بريمر... علماء العراق... ومصير المشروع الامريكي

 

 

 

بقلم :بشير موسي نافع

 

بتوقيع اتفاق نقل السيادة (جزئيا علي اية حال) في نهاية حزيران (يونيو) المقبل الي العراقيين، يكون السيد بول بريمر، المندوب السامي الامريكي في بغداد، قد اضاف الي مشاكله المستعصية مشكلة اخري جديدة. يطارد بريمر منذ تولي سلطاته شبح الرئيس صدام حسين، الذي لا يعرف أحد حتي الان حجم الدور الذي يلعبه في عراق الاحتلال، ويعيش بريمر وادارته وقواته تحت ضربات مقاومة عراقية تشتد عنفا وجرأة وتنظيما، بينما لا يبدو ان معرفة الامريكيين بطبيعة هذه المقاومة ولو قليلا. اليوم، يبرز خصم آخر لبريمر وسياسته، خصم تسلل الي قلب ساحة التدافع بهدوء، وبدون جهد كبير الا شجاعة الرأي، ومن غير ان يستشعر بريمر ومساعدوه انهم في طريقهم الي استدعاء خصومة جديدة. هذا الخصم هو آية الله السيد علي السيستاني، المرجع الكبير المقيم في مدينة النجف. في مواجهة بريمر، ابن مؤسسة الدولة الامريكية، رمز الحداثة والعلمنة وسيطرة الدولة، الذي ارسل الي العراق اصلا لزرع قيم الحداثة وسيطرة الدولة وتعزيز توجهات العلمنة، يستند السيستاني الي دور العلماء التاريخي في مراقبة رجال الحكم، احد اقدم ادوار مؤسسة العلماء المسلمين، ويستخدم السيستاني في التعبير عن دوره سلاح الفتوي، احد اقدم وسائل العلماء المسلمين وامضاها حدا.

الذين سطوا الاضواء علي قوي المعارضة (السابقة) للنظام العراقي (السابق)، الاسلامية منها وغير الاسلامية، العربية والكردية، لم يبدوا اهتماما جديا بحقيقة العراق وتعقيدات تكوينه. كانت قوي المعارضة تقفز من لندن الي طهران الي واشنطن وسط اهتمام اعلام عالمي محموم باحتمالات الحرب في العراق وتصريحات قادة المعارضة المبالغ فيها الي درجة هائلة حول حجم هذه القوي ومصداقية وزنها الشعبي داخل العراق، بل ودرايتها بتاريخ العراق وواقعه. وكان احد اكبر الاخطاء التي ارتكبها مخططو الحرب انهم اغفلوا دور الاسلام والعلماء المسلمين، سنة وشيعة، في بنية العراق المعاصر، وانطلقوا بالتالي من فرضية العراق العلماني، العراق الذي انجز البعث والحكومات السابقة له مشروع علمنته وجعله جاهزا لاستقبال الانموذج الامريكي للدولة والحكم. لم يفاجأ الامريكيون ببقاء صدام حسين وكبار معاونيه وقادته في البلاد وذهابهم لخيار المقاومة فحسب، بل فوجئوا ايضا بولادة العديد من المجموعات الاسلامية العراقية التي حملت السلاح خلال ايام من الاحتلال ضد القوات المحتلة. ولم يفاجأ الامريكيون بهزال الوزن السياسي والشعبي للقوي الحليفة لهم فحسب، بل فوجئوا ايضا بأن هناك قوي شعبية حقيقية كتيار الصدر لم تخضع للنظام السابق وليس لديها استعداد للخضوع لسادة بغداد الجدد. ولكن اكبر المفاجآت كانت في اغفال دور العلماء المسلمين التقليديين من سنة وشيعة، من امثال العلماء المنضوين في هيئة علماء المسلمين السنة وآية الله السيستاني والمراجع الشيعية في النجف. لقد اغفل مخططو الغزو في واشنطن، وجهلوا حقيقة دور ونفوذ وحيوية طبقة العلماء المسلمين واستعدادهم للدفاع عن ثوابت العراق واستقلاله.

عندما كانت قوي المعارضة العراقية المختلفة تتورط في التواطؤ مع قوي الغزو، كان السيستاني يصدر فتوي يدعو فيها العراقيين للدفاع عن وطنهم ضد الغزاة. آنذاك حاول البعض من حلفاء قوي الغزو اثارة الشكوك حول حقيقة موقف المرجع الكبير من الحرب والاحتلال، فيما ظن البعض الآخر ان السيستاني قد وقع تحت ضغوط من النظام الحاكم. ولكن مواقف السيستاني توالت لتعبر عن موقف ثابت ومنطق لا يتغير. فقد أفتي بعد وقوع الاحتلال ناصحا مقلديه ان لا يتعاملوا مع المحتلين الا في حدود ضيقة جدا وان يعربوا لهم دائما عن رغبة العراقيين في رحيلهم. وفي موازاة ذلك، كان السيستاني يرفض مقابلة غارنر، وبريمر، وبول وولفويتز، وجاك سترو، رغم سعي هؤلاء جميعا الي مقابلته. وحتي عندما صدرت فتوي السيستاني القاضية بعدم شرعية دستور لا تضعه هيئة منتخبة من الشعب العراقي، لم يكن بريمر ادرك بعد حجم التحدي الذي يواجهه من النجف. لقد اشتعلت المنطقة السنية تحت اقدام الغزاة وظن بريمر ومساعدوه ورجال أمنه ان مشكلتهم محصورة بالعلماء المسلمين السنة الذين اصبحوا مصدر التحريض الرئيسي علي المقاومة. ولكن اتفاق نقل السيادة الذي عاد به بريمر من واشنطن باعتباره المخرج السحري للأزمة المتفاقمة في العراق، واقناعه شركائه في مجلس الحكم به، كان المناسبة التي فتحت عيني الحاكم الامريكي علي وسعيها. ما ان اعلن الاتفاق في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) حتي أعرب السيد السيستاني عن معارضته الحاسمة له، مطالبا بأن تكون الهيئة التأسيسية التي ستولد منها مؤسسات الدولة الجديدة هيئة منتخبة وليس معينة او مختارة من مجال جهوية يقوم الامريكيون ومجلس الحكم المعين بالتحكم في تكوينها. معارضة السيستاني للاتفاق، ولأهم اركانه علي الاطلاق، ومطالبته بانتخابات شعبية مباشرة، تقف وجها لوجه امام المنطق المؤسس للمشروع الامريكي في العراق ولمحاولة بريمر فرض هذا المشروع من خلال اتفاق نقل السيادة، بعد ان فشل في فرضه عبر تحكم احتلالي مباشر وطويل في الشأن العراقي.

تمحورت التعليقات الاولية حول موقف السيد السيستاني خاصة تلك التي حملتها الصحف الامريكية الرئيسية، حول موضوعة السيطرة الشيعية علي العراق الجديد. تفترض هذه التعليقات ان الدعوة الي انتخابات شعبية مباشرة للهيئة التأسيسية هي دعوة تستبطن الاتيان بأكثرية شيعية مطلقة في الهيئة تعكس الاكثرية الشيعية المفترضة بين سكان العراق. وستؤدي السيطرة علي الهيئة التأسيسية الي السيطرة علي كل مؤسسات الدولة والسيادة التي ستنبثق منها. ولكن الحقيقة ان المسألة هنا لا تتعلق باكثرية واقلية او بمشروع للسيطرة، بل علي الارجح بقضية الشرعية واهلية الشعب العراقي لتسلم مقاليد امره. ليس هناك من شك بأن الاعتقاد السائد بين الكثير من القادة والاوساط الشيعية في العراق ان الشيعة يمثلون اكثرية السكان، وهذه موضوعة ترتكز الي التقدير وليس الي الارقام الاحصائية. لم يشهد العراق الحديث احصاء طائفيا منذ اعلنت حدوده في مطلع العهد الملكي، وكما اشرت سابقا في هذا الموقع فان مسألة الاكثرية والأقلية لن يحسمها الا الاحصاء الطائفي ان كان مثل هذا الاحصاء ومثل هذه الرؤية للذات قد اصبحت خيارا عراقيا. المسألة الهامة هنا انه سواء ولدت الهيئة التأسيسية من خلال انتخابات مباشرة او من خلال اختيار وتعيين تقوم به المجالس الجهوية، فان السيطرة العددية للأكثرية ستنعكس علي تكوين الهيئة علي اية حال. بل ان السيطرة الشيعية في حال عدم اللجوء الي الانتخابات المباشرة هي اكثر احتمالا، طالما ان معادلة مجلس الحكم تقوم اساسا علي اكثرية شيعية، وان من المقرر ان يلعب مجلس الحكم دورا رئيسيا في تشكيل المجالس الجهوية التي ستأتي بالهيئة التأسيسية وذلك طبقا لمشروع السيد بريمر.

تؤسس الانتخابات المباشرة شرعية الهيئة التأسيسية وتعكس الارادة الحقيقية للشعب العراقي، سواء فيمن يضفي عليهم الشعب تمثيله واسماع صوته وتجسيد سيادته في وطنه، او في تصور الشعب للدولة العراقية والمرجعية الثقافية والسياسية لهذه الدولة.

وهذا بالتأكيد ما يخشاه بريمر وواشنطن، رغم كل الادعاءات الديمقراطية الصادرة عنهما. وهذا ايضا ما يخشاه اغلب اعضاء مجلس الحكم الذين يدركون ان لا امل لهم في المحافظة علي سيطرتهم علي الشأن العراقي من خلال انتخابات شعبية مباشرة. فما الذي يريده بريمر وشركاؤه في مجلس الحكم اذن، ولماذا يرفض هؤلاء الديمقراطيون فكرة الانتخابات المباشرة التي تمثل اهم ادوات النظام الديمقراطي، وهم الذين لم تتبق من مشروعية احتلالهم للعراق الا اتهام النظام السابق بالدكتاتورية والسيطرة، بعد ان سقطت كل مبررات الغزو الاخري؟

يدرك بريمر ان انتخابات مباشرة في هذه المرحلة ستأتي بأكثرية ذات توجه اسلامي، وانها ستؤدي الي ان تفقد ادارة الاحتلال قدرتها علي التأثير علي مستقبل العراق السياسي ومساره. ويدرك ان الانتخابات ستضفي علي الهيئة التأسيسية شرعية في نظر العراقيين والعالم لا يمكن نقضها بدون سفك دماء. بمعني ان الانتخابات هي مقامرة كبري تهدد بتقويض المشروع الامريكي في العراق سياسيا تماما كما قوضت المقاومة هذا المشروع بافراغ النصر العسكري الامريكي من محتواه. ولا يقل اهمية ان الاذعان لفتوي السيستاني يؤسس لحق العلماء المسلمين في امتلاك الفيتو علي الدولة الجديدة من اللحظة الاولي لانبثاقها. لذلك كله فان بريمر لن يوافق علي التخلي عن مشروعه لانتقال السلطة بدون ان تجبره ارادة الشعب والعلماء علي ذلك. ويجد بريمر دعما صريحا وضمنيا من شركائه في مجلس الحكم، شيعة وسنة وعربا واكرادا. تأمل قوي مجلس الحكم ان يتيح لها مشروع بريمر ان تتحكم في تكوين المجالس الجهوية، خاصة وان اتفاق نقل السيادة يعطي لمجلس الحكم الحق في تعيين ثلث اعضاء هذه المجالس. وتأمل قوي مجلس الحكم من خلال ذلك ان تتحكم في تكوين الهيئة التأسيسية التي يفترض ان تتسلم سيادة العراق من الامريكيين، طالما ان عضوية الهيئة ستأتي من المجالس الجهوية. وتأمل قوي مجلس الحكم ثالثا ان تصل مع بريمر الي اتفاق قريب بأن يختار مجلس الحكم من بين اعضائه مجلس سيادة يصبح بمثابة رئاسة الدولة خلال المرحلة الانتقالية. هذه الامتيازات قد تذهب جميعا ادراج الرياح ان كان الطريق الي الدولة الجديدة هو طريق الانتخابات المباشرة. بكلمة اخري، فان هدف مجلس الحكم هو التحكم في كيان الدولة خلال المرحلة الانتقالية (وما بعدها)، واستخدام موارد الدولة وادواتها لتعزيز مواقع قوي مجلس الحكم في البلاد.

يدلل سجل قوي العلماء المسلمين التقليديين، سواء هيئة العلماء المسلمين او مرجعية النجف، من ناحية، وسجل القوي الاسلامية السياسية الحديثة مثل الحزب الاسلامي والدعوة والمجلس الاعلي للثورة الاسلامية، علي ان القوي التقليدية قد اثبتت تماسكا وصلابة ووضوح رؤية، بينما وقعت القوي الحديثة في سلسلة من التناقضات وتبني سياسات غامضة، تهدد وضع العراق ومستقبله. لقد قبل ممثلا الدعوة والحزب الاسلامي مشروع بريمر ودافعا عنه، بينما غرق المجلس الاعلي للثورة الاسلامية في منطقة رمادية، متأرجحا بين بريمر والمرجعية. كما ان هيئة العلماء المسلمين والسيد السيستاني قد رفضا فكرة تشكيل ميليشيات من القوي السياسية لمعالجة المسألة الأمنية، بينما تورط المجلس الاعلي في مشروع الميليشيات ذات الطابع الطائفي والاثني، وما تستبطنه من تهديد لوحدة العراق ومستقبله. في عراق ما بعد الاحتلال، يواجه الامريكيون التحدي تلو الاخر، تحديات تنبع من قلب العراق وتكوينه التاريخي. ولكن ان كان لاحد ان يأمل في حصول العراق قريبا علي حريته واستقلاله، فعليه ان لا يعول علي قوي المعارضة السابقة، الاسلامي منها والعلماني. كما الحداثة نفسها، فان القوي الحديثة اكثر هشاشة من ان تتحمل مسؤوليات الوطن الكبري.