من ينقذ امريكا من العراق؟
بقلم :وجدي
أنور مردان عباس
من بديهيات علم
السياسة ان المعلومات الخاطئة والمضللة تؤدي الي اتخاذ قرارات خاطئة وبالنتيجة
فشلها الحتمي عند التطبيق. اتخذت الولايات المتحدة الامريكية قرار غزو احتلال
واسقاط النظام في العراق، وكانت تعلم علم اليقين بانها تسوق ادعاءات مضللة وخادعة
وكاذبة، لأنها أستندت أساسا علي معلومات غير صحيحة وملفقة، أستقتها من جهات وأشخاص
وأطراف لاتهمها شيء سوي تحقيق اهدافها ومصالحها الذاتية وليس مصالح أمريكا أو
مصالح الشعب العراقي.
نفذت الولايات
المتحدة قرارها وأحتلت العراق وأسقطت نظامه الدكتاتوري. وحصل ماحصل ابتداء من 19/3/2003
ولغاية احتلال بغداد الحبيبة في 9/4/2003 في حرب عدوانية خاطفة تعد من أكثر حروب
التاريخ اثارة للجدل.
بعد انقشاع غبار
الحرب، وتناثر اشلاء الشهداء المدنيين العراقيين العزل والعسكريين الذين زجوا في
عملية انتحار مأساوية، وبعد أن هدأت النفوس وأختفي صدام حسين ونظامه في ليلة
سوداء، وسقطت معه جميع الذرائع، تبين للعالم أجمع حجم التضليل والافتراء الذي
مارسته أمريكا وحليفتها بريطانيا لخداع الرأي العام الامريكي والبريطاني والعالمي.
لا نريد في هذا
المقال أن نناقش أو ندحض المزاعم التي استند عليها القرار الامريكي ـ البريطاني
لغزو العراق، لأن الشرفاء من السياسيين والكتاب ووسائل الاعلام المنصفة وغير
المنصفة فضحت وعرًت تلك الادعاءات والاكاذيب والمبررات الواهية التي لم تصمد أمام
الحقيقة ساعات قليلة، ففي الولايات المتحدة وبريطانيا نفسها، لم تتردد الشخصيات
السياسية والاعلامية مطلقا بنعت الادارة الامريكية والحكومة البريطانية بالكذب
وخداع الرأي العام وتضليلها، ولايهمنا بعد ذلك تغريد من غرد من مثقفينا العرب
المنبطحين، ولانحتاج الي حجج اضافية لدحض تلك المزاعم، ولكننا نود أن نعلم كيف
أقتنعت الادارة الامريكية والحكومة البريطانية بالمعلومات المضللة التي قدمتها لها
الجهات والشخصيات العراقية وغير العراقية، استخباراتية أو أعلامية، لأن الجميع
يعرف أن مطابخ صنع القرارات السياسية، وخاصة قرارا من هذا الحجم الخطير والمصيري
لايعتمد علي معلومات علي علاتها من دون تمحيص وتدقيق، ومن دون استثمار الوسائل
التكنولوجية والعلمية والبشرية المتوفرة لديهما لفرز الغث من السمين. لأن أي خطأ
في الحسابات سيؤدي الي كارثة حقيقية، وهذا ماحصل ويحصل منذ نحر بغداد. علي اية حال
فان أمريكا نفذت ما ارادت وشنت حربا عدوانية غير مبررة وغير أخلاقية وغير شرعية
ومخالفة للقانون الدولي، وأحتلت بلدا من أعرق بلدان الارض، وتحاول الان تدجين واحد
من أشرس شعوب الارض وأكثرها مزاجية وتقلبا وتريد تجنيد خمسة وعشرين مليون عراقي
ليكونوا مخبرين وعملاء لديها، فوقعت في المستنقع العراقي، وياله من مستنقع!
الغريب في الامر، هو
اصرار أمريكا التمسك بالذين ورطوها وأوقعوها في هذا المستنقع وفي هذه الورطة، فاذا
كانوا من أصدقائها، فهذا الفعل ليس من شيمة الاصدقاء، وانما من شيمة الانتهازيين،
أما اذا كانوا اعداء لها، فيجب علي أمريكا التخلص منهم، فيبدو أن امريكا لم تسمع
بالمثل العربي (اللهم احفظني من أصدقائي فأما أعدائي فأنا كفيل بهم)، ولكن هل تسمع
أمريكا؟ أم في أذانها وقر؟.
المستنقع العراقي بدأ
يبتلع الامريكان وحلفاءها المرتزقة معا. جنود أمريكا في العراق مرعوبة، تطلق النار
حتي علي ظلها. المسؤولون الامريكان في حيرة من أمرهم. السيد بول وولفوتز يزور
العراق ويعود الي واشنطن مخروعا وفاقدا من وزنه خمسة كيلوغرامات. السيد بول بريمر
يقفز الي واشنطن كل يومين أوثلاثة، لسان حاله يقول أنقذوني من هذه الورطة. نصف
أعضاء مجلس الحكم الانتقالي في (سياحة سياسية) خارج العراق خوفا من الاغتيال
والنصف الاخر مشغول في البزنز في الاقبية المحصنة والحراس الشخصيين من النيبال!! الدستور
أصبح في خبر كان، وربما سيقبل العراقيون في نهاية الامر بدستور مؤقت آخر وأمرهم
لله الواحد القهار!! ثلاثون جنديا امريكيا يذهبون في اجازة الي بلادهم ولايعودون (يعني
فرار). سائق دبابة أمريكية، من شدة هلعه يوم قصف فندق الرشيد يسحق ويثرم سيارة بمن
فيها (الاب والام وطفلان). الحاكم المدني الامريكي يحل الجيش العراقي ثم يتراجع
وينوي اعادة النظيفين منهم الي الجيش الجديد. يطاردون رجال الامن والمخابرات
السابقين ثم يتوسلون اليهم بالعودة للعمل لمساعدتهم في استتباب الامن. يلقنون رجال
الشرطة العراقية دروسا في الديموقراطية ثم يطلبون منهم القاء القبض علي الصحافيين!!
يأمرون برفع صور الرئيس السابق من الكتب المدرسية ثم يأمرون الطلاب بلصق العلم
الامريكي علي حقائبهم الدراسية!! طائرات الشينوك والاباتشي وبلاك هوك تتساقط
كالفراشات!!! المحللون السياسيون يقولون ان العراق ليس بفيتنام والاخرون يقولون بل
انه أخطر من فيتنام، والانباء من بغداد تقول ان رائحة فيتنام تزكم الانوف في
العراق، شعبية الرئيس بوش تتدني باستمرار. التكاليف تتصاعد بارقام فلكية. عدد
القتلي الامريكان وحدهم منذ بداية العدوان جاوز 417 قتيلا بالاضافة الي قتلي
البريطانيين والبولنديين والاسبان وأخيرا الايطاليين والمئات من الجرحي. عدد شهداء
العراق من المدنيين جاوز (25) الفا وعدد المصابين بالجروح أكثر من (40) الفا
أغلبهم من النساء والشيوخ والاطفال وجميعهم ابرياء لاناقة لهم في هذه الحرب
ولاجمل، أما الشهداء من العسكريين العراقيين حدث ولا حرج. عدد المعتقلين من ابناء
الشعب العراقي جاوز (30) الفا. الطائرات والدبابات والمدفعية الثقيلة بدأت تقصف
الاحياء السكنية في بغداد وصلاح الدين والموصل وكأن الحرب في بدايتها!!! هذا هو
المشهد في العراق هذه الايام وباختصار شديد، عدنا الي المربع الاول! ما العمل بعد
أن وقع الفأس برأس أمريكا، وتورطت أو ورطوها؟ فمن يرمي لها حبل النجاة قبل أن تغرق
في هذا المستنقع الذي لاقرار له؟
وقبل ان ندخل في
التفاصيل، نقول: نعم نتفق مع الرأي القائل، ان العراق ليس بفيتنام، وأن مستنقعه
ليس بمستنقعها، والسبب هو اختلاف الزمان والمكان والرجال، العراق لايمكن أن يكون
فيتناما، لأن العراق لايمكن الا أن يكون عراقا،لأنه نسيج وحده، بل يمكن أن يكون
أسوأ من فيتنام اذا لم تتدارك امريكا الوضع وتعيد حساباتها واستراتيجيتها جملة
وتفصيلا. يقول ايرنست ماي، استاذ التاريخ في جامعة هارفرد، أن العراق يذكر بالايام
الاولي لحرب فيتنام بشكل مخيف. أما الخبير العسكري في مركز الدراسات الاستراتيجية
والدولية في واشنطن، انتوني كوردسمان كتب يقول انه ما لم يتغير هذا الوضع بسرعة
وبصورة جذرية، فان الولايات المتحدة قد ينتهي بها الامر وهي تواجه خوض حرب خليج
ثالثة في العراق... وانه ليس من الواضح اذا ما كان في مقدور الولايات المتحدة
الانتصار في هذا النوع من الحروب غير المتكافئة . المسؤولون الامريكان لايستطيعون
تغيير الوضع بصورة جذرية وبسرعة ما لم يستوعبوا، اولا وقبل كل شيء، العقلية
العراقية ويدرسوا اسباب المقاومة بهذه البسالة والعنفوان، ولماذا انفجرالشعب
العراقي بوجه قوات الاحتلال بالرغم من انه شعب صبور الي حد الازعاج ويتحمل الآلام
الي حد القرف، ألم يصبر علي ظلم واستبداد صدام حسين (35) عاما؟.
بعد سرد هذه الحقائق
التي ربما هي غير خافية علي المسؤولين الامريكان نعود ونقول ان امريكا تستطيع ان
تفعل الكثير دون ان تفقد ماء وجهها، ان اخذ العزة بالاثم لا تجدي نفعا، وتشويه
الحقائق أو طمسها لا تخدم امريكا، واستخدام سياسة النعامة ستورط امريكا أكثر
فأكثر، والتضليل الاعلامي سيزيد من مأزقها والاصرار علي التحدي يغرقها في المستنقع
أكثر فأكثر، فمن ينقذ أمريكا من هذه الورطة؟ فقبل أن نجيب علي هذا السؤال، حري بنا
أن نقر بان هيبة أمريكا في المحك، فلايمكن للقوة العظمي الاولي في العالم ان تفقد
هيبتها بسبب العراق ومن أجل العراق!!. هل سيصر الرئيس جورج بوش علي سياسته الحالية
غير الحكيمة ولا يبحث عن مخرج لمأزقه ويخسر الفترة الثانية من ولايته ويعيد مأساة
أبيه؟. أمريكا ورئيسها في وضع حرج لايحسدان عليه. ومع هذا فاننا نعتقد بان الادارة
الامريكية الحالية ستصر علي سياستها وموقفها وممارساتها لتنفيذ مخططاتها في
العراق، لأن الهدف الاساسي من العدوان، أبعد من العراق ومن ثروات العراق، فالسذج
وحدهم يؤمنون ان أمريكا جيشت الجيوش ورمت بأبنائها في أتون حرب قذرة وأنفقت
ومازالت تنفق عشرات أو مئات المليارات من الدولارات، كل ذلك من أجل نفط العراق أو
من أجل سواد عيون العراقيين أو من أجل أرضه الصبخة المالحة؟! انها من أجل شيء أكبر
بكثير من العراق ومن نفط العراق وتمر العراق!!!
وقبل أن تنزلق أمريكا
الي قاع المستنقع أكثر فأكثر، ينبغي أن تضع في حساباتها الحقائق الاتية:
ـ ان أية قوة عسكرية،
سواء كانت من دول الجوار أو من الدول العربية أو الاسلامية أو من امريكا اللاتينية
أو من أوروبا أو أية قوة تحت علم الامم المتحدة في هذه المرحلة، سيعتبرها
العراقيون قوة أحتلال مهما كانت صفاتها ومسمياتها وأغطيتها، ومهما كانت نياتها
حسنة أو سيئة.
ـ ان توريط الامم
المتحدة، بكل ما لها وما عليها من ملاحظات، بجعلها جزءا من الاحتلال وتحت مسميات
حفظ السلام، ستدمر البقية الباقية من مصداقية هذه المنظمة.
ـ ان تعيين مجلس جديد
للحكم وتحت أية مسميات أو تعيين شخصية سياسية كرئيس مؤقت للدولة، من قبل
الامريكان، سيزيد الوضع تعقيدا ولايساهم في الحل، لأن الشعب العراقي يعتبرهم غير
شرعيين ولايكون حالهم أفضل من حال مجلس الحكم الانتقالي الذي أثبت فشله بجدارة
يحسدون عليها.
ـ ينبغي علي أمريكا
أن تستمع الي نصائح فرنسا والمانيا وروسيا ووجهة نظرها في الشأن العراقي، لأن
تحليلاتها سواء قبل الحرب أو بعدها، صائبة تنطلق من نظرة استراتيجية تستند علي
معرفة عميقة بالمنطقة وتكويناتها وصراعاتها، ان في صفحات التاريخ دروسا يجب علي
أمريكا اعادة قراءتها واستيعاب مضامينها.
ـ من أجل أستتباب
الوضع في العراق، يجب علي الشعب العراقي ان يشارك مشاركة فعلية في انتخاب من
يمثله، فعلي الامم المتحدة أجراء استفتاء عام في العراق وبمشاركة جامعة الدول
العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي والاتحاد الاوروبي لأنتخاب ممثليه ونوع نظام
الحكم الذي يرغب وعلي اساس المواطنة العراقية الواحدة وليس علي الاسس الطائفية
والقومية والعرقية. وبعد الانتخابات مباشرة تضع الامم المتحدة جدولا زمنيا لا
تتعدي ستة أشهر لانسحاب القوات المحتلة من العراق كافة مع احتفاظها بماء وجهها
وكرامتها وهيبتها.
ـ خلال عملية
الانسحاب تتمركز قوات حفظ السلام، (من الدول غير المشتركة في الاحتلال ولا من دول
الجوار) تحت علم الامم المتحدة ولمدة ستة أشهر فقط.. وتقوم الامم المتحدة بتسليم
السلطة الي العراقيين. وفي ضوء نتائج الانتخابات تشكل حكومة عراقية وطنية وشرعية
تعترف بها الامم المتحدة فورا تتبعها بقيـــة دول العالـــــم. وتنسحب قوات الامم
المتحدة بعد ستة أشهر من تسلم الحكومة الشرعية المنتخبة سلطاتها الدستورية.
وتجدر الاشارة الي ان
وضع الامم المتحدة هنا يختلف كليا عن وضعها وفق القرار 1511 لأن ارسالها لقوات حفظ
السلام تحت القيادة الامريكية الحالية تعتبر قوات احتلال وليس قوات حفظ السلام.
والكلمة الاخيرة التي
نود ان نقولها بصراحة للسيد الرئيس جورج بوش هو: لا أحد يستطيع مساعدة أمريكا
وانقاذها من المستنقع العراقي سوي أمريكا نفسها. وأنت يالسيد الرئيس، رئيس تمتلك
قدرة أتخاذ قرار استراتيجي شجاع يقضي بالانسحاب من العراق وانهاء أحتلاله وتسليم
الامور الي الامم المتحدة، وسيكتب لك التاريخ هذا القرار بكلمات من ذهب، ولاتصدق
مايقوله أصدقاؤك وأعداؤك من العرب والمسلمين وغيرهم أمامك أو من وراء ظهرك، فان
الجميع، عندما يشاهدون تفاقم مأزقك ومأزق أمريكا في العراق، يقولون في سرهم وهم
يبتسمون حيل بيها .