ديمقراطية الداخل.. واملاءات الخارج!

 

 

بقلم :ليلى الاطرش

 

لم يكن اعلان وزير خارجية الدانمارك عن مشروع لاصلاحات ديمقراطية في الوطن العربي مفاجأة.. بل كانت في اتهامه للاتحاد الاوروبي باقتباس يعني »لطش« مشروعه للاصلاحات السياسية في البلدان العربية.

تقرير حاصل عند الدول الكبرى ان الشعوب العربية وحكامها صاروا ضلالا بينا لا بد من تقويمه، على الطريقة الامريكية او الاوروبية، او طريقة عادل امام في التجربة الدانماركية، او هبل العمة نور في مسلسلات رمضان، كله ماشي ما دمنا قد تحولنا الى لطوشة وفئران تجارب للاجتهادات والنظريات العالمية نحن وحكامنا، واللّه العظيم حكامنا بيستاهلوا، فقد اوصلونا بخلافاتهم وقصر نظرهم وخوفهم على كراسيهم وسياساتهم الشمولية وتكميم الافواه وخنق حرية التعبير ورفض المعارضة لصالح الوطن، وتغذية الفكر الاصولي لضرب المثقفين والليبراليين، حتى ارتدت الحركات السلفية الى مقارهم وزعزعت كراسيهم.

ولكن حكامنا تغيروا كثيرا بقدرة الولايات المتحدة وسياساتها للمنطقة، وسمحوا للمبادرات والمشاريع العالمية الهابطة من سماوات العالم بتدجيننا وتحويلنا من الشمولية والتخلف الى الديمقراطية وتغيير المناهج ورفض العنف حتى دفاعا عن النفس والوطن، لعل ست الدنيا ترضى عنهم، بينما تهنب الكعكة العربية على المكشوف.

المؤسف اننا نعرف، وكذلك حكامنا يعرفون، ولكننا واياهم لا نملك الا الرضوخ للواقع، حتى القيادات الدينية الاكثر تشددا اعلنت قبولها بالواقع الامريكي وضرورة التعامل معه، ليس حكمة او تعقلا بل قلة حيلة.

والواقع الامريكي الهابط بالقوة خبرناه وتعايشنا مع شروطه واستحقاقاته.

لكن السؤال هو عن الواقع الآخر الذي يريده الاتحاد الاوروبي او الدانمارك من مشروعهما؟ ومدى اختلافه عن نظيره الامريكي؟

وما اهدافه وآلياته؟ ومدى جدية الاتحاد الاوروبي في فرض بصمته على التحول الديمقراطي للمنطقة؟ ام تراه مجرد مشروع للفت الانتباه لدور منحسر وضعيف، مجرد مشروع غير ملزم وتمنيات لا تستطيع الصمود في وجه الاملاء الامريكي على المنطقة؟

وهل نصحو على اعتذار عن المشروع اذا غضبت امريكا من دخول اوروبا على خط المبادرات والمشاريع ولم تحتمل الازدواجية في ذلك؟

بالامس القريب اعتذر الاتحاد الاوروبي عن رأي شعوبه وطعن في قرار شعوبه اعتبار اسرائيل مصدر العنف والعدوان في المنطقة لان امريكا لم يعجبها ذلك وكذلك اسرائيل، ولم يبين المشروع الاوروبي آليات عمله في المنطقة، هل سينتهج طريقة التعامل مع منظمات المجتمع المدني والقضايا التي تثيرها وتمويلها، وكذلك مراكز البحوث والدراسات التي بدأت انتشارا سرطانيا في الآونة الاخيرة مستفيدة من الانفراج السياسي المحلي وطمعا في العطايا والهبات، ما دامت امريكا تقتطع حصة مراكز بحوث عربية من المساعدات الرسمية -من الرأس- ودون راد لقضائها او اعتراض رسمي.

فهل يجرؤ مشروع الحكومات الاوروبي على التصدي لامريكا وكيلها بمكيالين؟ او على اعتبارها الممارسات الاسرائيلية حفاظا على حقوق الانسان والديمقراطية؟ وهل يساند الاتحاد الاوروبي شعوبه في ادانة اسرائيل؟ ووثائق منظمة العفو الدولية التي اكدت انها احد اكبر مصدري اسلحة التعذيب وانتهاك الحقوق في العالم، ناهيك عن بناء جدار العزل العنصري، والغاء الميزانيات للعرب الاسرائيليين الذين احتلتهم منذ اكثر من نصف قرن، وابعاد العشرات من الضفة يوميا عن منازلهم الى قطاع غزة.

الواقع ينفي امكانية كهذه، اوروبا لن تواجه امريكا رغم كل شيء.

عال، حالنا بحال الشعوب المتقدمة، حكوماتهم في واد والرأي العام في واد آخر. وحكوماتهم مثل حكوماتنا لا تقيم وزنا لرأيهم وتفعل وتقرر رغما عنا. ولهذا من حقنا ان نرفض مبادراتهم، ونبني ديمقراطية على مقاسنا.

فالاصلاحات الديمقراطية التي يتباكى عليها الامريكيون ويقترحها الاوروبيون، وتتسابق الحكومات العربية للتأكيد على قبولها، يجب ان تنبع من وعي الشعوب، لا من املاءات ولا قرارات اصلاحية معلنة مع وقف التنفيذ.

ان تغييب النخب الفكرية المؤثرة، والحياة السياسية الواعية، وتهميش الاعلام ودوره على مدى العقود الماضية وانحسار المد القومي، وطغيان الانظمة الشمولية، ثم تسابق الحكومات على الانفتاح الديمقراطي وقبول الآخر والتأكيد على حقوق الافراد، اصاب المواطن العربي بالانفصام وجعله في حال انعدام الوزن، لانه يسمع كلام الحكومات والدول الكبرى فيعجبه ثم يرى افعال الاثنتين فيستعجب.

كما ان معظم المواطنين العرب لا يعرفون حقوقهم ولا يمارسونها جهلا او خوفا.

لن تنشأ ديمقراطية او تطبق حقوق انسان بالاملاء، بل بالقرار السياسي الداخلي كخطوة اولية واساسية في هذا المجال، فالتنمية السياسية لا تنفصل عن الوعي الجمعي بمعنى الديمقراطية، وافساح المجال لجهود منظمات المجتمع المدني، وخطة اعلامية وتربوية فاعلة.