مبادرة جنيف لن تصنع معجزة السلام كسابقاتها

 

 

 

بقلم :مطاع صفدي

 

بعد انهيار اتفاقية اوسلو لن ينتظر احد ان تأتي اتفاقية اخري الا وهي اسوأ منها، فقد كانت اوسلو هي السقف الذي لن يعلو عليه اي سقف آخر. وها هي وثيقة جنيف التي يضج بأخبارها الاعلام الغربي خاصة وكأنها من ابداعه الذاتي، وهي ربما كانت كذلك نظرا الي الاحتفاء الاوروبي الرسمي بأحداثها. نقول ان هذه الاتفاقية لا ترقي حتي الي مستوي سابقتها (اوسلو) البائسة. لكنها تتميز عنها ليس في بنودها المعروفة، بقدر ما هي في توقيتها الهام من ناحية، وفي مغزاها السياسي الاقليمي والدولي من ناحية اخري. اما من حيث التوقيت فلا شك ان حال الاستعصاء قد بلغت اشدها بالنسبة للفلسطينيين والاسرائيليين معا، اذ باءت استراتيجية العنف الاحمق التي هي عقيدة شارون والليكود، بفشل صارخ في مختلف خطوطها. فهي قتلت ودمرت، واستباحت كل المحرمات السياسية والاخلاقية لكن دون ان تتوصل الي انهاء الشعب الفلسطيني نفسه. كما ان الاقتصاد الاسرائيلي دفع اكلافا هائلة ثمنا لتلك الاستراتيجية، وتكاد الكارثة تجهز نهائيا علي اسطورة الرفاه الاسرائيلي، وتقرب خزينة الدولة من حدود الافلاس المحتم، كما يصرح بذلك خبراء اسرائيل نفسها، وفي مقدمتهم نتنياهو وزير المالية نفسه.

اما المغزي السياسي لاتفاقية جنيف فهو متعدد الاتجاهات، من ناحية اسرائيل فان شارون يمكنه ان يتابع العنف الشامل الوحشي لكنه لا يمكنه ان يفوز بالسلام. ومن الناحية الفلسطينية فان المقاومة توقع ضحايا يومية لكنها لا يمكنها ان تقايض علي بقاء فلسطين وقضيتها حية مقابل الامن الذليل والاستكانة للمشروع الصهيوني. اما بالنسبة لأوروبا الحاضنة لاتفاقية جنيف فهي تري في انعاش حركة السلام اقليميا ودوليا ما يضع حدا لسياسة شارون ولا مبالاته بالرأي العام الانساني والدولي من حوله. كما ان الاحتفال العالمي الضخم الذي صاحب توقيع الوثيقة قد يحرك جمود امريكا ويدفعها الي انعاش (خارطة الطريق) ومحاولة التقريب بينها وبين مبادرة جنيف غير الحكومية وفوق هذا وذاك لا ننسي ان الاتحاد الاوروبي قد يجد لذاته كذلك دورا ما بعد طول اهماله امريكيا بشكل خاص. هذا مع العلم ان تيارات يهودية علمانية كثيرة رحبت بالمبادرة في باريس وغيرها من عواصم القارة ذات الصلة بالمعضلة الاسرائيلية الي درجة انه يمكن اعتبار الوثيقة نتاجا اوروبيا خاصا وفرنسيا خاصة.

اما بالنسبة للمصلحة الفلسطينية والعربية، فالاتفاقية ليست ملزمة لاحد علي الصعيد الرسمي. وهي لا تصب علي رأس فلسطين والعرب قدرا محتوما كما كان الحال مع اتفاقية اوسلو. والمجال رحب امام منتقديها كما امام المدافعين عنها. وهي بالطبع لا يمكنها ان تحقق معجزات خارج خط التنازل الدائم المفروض دائما علي الجانب الفلسطيني. ولعل الوصول صراحة واخيرا الي اخطر هذه التنازلات مع اهمال حق العودة سوف يجعل معسكر الناقدين والرافضين فلسطينيا وعربيا، هو الاوسع والاقوي والاشد حضورا مباشرا وفعالية مؤثرة. لكن معركة الاخذ والرد، واحتدام النقاش مجددا، انطلقت من الوسط الاسرائيلي نفسه الذي يغادر فجأة سلبيته ازاء فجائية الحدث الجديد، وضخامة الاهتمام الدولي المتنوع الذي يصاحبه. فيكتشف علي الاقل افلاس الشارونية في تحقيق اية اهداف ايجابية له سوي المزيد من خسارة اسرائيل والصهيونية لأهم رصيد لها في اوروبا من ذلك الدعم غير المشروط لبناء دولتها وحمايتها وتغذيتها منذ البداية. والمزيد من انفضاض الرأي العام الثقافي والاعلامي من حول المشروع الصهيوني كلية. وربما اصبح هذا التبدل الكبير اول منعطف حاسم في قصة التبني الكامل والاحتضان غير المشروط للمسألة اليهودية عامة من قبل اوروبا الرسمية والاعلامية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وزرع اسرائيل في خاصرة الوطن العربي.

كالعادة لعبت فرنسا دورة القاطرة في انتاج هذا المنعطف وتسويقه سياسيا، والفضل في ذلك انما يرجع الي المذهب الشاروني في ارتكاب اوقح الفظائع العلنية ضد ابسط حقوق المجتمع المدني الفلسطيني واستهتاره المتمادي بأخف اشكال المعارضة التي مارسها بعض قادة الاتحاد الاوروبي، الي ان طفح الكيل، وتعاظمت ردود الفعل الشعبية الشاجبة للعنف الاسرائيلي الفالت من عقاله، والمتحدي للرأي العام العالمي كله وليس الاوروبي وحده، بالمشاهد اليومية لتدمير بيوت الفلسطينيين وجرف مزارعهم وتشريد فقرائهم وقتل شبابهم واذلال انسانيتهم المستضعفة. هذا ان لم نقل ان الانتفاضة الثانية قد نجحت في نقل الهم الفلسطيني الي اوساط الهيئات المدنية وتيارات العولمة البديلة التي راحت تجدد اليسار الاوروبي، وتعيد فعاليته الي قلب الحدث السياسي. قامت القضية الفلسطينية ومعها العراقية في واجهة الشعارات (الثورية) وتحركات الهيئات المناوئة للامركة. وقد ظهرت اسرائيل الشارونية خاصة كالحليف الاول وشبه الوحيد لعقيدة اليمين المسيحي المتصهين المسيطر علي ادارة بوش. وشعرت اوروبا الرسمية ان التحالف الامريكي الصهيوني بعد احتلال العراق خاصة يستهدف مصالحها في مشرق العالم العربي ومغربه، وقد امست مهددة بالتحجيم المدروس، اذا لم يكن بالطرد المنظم. الي جانب ان ظاهرة معاداة السامية قد انتعشت. وان صراع الاقليتين العربية واليهودية يكاد يفلت من سيطرة الدولة الفرنسية وسواها، ما يعني بكلمة واحدة انه لم يعد بالامكان حصر النار في موضعها الجغرافي المحدود، وان اوروبا مطالبة بالتدخل والتصدي بكل السبل المتاحة لوقف المجزرة الشارونية، مهما كلف الامر. فكانت مبادرة جنيف هي الصيغة الاولي لتحريك ظروف الجمود واللامبالاة المحيطة بالحل السلمي. قد لا تكون البديلة عن خارطة الطريق الامريكية، لكنها توقظها من سباتها المفتعل وهذا ما حدث تقريبا عندما شرع باول في اصدار التصريح تلو الآخر رافضا موت الخارطة، وان تعثرت وهي في اول (الطريق)، بسبب تعلق شارون بمشروعه الاستئصالي، ومساندة بوش له بكل افعاله، حتي ضد مصالح دولته، الا انها تخدمه في حملته الانتخابية المحتاجة اصلا الي الصوت اليهودي مهما كان ثمنه فضلا عن كون بوش نفسه ضالعا في تبني عقيدة المسيحية الصهيونية وسيطرتها علي مراكز القرار في ادارته.

غير ان المأزق الامريكي المتفاقم في العراق يفرض علي واشنطن عدم التورط في جبهتين معا خلال وقت واحد. فالتهدئة علي الجبهة الفلسطينية شرطها الاول العودة الي اجواء المفاوضات، وهذا بالضبط ما حققته حتي الآن مبادرة جنيف. انها جاءت ثمرة لمفاوضات طويلة، يقال انها بدأت منذ ثلاث سنوات وبصورة سرية. ولم تكن سلطة عرفات بعيدة عنها ان لم تكن ساعية وواعية لها، من ما وراء كل الاحداث الهائلة التي حفلت بها سنوات الصراع الدامي الاخير بين الانتفاضة الثانية والهجمة الاحتلالية لشارون وآلته الحربية علي الضفة. اي ان مبادرة جنيف مشابهة تماما لاتفاقية اوسلو من حيث ان كليهما ولدتا في جو السرية ومن ما وراء الاحداث الجارية، احداهما نمت وترعرت وراء مؤتمر مدريد والغت نتائجه (القومية) عمليا، والثانية تسير ما وراء الانتفاضة وتنجز ما يسمي باتفاقية شعبية هذه المرة ولا دخل للحكومات فيها، وان كانت سلطة رام الله ضالعة فيها من البدء حتي الثمرة النهائية التي خرجت هي كذلك فيما يشبه احتفالا دوليا شاركت فيه رموز شخصية عالمية لمعسكر السلام، وان كان التمثيل الفلسطيني هو الاقل عدديا ونوعيا، والعربي العام كان معدوما. وعلي كل حال لم تفز المبادرة بشعبية فلسطينية او عربية، بل بمعارضة شبه جماعية من مختلف الفصائل المناضلة التي كرست رفضا وادانة رسمية لها خلال اجتماعها في القاهرة للتفاهم حول هدنة جديدة من ايحاء امريكي واخراج مصري كالعادة.

هذا لا يعني ان (استراتيجية) السلام والتفاوض لا تزال تخيم علي توجهات القادة الفلسطينيين والعرب المعنيين لكن الاختلاف والاستقطاب يقع دائما حول الطريقة والمضمون، وايقاع الظروف السياسية العامة المحيطة، واليوم فان جو الصراع هو علي اشده في فلسطين كما في العراق. وشارون رغم خسارته العملية لاية ثمار (ايجابية) تنجم عن سياسة العنف بشتي وسائله اللاانسانية، الا انه لا يبدو انه عازم علي وقف القتل والاجتياحات اليومية ولا يخيفه ان اكثر من ثلث شعبه يؤيد مبادرة جنيف، وان زعماء الامس السابقين صاروا حمائم سلام وان اكثر نخب المجتمع المدني الاسرائيلي راحت تنفض من حوله، ما يهدد بانقلاب نوعي في طبيعة الرأي العام الذي كان يساند العنف الشاروني في مختلف تطوراته الارهابية، فالتحول نحو اي سلام غير موهوم ينبغي ان ينطلق مبدئيا من معطيات الظروف الاسرائيلية داخليا، ومن صميم العقيدة الصهيونية نفسها. وقد اثبتت تجربة اوسلو البائسة ان مصطلح التفاوض حسب العقلية الصهيونية لا يعني سوي ايقاع الهزيمة النهائية في الطرف الآخر وبموافقته وتوقيعه علي صك انهزامه الاخير بيده. وكاد ان يحدث هذا في كمب ديفيد لولا اعتصام عرفات فجأة بالموقف الرافض الذي اجهز علي اوسلو ومسح سنوات التفاوض العقيمة. فالمقاومة في انتفاضتها الاولي والثانية، وربما الثالثة القادمة كذلك، ليست سوي رد فعل علي جمود الصهيونية عند مبدئها الاصلي القائم علي الغاء الآخر ارضا وشعبا. وهي التي تمثلها افضل تمثيل الليكودية كما تمارسها حكومة الليكود.

كل مبادرات السلام بالمقابل حتي لو انكر بعضها، او آخرها وهي اتفاقية جنيف، حق العودة الذي يشكل جوهر القضية الفلسطينية لا يمكن ان تنهي الصراع ان لم تنفصل اسرائيل عن الصهيونية وتتحول الي مجرد دولة عادية. والا فكل شيء مؤجل، الا الاقتتال وحده، فهل ينبغي الانتظار حتي ينتهي الافتعال هذا، ومن ثم يفتح طريق التفاوض نحو النتيجة المحتومة، وهي ان يسجل المنتصر النهائي وحده الحل الذي يلائمه رغما عن الآخر المنهزم والذي امسي خارج اللعبة تماما. هل يتمكن حلف الحكماء او العقلاء كما دعاه يوسي بلين من مواجهة هذه الحقيقة وهي ان المبادرة الحقيقية لا تزال في الملعب الاسرائيلي وحده وحكمائه النادرين.