واشنطن تتنصل من مؤتمر أدجوار رود وتتجاهل اجتماع أربيل

 

 

 

 

بقلم :هارون محمد

 

إذا صح التقويم السياسي الذي خرج به الرئيس الامريكي جورج بوش حول مؤتمر (أدجوار رود ـ لندن) الذي عقدته أطراف عراقية معارضة محسوبة علي واشنطن منتصف كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي، فان هذا يعني انه لا حاجة الي تنظيم اجتماع للجنة المتابعة والتنسيق المنبثقة عن المؤتمر في أربيل بشمالي العراق.

فما دام انطباع الإدارة الامريكية عن مؤتمر أشرفت عليه ومولته بالكامل ـ ولا تصدقوا ادعاءات الأطراف الستة التي ادعت إنها تحملت تكاليفه ـ وبعثت بتسعة موفدين يتقدمهم سلمان خليل زاد وليس (زلماي أو زلمان) كما تكتبه وتلفظه وسائل الإعلام العربية، هو عدم الرضا عنه بسبب هيمنة ثلاثة أحزاب عليه (الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني والمجلس الأعلي للثورة الإسلامية بقيادة باقر الحكيم) فان اجتماع لجنة تفرعت عنه في منطقة يسيطر عليها واحد من تلك الاحزاب، لا معني له، وليست له أي قيمة، وستكون قراراته فارغة المحتوي والمضمون، كما هو الحال مع نتائج المؤتمر الأم أو الأب (لا فرق) وبالتالي فان تجشم أعضاء اللجنة أعباء السفر الي شمال العراق في ظل الموقف الامريكي الجديد لا ضرورة له، مع أن المعلومات تشير الي أن اكثر من نصف أعضاء اللجنة البالغ عددهم 75 عضواً، أعتذر عن التوجه الي اربيل وكل واحد منهم، له أسبابه الخاصة، واغلبها الخشية من الاعتبارات الأمنية في المدينة، والتحسب من استمرار هيمنة الحزبين الكرديين والشيعة المرتبطين بإيران، علي مجريات الاجتماع كما حدث في مؤتمر (أدجوار رود) اللندني.

ويبدو أن الرئيس بوش وفي رسالة الي حزبي البارزاني والطالباني ومجلس الحكيم والأطراف الثلاثة الأخيرة المتعاونة معهم (المؤتمر الوطني وحركة الوفاق والحركة الملكية) اقتصر اللقاء مع حاتم مخلص ورند الرحيم وكنعان مكية، والثلاثة حضروا مؤتمر لندن، وخاضوا في جدالات ساخنة مع الحزبين الكرديين والمجلس الأعلي بشكل خاص تمحورت علي طريقة عقد المؤتمر وتحفظهم علي كيفية اختيار المشاركين فيه، علي أسس طائفية وعنصرية انتقائية، وتهميش الأكثرية العربية التي تشكل خمسة وثمانين بالمئة من العراق أرضا وسكاناً، وتغييب ممثلي السنة العرب والاستعاضة عنهم بمجموعة بعضها ما يزال محسوباً علي النظام الحاكم، والبعض الآخر عليه ملاحظات والتباسات سياسية.

وواضح أن البيت الأبيض تعمد استقبال مخلص والرحيم ومكية، لان كل واحد منهم، له رؤيته الخاصة التي تختلف عن الآخر، في محاولة من الإدارة الامريكية للتعرف علي وجهات نظر متباينة، رغم ان الثلاثة يجمعهم قاسم مشترك يتمثل في رفضهم لمؤتمر لندن ونتائجه، كل من زاويته، وللمعلومات فان الثلاثة المذكورين في واقع الأمر، هم فريق كونداليزا رايس مسؤولة الأمن القومي التي تجتمع بهم دورياً وبانتظام، وتستمر بعض الجلسات ساعات طويلة وأحيانا يوماً أو يومين، ويبدو أن الرئيس بوش يعرف سلفاً خلفيات الثلاثة البيئة والاجتماعية ومنطلقاتهم الفكرية والسياسية، وبالتالي فهو يريد الاطلاع علي تنوع في الطروحات التي تتصل بالأزمة العراقية، ويرغب في معرفة الآراء السائدة عن قرب، خاصة وان مخلص ومكية ليسا علي انسجام سياسي، بل انهما يتعارضان في كثير من المواقف والرؤي، فيما تقف السيدة رند الرحيم في الوسط بينهما.

فالدكتور حاتم جاسم أمين مخلص، طبيب محترف في المستشفيات الامريكية منذ سنوات طويلة وينحدر من اسرة تكريتية سنية، يوصف عميدها مولود باشا مخلص، بانه باني حاضر مدينة تكريت وهي بالمناسبة ليست مسقط رأس الرئيس صدام حسين كما يخطئ الكثيرون، وانما هو مولود في قرية (العوجة) التي تقيم فيها العائلة التي ينتسب إليها صدام حسين، ويطلق عليها اسم (البو ناصر) والقرية تابعة ادارياً الي قضاء تكريت، مركز محافظة صلاح الدين حالياً، ولم يعرف عن الدكتور حاتم، نشاطاً سياسياً متميزا في السابق، علي الرغم من أن والده المحامي والدبلوماسي المرحوم جاسم مخلص كان من ابرز الناشطين في التيار القومي العربي بالعراق وقد قاده نشاطه وتصديه لسياسات الرئيس العراقي الي إعدامه مع أحد قادة حزب الوحدة الاشتراكي، الحكيم راجي عباس التكريتي في نهاية 1993.

ويبدو أن إعدام والده بطريقة وحشية، دفعت الدكتور حاتم الي خوض غمار العمل السياسي معارضاً، ومتحالفاً مع اللواء حسن النقيب العسكري القديم، وتشكيل حركة أطلق عليها اسم (الحركة الوطنية العراقية) حظيت باهتمام الدوائر الامريكية التي ساعدتها وشجعتها، لغرض التوازن السياسي باعتبارها حركة سنية عربية تفتقر إليها المعارضة العراقية الموالية للخط الامريكي.

أما كنعان مكية فهو سليل اسرة شيعية نجفية، ابرز من خرج منها المعماري الشهير والد كنعان، المهندس محمد مكية صاحب الاهتمامات الفنية والثقافية ومؤسس ديوان الكوفة في لندن، وكان كنعان في بواكير شبابه، يسارياً مأخوذاً بتجارب الكفاح المسلح التي سادت في الستينات من القرن الماضي، وقادته اهتماماته الثورية للانتماء بالجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين في لبنان، مع مجموعة من الشباب العراقيين الذين كانوا يوصفون بأنهم يسار الماركسية، لم يبق منهم في صفوف الجبهة غير قيس السامرائي (أبو ليلي) الذي وصل الي مرتبة الأمين العام المساعد فيها، ونائباً لرئيسها نايف حواتمة.

غير أن الانعطافة الكبيرة في حياة كنعان مكية، ظهرت في أوائل السبعينات، عندما هاجر الي الولايات المتحدة الامريكية محبطاً من التجربة الفلسطينية، وهناك حدث تغيير كبير في آرائه ووجهات نظره، وانخرط بالدراسة والعمل في مراكز البحث والدراسات الامريكية وظهر له كتاب (جمهورية الخوف) في أواخر الثمانينات، أثار ضجة واسعة في الأوساط السياسية في العراق والعالم، رغم انه صدر باسم مستعار (سمير الخليل) وهو ما أعتبر نقطة سلبية سجلت عليه، خصوصاً وانه اعترف باللجوء الي هذا الاسم، خوفاً من ملاحقات النظام الحاكم في العراق، الأمر الذي أفقد الكتاب بعض مصداقيته.

غير أن التحول الكبير في مسار كنعان الفكري والسياسي، جاء في التسعينات، عندما ظهرت له آراء في الشأن العراقي تتسم بالقطرية الضيقة، واعتبار العراق بلدا بلا جذور، وليست له هوية عربية، وهو يدعو الي تبني العلمانية بالمطلق، ويعتقد أن الحفاظ علي الإرث العربي والتراث الإسلامي لبلد يشكل فيه العرب الأكثرية، وتدين أغلبيته الساحقة بالإسلام، مسألة جانبية وليست أساسية، ويطالب بتقويض كل التيارات والأحزاب والجماعات التي ظهرت في العراق باعتبارها بالية في نظره، ويقترح تأليف كتل من المثقفين الذين تشكل وعيهم في دول الغرب، وانسلخوا عن بلدهم وجذورهم وثقافاتهم وانتماءاتهم القومية، لقيادة عراق المستقبل، وهذا ما وضح من خلال حديثه أمام الرئيس الامريكي، عندما أكد أن العراقيين في الخارج، هم اكثر قدرة علي تأسيس نظام علماني ليبرالي ديمقراطي في العراق، وهو بهذا يختلف تماماً عن رؤية حاتم مخلص الذي أوضح أن عراقيي الداخل، هم اكثر معرفة بتعقيدات الوضع في بلدهم، خصوصاً وانهم صمدوا وضحوا وعانوا، وبالتالي فان الاعتماد عليهم هو المطلوب في المرحلة المقبلة، لتجنب أي خلاف بينهم، وبين عراقيين الخارج.

واستناداً الي المعلومات المتسربة عن اجتماع بوش مع الثلاثة، فان الرئيس الامريكي بدأ ميالاً الي طروحات حاتم مخلص، لواقعيتها من ناحية، ولأنها تتوافق مع التوجهات الامريكية بخصوص عملية التغيير في العراق من ناحية ثانية، وقد برزت هذه التوجهات بشكل واضح وجلي في حديث لنائب وزير الدفاع الامريكي بول ولفوتنز مع مجموعة من قادة المعارضة من بينهم ممثلو الأطراف الستة، عقد في لندن، في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وجاء فيه انه حذر المجتمعين من إقدام مؤتمر (أدجوار رود) الذي كان يجري التحضير له وقتئذ من بحث مسألتين، هما: الفيدرالية التي يطالب بها البارزاني والطالباني ويؤيدها باقر الحكيم، وبنسبة اقل احمد الجلبي واياد علاوي والشريف علي.

والمسألة الثانية التي شدد المسؤول الامريكي الذي يعد من صقور واشنطن في التعاطي مع الأزمة العراقية، موضوع تشكيل حكومــــة مؤقتة أو انتقالية، كان بعض أطراف المؤتمر يدعو إليهــــا، وممــــا قاله وولفوتنز، انه قد يتزامن مع الهجوم الامريكي علي العراق، حدوث عمل داخلي (يقصد إنقلابا عسكريا) لذا فان الاستحقاقات السياسية ستكون حصرا، من حصة من قام به، متسائلاً في سخرية، هل من المعقول أن يستورد أهل الداخل إذا نجحوا في مهمتهم، حكومة مـــن لندن؟

وفي المحصلة فان اجتماع بوش مع مخلص ومكية ورند الرحيم في الوقت الذي يزور عدد من أقطاب المعارضة أمثال احمد الجلبي واياد علاوي وبرهم صالح واشنطن، حدث سياسي كبير ـ شئنا ذلك أم أبينا ـ في تاريخ علاقة المعارضة العراقية مع واشنطن، وهو أمر ستكون له تطورات وتداعيات علي مجمل أطراف المعارضة التقليدية، مع الأخذ بالاعتبار، أن مكية أقرب في توجهاته الي الجلبي زعيم المؤتمر الوطني، خصوصاً وان الاجتماع خلا من حضور ممثلين عن الأطراف الكردية والإسلامية (الشيعية) وهذا وحده مؤشر يؤكد أن الإدارة الامريكية ليست في وارد الاستمرار بتعاونها مع الأكراد والشيعة المرتبطين بايران، ويعني ذلك إنها لن تكون معنية باجتماع اربيل إذا عقد، وما يسفر عنه من توصيات وقرارات، وهي التي تدرك مسبقاً، أن حزب البارزاني ومجلس الحكيم تحديداً، يسعيان الي إدارته وتسييره وفق رغباتهما، وتهميش الآخرين، كما حصل في مؤتمر لندن.