العراك في العراق: زمن الفتنة (2)
بقلم : فهمي
هويدي
هذا زمن الفتنة في
العراق. ذلك انه اذا كان الاحتلال من الكبائر، فإن إحياء الطائفية وإذكاء نارها
هما أم الكبائر بامتياز. فالاحتلال يذل المجتمع لا ريب، لكنه قد يبقي على تماسكه
ويعزز وشائجه بحكم طبيعة التحدي المشترك. أما الطائفية فإنها تضيف إلى المذلة
تلغيم المجتمع، وترشيحه للتمزق وتقطيع الأوصال. لذلك فإنه إذا كان الدكتور علي
الوردي اكبر علماء الاجتماع العراقيين قد وصف الاحتلال البريطاني بأنه <<زمن
السقوط>>، فإننا لا نتردد في وصف زمن الاحتلال الاميركي بأنه <<زمن
الفتنة>>، التي يعرف الجميع جزاء من يستحضرها ويوقظها!
<<اللبننة>>
سبقت <<العرقنة>> في الوضع المستجد. والمقصود باللبننة هو اعتماد
التمثيل الطائفي والعرقي أسلوباً في الحكم والإدارة، كما هو الحاصل في لبنان الذي
كلفته الطائفية الكثير. وهو الأساس الذي انبنى عليه العراق <<الجديد>>
وتشكل بمقتضاه مجلس الحكم. أما المقصود <<بالعرقنة>> فهو ذلك الشعار
الذي رفع مؤخراً، بعد اشتداد هجمات المقاومة على الجنود الاميركيين <<وحلفائهم>>،
واتجاه سلطة الاحتلال إلى الإسراع بتشكيل قوات أمن عراقية لحماية القوات الأجنبية،
ولكي تتصدى هي للمقاومة، بحيث يصبح الاشتباك عراقياً عراقياً، وليس عراقياً
أميركياً.
المدهش في الأمر أن
الإدارة الاميركية ما برحت تعلن عن سلامة قصدها وبراءته في العراق، وما زال
المتحدثون باسمها <<يطنطنون>> بهتافات بناء الديموقراطية ودعمها هناك (لاحظ
أن شعار بناء الديموقراطية رفع بعد انكشاف أكذوبة تجريد النظام من أسلحة الدمار
الشامل) هذه الإدارة ذاتها هي التي تبنت الطرح الطائفي والعرقي الذي يهدر أبسط
قواعد الممارسة الديموقراطية، من حيث انه يلغي أو يؤخر أولوية فكرة المواطنة ويقدم
عليها الهوية الطائفية. بحيث لم يعد المواطن عراقياً أولاً ثم سنِّياً أو شيعياً
او كردياً ثانياً، وإنما صارت طائفته في المقدمة ثم عراقيته بعد ذلك.
لم يتعامل الاميركيون
مع العراق كدولة واحدة او شعب واحد، ولكنهم تعاملوا معه باعتباره عدة كيانات
متجاورة، وأعراقا وطوائف شتى تساكنت على ارض العراق. كأن العراق مجرد <<جغرافيا>>
بلا تاريخ. وتلك كارثة بكل المقاييس. لان هذه النظرة أحدثت انقلاباً في تصور
الحاضر والمستقبل. ليس ذلك فحسب، وإنما من جرائها ملئت الساحة العراقية بحشد من
الألغام المرشحة للانفجار في أي وقت، والتي يتعذر نزعها في الأمد القريب.
ورغم أن جهل
الاميركيين بالواقع العراقي وتخبطهم في التعامل معه وارد، وله شواهد بلا حصر. إلا
أنني استبعد تماماً أن يكون أحياؤهم للطائفية مرجعه مجرد الجهل، وإنما هو فعل
سياسي فاضح إن شئت الصراحة تم عمداً ومع سبق الإصرار. ذلك أن المدخل الطائفي يضعف
الجميع، الوطن والطوائف ذاتها، وبالتالي فإنه يدفع كل طائفة إلى محاولة الاستقواء
بقوى خارجية للاحتماء بها في مواجهة الطوائف الأخرى. وهو ما يحول الوجود الاميركي
في نهاية المطاف من احتلال مستهجن إلى ضرورة سياسية وحياتية بالنسبة للطوائف
المختلفة. ومدرسة <<فرِّق تسد>> حاضرة بقوة في هذا السياق.
ولست أشك في أن ثمة
عنصراً آخر شجع الاميركيين على الانحياز إلى التمثيل الطائفي، وهو أنهم لم يكونوا
ليطيقوا التمثيل السياسي، ببساطة لان القوى السياسية العراقية الحقيقية وليست
المصطنعة رافضة للاحتلال وغير مستعدة للتعاون معه.
لا استبعد أن يكون
الاميركيون قد خدعوا بالمعلومات التي نقلها إليهم بعض <<أصدقائهم>> العراقيين
المنفيين والمهاجرين الذين أعدتهم الولايات المتحدة واعتمدت عليهم في ترتيب الوضع
الجديد. وهم الذين صوروا لهم أن الإشكال سيحل بمجرد سقوط النظام البعثي في بغداد،
وأن الناس بعد ذلك سيأخذونهم بالأحضان، ويفرشون الشوارع لهم بالورود والرياحين. وقد
أثبتت الأحداث تهافت ذلك الادعاء. كما تبين أن إسقاط النظام كان الشق الأسهل في
المهمة، وأن المشاكل والتحديات الحقيقية بدأت بعد السقوط.
لقد كنت أحد الذين
سمعوا بآذانهم قبل سنوات في لندن وباريس ونيويورك أقاويل المهاجرين العراقيين
والشائعات التي كان بعضهم يرددها طوال رحلة المنفى. وهي التي ركزت على أن النظام
الحاكم في بغداد هيمن عليه <<أهل السنة>>، الذين <<اختطفوا>>
الحكم واحتكروه منذ المرحلة العثمانية. وادعت أن الشيعة من ضحايا ذلك الاحتكار،
برغم انهم يمثلون أغلبية كبيرة من السكان (وصل بها البعض إلى 85). كما أن الأكراد
كانوا بدورهم من بين الضحايا، فنالوا حظوظهم من البطش والقمع.
المعارضون الذين
تبنوا هذه المقولات وروجوا لها هم أنفسهم الذين تبنوا وأيدوا فكرة التمثيل الطائفي
والعرقي في حكم العراق. ولا أستطيع أن أحدد بالضبط ما اذا كانوا هم الذين نقلوا
الفكرة إلى الاميركيين أم العكس. لكن الثابت أنها ظهرت إلى النور في الاجتماع الذي
دعا إليه <<المؤتمر الوطني العراقي>>، الذي شكلته وعينت قيادته
المخابرات المركزية الاميركية. وتم في مدينة صلاح الدين الكردية عام 1992.
هؤلاء المهاجرون
أيضاً هم الذين روجوا لمقولة أن العراق مقسم إلى ثلاثة أقسام، أكراد في الشمال
وسنّة في الوسط وشيعة في الجنوب، واعتبروا أن تطبيق النظام الفيدرالي في البلاد هو
افضل صيغة لضمان الاستقرار وعدم تغول أي فئة على أخرى. بدورها لقيت الفكرة تأييداً
في مؤتمر أحزاب المعارضة الستة، الذي عقد في لندن قبل سنة من الغزو. وهذه الأحزاب
هي: الحزبان الكرديان (طالباني وبرزاني)، المؤتمر الوطني، حركة الوفاق، المجلس
الأعلى للثورة الإسلامية، (الحركة الملكية الدستورية اشترطت إجراء استفتاء لإقرار
الفيدرالية).
الشاهد أن الاميركيين
حين جاؤوا إلى العراق كانت فكرة التمثيل الطائفي والعرقي مستقرة في أذهانهم، بدلاً
من التمثيل السياسي. وكان <<المتعاونون>> معهم اغلبهم من الشخصيات
الشيعية (الأكراد كانوا قد رتبوا أمورهم في وقت مبكر) وهؤلاء انطلقوا على أحسن
الفروض من أن التدخل الاميركي سيكون نهاية مظلومية الشيعة في العراق، وبداية طور
جديد في تاريخهم يستردون في ظله مكانتهم التي تليق بهم على صعيد السلطة. وفي حدود
علمي فإن تلك الحجة هي التي أقنعت السيد محمد باقر الحكيم رحمه الله، بأن يوفد من
يمثل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية للمشاركة في مؤتمر لندن، بعد أن كان متردداً
في ذلك بسبب عدة تحفظات سياسية. وكان الذي تولى إقناعه هو السيد احمد جلبي رئيس
المؤتمر العراقي الذي زاره عدة مرات في طهران لهذا الغرض.
اذا جاز لي أن ألخص،
فلعلي أقول إن الأكراد كانوا الأكثر إلحاحا على الفيدرالية، لان ذلك سيعزز موقفهم
في ظل المكاسب التي حققوها على صعيد الحكم الذاتي بعد انسحاب الجيش العراقي من
الكويت عام 92 وخضوعهم لما يشبه الحماية الاميركية منذئذ. أما الشخصيات الشيعية
المهاجرة لا أعمم على الشيعة بالمطلق فهي التي كانت اكثر إلحاحاً على الطائفية
بمظنة أنها سترد إليهم مكانة افتقدوها في الدولة العراقية الحديثة. أما الاميركيون
فقد لقيت الأطروحتان هوى لديهم للأسباب التي سبق ذكرها، ولم يكن لهم سوى مطلب واحد
إضافي على ركائز ومنطلقات العراق الجديد، تمثل في تبني <<العلمانية>>.
حيث رأوا أنها ستكون بمثابة خط احمر يكبح تطلعات الشيعة بافتراض أغلبيتهم ويقطع
الطريق على من <<تسول له نفسه>> يوماً ما إقامة نظام يستلهم التجربة
الإيرانية.
خلال شهري تموز وآب
الماضيين قامت السيدة رند رحيم فرانكي عراقية تحمل الجنسية الاميركية بأربع زيارات
الى العراق، بوصفها مديرة لمؤسسة أميركية معنية بأمر العراق (عراق فاونديشن). غير
أن هذه ليست صفتها الوحيدة، وإنما هي أيضاً عضو في <<المؤتمر الوطني العراقي>>
الذي يرأسه الدكتور جلبي، وله علاقاته الخاصة مع الإدارة الاميركية. (مؤخراً
اكتسبت السيدة رند رحيم صفة ثالثة، حيث عينت رئيسة للبعثة الدبلوماسية العراقية
لدى الولايات المتحدة) في ضوء زيارتها تلك كتبت السيدة رند تقريراً، عن الأوضاع في
العراق يعد شهادة مهمة. أولاً لأنه صادر من داخل النخبة الاميركية وليس من خارجها،
وثانياً لأنه انطلق من تأييد الوجود الاميركي ، لكنه سجل عدة تحفظات على ممارساته،
انصبت في جانب منها على فكرة التمثيل الطائفي والعرقي. وقد نشرت مجلة <<المستقبل
العربي>>، الشهرية اللبنانية نص ذلك التقرير في عدد تشرين الثاني الماضي.
في الموضوع الذي نحن
بصدده ذكر التقرير ما يلي: حينما عينت سلطة التحالف المؤقتة مجلس الحكم (25 عضواً)
وتبنت التمثيل النسبي الطائفي والعرقي، بدلاً من التمثيل السياسي، شغل الشيعة نسبة
50 واحد، أي 13 مقعداً، وشغل العرب السنة
والأكراد 10، او 5 مقاعد لممثلين عن كل منهما، ومنح كل من المسيحيين والتركمان
مقعداً. وقد خلق هذا التقسيم أوضاعاً شاذة مثيرة للاهتمام، مثل إدخال زعيم شيوعي
ضمن ممثلي الشيعة (اثنان من ممثلي السنة من الشيوعيين السابقين).. وقد تكرر التقسيم
العرقي والطائفي في تركيب الوزارات واللجنة التحضيرية للدستور، ولا شك في انه
سينتشر إلى المراتب الأدنى للحكومة.
بعض الاميركيين ذهبوا
بسيناريو المشروع الطائفي إلى آخره، وطرحوا فكرة تقسيم العراق إلى ثلاث دول: سنية
وشيعية وكردية. والفكرة ليست جديدة، ولكنها ظهرت إلى الوجود بشكل ملموس بعد حرب
الخليج الثانية (1991م)، حيث خرجت أنباء من واشنطن عن تشكيل لجنة من بعض
الاميركيين والحقوقيين العراقيين المهاجرين، طرح للبحث أمامها احتمالات، تقسيم
العراق بين الفئات الثلاث او اعتماد النظام الفيدرالي في البلاد بحيث يكون لكل
واحدة من المحافظات العراقية ال18 مجلسها المحلي المنتخب ونظامها الخاص، بينما
يتراجع دور السلطة المركزية في بغداد، التي يدير دفة الأمور فيها مجلس رئاسي يضم
ثلاثة أشخاص يتناوبون على المنصب أحدهم سني والثاني شيعي والثالث كردي. غير أن
المشروعين استبعدا وقتذاك، بعدما بدا أن تنفيذهما متعذر من الناحية العملية. او
هكذا قيل على الأقل.
الآن ندرك أن الفكرة
نامت فقط ولم تمت. إذ اطل شبحها بطريقة غير مباشرة حين ظهرت في الصورة وعلى شاشات
التلفزيون صور أول اجتماع لمجلس الحكم الذي عينه الاميركيون، وأكثر ما لفت الانتباه
وأثار الدهشة في الصور ظهور خريطة للعراق علقت على أحد الجدران في صدارة القاعة،
قسمت البلد إلى ثلاثة أقسام بألوان مختلفة. فالمنطقة ذات الأغلبية الكردية صبغت
باللون الأحمر، ومنطقة الوسط التي يتركز فيها اغلب أهل السنّة ظهرت بلون ابيض، أما
الجنوب حيث الأغلبية الشيعية فقد صبغ باللون الأخضر.
أزعجت الخريطة
كثيرين، وكان وقعها لدى الرأي العام مفاجئاً وصادماً (لاحظ الصدى) وبلغ الأمر
مسامع <<أولي الأمر>>، فرفعت من على الجدار في هدوء، واستبدلت بخريطة
عادية غير ملونة لتهدئة الخواطر وامتصاصاً للغضب.
نقلا عن جريدة السفير