالخيانة ، عندما قام بعض بني جلدتنا بخيانة الأمة ، وفي بعض الأحداث كانت الأمة قاب قوسين أو أدنى من الانتصار ، فإذا بمسلسل الخيانات يقلب الموازين ، ويحطم ما بقي من قوة المسلمين .

لقد قام بعض الخونة بإرشاد التتار إلى العورات ومواطن الضعف في بغداد ، وقام آخرون بتسليم البلاد لأمراء التتار ، وقام آخرون بالتجسس لصالحهم ، وقام آخرون بمراسلة التتار وتحريضهم على إخوانهم ، وقام آخرون بتسليم إخوانهم المجاهدين إلى التتار ، خوفاً على أنفسهم من قاعدة (من لم يكن معنا فهو ضدنا) ، وتاجر بعض ملوك بني أيوب بقضية القدس وسلم بيت المقدس للصليبيين في مقابل الإبقاء على ملكه والقضاء على أخيه ، وقدم حاكم الموصل للتتار المدد والدعم اللوجستي كما يقال ، ثم وقف هو وجيشه مع التتار ضد إخوانه المسلمين .

8) انكسرنا عسكرياً بعد أن انكسرنا نفسياً ، فكان للحرب الإعلامية دور كبير في فشل المسلمين وهزيمتهم النفسية وأصبح المجتمع يردد ما يبثه الإعلام التتري من العبارات مثل : جيش التتار لا يهزم ، ليس هناك خيار سوى الاستسلام ... وكان لهذه الحرب النفسية أثر كبير في الإحباط المعنوي والانهيار الميداني .

ولهذا تقول بعض الدراسات الحديثة إن الحرب النفسية تفقد الجندي 90% من قوته .

9) انكسرنا عندما أُهمل الجيش المسلم ، ووُلِّـي عليه الخونة أمثالُ الوزير الرافضي ابنِ العلقمي ، الذي سرح الجيش وأهدر قوة الأمة التي أمر الله أن تعدها لأعدائها  ، فلما هجم التتار وحل البلاء بالمؤمنين ، انكشفت هذه القوة الهزيلة ، ولم تغن عنهم شيئاً ، وصدق الله (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)

وأما الانتصار فأقول وبالله التوفيق :             

1) انتصرنا لما نصرنا الله بالجهاد ذروة سنام الإسلام ، الجهاد في سبيل الله وحده بعيداً عن شعارات القومية والوطنية والعرقية ، لقد سمع الله صحية المظفر قطز وهو يصرخ ( وا إسلاماه ) ، فلما علم الله صدق النية أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده .

        مضى الإسلام فابك دماً عليه                 وما ينفي الجوى الدمع الغزير

                ولا تركن إلى سلم وجـاهد         عسى أن يجبر العظم الكسير

لقد كان التتار في عين جالوت يمتلكون تفوقاً ساحقاً في العدد ، والعدة ، والتجربة العملية ، والمعنويات العالية ، واختيار الأرض ، وسرعة الحركة ، وغيرها .

لكن الله قلب الموازين ، ونصر المؤمنين ، لما نصروا الله ، وصدقوا ما عاهدوا .

وحيثما قلنا الجهاد ، فإنما نعني به الجهاد المشروع ، المنضبط بالشروط والضوابط الشرعية ، المبني على تحقيق المصلحة العامة للأمة ، بعيداً عن الأفكار المنحرفة كالغلو في التكفير ، أو الاجتهادات الخاطئة التي تنقل المواجهة داخل بلاد المسلمين .

2) انتصرنا لما خَلُصت المقاصد ، وصحت العقائد ، وتعلقت قلوب المسلمين بالله وحده ، فلم يلوذوا بالحسين ، ولم يلتجؤوا إلى البدوي ، ولم يطوفوا بالقبور والمشاهد .

أما اليوم ، فيحق لعين الموحد أن تدمع ، حينما يرى الملايين من أبناء الأمة يسيرون على خطى أبي لهب ؟

فالتوحيد التوحيد يا أمة الإسلام ، علماً وعملاً وتصحيحاً ودعوة .

3) انتصرنا لما صنعنا الرجال ، وربينا الأمة والشباب تربيةً إيمانيةً علميةً جهادية ، فآتت هذه التربيةُ أكلَها بإذن ربها ، وأخرجت للأمة أبطال الميدان ، وفرسان الإيمان . قلوبهم واعية ، وعقولهم زاكية ، وهمتهم عالية ، وسيوفهم ماضية ، كنور الدين محمود وقطز وبيبرس وغيرِهم من الأبطال .

ولنا أن نتساءل .. من أين تخرج هؤلاء الأبطال ؟

دعونا نقف قليلاً مع هذه التربية التي كانت بحق مصنعاً للأبطال .

من محاسن الأيوبيين أنهم كانوا يجلبون الرقيق الترك من بلاد ماوراء النهر وأواسط آسيا فيعلمونهم ويدربونهم على القتال حتى يصبح الواحد منهم بطلاً لايشق له غبار .

دعونا نقف قليلاً مع شيء من هذه التربية التي يصنع من خلالها الأبطال .

يذكر المقريزي أن المملوك إذا أتي به إلى السوق اشتراه السلطان ، ثم يجعل هؤلاء المماليك في مجموعات ، وتسلم المجموعة إلى المختص بالكتابة فيتعلمون الكتابة ، ثم يعلمهم القرآن والأذكار والآداب ، فإذا شب المملوك أخذ شيئاً من الفقه ، فإذا بلغ بدأ في تعلم فنون الحرب من ركوب الخيل ، ورمي السهام ، واللعب بالرمح وغيرها .

وكان المملوك إذا اقترف ذنباً أو أساء أدباً عاقبه المعلم أو المدرب بالعقوبة الشديدة .

ثم يتخرج المملوك بعد هذه الدورة التدريبية الطويلة بطلاً مهاباً متأدباً بآداب الإسلام لا يجسر أحد أن يدنو منه ، ثم يعين على رتبة ، ويترقى بعدها إلى رتب أعلى حتى يصير أميراً من الأمراء .

يقول المقريزي : " فلذلك كانوا سادةً يدبرون الممالك ، وقادةً يجاهدون في سبيل الله ، وأهلَ سياسة يبالغون في إظهار الجميل ويردعون من جار أو تعدى " .

هكذا كان الأيوبيين وبعدهم المماليك يربون الأبطال ، ويصنعون الرجال ، لم يكونوا يربونهم على الأغاني والتمثليات ، ولا على المباريات ، ولا على البلوت والملهيات .. نعم .

لا بد من صـنع الرجال              ومثله صنع السلاح

وصنـاعة الأبطال علمٌ               قد دراه أولو الصلاح

لا يصنـع الأبطال إلا                                في مساجدنا الفساح

في روضة القـرآن في                 ظل الأحاديث الصحاح

من خان على الصلاة                  يخون حي على الكفاح

4) انتصرنا لما اتفق المسلمون ، واجتمع شملهم ، وتناسوا الخلافات فيما بينهم ، وتحرروا من مخلفات النزاع الشخصي ، فيعفو قطز عن بقية المماليك ، ويكرم بيبرس ويدفن الخلافات الشخصية في سبيل مصلحة الأمة ، ويستعطف السلطان قلاوون عدوه أميرَ الشام سنقر الأشقر للاتحاد ضد الأعداء ، فاشتد عُودهم ، وقويت شوكتهم ، وكانوا يداً واحدة ضد أعداء الله .

5) انتصرنا لما اتحدت كلمة أولي الأمر من الأمراء والعلماء فاشتد تماسك المجتمع ، ورضي الله عن الأمراء الذين كانوا يجلون العلماء ، وينزلونهم منازلهم ، ويصدرون عن رأيهم ، ورضي الله عن العلماء الذين صدعوا بكلمة الحق ، ورغبوا الناس في التضحية والجهاد ، فاجتمع السيف بالقرآن وكان النصر لأهل الإيمان .

6) انتصرنا بالتضحية ، لما ضحينا بدنيانا في سبيل دنيننا ، فلم تلهنا الشهوات والملذات عن الاستجابة لأمر الله ، فها هو قطز وأمراؤه يتمثلون أمر العز بن عبد السلام فيحضرون الحلي والجواهر من قصورهم ، ليجهزوا بها الجيش المسلم .

نعم .. إذا لم نستطع أن نتغلب على شهواتنا ، فلا يمكن أن ننتصر على أعدائنا ، وإذا لم نتحرر من أغلال الشياطين ، فلا يمكن أن نحرر فلسطين .

إن الانتصار على التتار استنزف الدماء والأشلاء والأموال ، ولا بد أن تربى الأمة على دفع ضريبة الانتصار ، كما دفعها سلف الأمة ، الذين وصفهم الله بالتضحية والإيثار فقال ( للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ، والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون )

7)   انتصرنا عندما نشرنا الدين والعلم والدعوة ، لما رفعنا راية الدين وأعلينا منزلته في نفوس الناس .

ولو نظرت في تراجم الأمراء الأيوبيين والمماليك - على ما كان فيهم من التقصير - تجد أنهم يتنافسون في نشر العلم وإقامة المدارس والأوقاف العلمية ، بل كان بعضهم يحضر مجالس العلماء ويسمع الحديث ويكرم أهله  .

إن روح التدينَ وانتشارَ العلم وإن كان من أعظم أسباب استقرار المجتمع في أوقات الرخاء ، فإنه أيضاً يبقى ذخراً للأمة في الشدائد والأزمات .

8)   انتصرنا بالقدوة الحسنة ، لما رأى الناس علماءهم وأمراءهم يتقدمون أمامهم في التضحية والبذل لهذا الدين .

فلم تكن قدوات المجتمع حفنةً من المغنين أوالممثلين أو اللاعبين واللاهين .

9) انتصرنا.. بالسلاح المعطل .. الذي هو أشد فتكاً من القنابل الذرية ، والصواريخ الجوية .. الدعاء الذي لا تصمد أمامه أيُ قوة على وجه الأرض .

عندما كان الخطباء والمسلمون في عين جالوت ، يبتهلون إلى الله بالدعاء يوم الجمعة .. عندما كان قطز يصيح بين الصفوف : اللهم انصر عبدك قطز على التتار .. عندما كان ابن تيمية يرفع بصره ، ويناجى ربه .. فاستجاب لهم ربهم ، ونصرهم على عدوهم .

وختاماً .. إنه وإن تسلط الأعداء ، واشتد البلاء ، وعظمت اللأواء ، فلله في كل زمان أوس وخزرج ، يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم .

هاهو العملاق النائم يستيقظ .. هاهو الإسلام ينتشر .. هاهي رايات الجهاد ترفرف رغم أنوف المجرمين .. هاهي بشائر النصر تلوح أمام الناظرين .. هاهم أسود الله في فلسطين والشيشان وكشمير وغيرها ينتصرون على حب الدنيا وكراهية الموت ، يجاهدون في سبيل الله ، ويرفعون لا إله إلا الله ، ويثبتون للعالم أن هذه الأمة لا تموت بحال ، ولا يضرها كيد الأنذال ، وأن رحمها ولودٌ بالأبطال .

        يا أيها الأسد الكواسر أبشروا         النصر لاح مع الصباح فكبروا

والانتصار لا بد له من انتصار .. (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) .. (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم ، يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصروكم ويثبت أقدامكم) .

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدمنا وانصرنا على القوم الكافرين .

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين .

اللهم أقم علم الجهاد وقمع أهل الشرك والفساد .

اللهم إنا نسألك عيش السعداء وموت الشهداء ومرافقة الأنبياء .

اللهم انصرنا على شهواتنا وانصرنا على أعدئنا .

اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان .

اللهم انصرهم في فلسطين وكشمير والشيشان وأفغانستان .

الله عليك بأعداء الدين اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك .

اللهم عليك باليهود والنصارى والمجوس والهندوس وسائر إعداء الدين .

اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم .

اللهم أصلح ولاة أمورنا وارزقهم البطانة الصالحة ، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك .

اللهم اجمع كلمتنا على الحق والدين ، برحمتك يا أرحم الراحمين .

والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

 المراجع :

1)         الكامل في التاريخ : ابن الأثير ، ط دار صادر بيروت

2)         البداية والنهاية : ابن كثير ، ط المكتبة التجارية مصطفى الباز

3)         التاريخ الإسلامي : محمود شاكر ، ط المكتب الإسلامي

4)         الجوهر الثمين في سير الخلفاء والملوك والسلاطين : ابن دقماق ، طبعة جامعة أم القرى

5)         رجال من التاريخ : علي الطنطاوي ، ط دار الفكر

6)         سقوط الدولة العباسية : د .سعد محمد حذيفة الغامدي ، دط

7)   حسن المناقب السرية المنتزعة من السيرة الظاهرية : شافع علي الكاتب ، تحقيق عبد العزيز الخويطر ، مطابع القوات المسلحة

8)         العز بن عبد السلام حياته وآثاره ومنهجه في التفسير : د عبد الله ابراهيم الوهيبي ، دط

9)         العقود الدرية في مناقب ابن تيمية : ابن عبد الهادي .