اليهود وشعوب أوروبا

 

 

 

 

بقلم: أحمد عمرابي

 

 

 

ظاهرة تنامي العداء لليهود في أوروبا لم تعد محل خلاف، فحتى المنظمات اليهودية الأوروبية نفسها لم تعد تنكر الظاهرة.. بل على العكس أخذت تحذر علنا من تصاعدها. مع ذلك يحتدم خلاف جدلي حول سبب أو أسباب الظاهرة وطبيعتها:

 

هل هي موجة عابرة انبثقت من رد فعل أوروبي على تفاقم الوضع الفلسطيني في الأرض المحتلة على أيدي القوات الإسرائيلية وحملاتها الوحشية الدموية أم أن هناك أسباباً جذرية محلية تنحصر في الوجود اليهودي في أوروبا؟

 

الذين يصورون الظاهرة وكأنها انعكاس لما يجري في سياق قضية الشرق الأوسط يزعمون أن الظاهرة لا تعكس مشاعر عدوانية في أوروبا ضد اليهود بقدر ما تعكس تعاطفاً شعبياً مع الانتفاضة الفلسطينية منذ اندلاعها قبل ثلاث سنوات. والاستنتاج إذن هو أنه بمجرد هدوء الوضع في فلسطين بحلول حالة سلام فان ظاهرة الكراهية الشعبية ليهود أوروبا سوف تزول.

 

ولكن لماذا تتعاطف الشعوب الأوروبية مع الشعب الفلسطيني أصلاً؟ هذا هو السؤال الذي يتحاشى طرحه قادة المنظمات اليهودية في أوروبا ومن يشايعهم من بعض كبار السياسيين والمسئولين في الدول الأوروبية لأن أية محاولة للتوغل في شعاب الإجابة عن هذا السؤال سوف تنتهي حتماً إلى جذور الظاهرة.

 

فمثلاً يقول السياسيون الأوروبيون المتحالفون مع اليهود إن الشعوب الأوروبية تناصر الشعب الفلسطيني لأنها ترى أن يهود أوروبا مرتبطون بشدة بدولة "إسرائيل" وسياساتها وأنهم أسرى هذه السياسات.

 

لكن هؤلاء السياسيين الأوروبيين يقفون عند هذا الحد من التفسير لأن من المحتم أن السؤال التالي هو مربط الفرس ألا وهو: أين يقع الولاء النهائي ليهود أوروبا.. هل ولاؤهم النهائي للدولة الأوروبية التي يعيشون فيها كمواطنين أم لإسرائيل.. دولة الشعب اليهودي؟

 

هذه هي القضية الجذرية التي ظلت محل تعتيم متعمد لمدى أكثر من نصف قرن منذ هزيمة النازية الألمانية في الحرب العالمية الثانية من أجل منع أي انتقاد تجاه اليهود الأوروبيين أو الدولة اليهودية التي تزامن خروجها إلى حيز الوجود مع نهاية الحرب تقريباً.

 

وربما تكون الانتفاضة الفلسطينية وتعاطف الشعوب الأوروبية معها سبباً لتأجيج المشاعر الأوروبية ضد "إسرائيل" ومن ثم ضد اليهود الأوروبيين، ولكن حتى لو صحت هذه الفرضية - وهي صحيحة دون شك - فإن الانتفاضة الفلسطينية ليست سوى فتيل أشعل تراكمات من مشاعر عدائية متنامية في أوروبا ضد الأقلية اليهودية ظلت مكتومة لمدى عقود متصلة.

 

يفسر لنا هذا خروج تلك المظاهرات العارمة في العواصم الأوروبية - لندن وباريس وروما وأثينا على وجه الخصوص فقد امتزجت في تلك المظاهرات شعارات معارضة الحرب على العراق مع شعار التضامن مع الشعب الفلسطيني.. وامتزج مع الشعارين شعار مناهضة العولمة الأميركية.. وكل هذه الشعارات موجهة بصورة مباشرة وغير مباشرة ضد "إسرائيل" وقواعدها اليهودية داخل أوروبا.

 

إن الربط بين العولمة الرأسمالية الأميركية والحركة الصهيونية ظهر للمرة الأولى بجلاء رهيب قبل عام من اندلاع الانتفاضة الفلسطينية. ففي سبتمبر 2000 أصدرت ثلاثة آلاف منظمة وهيئة عالمية غير حكومية في اجتماع تاريخي في مدينة ديربان بجنوب أفريقيا بياناً مجلجلاً جمع بين إدانتين:

 

إدانة تيار العولمة باعتبارها نهجاً لتكريس الفقر بين شعوب العالم الثالث وإدانة "إسرائيل" باعتبارها كياناً عنصرياً. ونذكر أن العدد الأكبر من هذه المنظمات كان من أوروبا والولايات المتحدة.

 

وإذا كان الربط بين الإمبريالية الأميركية والحركة الصهيونية و"إسرائيل" ظهر للمرة الأولى في ديربان فإن أصداءه تجددت بعد أقل من عامين في تلك المظاهرات المليونية التي انتظمت مدناً أميركية بالإضافة إلى العواصم في أوروبا الغربية. ومنذ ذلك الحين لا تزال الصحافة اليسارية في أوروبا تتحدث عن "إسرائيل" كقوة رأسمالية إمبريالية وعن اللوبي اليهودي الصهيوني ومؤسسة الحكم في الولايات المتحدة كقوى شر.

 

وصفوة القول إن شعوب أوروبا أخذت تتحرر الآن من عقدة الذنب تجاه الأقلية اليهودية، فالأجيال الأوروبية الجديدة تتساءل: لماذا يكون للأقلية اليهودية وضع متميز؟ لماذا لا يسمح بانتقاد اليهود كأمه أو أقليات؟ ولماذا يصنف أي انتقاد موضوعي لإسرائيل كمخالفة للقانون بموجب قوانين معاداة السامية؟ وأخيراً:

 

إلى متى يبقى الابتزاز اليهودي للشعوب الأوروبية.. وما هو الانتماء الحقيقي للمواطن اليهودي في أوروبا: لدولته الأوروبية أم لإسرائيل؟