الخطر على الهوية العربية
بقلم : محمد
السماك
في صيف عام 1982 كانت
القوات الاسرائيلية تقصف بيروت من البر والبحر والجو، وتفرض عليها حصارا عسكريا
خانقا، وتقطع عنها الماء والكهرباء.
حدثني رئيس الحكومة
في ذلك الوقت المرحوم شفيق الوزان فقال انه كان ينقل لرئيس الجمهورية المرحوم
الياس سركيس شكوى الناس ومعاناتهم. وكان يقول له ان الناس يستطيعون في ظل الحصار
ان يعيشوا بلا كهرباء ولكنهم لا يستطيعون ان يعيشوا بلا ماء. فكان الرئيس سركيس
يبدي حزنا وألماً ويبادر على الفور الى الاتصال بخادم الحرمين الشريفين الملك فهد
بن عبد العزيز بالرياض طالبا منه المساعدة، فيتصل الملك بالرئيس الاميركي رونالد
ريغان في واشنطن، فيتجاوب ريغان ويتصل برئيس الحكومة الاسرائيلية مناحيم بيغن في
القدس المحتلة، فيتصل بيغن بقائد <<القوات اللبنانية>> بشير الجميل في
مركز قيادته في ضاحية بيروت الشرقية (الكرنتينا)، فيعد الجميل بالسعي لاعادة ضخ
المياه الى بيروت ويبلغ بيغن بذلك، الذي ينقل هذا التعهد الى ريغان، وبدوره ينقله
الى الملك فهد، فيحمل البشرى بالنبأ السعيد الى الرئيس سركيس. وبالفعل يعاد ضخ
المياه الى بيروت ولكن ذلك لا يستمر اكثر من الوقت الذي كانت تستغرقه تلك
الاتصالات، اذ سرعان ما تعود المياه الى الانقطاع بعد يوم او يومين وأحيانا بعد
ساعات فقط، لتستأنف الاتصالات من جديد.
في هذه الاثناء، كانت
تجري دورة المونديال بكرة القدم. وكان العرب كغيرهم من شعوب العالم مسمّرين امام
شاشات التلفزيون يتابعون مباريات البطولة الدولية وينتقلون من مباراة الى اخرى
بحماسة منقطعة النظير، وكان هذا الاهتمام الرياضي يحجب رؤية وقائع الجريمة
المتواصلة في بيروت وما تسفر عنه يوميا من سقوط الضحايا بالعشرات ومن تدمير مرافق
المدينة ومبانيها العامة والخاصة على أيدي القوات الاسرائيلية الغازية.
كان من الطبيعي ان
يؤدي هذا الامر الى خيبة امل لبنانية من العرب الذين بدا تصرفهم في ذلك الوقت
وكأنه تخلّ عن لبنان في محنته، خاصة بعد ان احتلت اسرائيل العاصمة بيروت بعد قصف
وحصار استمرا 82 يوما.
تؤهلنا هذه التجربة
المؤلمة لادراك مشاعر شعوب عربية اخرى مرت او تمر في محن ومصائب مشابهة.
فالكويتيون شعروا
بخيبة امل مريرة من العرب الذين لم يتصدوا للغزو العراقي لبلادهم في عام 1990. والعراقيون
شعروا بخيبة امل مريرة ايضا من العرب الذين تعاونوا مع النظام العراقي السابق الذي
كان يمارس بحقهم اقصى انواع الاستبداد والتنكيل على مدى عقود طويلة.
والسودانيون شعروا
ويشعرون بخيبة امل مريرة كذلك من العرب الذين لا يقدمون لهم الحد الأدنى من الدعم
لمواجهة خطر انفصال الجنوب عن الشمال. والمغاربة والجزائريون يشعرون معا، كل من
زاوية مختلفة، بخيبة امل مريرة من العرب الذين لم يبادروا الى التدخل لحل قضية
الصحراء الغربية المتفجرة منذ عام 1974، وكأن الامر لا يعنيهم من قريب او من بعيد.
والموريتانيون أفقر شعوب العرب يشعرون بخيبة امل من عدم مد يد العون اليهم وهم
يرون كيف ينفق بعض العرب الملايين من الدولارات يوميا على الملاهي وأندية القمار
في أوروبا.
ولقد بلغت خيبة الامل
التي عصرت قلب الزعيم الليبي معمر القذافي حدا دفعه الى الانسحاب من جامعة الدول
العربية، فأدار لها ظهر المجنّ وتوجه نحو افريقيا طارحا مشروعا لوحدة افريقية على
غرار الوحدة الاوروبية.
ولا شك في ان
الفلسطينيين هم اكثرنا معاناة، وأشدنا عتباً على العرب. فلدى الشعب الفلسطيني شعور
قوي بأنه متروك لمواجهة الاحتلال الاستيطاني الاسرائيلي والجرائم الجماعية
المتمادية التي يرتكبها.
والسؤال الهام
والخطير هو الى اين تقود خيبات الأمل هذه العلاقات العربية العربية؟ وما هي آثارها
المستقبلية على <<الاخوّة العربية>>. وعلى <<التضامن العربي>>،
وعلى جامعة الدول العربية، وبالتالي على الهوية العربية؟
ثم اين تتقاطع هذه
الخيبات المتعددة الاسباب مع التطلعات القومية للأكراد في العراق؟ ومع التطلعات
المماثلة للأمازيغ البربر في المغرب والجزائر؟ ومع انتعاش الدعوة الى الفرعونية في
مصر؟
وأين تتقاطع كذلك مع
مشروع اعادة تركيب الشرق الاوسط الذي تتبناه الولايات المتحدة والذي يشكل احتلال
العراق مدخلا له، وهو المشروع الذي يؤسس لنظام سياسي جديد يقوم على الأمن الاقليمي
بدلا من الأمن القومي. وهل يمكن الاحتفاظ بالهوية العربية للمنطقة بقيام دولة
كردية واخرى امازيغية، وبانضمام تركيا وايران واسرائيل الى الشرق الاوسط الجديد؟
لقد تعددت خيبات
الأمل من التعاون العربي المشترك من موريتانيا التي دفعتها الخيبة الى الارتماء في
احضان اسرائيل، حتى الصومال التي أدت بها الخيبة الى الغرق في سلسلة لامتناهية من
الحروب الاهلية المدمرة، حتى ان الكوارث الانسانية المترتبة على هذه الحروب لم تعد
تشكل خبرا يستحق الاهتمام في الصحافة العربية نفسها!
وهكذا، بدا وكأن كل دولة
عربية تجد نفسها معزولة او منعزلة بحيث تضطر الى السعي لاقتلاع أشواكها الدامية
بأناملها، من دون ان تتوقع مساعدة او حتى تعاطفا من اي دولة عربية اخرى. فإذا نجحت
في مسعاها فإن نجاحها يؤكد صحة عدم حاجتها الى <<الاشقاء العرب>> ويبرر
التخلي عنهم، ويكرّس بالتالي نزعة التصرف الانفرادي دون مراعاة حسابات الصالح
العربي العام، واذا فشلت، فان فشلها يوظف لتبرير تصعيد حملة اتهام هؤلاء الاشقاء
العرب بالتقاعس عن القيام بمسؤولياتهم والوفاء بالتزاماتهم القومية، الامر الذي
يصور الجنوح نحو العزلة والانعزال وكأنه مجرد رد فعل منطقي تفرضه المصالح العليا
للدولة. وفي الحالتين تتراجع مشاعر الارتباط بالهوية العربية، وتتسارع عملية
التخلي عنها كمن يتخلى عن ثوب بالٍ.
لا شك في ان من
العوامل المساعدة في عملية التخلي هذه توفر بدائل دولية واقليمية مشجعة.
بعض هذه البدائل
جاهز، وبعضها يمكن تفصيله وحياكته وفقا للمقاييس والمعايير التي تتطلبها المرحلة. فهناك
ثوب النصف عروبة. وهناك ثوب الربع عروبة. وهناك استعداد للتعري الكامل عن العروبة.
وثمة حالات تقمّص لهويات جديدة مما يعطي صورة عن واقع العالم العربي اليوم وكأنه
مأوى للقطاء لا تُعرف اسماء آبائهم لتسميتهم بها!
في صيف 1980، اي قبل
اكثر من عقدين من الزمن، ألقى شارون، وكان وزيرا للدفاع، محاضرة في مركز الدراسات
العسكرية في تل ابيب، حول رؤية اسرائيل للعالم العربي وكيفية التعامل معه في
المستقبل. وقد نشرت وقائع تلك المحاضرة صحيفة <<معاريف>> بتاريخ 18
ديسمبر كانون الاول 1981. قال الجنرال شارون ما ترجمته:
<<ان إسرائيل
تصل بمجالها الحيوي الى أطراف الاتحاد السوفياتي شمالا، والصين شرقا، وافريقيا
الوسطى جنوبا، والمغرب العربي غربا.. فهذا المجال عبارة عن مجموعات قومية وإثنية
ومذهبية متناحرة. ففي الباكستان شعب <<البلوش>>، وفي إيران يتنازع على
السلطة كل من الشيعة والاكراد، وفي تركيا الاكراد والمسألة الأرمنية، أما في
العراق فمشكلاته تندرج في الصراع بين السنة والشيعة والأكراد، في حين ان سوريا
تواجه مشكلة الصراع السني العلوي، ولبنان مقسوم على عدد من الطوائف المتناحرة،
والاردن مجال خصب لصراع من نوع فلسطيني بدوي، كذلك في الامارات العربية وسواحل
المملكة العربية السعودية الشرقية حيث يكثر الشيعة من ذوي الاصول الايرانية، وفي
مصر جوّ من العداء بين المسلمين والاقباط، وفي السودان حالة مستمرة من الصراع بين
الشمال المسلم والجنوب المسيحي الوثني، أما في المغرب فالهوّة ما بين العرب
والبربر قابلة للاتساع>>.
هذا التصوير للعالم
العربي لم يقتصر على الجنرال شارون وحده. ففي دراسة حول <<استراتيجية
اسرائيل في الثمانينيات>> نشرتها مجلة <<ايغونيم>> (الحقيقة) الفصلية
في عددها الصادر صيف 1981، تفاصيل محددة حول البرنامج التفتيتي الذي تعمل اسرائيل
على تنفيذه في العالم العربي.
تقول الدراسة:
<<في المدى
البعيد لا يستطيع العالم العربي البقاء ببنيته الحالية في المناطق المحيطة بنا، من
دون تقلبات فعلية. ان العالم العربي الاسلامي مبنيّ مثل برج ورقي موقت، شيّده
أجانب (فرنسا وبريطانيا في العشرينيات)، من دون اعتبار لإرادة السكان وتطلعاتهم. فقد
قسم الى 19 دولة، كلها مكونات من تجمعات من الأقليات والطوائف المختلفة التي يناصب
بعضها البعض العداء. وهكذا، فإن كل دولة عربية اسلامية تتعرض اليوم لخطر التفتت
الاثني الاجتماعي في الداخل، لدرجة ان بعضها تدور فيه الآن حروب أهلية>>.
والآن توجه اسرائيل
سكين التقسيم الى العراق اعتقادا منها أن ما فشلت في تحقيقه في لبنان يمكن ان
تحققه في العراق، ومن ثم في المنطقة كلها من خلال العراق.
فقد وصفت دراسة <<استراتيجية
اسرائيل في الثمانينيات>> العراق بأنه بوابة عريضة لمشروع تجزئة المنطقة
العربية. وتقول الدراسة في هذا الشأن:
<<ان العراق
الغني بالنفط من جهة، والذي يكثر فيه الانشقاق والاحقاد في الداخل من جهة أخرى، هو
المرشح المضمون لتحقيق أهداف اسرائيل. ان تفتيت العراق هو أكثر أهمية من تفتيت
سوريا. فالعراق أقوى من سوريا، وقوته تشكل في المدى القصير خطرا على اسرائيل أكثر
من أي خطر آخر. وحرب عراقية سورية، او عراقية ايرانية سوف تفتت العراق وتؤدي به
الى انهيار في الداخل قبل ان يصبح في إمكانه التأهب لخوض صراع على جبهة واسعة ضدنا.
وكل مواجهة بين الدول العربية تساعدنا على الصمود في المدى القصير، وتختصر الطريق
نحو الهدف الأسمى وهو تفتيت العراق الى شيع مثل سوريا ولبنان. وفي العراق سوف يكون
التقسيم الاقليمي والطائفي متاحا، كما كان الوضع في سوريا في العهد العثماني. وهكذا
تقوم ثلاث دول (أو أكثر) حول المدن العراقية الرئيسية: البصرة وبغداد والموصل، إذ
تنفصل مناطق شيعية في الجنوب عن الشمال السني والكردي بأكثريته. ولعل المواجهة
الايرانية العراقية تؤدي الى ازدياد حدة هذا الاستقطاب اليوم>>. هذا الكلام
نُشر وكُتب وأذيع في عام 1980. أي قبل 23 عاما من اجتياح العراق. ولكن العرب لا
يقرأون.
بعد الهزيمة العربية
في فلسطين في عام 1948 (النكسة) انتشرت مشاعر الاحباط والتقوقع.. ثم زالت مع قيام
الثورة المصرية. وبعد هزيمة 1967 برزت هذه المشاعر من جديد، ولكنها سرعان ما تلاشت
مع حرب رمضان 1973. وما يجري الآن لا يختلف في منطلقاته وفي تبريراته عن السوابق
التي مرّ بها العالم العربي. فالعروبة انتماء وهوية وتضامنآً قد تنحسر.. وهي الآن
في حالة انحسار فعلا، ولكنها ليست في حالة احتضار.. ولن تموت.