الغزو
التربوي في أروقة الأزهر
yehia_hashem@
hotmail .com
إذا كانت قعقعات سلاح الغزاة
أصبحت تفرض على حلفائها العلمانيين تسارعا محرجا في تجفيف منابع التعليم الديني في
البلاد الإسلامية فإن ذلك لا ينبغي أن ينسينا أن ما يجري اليوم مسبوق بحلقات بدأت
مع قعقعات الجيوش الاستعمارية منذ قرنين .
وهاهو الدكتور انكلهارد في
كتابه الذي ألفه عام 1882 للبحث في تطورات الدولة العثمانية منذ عهد السلطان محمود
الثاني –وقد كان المؤلف سفيرا لفرنسا
في تركيا وترجم الكتاب إلى التركية عام 1912-
هاهو يدعو – آنذاك -
إلى تقريب الهيئة الاجتماعية الإسلامية بالهيئة الاجتماعية المسيحية عن طريق تخليص
الدولة التركية من القوانين والحدود الشرعية مباشرة كما وقع في العالم المسيحي ،
أو من طريق غير مباشر ( بتفسير العقائد الأساسية تفسيرا موسعا ) والمؤلف
- أي السفير الفرنسي – يقرر في كتابه أن الحكومة كانت قد اختارت الحل
الثاني خوف الصدام مع مشاعر الشعب الجاهل المتعصب ) [1].
وما أشبه الليلة بالبارحة :
أليست هذه هي الخطة نفسها التي تلوكها
أفواه رجال الغزوة الصليبية الكبرى في الموجة الاستعمارية العصرية من سياسيين
وعسكريين و سماسرة الثقافة والحضارة ،بدأت منذ أكثر من قرن بنجاح مرة وإخفاق مرات ؟
ولا بد من أن نلتفت هنا إلى انتشار المدارس
الأجنبية في بلاد الإسلام ودورها في تحدي الإسلام ضمن هذه المعركة التربوية .
*****
ففي بداية القرن العشرين ومع خطوات
الاستعمار الفرنسي في الشام صرح القائد الفرنسي الجنرال بيير كليبر بقوله عن
المعاهد الفرنسية في لبنان : ( في بداية حرب عام 1914 – 1918 كان أكثر من اثنين
وخمسين ألف تلميذ يتلقون دروسهم في مدارسنا ، وكان من بين هؤلاء فتيان وفتيات
ينتمون إلى عائلات إسلامية عريقة ، مما جعل الجمعية المركزية السورية التي تألفت
في باريس تعلن عام 1917 أن جميع ميول السوريين وعواطفهم تتجه إلى فرنسا بعد أن
تعلموا لغتها وخبروها على مر الأجيال وتأكدوا من إخلاصها وتجردها !! )
ثم يقول ( إن كلية عنطورة في لبنان هي وسط ممتاز
للدعاية الفرنسية ) ويقول ( وإن مؤسساتنا تعمل دون ملل لتغذية النفوذ الفرنسي ،
مثل معهد الدراسات العبرية في القدس ومعهد الدراسات الإسلامية في القاهرة ،
والمدرسة الإكليريكية الدومينيكية في الموصل )
ثم يقول : ( إن انتشار لغتنا
وإشعاع ثقافتنا وأعمالنا الإنسانية ، وعظمة الأفكار والعبقرية الفرنسية هي الأعمال
المكملة لنا وسوف لا نهملها أبدا ) وهو كلام غني عن التعليق .
*****
وأما عن المدارس الإنجليزية فنكتفي بكلمة صريحة أيضا للورد لويد الذي
كان مندوبا ساميا لبريطانيا في مصر ، إذ يقول في خطبة ألقاها بكلية فكتوريا
بالإسكندرية سنة 1926 ( علينا أن نقوي كل ما لدينا من وسائل للتفاهم المتبادل بين
البريطايين والمصريين ، وقد كان هذا التفاهم المتبادل غاية اللورد كرومر من تأسيس
كلية فكتوريا بوجه عام ، ومن تأسيسها في الإسكندرية بوجه خاص .. وهي غاية أعتقد أن
الكلية تحققها … وليس من وسيلة لتوطيد هذه الرابطة أفعل من كلية تعلم الشباب من
مختلف الأجناس المبادئ البريطانية العليا ) .
ثم يذكر اللورد لويد أثر هذه المدرسة في
إبطال أثر ثورة 1919 في نفس أبنائها فيقول
: ( وقد بلغ من نجاح هذا العمل أن الحوادث التي حدثت في سنتي 1919 ، و1921 لم تؤثر
في علاقات الطلبة بعضهم ببعض فلم يحدث نفور ما ) .
ومما يدل على تخلخل انتماءات أبناء هذه المدارس قوله عنهم ( كل هؤلاء لا يمضي عليهم وقت طويل
حتى يتشبعوا بوجهة النظر البريطانية بفضل العشرة الوثيقة بين المعلمين
والتلاميذ ، فيصيروا قادرين أن يفهموا أساليبنا ويعطفوا عليها ، ومتى تسنى للجمهور
أن يعرف هذه الكلية أكثر مما عرف في الماضي ينتبه الوالدون إلى أن تعليم أولادهم
فيها ينمي فيهم من الشعور الإنجليزي ما يكون كافيا للتفاهم بين الشرقي والغربي ..
كما كانت الإسكندرية في أيام عظمتها في عهد البطالمة .. ) وهو كلام غني عن التعليق
أيضا ، وما عليك الآن إلا أن تستبدل
الأسماء الأمريكية بالأسماء الإنجليزية والفرنسية .
*****
أما عن التربص بالتعليم الأزهري فنستشهد بكلمة اللورد لويد أيضا التي جاءت عن الأزهر في
كتابه الذي ألفه عام 1933 :( إن التعليم الوطني عندما قدم الإنجليز إلى مصر كان في
قبضة الجامعة الأزهرية شديدة التمسك بالدين .. وكان الطلبة الذين يتخرجون في هذه
الجامعة يحملون قدرا عظيما من غرور التعصب الديني ، فلو أمكن تطوير الأزهر لكانت
هذه خطوة جليلة الخطر، ولكن إذا بدا أن مثل هذا الأمل غير متيسر تحقيقه فحينئذ
يصبح الأمل محصورا في التعليم اللاديني الذي ينافس الأزهر حتى يتاح له الانتشار
والنجاح ، وعند ذلك سوف يجد الأزهر نفسه أمام أحد أمرين : إما أن يتطور ، وإما
أن يموت ويختفي )
ثم يقول اللورد لويد بعد ذلك ( إن أهمية الأزهر بوصفه مركزا من مراكز
الدعاية المعادية لبريطانيا متعددة الإمكانات .. وقد أدرك الوطنيون ذلك فحاولوا
استغلاله لتأييد مآربهم وترتب على ذلك نمو المعارضة الشديدة لسيطرة الإنجليز على
التعليم !! ) [2]
ولقد بدأ استهداف التعليم الديني في الأزهر منذ بداية القرن العشرين
وفي هذا الشأن أبدى الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر آنذاك تخوفه في مقال حذر فيه
الحكومة من بعض مظاهر يمكن أن تجر مصر إلى العلمانية على مثال تركيا حيث قال :
( هناك جامعة مصرية – جامعة
القاهرة الآن – يأوي إليها شبان الإسلام التماسا للثقافة العصرية كما يقولون ، ثم
نرى من كبار أساتذتها من يقول في بعض تعاليمه " إن الدين في نظر العلم الحديث
ظاهرة كغيره من الظواهر الاجتماعية " وهناك لجنة ألفتها الحكومة لإصلاح
الأزهر ، من أعضائها رئيس تلك الجامعة المصرية ، أما تحديد الغرض من الإصلاح
المنشود فقد أعرب عنه أحد أساتذة الجامعة المصرية على صدر الأهرام حيث يقول "
إن الشكل الذي تواجهه اللجنة اليوم قد وجد في أوربا نفسها حين بدأت العلوم الحديثة
أو الروح الجديدة تنتشر فيها في أواخر القرون الوسطى ، وبداية العصر الحديث … كانت
السربون قديما أكبر كلية دينية ، ثم أخذت تغزوها العلوم الحديثة شيئا فشيئا حتى
انقلب نظامها الأول تدريجيا ، وحلت كلية الآداب محل الكلية الدينية "
إلى أن قال " فنحن الآن
بين أمرين : إما أن نكتفي بإنشاء كراسي للعلوم الدينية بالجامعة المصرية ، وإما أن
نجعل الأزهر كلية آداب ثانية ، فيجب العمل على إصلاح الأزهر ، والقضاء على روح
الجمود التي لا تزال في بعض نواحيه ) {
كلا الأمرين قد حدث }
هنا انتهى ما أشار إليه الشيخ محمد شاكر من تحركات تدعو إلى الخوف على الأزهر من خطط العلمانية إزاءه .[3]
*****
وجاء طه حسين فدعا في مقالاته وكتابه مستقبل الثقافة في مصر الصادر
عام ( 1938) إلى توحيد المرحلة الأولى من التعليم والتي تسبق التخصص وإنهاء
الثنائية المتمثلة في التعليم الأزهري والتعليم المدني ، ثم استأنف دعوته في بداية
ثورة 1952 في مصر ليدعو إلى تطوير الأزهر بعد إلغاء المحاكم الشرعية ، وسمى تطوير
الأزهر " الخطوة الثانية " حيث كانت الخطوة الأولى هي إلغاء المحاكم
الشرعية .
*****
ولقد تم التسارع في تطوير الأزهر من بعد في قانون تطوير الأزهر الذي
أصدر عام 1961 في عرض مفاجئ في منتصف الليل في جلسة أخيرة من دورة أخيرة لمجلس الأمة
، في عهد شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت ، ثم مرة أخرى بالقانون الصادر عام 1998 في
عهد شيخ الأزهر الشيخ محمد سيد
طنطاوي .وفي أثناء ذلك كانت الأصوات
العلمانية تتصاعد بين فينة وأخرى للإجهاز على ثنائية التعليم ، أو رباعيته في رأي
الدكتور حامد عمار ، في رسالته إلى أحمد بهاء الدين .[4]، والمقصود التخلص من
التعليم الديني بالأزهر .
*****
ولابد هنا من إشارات سريعة إلى ما حصل أخيرا للتربية الإسلامية في
المدارس العلمانية تحت نفس العنوان ، وما حصل من قبل من علمنة لجامعة الزيتونة
بتونس ، وانتشار الجامعات الأمريكية في مختلف البلاد الإسلامية .
يقول المنصر جورج بيترز (
إنه لحقيقة تاريخية أن مئات المدارس القروية وعديد من الكليات قد فتحت الأبواب إلى
عالم جديد لآلاف الناس ، ومكنتهم من قراءة الإنجيل ، والأدب النصراني ، وهذه
الكليات التي كانت وما زالت مراكز لتأثير عظيم في الشرق الأوسط والأدنى هي كلية
روبرت باستانبول ، والجامعة الأمريكية في بيروت ، والجامعة الأمريكية في القاهرة )
[5]، وقد تبع ذلك انتشار هذه
الجامعات بكثافة شديدة في السنوات العشرة الأخيرة في مدن الخليج العربي .
*****
وتقدم الأستاذة الدكتورة بنت
الشاطئ النظرة التاريخية في دراستها
القيمة المنشورة بجريدة الأهرام بتاريخ 4\2\1993 تحت عنوان " جيل الشتات
الفكري والثقافي " : النهضة التعليمية
في مصر منذ بداية القرن التاسع عشر ..
ثم تقول ( وأقترب من مناخنا الفكري المعاصر فأراه
قد استبدل الهيمنة الأمريكية على فكرنا وثقافتنا وتعليمنا بالغزو الفكري الأوربي
المستعمر ، بعد أن أدى دوره في إعداد جيل الشتات المتنافر ، يتصدر منه لمراكز
التوجيه الفكري ومنابر التنوير الثقافي -
للمرحلة ما بين قيام دولة بني إسرائيل وهزيمة الخامس من يونيو 1967 – من
برئوا من عقدة مقت آبائنا لفكر الفرنجة ورفضهم العنيد لأخلاقها وسلوكها ، ليبشروا
فينا بتنوير عصري يتنكر لشخصية أمته ويزدري بداوة عربيتنا ، وتخلف شرقيتنا ، وبؤس
تقاليدنا ، ويزهو بالانتماء إلى ثقافة الفرنجة ، والولاء لعالم جديد. )
ثم تتابع إعداد هذا الجيل من
منتصف القرن التاسع عشر ( في حضانة الاستعمار الأوربي ، المسخر لتحقيق مآرب
الصهيونية ، .. وكانت الأجيال من أبناء
الأمة في المشرق والمغرب قبل ذلك يتعلمون في المدرسة الإسلامية على منهج
واحد : كتابهم الأول القرآن ، يستفتحون به وعي إنسانيتهم الناطقة ،
ويمنحهم من نوره أول زاد من المعرفة والسلوك ، وبعد حفظه يتعلمون مبادئ العربية
والإسلام في كتب موحدة ، ثم يتجهون بعد هذه المرحلة الأساس إلى ماهم ميسرون له من
تخصص فروع العلم وميادين العمل ، وكان اتصال الشرق الإسلامي بثقافة الغرب ومدنيته
عن طريق بعثات من هؤلاء الطلاب الذين أتموا دراستهم في المدرسة الإسلامية الموحدة
، ورسخت جذورهم في بيئتهم الشرقية بما يحصنهم من التشويه والمسخ ) .
ثم تتحدث عن بداية النهضة في
مصر بالذات فتقول : ( طلاب البعثات العلمية الأولى على عهد محمد علي في النصف
الأول من القرن الماضي كانوا جميعا ممن تخرجوا في الأزهر الشريف ، وعادوا من أوربا
جنودا في كتائب اليقظة ، لا مبشرين بالانسلاخ الفكري من قوميتنا والولاء للفرنجة ،
ومنهم كان النظار والأساتذة بالمدارس العليا للألسن والطب والصيدلة ، والهندسة ،
والعلوم العسكرية ، والبحرية والزراعة والمساحة وسائر المدارس التي عمرت بها ديار
مصر في الوجه البحري والصعيد ، وفي عهده أنشئت مطبعة بولاق ، وطبعت بها مترجمات العلوم )
ثم تبين كيف كان الأمر العالي
الصادر بتشكيل المجلس العالي للتعليم في عهد محمد علي 1834 م يدخل في عضويته اثنان من علماء الأزهر يرشحهما
شيخ الأزهر ، ثم تقول ( وانتصف القرن
الماضي [ التاسع عشر ] وليس في مصر غير مدارسها القومية ، ومدرسة واحدة لأبناء
الطائفة الأرمنية تابعة للبطريركية الأرثوذكسية وأربع مدارس لتعليم ذراري الجاليات
الأوربية بالقاهرة والإسكندرية) .
ثم تابعت ما طرأ على الموقع التعليمي ابتداء من
أيام سعيد باشا ( 1854) م بتأثير
الإرساليات الأمريكية والإيطالية ، وأنشئت مدارس ملية منها " مدرسة تلمود
" للطائفة الإسرائيلية بحارة اليهود بالقاهرة سنة 1861 م .
وفي عهد الخديوي إسماعيل ( 1863-1879) أنشئت اثنتا عشرة مدرسة أهلية في مقابل ثلاث
وأربعين مدرسة أجنبية للبنين والبنات مفتوحة للمسلمين ، وفتحت أول مدرسة أجنبية
بأسيوط للإرسالية الأمريكية ، ثم انتشرت في أنحاء القطر ، وفتحت أمام خريجيها
الوظائف .
وفي السنة الثانية من حكم الخديوي توفيق (
1879-1892 ) صدر أمره العالي بتشكيل (المجلس العالي بنظارة المعارف ) باشتراك عشرة
من السادة الأجانب ، وفتحت في عهده تسع
وثمانون مدرسة للإرساليات التبشيرية ، والبعثات العلمانية ، مقابل إحدى وثلاثين
مدرسة أهلية ، وسجل الإحصاء لسنة 1884 أن نسبة التلاميذ المصريين في المدارس
الأجنبية 52% ، ثم أدخل على المدارس
الوطنية تعديلات :
ففي التعليم الابتدائي قضي
بحذف حصص القرآن الكريم المقررة على السنتين الثالثة والرابعة ، وأن تكون دراسة
مادة " الأشياء " باللغة الأجنبية ، وفي الجغرافيا : حصة بالعربية وحصة
بالأجنبية . وفي المدارس الثانوية تقرر أن تعلم
العلوم الجاري تدريسها بالعربية بلغات أجنبية ، ويناط تدريس اللغات
الأجنبية بمدرس فرنسي أو إنجليزي !
أما عن الجامعة فتقول الدكتورة بنت الشاطئ ( وبقدر
ما حطت الرجعية بكل ثقلها على الجامعة الإسلامية حط الاستعمار بأشد وطأته على
جامعتنا الحديثة ، فكانت للأجانب على عهدي بها – والكلام للدكتورة بنت الشاطئ –
أكثر كراسي الأستاذية في كلية الحقوق التي يتخرج فيها رجال القضاء والسياسة
والتشريع ، وكلية الآداب التي تدرس شخصية الأمة في لغتها وآدابها وتاريخها
وفلسفتها وتراثها وآثارها ، وما تلقت وما تتلقى من روافد فكرية وثقافية شرقية
وغربية قديمة وحدبثة .)
ثم تقول : (
وظاهرت هذا الغزو لحصوننا الفكرية مؤسسات ثقافية أجنبية كمؤسسة فرانكلين
بأجهزة أعلامها المدربة وعصريتها الخلابة وخزائن مالها الغنية السخية ) .
*****
أما الآن وفي نهاية القرن العشرين وقبل نداءات أولى حروب القرن
الواحد والعشرين كتب الأستاذ محمد عبد الرحمن طبل من رجال التعليم والتربية في مصر
بمقاله بجريدة الشعب 7\2\1989 بعنوان ( عاجل جدا إلى السيد وزير التعليم ) يقول :
( تنتهج وزارة التربية والتعليم الآن نهجا لم تنتهجه منذ إنشائها ،
وتبتدع سياسة لم يستطع مستر دنلوب الذي هيمن على التعليم أيام الاستعمار الإنجليزي تطبيقها وتنفيذها ،
وهو الذي وضع في هذا المركز لينفذ مخططا استعماريا هدفه نشر الإنجليزية وإضعاف
اللغة العربية وصرفنا عن عقيدتنا ، والقضاء على هويتنا وإسدال الستار على تاريخنا
) .
واليوم
تنهار حصون الأزهر الباقية أمام سوأة الاختلاط
فتحت
عنوان ( لأول مرة: دراسة مختلطة بهندسة الأزهر
بأمر د. طنطاوي ) كتبت ماجدة أبو المجد بجريدة
آفاق عربية بالعدد بتاريخ 20\11\2003:
( أكد د. محمد حمودة - وكيل هندسة الأزهر بالقاهرة - أن الدراسة المختلطة بالكلية
لأول مرة هذا العام تمت بناءً علي أوامر صدرت من الدكتور سيد طنطاوي شيخ الأزهر .
جدير
بالذكر أن المجلس الأعلى للأزهر كان قد قرر منذ سنوات إنشاء كلية للهندسة خاصة
بفتيات الأزهر، ولم ير القرار طريقه نحو النور إلا هذا الأسبوع، وكان الجميع يأمل
أن يتم تخصيص مبني لهن بالحرم الجامعي الخاص بالفتيات إلا أن الجميع فوجئ
بالطالبات يحضرن مع الطلبة في مبني واحد وكلية واحدة وإدارة واحدة وعميد واحد،
وبلغ عددهن 190 طالبة، وتعتبر تلك هي المرة الأولي والوحيدة التي يتم فيها إدماج
الطلبة مع الطالبات في كلية بجامعة الأزهر.)
وتحت عنوان ( بأوامر أمريكية..شيخ الأزهر يفتح باب
الاختلاط في جامعته ) كتب مصطفي سليمان بجريدة الأسبوع بتاريخ 17\11\2003 ( لم يكتف
الدكتور محمد سيد طنطاوي منذ توليه منصب شيخ الأزهر بتطوير المناهج الدينية
الأزهرية وفق تعاليم الإدارة الأمريكية وتقليص سنوات الدراسة الثانوية به من 4 إلي
3 سنوات، الأمر الذي ترتب عليه إلغاء معظم المواد الشرعية وتقليصها إلي أقل قدر
ممكن بل وصل الأمر إلي حد لا يمكن السكوت عليه.
وفي خطوة جريئة وسابقة هي الأولي من نوعها قرر شيخ الأزهر فتح باب الاختلاط بين
طلبة جامعة الأزهر والطالبات في مدرج واحد وفي كلية واحدة، ذلك القرار الذي يعد
إن لم يكن تخريبا لتقاليد الأزهر قرارا نشتم من رائحته بداية لإلغاء الأزهر
نهائيا وفقده لخصوصيته وأساسه الذي نشأ عليه. ويبدو أن شيخ الأزهر تنفيذا لبرامج
الإدارة الأمريكية في تطوير التعليم الديني بمصر والشرق الأوسط قد استجاب للضغوط
الأمريكية في هذا الصدد.
.. ويقضي نظام الجامعة ولائحة الأزهر بأن تخصص كليات للبنين وكليات للبنات كل في
مبني منفصل عن الآخر منعا للاختلاط وفق قانون الأزهر ولكن شيخ الأزهر وأعوانه في
المجلس الأعلي للأزهر قرر أن تكون هناك شعبة للهندسة للبنات في كلية الهندسة
الخاصة للبنين وبالفعل تمت تلك الخطوة وبدأت الطالبات تقديم أوراقهن وتم تخصيص
مبني للبنات في كلية العلوم للبنين وبدأت الدراسة تنتظم ولكن لم يصلح هذا المبني
فقرر المجلس الأعلي للأزهر برئاسة شيخ الأزهر أن تدرس الطالبات في مبني كلية
الهندسة للبنين ونص قرار المجلس الأعلي للأزهر أن يتم الفصل بين الطالبات والطلاب
داخل المدرج بحيث ينقسم المدرج لنصفين نصف للبنين ونصف للبنات علي ألا تدخل
الطالبات مبني الكلية من الحرم الجامعي للبنين بل من باب آخر ولكن هذه الخطوة لم تمنع من الاختلاط ( بالطبع ) . ففي نهاية
الأمر يجتمع البنون والبنات في مبني واحد وهو أمر جديد علي الطلاب والطالبات أيضا
وقد أغضبت تلك الخطوة معظم الطلاب داخل الجامعة، حيث اعتصم الطلاب احتجاجا علي هذا
الإجراء وخرجوا في مظاهرات سلمية طافت أرجاء جامعة الأزهر
أما أن هذا الإجراء يعتبر
اعتداء على قانونية العلاقة بين الأزهر وأولياء أمور الطلاب والطالبات فينشأ من
كون أولياء الأمور عندما ألحقوا
أولادهم بجامعته فقد كانوا على يقين من
أنها بعيدة عن مظنة الاختلاط ومفاسده ، فأصبح ذلك كالعقد القانوني بينهم وبينها ،
واصبح حقا عرفيا مكتسبا لمدى القرون ، ولهم كافة الحقوق لمقاضاتها أمام المحاكم
وطلب التعويض لإخلالها به .
وأما أن هذا الإجراء يمثل
مفسدة أخلاقية بمباركة ممن اصدروا القرار ونفذوه
فيعبر عن ذلك الأستاذ الدكتور العجمي الدمنهوري رئيس جبهة علماء الأزهر في
تعليقه علي هذا القرار بجريدة الأسبوع : ( أنه مفسدة للأزهر والشباب ولا ينبغي أن
يحدث ولا يرضي به الأزهريون وقال: 'إنهم يعتقدون أن جلوس الفتاة بجوار الشاب في
الجامعة يحفزه علي التقدم لكن الواقع الذي نحياه يخالف ذلك فأي تقدم في انتشار
الزواج العرفي بسبب هذا الاختلاط والمرافقة وانتشار الرذيلة بين الشباب والفتيات
؟!إن كل ما يحدث من انهيار أخلاقي وانحرافات جنسية يدحض أقاويل التقدم والتحضر
التي يدعونا إليها الغرب في ظل هذه الظروف والأوضاع العالمية التي نعيشها .إننا
نطالب بعدم الاختلاط في كل جامعات مصر فإن يحدث هذا في جامعة الأزهر فهذا ضد
الإسلام وضد الأزهر.)
وأما أن هذا الإجراء يمثل
اعتداء على المجلس الأعلى للأزهر فهو مما يؤكده الأستاذ الدكتور عبد الفتاح الشيخ عضو
المجلس الأعلي للأزهر وهو يقول بجريدة الأسبوع :
أن المجلس عندما قرر إنشاء شعبة لهندسة البنات في جامعة الأزهر بناء علي
رغبة لمسناها في الشيخ كان شرطنا ألا يكون
هناك اختلاط بين البنين والبنات وإذا حدث تجاوز لهذا القرار فهذا شأن الجامعة ويجب
أن يعاد الأمر إلي طبيعته حتى لا نهين خصوصية الأزهر.
وأما أنه يعتبر اعتداء على
مجلس الجامعة واختراقا لمبدأ المؤسسية في الإدارة فضلا عن كونه تخريبا وتطبيعا علمانيا للأزهر فهو
ما يظهر من تعليق الأستاذ الدكتور مصطفي إمام علي هذا القرار قائلا: ( هذا الأمر
تكملة لتطوير الأزهر وتخريبه، بحيث يتحول الأزهر إلي جامعة مدنية وهذا أمر خطير
لأنه بذلك سينتفي الأداء الديني للأزهر والغريب أن قرار فتح باب الاختلاط بين
البنين والبنات لم يعرض علي مجلس الجامعة وعمداء الكليات أي أن القرار جاء
فوقيا وبتعليمات خارجية وذلك استكمالا للتدخل الأمريكي في شئوننا الداخلية وإلغاء
دور التعليم الأزهري والديني في مصر.) ![]()
![]()
![]()
إنه لمن الواضح أن
الاختلاط " في دور التربية هو مما فرضته النظم التربوية العلمانية في
المدارس والمعاهد والجامعات في بلادنا الإسلامية منذ وقت طويل ، وأن هذه إحدى
خطواته في التغلغل في الأزهر بهدف تحطيمه من الأساس .
وإنه لمن الواضح أيضا أن أمر الاختلاط بين الجنسين يبدو بعيدا
أو متطفلا على مجال التعليم ، ويبدو الإلحاح عليه ممن يفرضونه فرضا سلوكا غريبا أو
معيبا فضلا عن كونه وقحا وهداما
هذا
هو ما تحس به الفطرة السليمة عند عرض الموضوع للوهلة الأولى ، وهو ما تستقر عليه
بعد التأمل والتدبر.
أما ما بين هذا وذاك فإنك تستمع إلى دعاوى
براقة عن الكبت والعقد النفسية والتحرر والحداثة ، وكلها عناوين تأتي إلينا من
خارج الحمى الإسلامي .
إن
الأمر الذي لا شك فيه أن التربية الإسلامية تختلف مع النظريات العلمانية في هذا
المقام في أمرين رئيسيين :
أولهما
القيمة
العليا التي يقررها الإسلام للعفة والحصانة بين الجنسين .
هذا
هو السؤال الإسلامي لامتحان ما يحدث من الاختلاط في دور التعليم .
أين الضوابط ، أين التحشم بعدم كشف العورة ، تحريم الخلوة ،
غض البصر ، أين أصول الشريعة واجبة التطبيق في درء المفاسد مقدما على جلب المصالح
؟ أين سد الذرائع ؟ أين : مبدأ " الضرر يزال " ؟ أين : " الضرر
الأصغر لا يزال بضرر أكبر " ؟
وما
هي الأضرار ؟
إنها
أضرار خلقية لا تعترف الحضارة الغربية المعاصرة بأنها أضرار : في باب العفة ، والاحتجاز الجنسي ، وحفظ
العرض .وهي أضرار استشرت فعلا في الوسط الطلابي ، وكشفت عن شيء من ذلك دراسة حديثة
أجراها المجلس القومي للسكان وجامعة القاهرة والجامعة الأمريكية عن شيوع الزواج
السري بين الشباب وهو ما يسمي خطأ بالزواج العرفي!! وتقول الإحصاءات إن هناك 400
ألف حالة زواج سري بين الشباب المصري الذين تتراوح أعمارهم بين 18 إلي ثلاثين
عامًا! وأضافت الدراسة أن نسبة الزواج السري بين طلاب الجامعات المصرية يصل إلي
6%.
إن
الإسلام يرفع من قيمة العفة إلى الحد الذي نراه في تشريعاته حولها ، وإلى الحد
الذي يتصاعد إلى وضع عقوبة الرجم أو الجلد عند إهدارها بشكل معين .
بينما
النظريات العلمانية الحديثة تهدر هذه العفة تماما وتحرض على السلوك ضدها ، ولا تضع
عليها حظرا ولو ضئيلا ، إلا إذا اتصل الأمر بقيمة الحرية ، الحرية الشخصية التي
وصلت في المجتمع الغربي المعاصر إلى حد المناداة بحرية الجنس .
وعلى
افتراض أن بعض البيئات الأوربية لا تزال تعنى بجانب العفة تحت ما يسمى "
قواعد السلوك الحسن " فإنه يظل لوجهة النظر الإسلامية استقلالها وتميزها
وأهميتها وقانونيتها الخاصة بالنسبة للموضوع ، ونستشهد في هذا المقام بكلمة
للمستشرق الفرنسي المعاصر مارسيل بوازار إذ يقول ( إن بعض قواعد السلوك الحسن التي قد لا تكون في
الفلسفة الأوربية سوى أخلاق اجتماعية تتخذ في المفهوم الإسلامي طابعا قانونيا ..
وهذا الجمع المحكم بين القانون والخلق يؤكد قوة النظام منذ البداية .. ) [6]
هذا
فارق أساسي لا يترك فرصة لقاء بين التربية الإسلامية والتربويات العلمانية في
مسألة الاختلاط . فما بالك عندما ينتقل الوباء إلى الأزهر تحت سمع وبصر رجاله
الساكتين وبأيدي شيخه المبين ؟
الأمر
الثاني
: في هذا المقام فإن التربية الإسلامية تعني بأسلوب الوقاية الحذرة البصيرة قبل
أسلوب الردع أو العقاب . ومن هنا يبدأ
الإسلام بسد الذرائع التي يمكن اتخاذها لإهدار قيمة العفة وهي كما قلنا قيمة عليا
كما نعرف ويعرف الأزهر شيخا وشيوخا .
وسد
الذرائع يبدأ هنا بمنع الاختلاط في دوْر المراهقة والشباب ، في مبيت الإخوة
بالمنزل ، ثم في دور العلم ، وبخاصة في المجتمعات الحديثة التي يتأخر فيها سن
الزواج .
وهذا
إجراء هيِّن ، اللهم إلا في مقياس الصراع الحضاري الذي كسبت فيه الحضارة الغربية
جولة كبرى بفرض نمطها على خصوصيات الحضارات الأخرى وأخيرا على خصوصيات محاريبهم .
وهو
– أي الفصل بين
الجنسين في دور التعليم - إجراء لا يمكن أن يكون على حساب العملية التربوية نفسها
. وإنما الأمر فيه على العكس ، إذ يصبح منع الاختلاط بين الفتيان والفتيات عاملا
من عوامل تنقية الجو لتلقي العلم ، بعيدا عن عوامل التشاغل والإغراء بالجنس ..
والكلام
عن الكبت مرفوض بالكلام عن انتشار نمط الأمهات غير المتزوجات ، والأطفال غير ذوي
الأسر ، والعلاقات الجنسية الحرة أو السرية في المجتمعات التي أسست لهذا النوع من
السلوك .
ولقد
أصبح من المتداول حاليا في الأوساط العلمانية نفسها بعض البحوث التربوية التي تشير
إلى الأضرار التربوية التعليمية الناشئة عن الاختلاط .
نستشهد
في هذا المقام بما وصلت إليه الباحثة الانجليزية جنيفر كوتس – وهي محاضر أول للغة
الإنجليزية وعلم اللغة بمعهد ريهامبتون بلندن .[7]
وقد
انتهت الباحثة في كتابها "النساء والرجال واللغة : تحليل لغوي واجتماعي
للفروق الجنسية في اللغة ، نشر نيويورك 1986 " إلى نتائج هامة عن اختلاف
أسلوبي الرجل والمرأة في تعلم اللغة ، والآثار المترتبة على ذلك ، وقد لخصت هذه
الآثار في نقطتين : سوء التفاهم بين الرجال والنساء نتيجة تبني كل طرف قواعد مختلفة
للمحادثة ، وتفسيره سلوك الطرف الآخر من وجهة نظره هو ، والمشكلات التي تثور في
الفصول الدراسية نتيجة اختلاف السلوك اللغوي لكل من الذكور والإناث .
وتقرر
الباحثة أن النتيجة السلبية لاختلاف الأسلوبين بين الذكر والأنثى تؤدي إلى إلحاق
الضرر بالإناث ، لأن أسلوبهن يؤدي بهن إلى التحول إلى جنس مسَيطَر عليه في
المجموعات المختلطة ، كما يؤدي إلى إلحاق الضرر بالذكور لأنهم يفتقدون عنصر
التنافس الذي تخمده طريقة المرأة في المحادثة .
وتأتي
معظم الأضرار من جملة أمور :
منها
قدرة الذكور التواصلية التي تفوق قدرة البنات على الرغم مما هو مشهور عنهن من
تقدمهن اللغوي ، فالذكور يعرفون بصورة أفضل متى يتكلمون ومتى يصمتون
ومنها حرص الذكور على لفت الأنظار إليهم في حين
تتابع الإناث كلام الذكور في صبر .
ومنها ميل الذكور إلى التفاخر والتظاهر باستسهال
الاختبارات الصعبة ، في حين أن البنات يظهرن القلق في أدائهن .
ومنها المشاركة الإيجابية من الذكور نحو الأسئلة
المطروحة ، إذ يتميزون بالنشاط ورفع الصوت وتقديم تخمينات أو فروض عديدة ، في حين
أن الإناث يستجبن بصورة سلبية .
ومنها
ميل الذكور – في المدارس الثانوية خاصة – إلى إظهار السخرية من الإناث أثناء
حديثهن أو تساؤلهن ، وإصدار همهمات الاستهزاء أو الاستنكار في حين أنه لم يعثر
الدارسون على أمثلة قامت فيها البنات بدور السخرية أو الاستنكار نحو الذكور .
وترى
الباحثة أن جزءا من اختلافات الجنس اللغوية يعود إلى أسلوب القهر الذي تتعرض له
الأنثى منذ الصغر ، كما ترى أن معظم هذه
الاختلافات يعود إلى اختلاف " الثقافة الفرعية " لكل جنس على حدة .
ونرى
من جهتنا أن أسلوب القهر الذي أشارت إليه الباحثة حسب تسميتها له يظل احتمالا قائما مشكوكا في قبوله للتغير ،
نظرا لرسوخه في جميع أطوار التجمعات البشرية ، كما يؤكد هذا البحث الذي تم إجراؤه
في بريطانيا ، كما نرى أنه ليس من المنطقي ولا من الممكن القفز فوق هذا الواقع -
المرتكز على أسلوب القهر الذي أشارت إليه - بالأخذ بنظام الاختلاط في مجتمعاتنا
الإسلامية لحساب وجهات نظر ما زالت تحقق نتائج سلبية ، من وجهة النظر التعيلمية والتربوية على الأقل
.
ويعلق الأستاذ الدكتور أحمد مختار عمر الذي لخص
هذه الدراسة بقوله عن هذا البحث : ( إنه يعد واحدا من أهم الدراسات التي تمت حول
هذا الموضوع ).
إن
البعض منا يكونون في بعض الأحيان علمانيين أكثر من آباء العلمانية أنفسهم – ويبدو أن بعض هؤلاء وصلوا منذ وقت إلى
مواقع القرار داخل الحرم الأزهري - : ففي الوقت الذي يحارب فيه الحجاب في المدارس
من بعض المسئولين ، وتمنع المتحجبات من ممارسة التعليم ، وفي هذا الوقت الذي يكاد
يتقزز فيه هؤلاء المسئولون تقززا عصبيا من بعث فكرة منع الاختلاط في الجامعة :
تأتي الأخبار من جامعة ميلز كوليدج في ولاية كاليفورنيا الأمريكية بعد معركة
أسبوعين من احتجاج الطالبات وأولياء أمورهن ضد الاختلاط ، بأن مجلس الجامعة هناك
قرر التراجع عن فتح أبواب الجامعة أمام الطلاب الذكور ، وأطلقت الطالبات هتافات
الفرح لدى إعلان رئيس مجلس إدارة الجامعة " وارن هيلمن " القرار ، وكانت
الطالبات قد قاطعن الدروس ، وجمعن خلال حملة الاحتجاج ثلاثة ملايين دولار للجامعة
لحل الصعوبات المالية التي كانت قد دعت الإدارة إلى قبول الطلاب الذكور ، وعندئذ
أعلن رئيس مجلس إدارة الجامعة ( لقد كسبنا جميعا ) : إلغاء الاختلاط واقتناص
الملايين !! [8].
أم
هل اضطرت جامعة الأزهر – وهي الأعلم بعدم انطباق وصف الاضطرار الشرعي على حالتها تلك 0-
إلى اتخاذ قرارها تحت شعورها بفقرها في الأماكن ، وتضييق الدولة عليها في البناء ؟
هذا ما يفهم مما أكده د. محمد حمودة – وكيل هندسة الأزهر بالقاهرة – أن الدراسة المختلطة بالكلية لأول مرة
هذا العام تمت بسبب ضعف الإمكانيات وأن هذا هو السبب الذي هو الذي جعل إدارة
الجامعة تقرر الحاق الطالبات بالكلية.
ذلكم
غير صحيح ، والدليل على ذلك ما نشرته جريدة آفاق عربية بالعدد 632 6
من نوفمبر 2003م تحت عنوان ماذا يحدث في
جامعة الأزهر، حيث تقول الجريدة ( لم يتوقف إهمال التعليم الديني علي
المعاهد الأزهرية، بل امتد للتعليم الجامعي حيث جامعة الأزهر أعرق الجامعات
الإسلامية.. فهناك كليات تم إنشاؤها
ولم يتم تشغيلها حتى الآن ومن أمثلتها كلية الدراسات الإسلامية والعربية ببني
سويف. وأيضًا نظيراتها بالفيوم والأقصر وكلية الدراسات الإسلامية واللغات الأجنبية
(بنات) بأسوان وكلية أصول الدين والدعوة الإسلامية بالسويس وكلية طب (بنين) بدمياط
وكليتا الدراسات الإسلامية والعربية (للبنين والبنات) بالشرقية. مما يثير الكثير
من علامات الاستفهام حول السبب وراء عدم استفادة جامعة بهذه الكليات التي تعد في
أحسن حالاتها لاستقبال الطلاب. ومعظم هذه الكليات صادر لها قرار بالتشغيل من
المجلس الأعلي للأزهر.
ومن العبث الذي قامت به إدارة جامعة الأزهر
تسليمها مباني فرع الجامعة بالمنيا بعد إنشائه علي أحدث طراز تعليمي وبعد صرف
الملايين عليه إلي جامعة المنيا ليصبح مقرًا لكلية الحاسب الآلي والهندسة
التطبيقية وذلك بالمخالفة للقوانين، حيث إن هذا الفرع صدر له قرار بالتشغيل من
المجلس الأعلي للأزهر في 1/12/2000 برقم 139 ولكن تقاعست إدارة الجامعة
عن تنفيذ هذا القرار. ويعد هذا التصرف مخالفًا للقانون رقم 103 لسنة 1961 الخاص
بتنظيم الأزهر حيث إن المادة 11 تعطي لإدارته حق التنفيذ للقرار بعد ستين يومًا من
إخطار الوزير به. وبالرغم من كم المخاطبات المستمرة من هيئة المجتمعات العمرانية
ومحافظة المنيا والتي تطالب فيها جامعة الأزهر بتسلم المبني الخاص بفرع المنيا..
تم سحب هذه المباني وضمها لجامعة المنيا بمباركة كاملة من إدارة الأزهر وكأن هذه
الكليات إرث خاص للقائمين علي إدارة الجامعة!!.
وفي مدينة السادات قامت إدارة الجامعة
بإغلاق مباني كليات الفرع وهي ثلاث كليات: كلية الدراسات الإسلامية والعربية بنين
وبنات، وكلية الزراعة الصحراوية، بالإضافة إلي مباني أقيمت لإنشاء مدينة جامعية..
بالرغم من قيام الدكتور أحمد عمر هاشم -رئيس الجامعة السابق- بافتتاحها بمرافقة
شيخ الأزهر منذ ست سنوات بعد أن جهزت بكل الوسائل التعليمية والإنشائية . ويأتي
إغلاق هذا الفرع بالرغم من صدور قرار من المجلس الأعلي للأزهر برقم 111 في
20/4/1996 ورقم 115 في 21/12/1996 بتشغيلها، وهكذا يظهر بوضوح أن جامعة الأزهر ضربت
بالقانون رقم 103 عرض الحائط. وقد أدي تقاعس إدارة الأزهر عن تشغيل هذه الكليات إلي مخاطبة هيئة
المجتمعات العمرانية ووزير الإسكان لرئيس جامعة الأزهر أكثر من مرة من أجل إنقاذ
فرع الجامعة بالسادات وحثهم علي سرعة التسلم خوفًا من تدهور حالة المباني والتي
تركت بدون صيانة لمدة سبع سنوات.
ويأتي هذا التصرف من جانب جامعة الأزهر في
الوقت الذي استغلت فيه جميع الجامعات المساحات المخصصة لهم مثل جامعة المنوفية
والجامعة الأمريكية, يضاف لما سبق أن مبني المركز الإسلامي للدعوة والدراسات
الإسلامية بمدينة السادات مازال خاويًا بالرغم من تسلم الأزهر له فعليًا منذ عام
1995 واكتفت الإدارة بفتحه لأغراض أداء الصلاة وإلقاء بعض المحاضرات المتفرقة فقط
لكن لم يتم استغلاله تعليميًا حتي الآن
وقد فرض الأمر نفسه علي لجنة التعليم بمجلس
الشعب عندما تقدم النائب الإخواني علي لبن باستجواب حول فرع السادات بجامعة الأزهر
وقامت اللجنة بزيارة الموقع علي الطبيعة في 24/12/2000 وفي 9/1/2002 وأكدت أن هناك
كليات مثل الزراعة الصحراوية الأزهرية وتكنولوجيا الزراعة الحديثة للبنين وباقي
الكليات سالفة الذكر في أحسن أحوالها لاستقبال الطلاب، كما وصف التقرير أن هناك
عمارات تم تخصيصها للإسكان الطلابي، وأيضًا أكدت اللجنة أن هناك مساحة 560 فدانًا
تم تخصيصها كمزرعة تشغيل هذه الكليات إلي مخاطبة هيئة المجتمعات العمرانية ووزير
الإسكان لرئيس جامعة
الأزهر
أكثر من مرة من أجل إنقاذ فرع الجامعة بالسادات وحثهم علي سرعة التسلم خوفًا من
تدهور حالة المباني والتي تركت بدون صيانة لمدة سبع سنوات.
ومن المهازل التي ارتكبتها إدارة جامعة
الأزهر وقوفها موقف المتفرج أمام عملية تسليم مباني مجمع الدعوة الإسلامية
بالإسماعيلية إلي وزارة التربية والتعليم ليكون مجمعًا تعليميًا بالرغم من أن هذه
المنشأة التي تحتوي علي 54 كيانًا تعليميًا تصلح لتكون فرعًا لجامعة الأزهر بمنطقة
القناة وقد أسسها بعض الإخوة الكويتيين لتكون نواة لمنشآت تعليمية دينية وأوقفوها
للدعوة الإسلامية ويأتي تصرف إدارة الجامعة الغريب في الوقت الذي تعاني فيه منطقة
القناة عدم وجود أي منشأة لجامعة الأزهر بها باستثناء فصول للفتيات ببورسعيد وذلك
بالرغم من وجود آلاف الطلاب الأزهريين بمنطقة القناة والذين تشتتوا علي كليات
الجامعة بمختلف المحافظات وهم في أمس الحاجة لهذا الفرع. ولم تتوقف فصول المهزلة
عند هذا الحد بل نجد أن محافظة الإسماعيلية قامت بتخصيص مساحة 25 فدانًا بالقنطرة
شرق لتعويض الجامعة عن المجمع سالف الذكر ولإنشاء مجموعة من الكليات عليه، إلا أن
إدارة الجامعة لم تحرك ساكنًا حتي الآن ولم تتخذ أي خطوات إيجابية نحو هذه المساحة
بالرغم من أن هذه المساحة مزودة بجميع المرافق.
وإذا انتقلنا إلي مستشفيات جامعة الأزهر
نجد أنه حكم عليها بالإعدام حيث تم إيقاف جميع أنواع التشطيب والإنشاءات
والتجهيزات الفنية مثل مستشفي الأزهر التعليمي منذ 14 عامًا ومستشفي أسيوط الأزهري
التعليمي منذ 8 سنوات، وفي هذا الشأن فجرت وكيلة وزارة التخطيط مفاجأة أمام لجنة
الشئون الدينية بمجلس الشعب والتي استجوبتها في سبب تأخر الميزانية لهذه المستشفيات
فأكدت أن الوزارة
خصصت العام الماضي 12 مليون جنيه لاستكمال تلك المباني وأن رئيس جامعة الأزهر تسلم
مليونين فقط منها ورد عشرة ملايين لعدم الحاجة إليها، مما جعل جميع أعضاء
اللجنة يتساءلون عن أسباب هذا التصرف الغريب وقد قامت اللجنة علي الفور باستدعاء
الدكتور أحمد عمر هاشم لاستجوابه حول هذا الأمر، ولكن لم يمثل!!.)
ومن نافلة القول أن هذه المهازل تمت قبل
تسلم رئيس الجامعة الجديد الأستاذ الدكتور
أحمد الطيب لعمله الذي نأمل أن يكون علاجها في أولوياته .
إنها علامات استفهام يمكن طرحها أمام المستشار الأمريكي لشئون
تطوير الأزهر وعنوانه القاهرة " إدارة الأزهر " إن كان هناك
[1] \ أنظر كتاب " موقف العقل " لشيخ الإسلام " مصطفى صبري " ج1 ص 81
[2] \ أنظر الاتجاهات الوطنية في
الأدب المعاصر للدكتور محمد محمد حسين ج 2
ص 285 ، 308 -309نقلا عن كتاب " القضية العربية في نظر الغرب " للجنرال
كايير ترجمة ميشال حجار ، ونقلا عن مجلة المقتطف عدد مايو 1926
[3] \ أنظر كتاب " دور الأزهر في السياسة المصرية للدكتور سعيد
إسماعيل نشر كتاب الهلال من ص 278- 279 ، 285- 290
[4] \ الأهرام 1\1\1989
[5] \ في بحثه بعنوان ( نظرة شاملة عن إرساليات التنصير العاملة وسط
المسلمين ) الذي ألقاه بمؤتمر تنصير المسلمين الذي عقد في مدينة جلين آيري بولاية
كولورادو في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1978 ، والمنشور ضمن الترجمة الكاملة
لأعمال هذا المؤتمر ، ونشرته دار MARC للنشر
[6] \ أنظر كتابه " إنسانية الإسلام " لمارسيل بوازار - ط دار الآداب ببيروت - 1980 ترجمة د عفيف
دمشقية ص 19
[7] \ نشر ملخص البحث بمجلة العلوم العربية للعلوم الإنسانية التي تصدر عن
جامعة الكويت ، العدد الواحد والثلاثون من ص 280-296 ضمن دراسة للأستاذ الدكتور
أحمد مختارعمر .
[8] \ جريدة الاتحاد بالإمارات 20
\5\1990