نقل السلطة في العراق:

تغيير في الاستراتيجية؟

 

 

 

بقلم : عمر كوش 

 

فكرة التعجيل في نقل السلطة إلى العراقيين، هي فكرة ظلت ترفضها بشدة الإدارة الأميركية، خصوصاً إثر <<الانتصار>> السهل على نظام صدام حسين، حيث وصلت الغطرسة الأميركية إلى أوجها في ذلك الوقت، وبات المتشددون في الإدارة الأميركية يتحدثون عن معاقبة الدول التي عارضت الحرب الأميركية على العراق، مثل فرنسا وألمانيا. أما اليوم فقد بدأت هذه الفكرة تأخذ طريقها إلى حيّز التنفيذ، وذلك عبر الإعلان عن السعي لتشكيل مجلس حكم وطني، ثم حكومة موقتة بحلول الصيف القادم، ونقل السلطة إلى حكومة منتخبة مع نهاية العام المقبل. وهذا يعني إلغاء الشرط الأميركي القاضي بصياغة وإقرار دستور عراقي قبل نقل السلطة إلى العراقيين، الأمر الذي يثير أسئلة حول إمكانية حدوث تغيّر ما في الاستراتيجية الأميركية حيال العراق المحتل، أو إمكانية حدوث تغير في تكتيك المواجهة في العراق.

لا شك في أن اشتداد واتساع عمليات المقاومة العراقية ضد قوات الاحتلال، جعلا إدارة الرئيس بوش تدرك جيداً حجم المقاومة وتوطد وجودها في معظم أنحاء العراق تقريباً، وان تعدادها، ليس كما يذهب إليه بعض القادة العسكريين ومنهم الجنرال أبو زيد في أنه لا يتعدى الخمسة آلاف شخص، بل يقدّر على الأقل، حسب معطيات أحدث تقرير لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بنحو خمسين ألف شخص، وربما أكثر من ذلك. وقد جاء هذا التقرير بعد أن أثبتت العمليات الأخيرة الموجعة، وبالأخص إسقاط أكثر من مروحية أميركية، وتفجير مقرّ القوات الإيطالية في الناصرية، أن المقاومة قادرة على توسيع نطاق عملياتها وتنوّعها من جهة أساليب الهجمات وأماكنها وأهدافها، لذلك يحذر هذا التقرير من أن <<الوضع الأمني قد يسوء في كل الأراضي العراقية وليس في العاصمة وحدها>>.

وفي ظل هذا الوضع أضحت الإدارة الأميركية تعي تماماً استحالة المحافظة على أمن قواتها، والقوات الأخرى من دول <<تحالف الراغبين>>، وسط أجواء العداء التي تتزايد بين أوساط العراقيين المطالبين باسترداد سيادة بلدهم وإدارته سياسياً واقتصادياً، واسترداد موارده ومقدراته الاقتصادية.

ويأتي اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الأميركية خصوصاً مع تضاؤل التأييد الشعبي الأميركي للتورط في العراق، كي يضغط على إدارة الرئيس بوش للبحث عن استراتيجية للخروج من العراق، لا تفضي إلى مزيد من زعزعة استقرار هذا البلد المدمر، ولا تنقص كذلك من الأهداف الاستراتيجية والنتائج المرجوة، التي خاضت من أجلها الولايات المتحدة حربها ضد هذا البلد.

وفي وقت تواصل فيه الإدارة الأميركية استبعاد فكرة إرسال تعزيزات أميركية إلى العراق، فإنها تدرس إمكانية إجراء انسحاب مرحلي للقوات الأميركية الموجودة على الأرض، بحيث يحل محلها الجيش العراقي الذي يجري تشكيله مجدداً. وهذه الفكرة خطيرة جداً، كونها تذكرنا على نحو مبهم بخطة نيكسون الهادفة إلى فتنمة الحرب في <<فيتنام>>. وفي هذا السياق يمكن فهم حديث وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد عن عرقنة (من عراق) الحرب لمواجهة المقاومة، أو العصيان حسب مفهومه، وذلك باستبدال القوات الأميركية بقوات أخرى، عراقية طبعاً، وفقاً لجدول زمني مرحلي ومحدد. وحالياً، هنالك مئة ألف عراقي يخدمون في الجيش النظامي الذي تعده القوات الأميركية، في حين تعتزم السلطات الأميركية بعد هذا استدعاء ما يكفي من العراقيين لتشكيل 27 كتيبة، ويأمل رامسفيلد في تجميع 200 ألف عراقي بحلول السنة المقبلة.

هكذا، وبعد أن فشلت الولايات المتحدة الأميركية في إقناع المجتمع الدولي لمساندتها في إدارة احتلال العراق، وفشلت في تحقيق توافق دولي في مؤتمر الدول المانحة في مدريد، وعجزت في مواجهة ضربات المقاومة، فإنها تغير من سياستها المتبعة، باحثة عن صيغة جديدة لحكم العراق. ويبدو أن أكثر ما تبحث عنه الإدارة الأميركية في نقل السلطة إلى العراقيين هو اعتمادها عليهم في مسائل الأمن، ولكي يتحقق ذلك لا بد من تغيير السلطة العراقية، شكلاً ومضموناً، وتطوير صلاحياتها. لكن الخشية تأتي من أن يتم نقل شكلي للسلطة إلى عراقيين ترضى عنهم الإدارة الأميركية على النمط الأفغاني، ومن باب إبقاء الدائرة مغلقة بين الأميركيين وعراقييهم، بما يجعل الأميركيين مخططين ومشرفين على عراقيين يرضون بالاحتلال، ويمكنهم الاشتراك بفعالية في حرب ضد الفئات العراقية الأخرى المناهضة للاحتلال.

إذاً، الخشية تأتي من استراتيجية <<خروج>> أميركية من العراق، تتضمن إيصال عراقيين يتعاونون مع الإدارة الأميركية إلى سلطة الحكم فيه، وهي استراتيجية سيكتب لها الفشل. وهنا نذكر البيان الذي أصدرته شخصيات عراقية بغدادية نشر الأربعاء الماضي في الصحافة العربية، وحذر من مغبة الدفع إلى سلطة الحكم في العراق بعراقيين متعاونين مع المحتل، ومن مغبة سلطة تحوّل الأمر الصادر عن المحتل إلى قوانين تشرّع نهب ثروات البلاد، وترضى بارتهان البلد سياسياً.