مبادرة جنيف: بعض الأرض مقابل حق الشعب
بقلم :د. أحمد
يوسف أحمد
شهدت مدينة جنيف يوم
الاثنين الموافق الأول من ديسمبر إطلاق ما يعرف بمبادرة جنيف. حظيت المبادرة
بتأييد دولي لاسيما أوروبي لكنها أشاعت انقساماً واضحاً في الصفوف الإسرائيلية
والفلسطينية وارتباكاً أوضح في الموقفين الأميركي والعربي. رأى البعض أن في هذا دليلاً
على توازن المبادرة. بينما رآه فريق آخر نذير شؤم على إمكان تطبيقها. فكيف يمكن
للمرء أن يتعامل مع مبادرة كهذه بنهج موضوعي يستحيل بطبيعة الحال أن يكون خلواً من
مواقف سياسية مسبقة؟
أعتقد أن ثمة ملاحظات
أربع يمكن أن ترد على هذه المبادرة وأن تشكل ما يشبه جدول أعمال لحوار حقيقي وجاد
لها:
تعنى الملاحظة الأولى
بالمبادرة ذاتها، وهي في هذا الإطار تعد دون شك خروجاً على الثوابت الفلسطينية
والعربية إذا جاز التعبير لأن هذه الثوابت تعرضت لتغييرات كثيرة، لكن أحداً لن
يجادل أن حق العودة ضمن الثوابت الفلسطينية، وأن استرداد القدس الشرقية ضمن
الثوابت الفلسطينية وكذلك العربية المتغيرة. في هذا الصدد تنازل الطرف الفلسطيني
في المبادرة عن حق العودة، وقبل بعودة منقوصة للقدس الشرقية، وهو ما يتناقض مع
المواقف الفلسطينية الرسمية المعلنة بخصوص القدس ومع كل مبادرات التسوية العربية
شديدة المرونة وآخرها مبادرة قمة بيروت 2002 التي لم تشر من قريب أو من بعيد إلى
أحياء تحت السيطرة الإسرائيلية في القدس الشرقية. وقد يقال بحق إن قبول الطرف
الإسرائيلي في المبادرة بسيادة فلسطينية على أجزاء من القدس الشرقية يعد تقدماً
إلى الأفضل مقارنة بالموقف الإسرائيلي الرسمي، غير أنه لابد أن يكون هناك مقياس
ثابت تقيم به الأمور بحيث لا نهلل لأي تغير في الموقف الإسرائيلي -رسمياً كان أو
غير رسمي- مهما بلغت ضآلته. كذلك قد يقال إن قرار الجمعية العامة رقم 194 الخاص
باللاجئين الفلسطينيين والذي يقبله الفلسطينيون والعرب يخير اللاجئين بين العودة
أو التعويض بمعنى أن التعويض سبيل متفق عليه، فلماذا يرفض إن كان من شأن قبوله
تسهيل حل الصراع؟ غير أن القرار أعطى الحق الوحيد في الاختيار بين الأمرين للاجئين
أنفسهم وليس لمن يتفاوض بالنيابة عنهم ناهيك عن أن يكونوا ممثلين لهم.
كذلك من الواضح من
المبادرة أن دولة فلسطين ستكون مجردة من السلاح ولا يهم هذا كثيراً إن تم ضمان
حدودها دولياً بطريقة أو بأخرى. وأن ثمة قوات متعددة الجنسيات ستتمركز على أرضها،
ومن الممكن تسويغ ذلك أيضاً إن كانت له وظيفة إيجابية. غير أنه من الواضح من قراءة
نص الوثيقة أن ثمة وجوداً عسكرياً إسرائيلياً سيبقى لحماية المستوطنات التي لن تتم
تصفيتها أو الأجزاء التي ستبقى تحت السيادة الإسرائيلية في القدس الشرقية بما في
ذلك وجود عسكري ضمن القوة متعددة الجنسيات. وهو ما يعني أن مبدأ الانسحاب من كامل
الأراضي المحتلة في حرب 1967 لن يطبق بشكل كامل على الأراضي الفلسطينية.
تبدو الملاحظة
الثانية منطوية في تقديري على دلالة إيجابية للمبادرة، إذ يمكن النظر إليها
باعتبارها من تداعيات تطور حركة التحرر الفلسطيني في مرحلتها الراهنة. فالسعي إلى
المبادرة وإطلاقها يمثل في جانبه الآخر إفلاساً كاملاً لسياسة اليمين الإسرائيلي
المتطرف الذي يحكم "إسرائيل" حالياً بزعامة شارون. وهو ما يفسر الحدة
والعصبية التي تحدثت بهما دوائر إسرائيلية رسمية عن المبادرة. ولا يستطيع المرء أن
يتجاهل تراكم المؤشرات على إرهاصات الرفض من قبل قطاعات مهمة في المجتمع
الإسرائيلي لسياسات شارون: في البدء كان تمرد الطيارين الذي سارع البعض بالقول إنه
حدث معزول لن تتسع آثاره. ثم كان انتقاد رئيس الأركان الإسرائيلي لسياسات حكومته،
ثم انتقادات رؤساء سابقين لجهاز الأمن الإسرائيلي للسياسات نفسها، ثم خطة حزب
العمل الجديدة للتسوية، ثم تقارير عن قلق لدى قطاعات واسعة من الرأي العام
الإسرائيلي لعجز حكومته عن إيجاد مخرج من النفق على رغم كل ما وظفته من قوة عسكرية
تدريبية هائلة في مواجهة الأرض والشعب في فلسطين. ولذلك فإن المرء يمكنه أن يقرر
أن الشعب الفلسطيني في مقدوره لو أحسن التوصل إلى صيغة للوحدة الوطنية يواصل من
خلالها نضاله من أجل حقوقه المشروعة أن يفاقم من هذه المؤشرات وأن يدفع الاتجاهات
نحو التسوية داخل المجتمع الإسرائيلي إلى نقاط أقرب كثيراً إلى الحد الأدنى الذي
لا يمكن للفلسطينيين أن يتنازلوا بعده.
أما الملاحظة الثالثة
فتتعلق بموقع المبادرة من التوصل إلى تسوية للصراع على أرض الواقع، لقد صرح البعض
ممن يعتبرون المبادرة إيجابية أنها تثبت إمكان التوصل إلى اتفاق نهائي لتسوية
شاملة حيث إنها تضمنت حلولاً لكافة قضايا الوضع النهائي. والواقع أن هذا الرأي
ينطوي على تبسيط مغالى فيه للأمور. لا يجب أن ننسى أولاً أن صياغة المبادرة قد
استندت أصلاً إلى رؤى تمتد جذورها الزمنية لسنوات، لكن هذا ليس هو المهم، فالمهم
هو أن المبادرة يمكن اعتبارها بقدر من التجاوز مساوية لتوصيات الندوات التي تشارك
فيها مجموعات من المثقفين والمحللين، فأطراف المبادرة أشخاص غير رسميين وإن كانت
لهم أدوار رسمية سابقة، ناهيك عن أنه من المؤكد أن القيادة الفلسطينية كانت على
علم بتطورات الجهود التي سعت إلى إطلاق المبادرة. ومع ذلك يجب ألا يكون خافياً أن
وضع المبادرة موضع التنفيذ يتطلب معارك سياسية هائلة على الساحتين الإسرائيلية
والفلسطينية، وفي هذه المعارك لن يكون كافياً أن يسقط شارون من فوق كرسي الحكم،
وإنما يجب أن تتراجع قوة اليمين الإسرائيلي المتطرف إلى الحد الذي يسمح بتطبيق
المبادرة، وأن تتبنى قوى ما يسمى باليسار الإسرائيلي الأفكار المتضمنة، فيها وأن
يحدث تحول في الرأي العام الإسرائيلي الرافض حتى الآن بأغلبية 60% لمبادرة جنيف
نحو القبول بها، والشيء نفسه ينطبق على الساحة الفلسطينية التي يتعين فيها أن تقبل
فصائل المقاومة العسكرية والمعارضة السياسية ما ورد في المبادرة بخصوص قضايا الوضع
النهائي وهو ما يبدو من رابع المستحيلات حتى الآن، كذلك أن يقبل اللاجئون المقيمون
في الضفة الغربية وقطاع غزة ببساطة أن يتخلوا عن حقهم في العودة وحلمهم بها.
أما الملاحظة الرابعة
والأخيرة فتتعلق بجدارة المبادرة كآلية لحل نهائي للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. تنص
المبادرة ذاتها على ذلك غير أن واقع الحال يجعل من هذا الأمل ضرباً من ضروب
المحال، وهناك أسباب ثلاثة على الأقل تدعو إلى التوصل إلى هذا الحكم أولها: أن "إسرائيل"
قدمت في خبرتها التفاوضية مع العرب عامة والجانب الفلسطيني خاصة ما يفيد أنها
كدولة قادرة على النكوص عن التزامات تقيدت بها سواء على الصعيد القانوني أو على
الصعيد السياسي، وإن لم يكن هذا الأمر صحيحاً فأين الالتزام الإسرائيلي باتفاق
أوسلو الآن؟ وأين هو الالتزام بالتفاهم الذي تم مع سوريا في ظل حكم حافظ الأسد
ورابين؟ ويعني هذا أننا إذا كنا نقول إن تراجع اليمين في "إسرائيل" سياسياً،
وتوحد اليسار فيها حول المبادرة، وتحول الرأي العام نحو تأييدها شروط ضرورية
لدخولها إلى حيز التنفيذ العملي فليس هناك ما يضمن لنا على الإطلاق ألا يحدث نكوص
عن الالتزام بها في أية مرحلة من مراحل تطبيقها إذا تغير شرط أو أكثر من هذه
الشروط.
أما السبب الثاني فهو
أن مبادرة جنيف تتضمن من الحلول ما يفتح المجال واسعاً لاحتكاكات وتوترات مجتمعية
ورسمية مستقبلاً بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. ولنا أن نتصور الحياة
اليومية في القدس الشرقية في ظل تلك الترتيبات المعقدة التي تنص عليها المبادرة،
أو العلاقة بين المستوطنين الذين سيبقون في الأراضي الفلسطينية تحت حماية
إسرائيلية وبين أصحاب الأرض الفلسطينية خاصة إذا تطورت مستقبلاً حركات رفض
إسرائيلية لتسويات جنيف، أو مشكلات الرواق الآمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة بين
السيادة الإسرائيلية والإدارة الفلسطينية... إلخ. أما السبب الثالث والأخير فهو أن
مبادرة جنيف وإن كان من المنطقي أن تنصب على الشق الفلسطيني - الإسرائيلي في
الصراع بين العرب و"إسرائيل"، إلا أنها نسيت أن هذا الشق الذي قصرت
اهتمامها عليه له امتداداته العربية أو لعلها تجاهلته، وإن هناك ما لا يقل عن
أربعة ملايين لاجئ فلسطيني يحيط أربعة أخماسهم على الأقل بوطنهم الأم وترفض الدول
المستضيفة لهم -خاصة لبنان- توطينهم، فكيف يمكن لنا أن نتصور تأثير هذا النقص
الفادح في مبادرة جنيف على الأمن والاستقرار في المنطقة؟
قد يكون من الممكن
لنا بقدر أكبر من التسامح والفهم أن نوجه بعض كلمات الشكر لو أن كلمات الشكر هذه
قد تضمنت ما يفيد معنى أنه لم يكن في الإمكان أبدع مما كان، ذلك أن ما حدث كان
مجرد حجر كبير ألقي في الماء الراكد لعملية التسوية، وككل حجر يلقى في الماء أحدثت
المبادرة دوائر متسعة من ردود الفعل لكن حجر جنيف للأسف قد سقط في الوقت نفسه على
رؤوس ملايين من أبناء الشعب الفلسطيني من حقهم سياسياً وقانونياً أن يحلموا بحقهم
في العودة.
مدير معهد البحوث والدراسات العربية