المحادثات الفلسطينية/الفلسطينية الفاشلة

 

 

 

بقلم :الدكتور الياس عاقلة

 

بعد أربعة أيامٍ من المحادثات المكثفة بين فصائل المقاومة الفلسطينية من جهةٍ وبين السلطة الفلسطينية ومنظمتها فتح من جهةٍ أخرى جاء الفشل المتوقع على شكل بيانٍ صحفيٍ احتوى التصريحات المعهودة مثل اعتبار انعقاد المؤتمر نجاحاً بحد ذاته، رغم عدم التوصل الى أي اتفاق، كما أُعلن عن الإستعداد لإستئناف الحوار في وقتٍ لاحقٍ – لم يحدد بعد-، والتأكيد على الثوابت الفلسطينية التقليدية مثل حق العودة وشرعية مقاومة الإحتلال.

 

ويأتي فشل المحادثات المتوقع بسبب اختلاف وتناقض الأهداف التي وُضعت لهذا الإجتماع . فأهداف السلطة الفلسطينية ومنظمة فتح تناقضت تماماً مع أهداف فصائل المقاومة الفلسطينية. فقد هدفت السلطة الفلسطينية وفتح الى الحصول على هدنةٍ لوقف إطلاق النار، والى احتواء الفصائل المقاومة تحت جناحها، لكي يستطيع أحمد قريع أن يستعملهما كورقة مساومةٍ في اللقاء الذي يُحضَّر له مع رئيس الوزراء الصهيوني شارون.  وواجه مبعوثوا الفصائل الفلسطينية ضغوطاتٍ سياسيةٍ مصريةٍ  لتقديم هذين الهدفين حين خطب فيهم رئيس المخابرات المصرية اللواء عمر سليمان في الجلسة الإفتتاحية ليحثهم على تقديم التنازلات حين طلب منهم وضع خطةِ طوارئ لمدة عام تتضمن هدنةً مشروطةً مع إسرائيل، وتشكيل قيادةٍ فلسطينيةٍ موحدةٍ تحت لواء السلطة، مذكرهم أن الحكومات العربية لا تقدم أي تحركٍ لدعم القضية الفلسطينية، وأن الإدارة الأميركية ستنشغل قريباً بالتحضير للإنتخابات الداخلية وستضع القضية الفلسطينية على الرف تاركة المجال للإرهابي شارون ليستعمل جميع أنواع الإرهاب الوحشي ضد الفلسطينيين.

 

أما موفدوا الفصائل الفلسطينية فكان لهم أهدافٌ مختلفةٌ تماماً. فإنهم لم يأتوا من أجل الإتفاق على هدن.  فقد تعلموا أن إسرائيل لا تحترم أية هدنةٍ، فخلال شهري حزيران وتموز الماضيين قامت إسرائيل بخرقٍ يوميٍ للهدنة الأولى،  وبإغتيال القادات الفلسطينية رغم أن المقاومين حافظوا على الهدنة لمدة 50 يوماً.  ولذلك فالفصائل المقاومة لا تريد تكريرهذا الخطأ.  بل هدفت الى مناقشة وسائل وأساليب المقاومة، ومعالجة موضوع العلاقات الفلسطينية الداخلية ومقاومة الفساد وعملية الإصلاح ومشكلة عدم وجود الروح الديمقراطية في السلطة، وتكوين شراكة سياسية ووحدة وطنية شاملة لجميع المنظمات من أجل وضع برنامجٍ وطنيٍ شاملٍ يحتوي على الأهداف الرئيسية: طرد الإحتلال، أسترجاع الوطن، إقامة الدولة الفلسطينية وصون حق عودة اللاجئين المطرودين الى بلادهم.

 

وعند النظر الى أهداف السلطة ومنظمة التحرير نجدها محدودة البُعد،  وتوضح لنا موقفهم الإنهزامي الإستسلامي المتمثل حالياً في شخصية أحمد قريع.  فإيمانهم بعدالة القضية الفلسطينية وبقدرة المقاومين الأشراف إيمانٌ ناقص رغم الإنتصارات التي حققتها الإنتفاضة بوضع إسرائيل في مآزق أمنية وإقتصادية وإجتماعية داخلية، ومآزق سياسية دولية آخرها كان قرار الجمعية العامة بتحويل قضية السور العازل الى محكمة العدل العليا، والتي هي أعلى هيئة قضائية في العالم.  وهذا يدل إما على عدم قدرة رجالات السلطة على فهم تفاعلات المسرح العالمي وتأثير المقاومة الفلسطينية على شعوب العالم التي تتعاطف الآن مع القضية الفلسطينية وتدين الإرهاب الإسرائيلي، أو أنهم خارجين عن المصلحة الفلسطينية العامة ولهم مصالح خاصة – إقتصادية على الأرجح- متعلقة باستمرار وجود الإحتلال،  مما يُفسر هرولتهم في اللقاءات الفلسطينية / الإسرائيلية العقيمة في محاولةٍ لإخراج إسرائيل من مآزقها بالتنازل عن الحقوق الفلسطينية كحق عودة اللاجئين وحق إمتلاك الأرض.  فإسرائيل لم تظهر أي تغيير حقيقي في مواقفها العنيدة مما يتطلب تقديم خطوة فلسطينية مقابلة.  ولكن من الواضح أن أحمد قريع رئيس الوزراء الجديد يريد أن يثبت وجوده وقدرته على الحركة السياسية بلقاء يُعد ناجحاً مع شارون. لذلك فهو يحاول الحصول على تفويضات من حركات المقاومة لتقديم تنازلات جديدة للإسرائيلين مقابل الحصول على تعهدٍ شكلي بوقف إطلاق النار.

 

وبدل أن تقوم السلطة الفلسطينية، بدعم مصري، بممارسة الضغوط السياسية على فصائل المقاومة لإنهاء كفاحهم، وكأن المطلوب فقط وقف المقاومة وليس وقف الإحتلال،  كان الأفضل بها وبمصر توجيه هذه الضغوط على الحكومات العربية لكي تدعم المقاومة سياسياً وعسكرياً في دفاعها عن مقدسات الأمة العربية – إسلامية كانت أم مسيحية-،  وفي وقفتها خطاً أمامياً في مواجهة الإحتلال الإسرائيلي الزاحف الى جميع الدول العربية.  أو على الأقل تضغط عليهم لكي يتوقفوا عن نعتها بالإرهاب او بالعنف ومشككين في شرعيتها.

 

ورغم أن فصائل المقاومة الفلسطينية توقعت فشل المحادثات،  وحذرت السلطة أن الفشل سيكون النتيجة إذا اقتصرت المحادثات على هدنةٍ ثانية، إلا أنها أرسلت وفودها لتفادي إمكانية خلق أي صراعٍ فلسطينيٍ داخلي، وبسبب روح الشورى فيهم،  آملين أن تتجاوب السلطة معهم.  كما أنهم رفضوا أن يكونوا مجرد رقمٍ تعدادي تحت لواء منظمة فتح وإعطائها تفويض حرية الحركة في مجال المفاوضات السياسية لحل القضية الفلسطينية والدخول في مفاوضات مع الكيان الصهيوني، لأن الفصائل فقدت الثقة بفتح وبسلطتها التي تترك رجالها يقومون بما يُسمى بجهود شخصية منفردة بدل العمل الجماعي الرسمي. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على فشل خط السلطة السياسي القائم على الإتفاقات الإستسلامية والتنازلات لإسرائيل مقابل مجرد البقاء لا المطالبة بإنتهاء الإحتلال واسترجاع الأراضي الفلسطينية.  لذلك على السلطة الحالية ورجالها،  الذين يريدون الإستئثار لأنفسهم فقط بالسلطة وبالقرار السياسي الفلسطيني كم فعلوا  لمدة 12 عاما بدون نتيجة إيجابيةٍ بل أوصلوا الشعب الفلسطيني الى أسوأ  أوضاعه منذ نكسة سنة 1967،  أن يتنحوا جانباً ليعطوا مجالاً لخطٍ سياسيٍ جديدٍ نابع عن الإيمان بالحق ومؤمنٍ بالشراكة السياسية ومليءٍ بروح الكفاح لا بروح الإستسلام.