امريكا لا تريد عراقا آمنا وهذا هو الدليل:

شهادة عيانية من داخل معسكرات الأعتقال الامريكية في العراق

 

 

بقلم :د. أكرم عبدالرزاق المشهداني

 

عقب غزو بغداد، في التاسع من نيسان (أبريل) 2003 ، تعرضت بغداد وسائر المدن العراقية الي فوضي أمنية شاملة، ولم تكلف قوات الغزو نفسها عناء حفظ الأمن والنظام، بل ساهمت في تفاقم الوضع الأمني من خلال سكوتها، بل تحريضها علي أفعال النهب والسلب في المدن، عدا قطاع وزارة النفط الذي كان موضع حمايتها لمقاصد واضحة ، ومنعت قوات الإحتلال أجهزة الشرطة العراقية عن أداء واجباتها في حماية الأمن وتطبيق القانون وذلك من خلال اطلاق النار عليها وتدمير مراكز الشرطة.

وازاء حالة التدهور الأمني وإنتشار الفوضي، تطوع عميد كلية الشرطة مع مجموعة من كبار ضباط الشرطة العراقية، وقابلوا الجنرال المتقاعد جي غارنر في قصر المؤتمرات يومي 29 و31/4/2003 بحضور معاونه البريطاني (ماكلينين)، ومفتش الداخلية الأقدم الأمريكي (بوب غيفورد)، ومساعده البريطاني (فيليب هول)، وكان محور اللقاء هو سبل إعادة الأمن للشارع العراقي، وكيفية إعادة الشرطة الي مقار عملها لتمارس دورها في حفظ الأمن. وقامت المجموعة بإفهام غارنر أن جهاز الشرطة العراقي هو جهاز عريق، معني بتطبيق القانون وحفظ الأمن، وأنه إذا كانت قوات الأحتلال حريصة علي أمن العراق فلابد لها من دعوة رجال الشرطة العراقية للألتحاق بمقار عملهم لمباشرة واجباتهم المعتادة في حفظ الأمن، ومنع تفاقم الوضع الأمني، وفعلا تم توجيه نداء الي الشرطة العراقية للعودة الي واجباتها في حفظ الأمن والالتحاق بمقار أعمالها المعتادة بدءا من يوم الأحد 4/5/2003، وأذيع النداء من خلال وسائل الإعلام المتاحة ولقي إرتياحا وطمأنينة من قبل رجال الشرطة الذين عادوا لممارسة واجباتهم المعتادة تدريجيا، علي الرغم من حالة الدمار التي لحقت بمباني ومستلزمات مراكز ودوائر الشرطة بفعل أحداث ما بعد غزو بغداد في 9/4/2003.

التحقنا بالموعد المحدد 4/5 وبدأنا في إعادة ترتيب أوضاع الكلية رغم حالة الدمار والتخريب الذي لحق بمنشآتها، وبناء علي طلب المفتش الأقدم للوزارة الأمريكي (بوب غيفورد) ومساعده البريطاني (فيليب هول)، تم تهيئة مكتبين لهما في الكلية مجاورين لمكتب عميد الكلية، لكون الكلية أتخذت مقراً لقيادة العمليات المشتركة بين قوات الإئتلاف والشرطة العراقية، كما أن قوات الشرطة العسكرية الأميركية (أم بي) كانت قد حولت ساحة الكلية الي مستودع لحفظ الأمانات والمبرزات الجرمية وبخاصة السيارات والآلات والمعدات المسروقة المضبوطة، وكانت هناك مجموعة من عناصر الشرطة المطرودة في زمن النظام السابق (لأسباب لا صلة لها بمعارضة النظام وإنما لأسباب تتعلق بالفساد الإداري) قد عادت وفرضت نفسها تحت ذريعة حراسة الكلية، ولكنها في الواقع كانت تمارس اعمالا غير مشروعة بالتصرف غير القانوني بالسيارات والمعدات المودعة في ساحات الكلية، وبمشاركة عدد من الضباط الأميركان السيئين ابرزهم (النقيب كروز) الذي كان متورطا معهم في هذه الأفعال لقاء منافع مختلفة. كانت سلطة الأورها (إعادة إعمار العراق) التي يرأسها جاي غارنر قد نسبت أثنين من الخبراء في شؤون التدريب هما كل من الأمريكي (جون مايكل) والبريطاني (جاستن ديفيز) للعمل معنا بصدد إعادة تأهيل الكلية ومعاودة نشاط تدريب الطلاب، فضلا عن فتح دورات لضباط الشرطة العراقية، وفعلا تم عقد لقائين مع الخبيرين وفي اللقاء الثالث طلب الخبير جون مايكل عقد لقاء موسع يحضره أعضاء هيئة تدريس وتدريب الكلية كافة، وجميعهم من حملة الشهادات العليا، للتباحث حول مناهج الدراسة والتدريب في الكلية، وحدد الساعة العاشرة من صباح يوم السبت 31/5/2003موعدا للأجتماع في مكتب عميد كلية الشرطة.

وفي اليوم المعين، وبينما كنت جالسا في مكتبي ومعي أعضاء هيئة تدريس وتدريب الكلية، بإنتظار حضور الخبير الأميركي جون مايكل بالموعد المتفق عليه فوجئنا بقوة مداهمة أميركية برئاسة الكولونيل(جيم ستيل) ومعه (النقيب كروز) ونقيب شرطة أميركي من أصل عراقي يدعي (نعمان شبر)، وعدد من ضباط وجنود الـ(أم بي)، حيث أعتقلونا وقيدوا أيدينا وسحبوا هوياتنا الوظيفية وأقتادونا الي حافلة كانت مخصصة لنقلنا الي معتقل أسري الحرب في مطار بغداد، وقبل تحرك الحافلة حضر الخبير الأمريكي (جون مايكل) وعبثا حاول التحدث مع قوة الأعتقال لأفهامهم أنه هو الذي طلب عقد هذا الإجتماع، ولكن لم يستمع لكلامه، وتحرك بنا الباص بإتجاه المعتقل، وكان آمر قوة الأعتقال التي رافقتنا الي المطار النقيب الأميركي (كروز) رأس المؤامرة، الذي خاطبنا بالحرف الواحد (أنتم جميعا مقبوض عليكم بتهمة التآمرضد قوات الائتلاف والعمل لإعادة تنظيم حزب البعث المنحل، وسوف تبقون معتقلين الي نتيجة التحقيقات التي تجريها الأستخبارات العسكرية الأمريكية معكم، ومهما تكن النتائج فإنكم لا مجال لعودتكم ثانية الي كلية الشرطة)، وقد تبين أن أمرا قد صدر بتوقيع آمر قوة الأعتقال جيم ستيل بطردنا من الخدمة نهائيا وعدم صرف رواتبنا للأشهر السابقة واللاحقة.

 

صورة الوضع في مخيمات الإعتقال

 

تم نقلنا مكبلين بالقيود ومعصوبي العيون الي معسكر أسري الحرب في مطار بغداد ثم تم نقلنا مقيدين الي معسكر أسري الحرب في أم قصر، ومن ثم إعادتنا الي معسكر المطار لحين إطلاق سراحنا بعد 42 يوما من الأعتقال وسط ظروف غير إنسانية. وكانت المعاملة قاسية وشديدة والطعام غير جيد وغير كاف والماء شحيح و ساخن وغير نظيف، مما أدي لتدهور وضعنا الصحي، كما لم تكن تتوفر مرافق صحية لائقة صحيا بل هي عبارة عن حفرة في الأرض وضعت عليها قطعة خشب محفورة من الوسط، وكان تعامل الجنود مع المعتقلين في منتهي الفظاظة والقسوة، ولم يسمح للصليب الأحمر بزيارتنا سوي مرة واحدة بعد أكثر من شهر من الإعتقال، وكانت الرعاية الصحية ضعيفة جدا، و لا يسمح للمواجهات مع العوائل ولا يسمح بطلب محامي أو شهود دفاع أو طلب وثائق ومستمسكات تفيد في براءتنا من التهم الموجهة، ولم يسمع حتي لطلبنا إستدعاء الخبير الأميركي جون مايكل للأستماع لشهادته بصدد الأجتماع، فضلا عن عدم وجود لائحة إتهام واضحة ومقنعة.

بوشر بإجراء التحقيق معنا حال وصولنا المطار ونحن مكبلين بالقيود، وبعدها تم إدخالنا المخيمات، وبعد أسبوع حضر آمر قوة الأعتقال (جيم ستيل) ومعه النقيب الأميركي (نعمان شبر)، الي المعتقل وباشر التحقيق معنا رغم أنه هو آمر قوة الأعتقال، وهو نفسه الذي وقع أمر طردنا من الخدمة قبل أن تظهر نتائج التحقيق، و ليس من المقبول قانونا في كل الشرائع أن تكون جهة القبض والأتهام هي ذاتها جهة التحقيق وجهة إصدار العقوبة بالطرد وحجب الرواتب والحرمان من أية حقوق وظيفية تقاعدية.

بعد أن إستمرت الأستخبارات العسكرية الأمريكية بالتحقيق معنا أطلق سراحنا بعد 42 من الإعتقال التعسفي تبين لهم عدم صحة التهمة وأننا أبرياء من هذه التهمة الكيدية الملفقة ضدنا بمشاركة من النقيب الأميركي (كروز) الذي علمنا لاحقا أنه قد استبعد من كلية الشرطة ونقل الي مكان آخر. تم إطلاق سراحنا جميعا وعددنا (15) ضابطا برتب متقدمة وجميعنا من حملة الشهادات العليا في القانون والأجتماع واللغة الأنكليزية وعلوم الشرطة، دون تزويدنا بما يؤيد براءتنا من التهمة الباطلة الكيدية الملفقة ضدنا.

 

المخالفات والأنتهاكات لحقوق الأنسان

التي تعرضنا لها في هذه القضية الملفقة

 

1. توجيه تهمة باطلة بناء علي إخبار كيدي كاذب لا أساس له من الصحة.

2.عدم السماح للمعتقلين بالدفاع أو طلب أدلة الدفاع من وثائق وشهود.

3.قيام نفس جهة القبض والأتهام بالتحقيق، وإستعجال النتائج وإصدار الأمر بالطرد دون إنتظار نتائج التحقيق.

4. المعاملة القاسية وعدم توفر أبسط مستلزمات الحياة الأنسانية في معتقل أسري الحرب في المطار وفي أم قصر.

5. تم خلطنا مع مجرمين إعتياديين ومنحرفين (سرقة وقتل ) دون الأخذ بنظر الأعتبار الشهادات والمواقع.

6.عدم رد إعتبارنا وإعادتنا للوظيفة أو إحالتنا علي التقاعد، في الأقل، بعد إطلاق سراحنا وثبوت براءتنا.

7. لم أكن أحمل صفة قيادية في حزب البعث.

8. تمت مصادرة هوياتنا الرسمية الوظيفية من قبل قوة الأعتقال دون وجه حق وعدم إعادتها لنا بعد إطلاق السراح.

9. عدم السماح لنا طيلة فترة الأعتقال (42 يوما) الأتصال بعوائلنا مما عمق من مأساة عوائلنا التي كانت تجهل مصيرنا لحين إطلاق سراحنا.

10. بعد إطلاق سراحنا أتيحت لي فرصة الأطلاع علي ما نشرته الصحف وما بثته وكالات الأنباء عن نبأ إعتقالنا وفقا للبيان الذي أصدرته قوات التحالف، وتصريحات بيرنارد كيرك المنسب لقيادة الشرطة العراقية آنذاك، فوجدت البيان مليئا بالمغالطات والأكاذيب، ووجدت التسرع والأتهام الباطل، وأدعاء كون الأجتماع كان خلية بعثية، وهو كلام عار من الصحة مطلقا، كما أن الخبر تضمن ( العثور علي وثائق حزبية خلال مداهمة الأجتماع)، وأنا أتحدي أن يقدم دليل واحد يثبت هذا الأدعاء إذ لم يعثر علي أية وثائق حزبية ولا يوجد أي دليل علي أن إجتماع هيئة تدريس الكلية هو إجتماع حزبي.

 

ملاحظات ومشاهدات

من معسكرات الأعتقال الأميركية

 

1. كان عدد المعتقلين كثيفا في معسكر أسري الحرب في المطار بحدود 5000 شخص، وعدد المعتقلين في أم قصر بحدود 12000 شخص من مختلف التهم والأصناف، بينهم عسكريون وموظفون وقياديون ووزراء، ومعهم مجرمون عاديون من المتهمين بالسرقات والقتول وشتي التهم، كما كان هناك أحداث، ونساء دون أي عزل أو تصنيف، فضلا عن الكثافة الأسكانية فالخيمة التي طاقتها الأستيعابية 12ـ16 كان يوضع فيها أكثر من 30 معتقلا.

2. كان المحققون في معسكرات الأسري من جنسيات مختلفة، لكن النسبة الأعظم أميركان من الأستخبارات العسكرية والمخابرات الأميركية وعدد من البريطانيين، ولوحظ وجودعدد كبير من الكويتيين ضباطا وصف ضباط، ويبدو ان بعضهم متطوع والآخرين منتدبين للعمل مع القوات الأميركية، وكان تعامل الكويتيين أكثر قسوة وخشونة من الأميركان، كما كان هناك جنود من جنسيات أخري مثل باكستانيين، وهنود، وإيرانيين، وعرب بصفة مترجمين من لبنان ومصر.

3. كان يمنع علي المعتقلين حلاقة الوجه او الرأس، وتقليم الأظافر مما زاد الحالة الصحية سوءا. فضلا عن منع التدخين لغير من يقومون بجمع النفايات والقمامة بواقع سيكارة واحدة في اليوم، وكان بعض الجنود الامريكان يقومون ببيع السيكارة الواحدة للأسري بسعر 750 دينارا للسيكارة الواحدة!

4. للجندي المسؤول عن حراسة خيمة الأسري كامل الصلاحيات في إساءة التصرف ومعاقبة المعتقلين بالحرمان من الماء، أو منع الذهاب الي المرافق الصحية، أو الحرمان من الطعام والذي كان سيئا بحيث أن الغالبية كانوا يعزفون عن تناول الطعام الذي يقدم في معسكر الأسر والذي يشمل قطعا من البسكويت الجاف.

5. تم منع ممثلي الصليب الاحمر او منظمة العفو او جمعيات حقوق الانسان من دخول المعتقل او مقابلة اي من المعتقلين سوي مرة واحدة مع الصليب الاحمر علي مدي 42 يوما.

تلك صورة واقعية دون رتوش، وما لم يذكر اكبر واكثر مما ذكر عن الحالة السيئة اللاإنسانية التي يعيشها المعتقلون في معسكرات الإعتقال الأميركية في العراق، سواء في المطار ام في ابي غريب ام في معتقل ام قصر علي الحدود العراقية الكويتية، وسوء المعاملة التي يلقونها من لدن القوات الأميركية التي تدعي أنها جاءت لحماية حقوق الأنسان!!

كما أن قصة كبار ضباط الشرطة العراقية وأكاديمية الشرطة العراقية، الذين تطوعوا مخلصين يدفعهم حب العراق ـ رغم معارضتهم للأحتلال ـ من أجل إنقاذ الحالة الأمنية العراقية في حدها ـ الجنائي في الأقل ـ نتيجة الفوضي التي أحدثها الغزو العدواني للعراق، لكن سلطة الأحتلال الأمريكية أثبتت أنها غير حريصة علي الأمن في العراق، ولاتريد للعناصر المخلصة أن تأخذ دورها في حماية العراق من الفوضي والخراب، وسمحت لعناصر فاسدة ان تتبوأ مواقع متقدمة تخدم اهداف وغايات قوات الاحتلال وأجندتها، وزجت بالعناصر المخلصة المحبة للعراق في غياهب السجون ومعسكرات الإعتقال سيئة الصيت وسط ظروف بالغة القسوة والسوء، ليثبت للعالم أن أميركا غير حريصة علي أمن ومستقبل العراق.

عميد أكاديمية الشرطة العراقية السابق