الفصائل الفلسطينية في مصر:

المطلوب جني ثمار الانتفاضة لا المساومة عليها وإجهاضها

 

 

 

بقلم :خالد عبدالمجيد

 

تجري منذ أيام حوارات فلسطينية بين الفصائل الفلسطينية بهدف التوصل إلي اتفاق لهدنة مقترحة ووقف إطلاق النار مع العدو الصهيوني. وقد سبق هذه الحوارات سلسلة من اللقاءات المصرية الفلسطينية في رام الله وغزة والقاهرة. طرح خلالها مدير المخابرات المصرية عمر سليمان مبادرة الهدنة واقتراحاً مصرياً بوقف شامل لإطلاق النار لمدة عام. وهذا الأمر يمثل موقف السلطة الفلسطينية التي تسعي لإبرام الهدنة من أجل العودة إلي الاتصالات والمفاوضات مع إسرائيل بعد أن تم تشكيل الحكومة الفلسطينية برئاسة أحمد قريع.

وإذا ما توقفنا أمام ما طرح من قضايا في جدول أعمال الحوارات. فإن عددا من الفصائل الفلسطينية طرحت سلسلة من العناوين الرئيسية للاتفاق بين الفصائل المتحاورة.

أهمها:

1 ـ تشكيل قيادة موحدة تمثل المرجعية الفلسطينية الموحدة.

2 ـ إجراء إصلاحات داخلية في السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية.

3 ـ الاستعداد لبحث هدنة يلتزم بها الطرف الإسرائيلي والاتفاق علي أساليب وأشكال النضال الفلسطيني والبرنامج السياسي.

إن المتتبع لمسار الحوارات الفسلطينية يري بوضوح أن الوضع الفلسطيني في هذا الجانب لم تتغير أساليبه حيث لا زال هناك حزب السلطة الفلسطينية الذي يتحكم في مسار الأمور وذهبوا برؤية واضحة وهي التوصل إلي هدنة مطلوبة لإنجاح حكومة أحمد قريع ووقف المقاومة تلبية لضغوط دولية وإقليمية وإسرائيلية معتبرة أن هذه الهدنة ستعطي للحكومة الفلسطينية برئاسة قريع فرصة لترتيب أولوياتها في إعادة المفاوضات مع إسرائيل، وإرضاء الولايات المتحدة الأمريكية وأطراف إقليمية والتي تسعي للتهدئة في فلسطين خدمة للسياسة الأمريكية التي تعيش مأزقها في العراق. إضافة إلي محاولة الحكومة الفلسطينية بإعادة الامساك بزمام الأمور الداخلية وفرض سلطتها علي كل القوي تحت ستار التزام الجميع بالقانون وهذا ما يمهد لخطوات أخري تستهدف ضبط قوي المقاومة وإخضاعها لبرنامج السلطة تحت ستار ما يسمي بالوحدة الوطنية والبرنامج الموحد وترتيب البيت الفلسطيني. وتؤيد السلطة الفلسطينية في هذا مجموعة من الفصائل الفلسطينية التي تحشدها السلطة في مواجهة الأطراف الأخري المشاركة في الحوار وبخاصة الاتجاه الإسلامي ممثلاً بحركتي حماس والجهاد.

وفي ضوء ما جري في القاهرة، وتعثر الاتفاق علي كل القضايا المطروحة فإن الفصائل المشاركة حرصت أن لا تخرج بنتيجة فاشلة فتم الاتفاق علي صيغة لبيان ختامي لا يعبر في حقيقته عن موقف كل الفصائل ولكنه يضفي حالة من التوافق الشكلي، خدمة للمبادرة المصرية التي حرص الجميع أن يظهروا بمظهر التعاطي الإيجابي معها. والقضية هنا ليست بالنصوص التي خرج بها البيان الختامي الذي سينتهي بانتهاء الحوارات، حيث لكل فصيل تفسيره الخاص له، مما يطرح إشكاليات جديدة في المستقبل.

ومهما كانت النصوص في البيان الختامي فإن الوظيفة الحقيقية لهذه الحوارات هي التوصل إلي هدنة لمدة عام علي الأقل ووقف شامل لإطلاق النار، ووقف المقاومة والانتفاضة خدمة لرؤية أمريكية تسوق لها أطراف إقليمية. وتم الاتفاق علي صيغة لبيان ختامي تحت رعاية مصر التي تستغل علاقاتها مع الفصائل المختلفة محاولة إقناعها بالهدنة.

وبالرغم من كل ما طرح في البيانات والتصريحات المعلنة سيذهب مدير المخابرات المصرية عمر سليمان إلي أمريكا حاملاً معه موافقة فلسطينية علي الهدنة، طالباً منها ممارسة ضغط علي اسرائيل للالتزام بهذه الهدنة.

إن أي قراءة هادئة لما جري في الحوارات وما يتم التخطيط له تدفعنا الي الاعتقاد بان الأمور تسير بالاتجاه الذي يستهدف الالتفاف علي المقاومة وقواها، ومحاولة إخضاعها لبرنامج السلطة المشاركة في الحوار والتي تحرص علي الوحدة الوطنية الفلسطينية وترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، والعمل للاتفاق علي برنامج سياسي موحد يلتزم بالحقوق الفلسطينية فإن الرياح قد تأتي بما لا تشتهي السفن. وما نريد قوله هنا ان ما يجري من حوارات فوقية بين الفصائل لا يعبر عن حقيقة إرادة الشعب الفلسطيني الذي يدفع ثمناً كبيراً من معاناته من الاحتلال الصهيوني.

وما دأبت عليه فصائل عدة خلال مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة من تضليل للجماهير في داخل الوطن وخارجه تحت ستار الوحدة الوطنية التي تمثل شعاراً مقدساً لا يجري الحرص عليه من قبل الجميع بل يستغل لمصلحة المتنفذين والمساومين علي الحقوق الفلسطينية ولمصلحة برنامج تسويات أمريكية مطروحة كخارطة الطريق ووثيقة جنيف التي لم يستطع حوار القاهرة إدانتها بشكل واضح.

فأي نتيجة لهذا الحوار الذي يخفي أخطر ما يعلن وأي نتائج تخرج إذا لم تؤد إلي خطوات جادة لمعالجة قضايا شعبنا ووقف العدوان الصهيوني المستمر فإن دوامة الضياع ستبقي تلف الموقف الفلسطيني. فلا يمكن أن تحصل السلطة الفلسطينية علي ضمانات أمريكية وإسرائيلية وهذا واضح من خلال تصريحات شارون ومساعديه ولا يمكن أن يتم التوصل إلي مرجعية سياسية موحدة تشارك فيه مختلف الفصائل لأن المرجعية بنظرهم هي السلطة و م.ت.ف وبرنامجها.

وبالنتيجة فسيكون الخاسر بالنهاية شعبنا من خلال الدوامة السياسية (المطروحة) دون أن يكون هناك وضوح في الرؤية الفلسطينية فلا هي ملتزمة ببرنامج الانتفاضة والمقاومة ولا هي ضامنة لاستعادة مفاوضات حقيقية تستند للشرعية الدولية وإلي أن تتوضح رؤية موحدة ستبقي حالة الضياع والقلق والمصير المجهول الذي تتلاعب فيه عناصر وقيادات مستسلمة تارة تحت ستار أوسلو وتارة أخري تحت ستار خارطة الطريق ووثيقة جنيف.

وسيبقي الوضع الفلسطيني رهن التجاذبات الدولية والإقليمية والعربية ورهنا لما تخفيه الأشهر القادمة المتبقية من عهد إدارة الرئيس الأمريكي بوش الذي يحرص علي التهدئة في فلسطين قبل موعد الانتخابات القادمة لأنه يعيش المأزق في العراق.

ولهذا ستبقي قضية فلسطين في حالة من الانتظار خلال العام المقبل. فهل ستوقف القوي الفلسطينية فعلها النضالي ومقاومتها الباسلة وتترك الساحة لمبادرات واتفاقات وتحركات تستهدف ترويض الساحة الفلسطينية علي قاعدة خارطة الطريق ووثيقة جنيف؟