حقوق البراءة الهمجية
بقلم :د. خالد
عبدالله
كلما اشتدت وطأة
المقاومة العراقية كلما ازدرد الأمريكيون مزيدا من دعاوى التحرير، ومزاعم
الديمقراطية، وشعارات حقوق الإنسان. وقد بلغ بهم اليأس على ما يبدو من إمكانية
احتفاء العراقيين بهم أنهم شرعوا في الاحتفال بإجراءات تزدري البشر، وتحتقر حقوقهم
ما داموا لا يسلمون أمورهم لهم، ولا يرهنون مصائرهم لإرادتهم.
فبعد أن كان إطلاق
النار العشوائي على المدنيين يحصل بين الحين والآخر، اصبح مسألة جارية. وقد
انتقلوا من قطع الأشجار حماية لجنودهم إلى هدم المنازل واعتقال الأقرباء عقابا
جماعيا على مشاركة الأفراد في أعمال المقاومة ضدهم. ويبدو الآن أنهم قرروا تحويل العراق إلى مراكز
اعتقال جماعية، إذ بدأوا بإقامة الأسوار الشائكة حول القرى العراقية. وحينما قيل
للعسكريين الأمريكيين أن ممارساتهم تماثل السياسات “الإسرائيلية” أكدوا “أنهم لا
يحاكونها عمداً”، لكنهم أقروا بأنهم “درسوا التجربة “الإسرائيلية” في حرب الحواضر
عن كثب”.
ولست أرى سببا يدعو
إلى منازعة هذا القول، بالرغم من أننا بتنا لا نكاد نرى خبرا صادقا مما يبوح به
المسؤولون الأمريكيون. فالهمجية في معاملة المدنيين ليست صناعة “إسرائيلية” بحتة،
فللأمريكيين باع طويل موثق. لكن “الإسرائيليين” أضافوا إلى التراث الهمجي في
معاملة البشر ما يجعله موردا لمن يريد أن يتفنن في خرق حقوق الإنسان.
وقد سعى الأمريكيون
إلى خبرة “الإسرائيليين” في فهم العقل العربي لأنهم لا يثقون بتجربة الأوروبيين. ويخبرنا
ضابط أمريكي ماذا استفادوا نقلا عن النيويورك تايمز “الشيء الوحيد الذي يفهمه
العربي هو القوة القوة، والفخر، وصيانة
ماء الوجه”.
إذن هذا هو المدخل
لمعالجة عدم الإذعان العربي. فالعربي من باب المخالفة لا يمكن أن يستوعب لغات
الدبلوماسية، والحوار، والإغراء. فتلك لغات أعجمية لم يعرفها. فهو لا يفهم إلا لغة
القوة. وحتى تكون هذه اللغة مؤثرة فلها أن تضرب في مناطق ضعفه، الفخر، وصيانة ماء
الوجه. فتلك ما تجعله عزيزا ممتنعا على الخضوع. فلا بد من إرهاقهما بالإجراءات
المهينة، والممارسات المذلة، والمعاملات المزدرية. حينذاك تأتي بالرضا العربي.
ولكن ألم نسمع بهذا
الحديث من قبل؟ صدقت. فهذا ما نقلته الروايات اليهودية عن المدرسة النازية. وهذا
ما حدثنا به من بقي من سكان الأمريكيتين الأصليين. وهذا ما حكاه لنا أهل هيروشيما
وفيتنام وكمبوديا وغيرها. ثم يأتي إلينا أحفاد من فعلوا ذلك ليسقطوا على العرب
عصارة ما نضحت به حضارتهم على مدى قرون. فهذه رواية عنصرية، تسوغ جرائم الحروب،
وتعد الأذهان لكل الموبقات والآثام ضد الإنسانية التي سترتكب في العراق. ولكنها
ستصلنا معلبة بالديمقراطية، وحقوق الإنسان، والإعمار.