مذكرات مجدى حسين فى السجن فى قضية يوسف والى
الحلقة رقم26
حالة من السكينة النفسية رغم تصاعد الحملة
على حزب العمل
قراءة فى الصحف .. خواطر .. وهدايا أمن
الدولة!
الخميس 25 مايو
2000
الساعة 8,15
مساء
ربنا اغفر لنا ذنوبنا
.. وكفر عنا سيئاتنا .. وتوفنا مع الأبرار..ربنا اللهم لك الحمد والشكر .. عدد
أيام خلقك .. لا نثنى عليك..أنت كما أثنيت على نفسك..وأشهد أن محمدا عبدك
ورسولك..النعمة المهداة.. والسراج المنير.
لا أستطيع الا أن
أحمد الله آناء الليل وأطراف النهار .. وقد من على بالنعم جميعا .. وان تعدوا نعمة
الله لا تحصوها .. وتكفى هذه السكينة .. التى تتنزل على .. وماكانت لتكون.. لولا
فضل الله عليكم ورحمته .. (فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) .. لقد
كان من المفترض أن أكون فى أسوأ أحوالى النفسية والعصبية .. بسبب الأنداء التى
تحيط بالحزب والجريدة.. وأنا عاجز عن التأثير فى هذه الأحداث عجزا تاما .. فلا
توجد أية زيارات منذ يوم 14 مايو الماضى .. وانقطعت بنا السبل مع العالم الخارجى
.. ولا أريد أن أعرض أيا من المساجين لأية مخاطر .. بمحاولة ارسال رسائل من
خلاله.. ولا أجد داع لذلك فليس لدى ما أضيفه لقيادة الحزب التى تدير الصراع بشكل
حكيم للغاية.. ويبدو فيه توفيق الله واضحا..ولكن مسألة رغبتنا فى الاتصال بالعالم
الخارجى أقرب لآن تكون مسألة نفسية منها موضوعية.
رغم كل ذلك لا أشعر
سوى بالاطمئنان .. والاطمئنان العميق..والحمد لله رب العالمين..وفيما عدا قراءة
الصحف التى أطل بها على تطورات الأزمة .. فان حياتى فى السجن تسير وفق الجدول
المعتاد تقريبا .. من النواحى الرياضية والروحية و الفكرية و الاجتماعية.
وانتظام اجتماعات فرع
حزب العمل فى سجن مزرعة طرة العمومى ..كل يوم الساعة الثانية ظهرا .. من أهم عناصر
هذا الجدول.. فنحن أيضا فى حالة انعقاد مستمر!!
صحف اليوم حملت زخما
جديدا ايجابيا لحزب العمل .. فحتى المقالات التى تهاجم حزب العمل .. تضعه فى بؤرة
الحياة السياسية..
ومن أهم ما لفت نظرى
أن سعيد سنبل عاد ليصحح مواقف نفسه, ويعود الى موقفه الليبرالى المعتاد برفض اغلاق
صحيفة الشعب رغم خلافه الجذرى معها..
كذلك ضمت الأهرام
مقالات جيدة لسلامة وسكينة فؤاد ومحمد سيد أحمد .. وأهم ما فى مقالى سلامة ومحمد
سيد أحمد هو الاعراب عن رفض المسرحية المفتعلة لما يسمى حمدى أحمد وادريس المجهول
, وأن ينشر هذا المعنى فى مقالات عدة ..وفى صحف عدة.. وعلى رأسها الصحف الحكومية
وبأقلام تختلف معنا فكريا وسياسيا.. فان هذا كسب سياسى كبير لحزب العمل .. وانتصار
كبير له فى هذه الأزمة .. التى افتعلوها .. وحاولوا التشويش على مواقفنا بحكاية
الانقسامات المخيفة, وهى وقاحة لا نظير لها , فاذا كان أنصار حمدى أحمد من أعضاء
الحزب حقا , فلماذا عندما يقتحمون مقر الحدائق ينهبون ممتلكات الحزب , ويدمرون
الأثاث , ويدمرون كل ما لم يتمكنوا من حمله معهم ..ولماذا يمزقون الكتب؟! ويدوسون
أوراقها بالأحذية رغم أنها كتب دينية .. فاذا كانوا من جناح اشتراكى مزعوم, فان
اشتراكية حزب العمل لم تكن يوما الحادية!! كذلك فان الملحدين الأذكياء لا يمزقون
الكتب الدينية ويدوسونها بالأقدام ..ولقد نشرت "الشعب" فى عددها الأخير
كل هذه المساخر .. ومع ذلك فانهم لا يستحون!!
كذلك فان مقال سمير
رجب الذى هاجم فيه مجددا حزب العمل ونقابة الصحفيين لا يزيد الأمر الا حسنا, فأنت
اذا أردت لأى حملة أن تفشل فيكفى أن تسند أمرها لسمير رجب .. الذى أخطأ منذ زمن ..
عندما لم يؤجر شخصا يكتب له المقالات ..لأن كتابة المقالات ليست من مواهبه ,
وواصلت صحيفتا الوفد والأحرار مواقفهما المحترمة .. حتى أن عدد الوفد اليوم كاد أن
يكون عددا خاصا عن حزب العمل. بالاضافة لأعداد سابقة . كذلك حفلت الجمهورية بعدة
مقالات مضادة للحزب .. ومع ذلك فهى لا تضيرنا فى شئ .. بل تفيد .. ليطلع المواطن
على الرأى الأخر المتهافت.
*******
بدأت يومى صباح اليوم
عقب صلاة الفجر , فقد نمت 6 ساعات متصلة من الحادية عشر مساءا حتى الخامسة صباحا ,
وهذا هو الموعد التقليدى السليم والصحى للنوم .. الذى أتمنى أن أنتظم عليه فى
السجن وخارجه.وبعد صلاة الفجر وجدت نفسى نشيطا, فلم أنم مجددا , أعددت الشاى وقطعت
قطعة من الكيك ..وبعد الانتهاء من هذه الوليمة .. تذكرت أننا قررنا الصيام اليوم
استجابة لنداء الشيخ أحمد ياسين زعيم حماس تضامنا مع الأسرى الفلسطينيين..و فكرت
فى بدء الصيام على أساس أن هذا سهو .. ولكن بعض المتفقهين أكثر منى ..كانوا قد
قالوا لى أن هذا لا يجوز فى صلاة التطوع.. والحقيقة اننى لم أقم ببحث خاص فى هذه
المسألة , وليس معى الآن كتاب فقه السنة , وأنا لا أوافق على هذا الرأى لآن ما
يجوز فى الصيام المفروض , لماذا لا يجوز فى صيام التطوع؟!
طبعا هناك فرق ..
فأنت ربما تقطع صيام التطوع اكراما لأخيك الذى دعاك الى وليمة أنفق فيها ولم يكن
يعرف انك صائم (كما قيل لى أيضا).. ولكننى كنت قد أخذت عهدا على نفسى ألا أفتى فى
أمور الدين بمجرد اعمال العقل , دون الرجوع الى كتب الفقه , ومن باب أولى أن يكون
ذلك فى العبادات .. وبما اننى لم أدرس هذه النقطة ..فألتزم بما قاله لى من أحسن
الظن فى تفقهه..
فكرت فى كل هذه
المعانى .. بينما أنظر عبر القضبان الى السماء التى أخذت تستضئ .. بينما تجمهرت
العصافير على سور السجن القريب من شباكى .. فى"هتافات متصلة" ..خارقة كل
ضوابط قانون الطوارئ..والعصافير تفعل ذلك كل صباح .. وتبدأ فى الزقزقة قبل الفجر
بنصف ساعة . وأحيانا قبله بساعة .. فتبدأ فى الزقزقة المتقطعة الخافتة , ثم تتصاعد
لتصل الى ذروتها فى الفجر .. وهذا يتكرر كل يوم ..وكأنها مضبوطة بزمبلك خاص..
سبحان الخالق .. لذلك فهى تقوم بدور المنبه لى فى صلاة الفجر , رغم أن جبلتى
الأصلية .. أن الزلازل والبراكين لا توقظنى من النوم .. ولكن العصافير ليست هى
المنبه الوحيد للاستيقاظ من النوم فى الفجر اذا نمت قبله , فهناك وسائل أخرى
احتياطية.. لا تعلمونها الله يعلمها! أما خارج السجن فليس أمامى لضمان صلاة الفجر
فى موعدها الا أحد احتمالين 1) أن أظل مستيقظا حتى الآذان. 2) أن أشغل عدد 2
منبه!!!
بعد ذلك عكفت على
الدراسة الاسلامية التى أحاول اعدادها , بعد أن قررت خيانة عصام .. الذى كان هو
الوحيد الذى التزم بقرار الصيام التطوعى , ولا أدرى هل يثيبنى الله ان كنت وراء
اقتراح الصيام. وحيث صام عصام نيابة عننا؟! ولكننى أرجو الله أن يثبت الشيخ الجليل
أحمد ياسين الذى دعا هذه الدعوة وأن ينصر حماس كما نصر حزب الله .. فهو على كل شئ
قدير.
وقرأت الصحف عندما
جاءت الساعة التاسعة , وخرجت على الروتين , فبعد فطار الفول الذى أصبحت أبدع فى
تحويجه ..(فى اطار حق الابداع المشروع!!) .. ذهبت لاستكمال قراءة الصحف فى ورشة
النجارة ..بناء على دعوة من المشرف عليها .. صديقى الطبيب .. لشرب الشاى .. ولكن
شرب الشاى وقراءة الصحف تحولت الى ندوة .. حيث تحدثت بطريقتى الحماسية حول جرائم
وزارة الثقافة .. وتطورات أزمة حزب العمل .. ولم أرتح لهذا الوضع الذى قد يضر
العاملين بالورش..ولكن أحد المساجين استفزنى بآراء خاطئة.. وان كانت من منطلق
التعاطف معنا .. فاضطررت لطرح القضية برمتها .. ثم استأذنت .. وعدت الى الزنزانة..
وعندما جاءت الساعة
الى الثانية عشر .. كان هذا موعد تنس الطاولة.. فلعبت نصف ساعة وهزمت 3 مساجين
بينهم واحد على مستوى لا بأس به .. ومستوى لعبى يشهد تطورا ملحوظا .. وتذكرت أننى
فى صباى وشبابى كنت ألعب تنس الطاولة 5 ساعات متصلة ..(تصل أحيانا الى عشر ساعات)
..ولا أحسب أننى وصلت الى هذا المستوى الحالى فى كل تاريخى , والأن فاننى أحترق
شوقا لمنازلة كبار اللاعبين فى العنبر..
غرقت فى بحار من
العرق ..وهذا هو الهدف الأصلى من اللعب .. والمياة متوفرة الآن فى السجن ..ويمكن
أن تأخذ دشا 3 مرات فى اليوم .. أو أكثر من ذلك. ثم ذهبت لشكر الضابط (م) على
ارساله دواء الضغط الخاص به..وسألته عن ضغطه ..فقال 170/110 .. فشرحت له تجربتى
بالعلاج بتلاوة القرآن .. مع الاستمرار فى الدواء .. وأرجو أن تفلح معه باذن الله.
وخلال الفسحة ..ذهبت
لضابط أمن الدولة ..للاحتجاج على عودة منع الصحف العربية .. وقال أنه لا دخل له
بهذا الأمر .. وأنه سيبلغ المأمور أن أمن الدولة لا تعترض .. وكان يسعى لارضائى
بكل السبل , فأعطانى وردة حمراء وكتاب مضحك لأحمد رجب (الحب وسنينه) .. وهو كتاب
مضحك بالفعل وقد قرأته من قبل –لا تتصوروا أين؟!- فى بلجراد عاصمة يوغسلافيا عندما سافرت لمقابلة
خالد عبد الناصر ابن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر .. عندما كان مطلوبا القبض
عليه فى قضية ثورة مصر .. واقترح الحزب على السفر اليه ..للاعراب عن تضامننا معه
.. ولاستطلاع وجهات نظره .. مع اقتراحنا بأن يعود الى الوطن .. وهذا ما قام به بعد
فترة , ليس بسبب زيارتى طبعا , ولكن بسبب اتصالات أخرى .. وللمصادفة العجيبة فقد كان معى على نفس الطائرة ذهابا وايابا
شقيقته منى عبد الناصر وزوجها , الا أننا لم نرى بعضنا البعض , ونحن لا نعرف بعضنا
..وربما كانا فى الدرجة الأولى.
المهم أننى كنت فى
بلجراد أقضى أوقاتا مملة فى أحد الفنادق حيث استضافتنى منظمة التحرير الفلسطينية ..
وكان مندوبها هناك السيد/ الطيب عبد الرحيم الذى أصبح فيما بعد رئيس وزراء السلطة
الفلسطينية.. كنت أمضى أوقاتا مملة فى انتظار موعد مع خالد عبد الناصر .. الذى كان
مشغولا بلقاءاته مع منى وزوجها ولا شك أنهما حملا أخبارا موثوقة أكثر من أخبارى.
واكتشفت أننى ارتكبت
حماقة كبرى لأننى لم أحمل معى كتبا كافية.. والفندق لا يوجد به الا صحف
يوغسلافى..وأنا لا أفهم شيئا فى التلفزيون ..الا البرامج الرياضية .. ولم يكن معى
بعد المصحف , الا كتاب (الحب وسنينه) الذى اشتريته فى مطار القاهرة.. فكان خير
ونيس وأخذت أقرأ فيه وأضج بالضحك .. حتى خشيت أن أوقظ جيرانى فى الفندق!!
ورغم ذلك فقد أخذت
الكتاب من الضابط ولم أرو له كل هذه القصة, وأعطيته هدية ترفيهية لعصام الصائم !!
وأعطيت الوردة الحمراء لأحد التائبين .. رغم حبى الشديد للورد ..فلا أحب أن أستأثر
بالخير..كذلك عملا بالآية الكريمة (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون).
وذهبت بعد ذلك الى
السوق .. فى عنبر 2 الخاص بالتائبين والمجاهدين الأردنيين والفلسطينيين حيث بدأ
الطوق الأمنى يخف تدريجيا على تحركاتى..ولكننى لا أستمر هناك طويلا حتى لا أعرض
أحدا للأذى .. وحصلت على زجاجتى من المياه المجمدة .. وهى الزجاجة التى أرسلها
قبلها بيوم ممتلئة بمياه الصنبور .. واشتريت كشكولا حيث استهلكت كل ما لدى من
كشاكيل , والتقيت بحمادة من ثورة مصر .. وقد أصبح بدينا .. ويترك ذقنه بدون حلاقة
..فشنيت هجوما ضاريا عليه..لأن كرشه يكبر بصورة غير مقبولة ..وعندما عدت الى
قواعدى ..مريت على صلاح وعصام لابلاغهما بفحوى الحوار مع ضابط أمن الدولة وكان
أخطر ما فيه.. أننى عندما تحدثت عن توقعى باجراء تعديل وزارى..أكد لى أن ذلك سيحدث
.. وان صح ذلك, فان هذه ستكون المرة الأولى التى يعطينى فيها معلومة!
وقد لاحظنا دون ان
نجد تفسيرا غياب يوسف والى عن الأضواء الاعلامية منذ قرابة اسبوعين , وفى صحيفة
الأهرام فان صورة لقاء الرئيس مع المجموعة الاقتصادية لم يكن فيها يوسف والى
..بينما هو رئيس لجنة الانتاج (الزراعة و الصناعة) ونائب رئيس الوزراء الوحيد .. وكان بالصورة زكريا عزمى وهو ليس
عضوا بمجلس الوزراء.
ثم كان الأكل وكان
جميلا للغاية..محشى من كل الأنواع وقطعتى لحم, ولم تكن الكمية كبيرة فاستأثرت
بالأكل كله ولم اقاسم أحدا على غير العادة.. ورأيت أن أحابى نفسى مرة.. وما
المانع؟!
وبعد صلاة العصر نمت
نوما عميقا لمدة ساعة ونصف الساعة حتى اننى لم ألحظ لحظة الاغلاق .. وصحوت لأجد
نفسى مغلقا على بالضبة والمفتاح والقفل .. وهذا من دواعى سرورى!!! لأن هذه اللحظة
تكون لحظة بداية الأعمال الجادة..
اللهم قد صبرتنا على
ما آذونا به.. فزدنا صبرا ويقينا وحبا لك.. واجعلنا دائما نذدرى ما يفعله
المستبدون بنا .. انهم يا رب لا يعرفون انك:] الله لا اله الا هو الحى
القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم[.
اللهم أرنا آياتك فى
الآفاق..وفى أنفسنا .. حتى يزداد الناس ايمانا .. وانصرنا كما نصرت حزب الله ..
*******