الفضائيات العربية متهمة بالتحريض إذا لم تكن علي المزاج الأمريكي
بقلم : حاتم
أبو شعبان
هجمة شرسة تشنها
الإدارة الأمريكية وأتباعها في العالم العربي علي الفضائيات العربية عامة ، وعلي
قنوات الجزيرة والعربية وأبو ظبي بدرجة خاصة ، لسبب بسيط ألا وهو إتباعهم مبدأ
الديمقراطية وحرية الرأي للرأي والرأي الآخر ، وهذا ما لم يعجب هؤلاء لأن ذلك يكشف
حقيقة وجه الإدارة الأمريكية ، وأهدافها العدوانية والإمبريالية ضد الأمة العربية
والإسلامية ، ويكشف تواطؤ أتباع هذه الإدارة والسائرين في فلكها سواء بإرادتهم أو
رغمًا عنهم ، خوفًا من بطش الإدارة الأمريكية بهم ، خصوصًا بعض الرؤساء والقادة
الذين يتمسكون بمراكزهم التي وصلوا إليها بالقوة وبالانقلابات العسكرية وبعيدًا عن
إرادة شعوبهم ، أو بانتخابات صورية مزورة ، ويحكمون بلادهم بالحديد والنار ،
ويرفضون الديمقراطية وحرية الرأي ، ومعتقلاتهم ملئ بالمعارضين لسياساتهم ونظامهم
الدكتاتوري ، وبالمطالبين بتطبيق الديمقراطية الحقيقية ، مما أفقدهم الدعم
والتأييد من شعوبهم.
لقد أصبحت الفضائيات
العربية المستقلة تسبب لهؤلاء إزعاجًا كبيرًا ، لأنها تنير الطريق أمام شعوبهم من
خلال سماع الرأي والرأي الآخر علي هذه القنوات الفضائية ، وتكشف تواطؤهم مع
الإدارة الأمريكية الحالية اليمينية المتطرفة التي تحارب قوي التحرر العربية
والإسلامية المناضلة من أجل الحرية والاستقلال لأوطانهم ، بحجة محاربة الإرهاب في
العالم ، وفي حقيقة الأمر فإن هذه الإدارة الأمريكية هي التي تشجع الإرهاب والتطرف
نتيجة الاستفزازات وفرض الاملاءات ، حيث تعطي الفرصة للإرهابيين الحقيقيين للقيام
بعملياتهم الإرهابية المرفوضة من خلال استغلالهم للسياسة الأمريكية المحبطة للشعوب
ولقوي السلام في المنطقة ، ليختلط الحابل بالنابل بين المقاومة الوطنية المشروعة
ضد الاحتلال ، وبين الإرهاب وقتل المدنيين والأبرياء ، حتي تعطي لنفسها المبرر
للتدخل العسكري في أي منطقة في العالم بحجة محاربة الإرهاب ، وأحيانًا أخري بحجة
محاربة الفساد وإقصاء الحاكم الدكتاتوري لتطبيق الديمقراطية في بلاده ، إذا ما
حاول هذا الحاكم أن يخرج عن الطاعة لإملاءات الإدارة الأمريكية ، ولا يفوتنا أن
الكثير من هؤلاء الإرهابيين الحقيقيين والحكام الدكتاتوريين ، قد أوجدتهم في
البداية الإدارة الأمريكية نفسها ، وقدمت الدعم المطلق لهم بالمال والسلاح ليكونوا
عونًا لها في خلق البلبلة والتوتر في العديد من دول العالم التي لا تسير في الفلك
الأمريكي قبل انهيار الاتحاد السوفيتي ، وبعد أن استنفذت رغباتها منهم أصبحت
تحاربهم وتصفهم بالإرهابيين.
ولأن القنوات
الفضائية العربية ، وخصوصًا الجزيرة والعربية وأبو ظبي الفضائية ، فتحوا المجال
للجميع بدون استثناء لقول آرائهم ومعتقداتهم باختلاف أشكالها ، إضافة إلي قيامهم
بواجبهم الصحفي في نقل الخبر كما هو لإيضاح الحقيقة وبدون تحريف أو ممالقة لأحد
بعيدًا عن الموقف الرسمي للدولة المعنية أو تلك ، إضافة إلي سعي هذه القنوات للسبق
الصحفي لنشره وإذاعته ، لذا فقد أصبحت هذه القنوات متهمة من الإدارة الأمريكية
وأتباعها بالتحريض ودعم الإرهاب ، واتهامها أيضًا بفتح المجال للإرهابيين لبث
آرائهم وتصريحاتهم ، والإدعاء بأن هذا يدعم الإرهاب ، ويشجع العديد من أبناء شعوب
المنطقة لدعم الإرهابيين. إن هذا الاستغفال من الإدارة الأمريكية وأتباعها الذي
يعتبر أن شعوب الأمة العربية والإسلامية علي درجة عالية من الغباء ، ولا يستطيعون
التمييز بين المواقف والآراء المختلفة ، وهذا غير صيح ، لأن هذه القنوات الفضائية
العربية عمقت الثقافة السياسية والديمقراطية في العالم العربي ، وأنارت الطريق
أمام الشعوب سواء كانوا مثقفين أو أفراد عاديين لتحديد مواقفهم السياسية والوطنية
، وشجعتهم علي النقد والمعارضة بدون الخوف من بطش الحاكم ، ومعرفة حقيقة السياسة
الأمريكية الإمبريالية والعدوانية والداعمــين لها من الزعماء والحكام.
من هنا فقد أصبحت
الإدارة الأمريكية وأتباعها تخشي من هذه القنوات الفضائية العربية وتتهمها
بالتحريض وتمارس الضغوط عليها لتغيير سياستها لتسير في النهج الأمريكي ، وإلا
فإنها تسعي لمحاربتها وإغلاق مكاتبها في بعض الدول ، أو إنهاء وجودها بصورة مطلقة
، إضافة إلي قيامها باغتيال بعض الصحفيين الشرفاء التابعين لهذه القنوات أو اعتقال
بعضهم الآخر بحجة اتصالهم بالإرهابيين والترويج لهم.
مما لا شك فيه أن
أكثر هذه القنوات الفضائية العربية عرضة لهذا الخطـر هما قناتي الجزيرة والعربية
بل وقناة أبو ظبي أيضًا ، بالرغم من أنهم ينقلون الحدث والخبر بصورة متوازنة وبنفس
الدرجة بين كافة الأطراف المؤيدة والمعارضة ، وبإعطاء الفرصة للجميع سواء من رجال
الإدارة الأمريكية وأتباعها ، أو من الاتجاهات الأخري لبث مواقفهم وآرائهم علي هذه
القنوات.
لكن هذه القنوات تدرك
أيضًا أنها لو استجابت لهذه الضغوط ، فستفقد شعبيتها ومشاهديها ، مما يعني عدم
قدرتها علي البقاء والاستمرار نتيجة فقدانها للثقة والاحترام من الشعوب العربية. من
المؤكد أن المشاهد العربي أصبح لديه قدره فائقة علي التمييز ، ولو أحس في لحظة ما
أن أي من القنوات الفضائية العربية أصبحت تغير مسارها نتيجة الضغوط التي تتعرض لها
، فسيهملها المشاهد لعدم الثقة في أخبارها ، عدا عن اتهامها بالتواطؤ والعمالة
للإدارة الأمريكية والحكام الذين يسيرون في الفلك الأمريكي.
والأمر الغريب
والعجيب الذي يتبادر إلي الذهن هو أن الإدارة الأمريكية تجيز للغرب في فضائياتهم
مالا تجيزه للعرب والمسلمين في فضائياتهم ، وهذا يتناقض مع مطالبة الغرب بصورة
عامة والإدارة الأمريكية بصورة خاصة ، بتطبيق الديمقراطية في العالم العربي ، ولكن
هذا يؤكد أن الديمقراطية الأمريكية المطلوبة في العالم العربي يجب أن تكون علي
المزاج الأمريكي فقط وإلا فإنه سيتم محاربتها بحجة دعم الإرهاب والإرهابيين.
يجب علي كافة
المثقفين العرب بكافة أطيافهم السياسية والفكرية محاربة هذه الهجمة الشرسة علي
القنوات الفضائية العربية ، ودعم هذه القنوات علي الاستمرار في سياستها الحضارية
بالديمقراطية وحرية الرأي مهما بلغت الضغوط علي هذه القنوات التي يجب عليها أن
تدرك أنها لو استجابت للضغوط الأمريكية وغيرها ، فمن الأفضل لها أن تغلق أبوابها ،
وهذا ما سيزيد من التطرف والإرهاب في العالم نتيجة القهر والاستبداد ومنع حرية
الرأي.