فكر الجهاد وأثره في الإصلاح السياسي

 

 

بقلم :منتصر الزيات

 

 

الجهاد ذروة سنام الإسلام وهو فريضة محكمة ، وهو ماض إلى يوم القيامة . والجهاد لغة : " بذل الوسع في دفع ما لا يُرضى " ( 1 ) . وقيل : " هو الاسم الجامع لمنتهى الطاقة " ( 2 ). وقصر الجهاد على القتال في سبيل الله ، لم يكن إلا تفريعاً ، لأن الجهاد حسب ورود معانيه في الكتاب والسنة أعم من أن يكون بالقتال . لقد قرن القرآن الكريم الجهاد بالمال والنفس في مواضع كثيرة . قال تعالى : ( وجاهَدوا بأموالهم وأنفسهم ) ( 3 ) وقال : ( انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم ) ( 4 ) . وقال : ( فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ) ( 5 ) . وقال تعالى : ( جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ) ( 7 ) . واتفق المفسرون على أن جهاد الكفار يكون بالقتال ـ حسب أحكامه المقررة ـ وجهاد المنافقين يكون باللسان .

فالجهاد في الإسلام يكون بالنفس وبالمال وبالكلمة وبالقلب . ولكل نوع من هذه الأنواع آلياته وشعبه وأساليبه وأحكامه التي ترجح أسلوباً على أسلوب وآلية على آلية . والجهاد بأنواعه وأساليبه ماض إلى يوم القيامة .

 

الجهاد والإصلاح تراتب أم تعارض ؟

والعلاقة المفترضة بين " الجهاد " و " الإصلاح " بوصفهما نقيضين هي ثمرة خبرتنا المعاصرة عندما انقسمت الحركة الإسلامية إلى فصيلين كبيرين : أحدهما جهادي يرى ضرورة الصراع مع ما هو قائم ، والأخر إصلاحي يرى إمكانية التعايش معه وإصلاحه سلميا على نحو تدريجي . ورغم أن الإصلاح هو بغير شك جهاد عظيم ما دام ينطلق من استشعار مسئولية دينية وطالما التزم القائمون به بأحكام الشرع فإنه أصبح ينظر إليه كبديل للجهاد ينحاز إليه من لم يقدر على الجهاد !!

وما تمدنا به خبرة التجربة المصرية خلال سنوات الصدام بين الدولة والجماعات الأصولية أن شرائح واسعة من التيارات السياسية الأخرى اعتبرت الحركة الإسلامية خارج مظلة " الإصلاح " لأنها جميعا تدعو إلى تغيير جذري ، وقد قبلت التيارات غير الأصولية بذلك - دون أن تدري - الموقف الأصولي في صورة معكوسة ، وبذلك أصبح الإصلاح خارج مظلة " الجهاد " رغم أنه من أعظم الجهاد !!

ولعل وقفة مع مصطلح " الإصلاح " تضيف بعدا آخر للصورة ، فقائمة المصطلحات التي تستخدم للتعبير عن الانتقال من حال إلى حال مثل : التغير ، التغيير ، التداول ، .. .. تظل مصطلحات إجرائية محايدة أخلاقيا لا تحدد ملامح الوضع الذي يراد الانتقال إليه ، بينما ينفرد مصطلح الإصلاح بينها جميعا بظلال أخلاقية ودينية واضحة ، فهو " عمل يستهدف نقل فرد أو مجموع من حال فساد إلى حال صلاح ، أو من حال صلاح إلى حال أكثر صلاحا " .

غير أن مما جعل للمصطلح وقعا سلبيا في نفوس الفصيل الأصولي من الحركة الإسلامية تلك الحالة المتردية داخليا وذلك القدر من القمع الذي كانت تواجه به كل الأصوات المعارضة إصلاحية كانت أو مجاهدة ، وغني عن البيان أن التفسير يختلف اختلافا تاما عن التبرير فقد لا يكون القمع في نظر البعض مبررا لممارسة العنف لكنه بغير شك دافع من دوافعه . والأفكار لا تنشأ ولا تنمو ولا تتحقق في فراغ بل تشارك قيود الواقع وإكراهاته في صياغتها بنصب وافر ، وثقافة الإذعان إذ تتبناها الأنظمة الحاكمة وتفرضها على الشعوب تكون تربة خصبة لنمو بذور الإقصاء والصدام .

 

لا إصلاح بلا جهاد

المفارقة الكبرى التي ينطوي عليها طرح هذا التساؤل أن الإصلاح أي إصلاح لا يمكن أن يتم إلا بجهاد !! فكل إصلاح إنما يعني بالضرورة الدخول في علاقة جدل مع ما هو قائم يستهدف أولا تحليله - أو تفكيكه - وتحديد مواضع الخلل فيه لإصلاحها وهو اجتهاد بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، صحيح أنه ليس الشكل التقليدي للاجتهاد الذي يستهدف استنباط الحكم الشرعي من الواقعات والنصوص ولكنه اجتهاد لكونه محكوما بثوابت الشريعة ، وإلا تحول إلى مشروع تغييري محايد . أما عملية تنفيذ الإصلاح فتتضمن الجهاد بالقول والمال ، ففي الإصلاح كل معاني الجهاد والاجتهاد معا خلا القتال .

وبطبيعة الحال لا ينفصل إصلاح المجتمع كجماعة ولا الآخرين كأفراد عن إصلاح النفس وهو ما يرى كثير من المتقدمين والمتأخرين أنه " الجهاد الأكبر " ، ففي القتال وتحت القصف لا تملك الجماعات الأصولية - شأن غيرها ممن خاض هذه التجربة العنيفة - أن تبني نفسها وترقى بأبنائها بل تصبح تحت وطأة المطاردة تبحث عن النجاة ، وكل ما يصنفه الفقهاء ضمن " التحسينيات " أو بتعبيرنا المعاصر " الكماليات " يصبح خارج دائرة التصور .

وإذا كانت شرائح واسعة - كما أشرنا في هذه الورقة - من النخبة السياسية قد ارتكبت خطأ تاريخيا بأن ردت على العنف الأصولي بمواقف استئصالية وصل بعضها في تطرفه حد التنكر لفرض الجهاد ، فإن الحركات الأصولية هي الأخرى ارتكبت خطأ تاريخيا مماثلا بالغض من شأن النهج الإصلاحي ومن ينهجونه ، إذ لم تر فيه سوى مهرب فرضه الجبن وخوار الهمم . ومع استحكام حالة التدابر والتقاطع بين حملة كل لواء بدت الفكرتان متعارضتين بينما هما في الحقيقة تجتمعان في إطار تراتبي .

 

التأثيرات المتبادلة

مع استحكام حالة التدابر المشار إليها استقرت مقولات مغلوطة عن العلاقة بين النهجين صورتهما كما لو كانا ثقافتين متمايزتين لا مدرستين داخل عباءة واحدة ، وفي هذا المناخ بطبيعة الحال لم تحظ التأثيرات المتبادلة بينهما باهتمام رغم أنها بالفعل تستحق هذا الاهتمام . أول التأثيرات كان تأكيد السمة الدينية للحراك السياسي حتى عند التيارات ذات المرجعية الغربية يمينية كانت أو يسارية - والحكم هنا ينصب بطبيعة الحال على الأغلبية لا على الأقلية المتطرفة منها - بحيث أصبح هناك استعداد حقيقي لاستيعاب التيارات الإسلامية كافة في مشروعات الإصلاح السياسي ، فلم يكن مقبولا أبدا أن تسلك المعارضة السياسية المسلك الإقصائي نفسه الذي سلكته الدولة .

من ناحية أخرى أمدت الفصائل الأصولية الحركة السياسية المصرية برافد مهم - صحيح أنه ما زال محدود العدد والتأثير لكنه دال - إذ انخرط في العمل السياسي السلمي عدد غير قليل من رموز " الإسلام الأصولي " آملين مواصلة " الجهاد " بآليات " الإصلاح " ، وهو رافد يمكن أن يقوم بدور تاريخي في تجسير العلاقة بين الفصيلين بحكم مؤثرات النشأة ذات الطبيعة الأصولية ومؤهلات الدور الجديد ، فبهما معا تستطيع امتلاك ناصية التعبير عن المشتركات وتقريب وجهات نظر الفرقاء .

ويأتي الموقف من الحريات الذي تبلور لدى التيار الإصلاحي نموذجا لعلاقات التأثير المتبادل ، فمن ناحية كان للمخاطر التي ترتبت على لجوء التيار الأصولي للعنف دور واضح في تبلور موقف من مسببات هذا العنف وفي مقدمتها حالة الحريات ، ومن ناحية أخرى استفاد غير قليل من أعضاء الجماعات الأصولية من مواقف إصلاحيين - إسلاميين وغير إسلاميين - من الممارسات غير القانونية للنظام في صراعه مع الجماعات الأصولية ( رفض المحاكمات العسكرية - إدانة التعذيب - إدانة القتل خارج القانون .. ) وهو ما ترك أثرا إيجابيا في نفوس غير قليل منهم إزاء فكرة الإصلاح وأدواته ، وبالطبع التيار الإصلاحي .

 

خاتمة

إن " مقولتي " الجهاد والإصلاح تنتميان كلاهما تعبير رغبة في التغيير نحو الأفضل وكلاهما نتاج استشعار مسئولية دينية وأخلاقية ، لذا فلم يكن غريبا أن نرى أصوليين جهاديين يتحولون في مرحلة من مسيرتهم إلى إصلاحيين . والجهاد بمعناه الواسع هو الأرضية الصلبة التي ترتكز عليها عملية الإصلاح ، وإلا تحولت إلى حراك سياسي نفعي لا ينضبط إلا بضوابط المنفعة .   

والله أعلم .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إحالات

 

 

 



( 1 ) تفسير روح المعاني للألوسي 10/457

( 2 ) تفسير التحرير والتنوير . ابن عاشور 9/53

( 3 ) سورة الأنفال: 72

( 4 ) سورة التوبة : 41

( 5 ) سورة النساء: 95

( 7 ) سورة التوبة: 73