اتفاقية جنيف..عطاء بلا مقابل
بقلم :د. محمد
مورو
لولا أن المجتمع
الإسرائيلي في حالة أزمة حقيقية بسبب المقاومة الفلسطينية لما تحركت القوى
المزعومة تحت شعار السلام لإنقاذ هذا المجتمع وإخراجه من ورطته، وخبرة النضال
الفلسطيني منذ العشرينيات تؤكد هذه الحقيقة؛ فمشروعات السلام المزعومة تتحرك
دائمًا عندما تكون إسرائيل في مأزق أو أن حركات المقاومة الفلسطينية قد امتلكت
زمام المبادرة، فتأتي تلك المشروعات لتفريغ ضغط المقاومة وبالتالي إنقاذ المجتمع
الصهيوني من المأزق، ثم ما تلبث القوى الممثلة حقيقة للمجتمع وهي قوى عدوانية
واستئصالية أن تتنكر لتلك المشروعات رغم أنها مشروعات أصلاً لا تلبي الحقوق
المشروعة للشعب الفلسطيني وتجهضها، وبالتالي تعود المسألة لمسارها الأصلي والفعلي
والحقيقي والوحيد، وهي أنه لا سلام مع إسرائيل لأنها كيان عدواني جملةً وتفصيلاً.
وتأتي اتفاقية جنيف
أو وثيقة جنيف في هذا الإطار مع ملاحظة أن شارون نفسه الذي يؤيده حتى الآن أغلبية
الإسرائيليين، ويتمتع بحكومة ذات أغلبية في الكنيست؛ يعارض هذه الوثيقة، مع أن
الفلسطينيين الذين وقعوا على الوثيقة قدموا تنازلات تاريخية وهم أصلا لا يملكون
الحق في هذا؛ لأنهم لا يملكون الشعب الفلسطيني يعطون تلك التنازلات بدون ضمان
حقيقي لتنفيذ بنود الوثيقة!, والوثيقة بهذا الشكل هي نوع من إخراج السلطة
الفلسطينية
أيضا من ورطتها على
حساب الثوابت الوطنية والحقوق المشروعة.
تجاهل حركات المقاومة
الوفد الفلسطيني الذي
وقع على الوثيقة يضم أعضاء من المجلس الوطني الفلسطيني والمجلس التشريعي وقيادات
عدد من الفصائل الفلسطينية وشخصيات أكاديمية وصحفية؛ ولكنه بالقطع لا يمثل الشعب
الفلسطيني لأنه يتجاهل أصلاً القوى الفاعلة القوى الفاعلة على الأرض، خاصة حركات
المقاومة، ولم يضم إلا الذين هم أصلاً منبطحون أمام العدو من قبل، ونلاحظ أن عددًا
من المطبعين ورموز السلام المزعوم هم من سيئي السمعة والصيت في البلاد العربية من
أمثال مجموعة كوبنهاجن للسلام وما يسمى بمؤسسات المجتمع المدني وشخصيات رسمية أخرى
أو شبه رسمية من مصر والأردن أو غيرها قد حضرت التوقيع، كما أن هناك ترحيبًا
أوروبيًا واضحًا بتلك الوثيقة تمثل في ترحيب الجانب الفرنسي ممثلاً في الرئيس
الفرنسي جاك شيراك بنفسه، وكذا الجانب الألماني ممثلا في وزير الخارجية الذي رحب
بالوثيقة، وكذا عدد من الدول الأوربية؛ إلا أن هناك غياب رسمي أمريكي!، الأمر الذي
يعنى عدم الموافقة وبالتالي؛ فإن الضمان الأدبي لتنفيذ هذه الوثيقة غير ملزم
للإسرائيليين والأمريكيين حتى لو حضرت شخصيات غير رسمية من أمثال الرئيس الأمريكي
الأسبق جيمي كارتر، كما أنه من الملاحظ أن المؤسسة الدينية الإسرائيلية ممثلة في 250
حاخامًا يهوديًا قد رفضوا الوثيقة، ووصفوا الإسرائيليين الذين ذهبوا إلى جنيف
بالخونة، كما أن نسبة الذين يعارضون الوثيقة من الإسرائيليين أكبر من الذين
يؤيدونها، وقد ظهر ذلك جليًا في استطلاع للرأي نشرت نتائجه في الصحف الإسرائيلية
ذاتها، وجاءت نتائجه أن 31 % من الإسرائيليين يؤيدون الوثيقة في حين يرفضها 38% منهم،
وكانت جامعة تل أبيب قد نشرت استطلاعًا مماثلاً قالت فيه إن 25 في المئة فقط
يؤيدون الوثيقة بينما يرفضها 54% من الإسرائيليين، وهكذا فنحن أمام وثيقة يرفضها
أغلب الإسرائيليين ويرفضها الحاخامات ويرفضها حكام إسرائيل وتتجاهلها أمريكا، وبالتالي
فإن التأثير الأدبي سيكون على الجانب الفلسطيني حيث إن عليهم الالتزام بها أمام
الألمان والفرنسيين مثلاً وهم أقل تأييدًا لإسرائيل من أمريكا.
العودة حق تاريخي
الوثيقة المشؤومة
تقول بإقامة دولة فلسطينية، وما الجديد في هذا؟! فكل مشروعات التسوية السابقة قالت
هذا، ولكن وثيقة جنيف تعطي لإسرائيل الحق في الاحتفاظ بعدد من المستوطنات وبأشكال
من السيطرة على القدس واعتبارها عاصمة لإسرائيل، وتتجاهل حق العودة لـ 8 مليون
فلسطيني في الشتات، وبدهي أن هذا الحق لا يملك التنازل عنه لا الوفد الفلسطيني ولا
السلطة ولا كل هذا الجيل من الفلسطينيين؛ لأنه حق تاريخي يشمل الأجيال القادمة، أي
أن الملاحظة الرئيسة على وثيقة جنيف في أنها تعتبر تراجعًا واضحًا عن كل مشروعات
التسوية المعروفة من قرار 242 إلى خارطة الطريق؛ لأنها تكلمت فيما كان مؤجلاً
عادة، أو تراجعت عن حق الانسحاب من كل الأراضي المحتلة عام 1967، فما الجديد إذًا؟!
اللهم إلا المزيد من التنازلات مقابل وعد بلا أي قيمة له على الأرض، ولا يلزم
أحدًا من الجانب الإسرائيلي في قواه الحقيقة والحاكمة والمسيطرة، ولا يلزم إلا
الجانب الفلسطيني أدبيًا على الأقل، والسؤال الآن: لماذا يتم توقيع تلك الوثيقة
بدلا من التمسك بالمشروعات السابقة، والتي لها اعتراف دولي ومرجعية قانونية أكثر
قوة وتعطي أصلاً حقوقًا أكثر.
ومن البدهي هنا أن
الشعب الفلسطيني في قواه الحية والفاعلة والمناضلة على الأرض وترفض مثل تلك
الوثيقة ولعل المعاملة الجماهيرية للوفد الفلسطيني المغادر إلى جنيف تثبت هذا،
وكذا المسيرات والمؤتمرات الحاشدة التي دعت لها القوة المجاهدة وتحديدًا حماس
والجهاد وقيام ممثلي اللاجئين بعقد مؤتمر يرفضون فيه التنازل عن حق العودة وأنهم
بصدد إصدار وثيقة العار، والتي سيتم نشر أسماء المشاركين الفلسطينيين في التوقيع
عليها كما أصدرت لجنة اللاجئين في المجلس الوطني الفلسطيني بيانًا قالت فيه إن ما
جاء في وثيقة جنيف يتناقض كليًا مع السياسة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية ومع
قرارات المجالس الوطنية والمركزية المتعاونة.
وفي النهاية فإن؛
خبرة التاريخ تقول: إن الحقوق لا توهب بل تنتزع، وإن التنازل عن شيء منها يغري
بابتلاع المزيد والعكس، فما بالك بحالة الصراع مع كيان عدواني واستيطاني واستكباري
مثل إسرائيل؟! أليس الأمر بهذه الطريقة استجداء لن يجدي وتنازلات بلا مقابل؟!.