المقاومة الإسلامية و مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي
المقاومة الاسلامية في فلسطين اصبحت
الرقم الصعب الذ ي لايمكن تجاوزه في معادلة الصراع
بقلم :أوسان اليمني
النتائج الأولية لاجتماع الفصائل
الفلسطينية في القاهرة أدت الى بروز تيار سياسي مواز للسلطة الفلسطينية تتزعمه
حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي أصبحت رقما يصعب تجاوزه في معادلة الصراع
العربي الإسرائيلي بصفة عامة والفلسطيني الإسرائيلي بصفة خاصة،والخلاف الذي برز في
اجتماعات القاهرة تمحور حول نقطة في غاية الحساسية وهي عدم موافقة الفصائل الكبرى
باستثناء فتح على السماح للسلطة الفلسطينية بالانفراد بالقرار السياسي،وهذا يعني
ضمنا دخول لاعب جديد ومؤثر في المعادلة السياسية الفلسطينية وهو حركة حماس التي أثبتت
انه لم يكتب النجاح لأي قرار سياسي لم تكن شريك فيه من اتفاقات مدريد حتى جنيف حيث عارضت جميع
هذه الاتفاقيات،وعملت على تعبئة الشعب الفلسطيني والعربي ضدها وكان واحدا من أسباب
نجاحها في ذلك نقض إسرائيل لكافة الاتفاقيات وعدم قدرة السلطة الفلسطينية على
الثبات على سياسة واضحة في مواجهة التعنت الإسرائيلي،كما أن سياسة التنازلات التي
انتهجتها السلطة قد افقدها الكثير من المصداقية الشعبية،وذلك الزخم الشعبي الذي
قوبل به ياسر عرفات عند عودته الى الأراضي الفلسطينية انطفأ بريقه،فخريطة الانتماء
السياسي للشعب الفلسطيني قد حدث فيها الكثير من التغيير منذ ذلك الحين.
أن كل عوامل فشل السلطة الفلسطينية هي
بالمقابل عوامل النجاح للمنظمات المعارضة وعلى رأسها المعارضة الإسلامية بصفة
خاصة،وقد أدركت قيادات فتح خطورة الوضع الذي تواجهه السلطة فتداركت الموقف
بانضمامها الى تيار المقاومة الشعبية فشكلت تنظيم كتائب الأقصى حتى لا تفقد
شعبيتها على الساحة الفلسطينية بعد أن وجدت أن زخم المعارضة يطغى على التوجهات
السياسية للسلطة بل أن الأصوات بدأت ترتفع في توجيه الاتهامات الخطيرة لبعض أركان
السلطة وخصوصا القيادات الأمنية في أجهزة السلطة التي ارتكبت اخطأ بعضها من النوع
الذي يمكن تسميته بالقاتل وتم استغلاله من قبل
المعارضة في تشويه صورة السلطة ككل.
وبدلا من أن تقوم السلطة بالسعي الى احتواء كل المنظمات من خلال الاتفاق
على قواسم مشتركة تبني بموجبها شرعيتها لدى المعارضة نجدها أخطأت في قراءة الوقائع
العملية على الأرض،وتصرفت بأسلوب معادي وصل الى حد التعاون مع الجانب الإسرائيلي
من اجل إقصاء واستئصال المعارضة الإسلامية،بعد أن وجدت البساط الشعبي ينسحب من تحت
أقدامها لصالح المقاومة المتمثلة في حماس والجهاد،وقد ذهبت السلطة بعيدا في
استهتارها بالواقع الفلسطيني جعلها تنصاع للضغوط الاميركية والإسرائيلية في اجتثاث
هذه المقاومة بموجب اتفاقيات موقعة مع الجانب الإسرائيلي قامت بموجبها باعتقال
العديد من قيادات المقاومة الإسلامية ، وكذلك داهمت قوات الأمن الفلسطيني المواقع
السرية لهذه المنظمات ونجحت في الكشف عن معامل وورش تصنيع المتفجرات بل وصل الأمر
الى إبلاغ الجانب الإسرائيلي عن توجه بعض خلايا هذه المنظمات لتنفيذ عمليات واستطاعت
القوات الإسرائيلية بموجب هذه المعلومات أن تحبط هذه العمليات وتقتل جميع
المشاركين فيها،وقد أتضح مستوى التعاون الأمني جليا بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي
عند اجتياح القوات الإسرائيلية لأراضي السلطة وحدث خلالها تواطؤ في تمكين الإسرائيليين
من القبض على مجموعة من الأسرى التابعين لحماس كانوا في سجون السلطة وقد أعلنت
حماس أنها ناشدت احد كبار قادة أجهزة الأمن الفلسطيني بالإفراج عنهم أو نقلهم من
هذا السجن قبل اجتياح الجيش الإسرائيلي للمنطقة التي يقع فيها السجن،غير أن هذا
المسئول رفض التجاوب معها وعند وصول القوات الإسرائيلية هرب من المنطقة مع ضباطه
وترك الإسرائيليين يسيطروا على الموقع ويأخذوا الأسرى الفلسطينيين التابعين لحركة
المقاومة الإسلامية،وقد اعتبرت الحركة هذا التصرف خيانة وأصدرت بيان أهدرت فيها دم
هذا المسئول وانكشفت القضية على مستوى الشارع الفلسطيني مما أحدث ضغوطا كبيرة على
الرئيس الفلسطيني جعلته بعد فترة يقيل هذا المسئول،كما ان التصرفات غير المسئولة
من بعض المسئولين الفلسطينيين وصلت حدا جعل حركة فتح كبرى الفصائل الفلسطينية أن
تتهم واحد من كبار قادة الأمن الفلسطيني بالخيانة والعمالة لإسرائيل،أن كل هذه الإرهاصات
كانت تصب في صالح المعارضة للسلطة بكل أطيافها مما اظهر السلطة أمام غالبية الشعب
الفلسطيني في موقف الاتهام.
ولم تسلم المقاومة الإسلامية من
التضييق العربي والدولي وخصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة حيث أقفلت
مكاتبها في أكثر من دولة عربية وعلى رأسها الأردن في فضيحة طرد أعضاء مكتب حماس
الذين يحملون الجنسية الأردنية ومصادرة حسابات الحركة وأعضائها في أكثر من بلد، وتم التضييق على الجهات
الممولة للحركة ومصادرة حساباتها،وعلى المستوى الأوروبي اعتبر الجناح العسكري
لحماس متهم بالإرهاب .
لقد خرجت المقاومة الإسلامية من هذه
الظروف أكثر قوة من ذي قبل وزاد من قوتها أن إسرائيل قامت بتدمير البنية التحتية
لقوات الأمن الفلسطيني بل قتلت الكثير من أفراد هذه القوات مما أزاح العقبات التي
كانت تعاني منها المقاومة الإسلامية في مواجهة القوات الإسرائيلية،وجاءت نتائج
التضييق والملاحقة ضد حماس بردود فعل عكسية لصالحها على المستوى الفلسطيني والعربي
والإسلامي لان الجهات المعادية للحركة مصنفة في كافة المستويات الشعبية في العالم
العربي والإسلامي على أنها جهات معادية لتوجهات الأمة قبل ظهور حماس في الساحة
الفلسطينية وتأتي الولايات المتحدة الاميركية على راس هذا التصنيف باعتبارها
الدولة التي تدعم الإرهاب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين وتجد عداءا جماعيا من جماهير الأمة
بسبب ذلك.
أن سياسة حركة المقاومة الإسلامية
(حماس) وبرنامج المقاومة الذي تتبعه ضد إسرائيل كان واحدا من أهم الأسباب الحقيقية
والخفية للسماح لمنظمة التحرير الفلسطينية وقادتها بالعودة الى داخل فلسطين بسبب الشعور الإسرائيلي بخطورة
الموقف من تفجر مقاومة إسلامية خالصة في فلسطين ورأت أن إدخال منظمة التحرير الى
الساحة الفلسطينية سوف يعرقل هذا الاتجاه لان انتفاضة الحجارة الأولى كانت من صنع
حماس وقد اعترف بذلك ياسر عرفات في حديثه لمجلة المجتمع الكويتية مما اكسبها تأييدا
شعبيا كبيرا،وتتحمل إسرائيل والسلطة السبب الرئيس في هذا التأييد بسبب عدم التوصل
الى اتفاق عادل ينهي معاناة الشعب الفلسطيني مما أعطى انطباعا عاما لدى
الفلسطينيين والعرب كافة أن الحل السلمي لن تقبل به إسرائيل وليس هناك حل سوى
المقاومة التي تصر عليها حماس وقد ثبتت إسرائيل هذا التوجه باستمرار ابتزازها
للسلطة وتجاوب السلطة المستمر مع هذا الاتجاه،كما أن الحل الإسلامي الذي تدعو إليه
حماس باعتبار فلسطين وقف إسلامي من البحر الى النهر قد مست به وترا حساسا في عقيدة
السواد الأعظم من الأمة،حيث أن القناعة واليقين لدى ملايين المسلمين أن إسرائيل
مرض مؤقت وان الزمن كفيل بعلاجه وإزالته من جسد الأمة وهذا اليقين هو جزء أصيل في
عقيدة المسلمين وما ورد في القرآن والسنة يؤكد ذلك ويدعمه، بل أن بعض طوائف اليهود لديها قناعة بأن دولة إسرائيل
مصيرها الى زوال،وهذه الأمور شائعة بين اليهود الى حد التشاؤم من المستقبل ،وقد
ذكر حسن التهامي مستشار الرئيس السادات أن هذه النقطة كانت مدار حديث بينه وبين
موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي الراحل الذي كانت إجابته أن لديه قناعة بأن
اسرائيل سوف تنتهي في الستقبل، ولكنه يعتقد أن مثل هذا سوف يحدث عندما يأتي
المسلمون الحقيقيون، كما نقل عن إسحاق رابين انه رد على تهنئة احد الصحفيين
الاميركيين بانتصار إسرائيل في حزيران 67 وهو يجلس في الطائرة وينظر الى فلسطين من
الجو قائلا ولكن ماذا سوف يبقى من هذا أن كل شي الى زوال،وكان يعني بهذه الكلمة أن
إسرائيل لن يكون لها وجود يوما من الأيام،وهذه القناعات لدى اليهود تشعرهم بخطورة
طرح حماس الذي يمس قناعاتهم ويشعرهم بخطورة الأمر واقترابه،لهذا فقد جندوا كل إمكانياتهم
في حرب حماس والجهاد دون غيرهما،وسلطوا عليهما السلطة الفلسطينية التي تتقاطع
مصلحتها مع التوجه الإسرائيلي وتعتبر المقاومة الإسلامية خطرا ماحقا على
وجودها،وكذلك استخدمت إسرائيل نفوذها في جعل أميركا تدرج حركة حماس والجهاد في
قائمة المنظمات الإرهابية وترتب على ذلك محاربة مصادر تمويلهما ومعاقبة المتعاونين
معهما،بل أن أميركا استخدمت نفوذها في الضغط على الدول العربية في تجفيف مصادر
التمويل للمنظمات الإسلامية ومعاقبة المتعاونين معها،وكل ذلك الرعب بسبب الطرح الإسلامي
لهذه المنظمات الذي يعتبر ناقوس خطر لليهود خصوصا أن تجربة دولة إسرائيل مع حزب
الله لازالت حية،وقد استطاع الحزب هزيمة إسرائيل عسكريا وجعلها تجر أذيال الهزيمة
وتنسحب من الجنوب اللبناني الذي كانت تعتبره الحزام الأمني لحدودها،ولازالت إسرائيل
تتجرع المر بسبب حزب الله وقد جاءت محادثات تبادل الأسرى لتؤكد أن التعامل مع
المنظمات الإسلامية لا يعطي لإسرائيل أي مجال للمراوغة والمناورة الذي تمارسه
بنجاح مع الآخرين.
أن الصمود الذي أبدته المقاومة الإسلامية
في فلسطين أمام محاولات الاجتثاث والتهميش من كل الجهات جعلها تقف اليوم في واجهة
المشهد الفلسطيني،وأصبحت كما اشرنا رقما يصعب تجاهله في معادلة الصراع مع إسرائيل،وقد
وصلت هذه القناعة الى جميع المشاركين في صنع القرار الفلسطيني والإسرائيلي،مما جعل
السلطة الفلسطينية تعترف بالواقع وتجد أن من الأسلم لها أن تجمع الفصائل
الفلسطينية في القاهرة للاتفاق فيما بينها على إطار عام يسمح بهدنة مع دولة إسرائيل
إضافة الى حصولها على تفويض بالتحرك السياسي دون معارضة من هذه الفصائل،واعتقدت أنها
إذا نجحت في ذلك فسوف تستعيد سيطرتها على كل الفعاليات السياسية الفلسطينية وتجعل
الخروج المستقبلي لأي فصيل على هذا الاتفاق مبررا لضربه وتحريض الجميع ضده ، ولكنها
أخفقت أخفاقا شديدا في ذلك لان حماس أدركت ذلك وجعلت من مفاوضات القاهرة حلقة هامة
من حلقات بروزها على المسرح السياسي الفلسطيني حيث استطاعت أن تسحب البساط لصالحها
وصرحت لأول مرة بعدم موافقتها على انفراد السلطة بالقرار السياسي الفلسطيني،وكانت
نتائج المفاوضات بمثابة انقلاب السحر على الساحر فقد أصبحت السلطة تطلب من حماس
والجهاد الموافقة على تفويضها بالتصرف السياسي بعد أن كانت لا تعيرهما أي اهتمام
من قبل، أما السبب الثاني فهو المأزق الذي شعرت أميركا بوقوعها فيه بالعراق
وأفغانستان معا مما جعلها تخطط لتهدئة الجبهة الفلسطينية الإسرائيلية حتى تتفرغ
لمشكلاتها في هذين البلدين،إضافة الى شعورها بما يحمله العرب والمسلمون من عداء
تجاهها لاعتقادهم أن أميركا تستهدف المسلمين دون غيرهم،وعدم نجاح مفاوضات القاهرة
بين الفصائل الفلسطينية كان انتكاسة لتوجهات الإدارة الاميركية بهذا الخصوص،بل أن
بعض المحللين السياسيين اعتبر عدم نجاح مفاوضات القاهرة كان متعمدا حتى لا تحصل
الإدارة الاميركية على فرصة لالتقاط أنفاسها،إضافة الى حقيقة في غاية الأهمية
ولعلها تأتي في مقدمة الأسباب التي أدت الى فشل المفاوضات وهي اختلاف برنامج
المقاومة الإسلامية عن بقية الفصائل الفلسطينية وكانت الموافقة على تفويض السلطة
تعني تخلي هذه الفصائل عن برنامجها الذي لا يوافق على إعطاء اليهود شبرا واحد من
فلسطين.
وإذا قبلنا بالحقيقة التي بدأت في الظهور
على المسرح السياسي الفلسطيني والتي تقول
أن حماس والجهاد سوف تبرزان أكثر من قبل ويكون لهما تأثير مباشر على القرار
السياسي الفلسطيني،فإننا سوف نصطدم بحقيقة اكبر أنه لن يكون هناك حلا سلميا للقضية
الفلسطينية إلا بسيطرة الفلسطينيين على كامل فلسطين من النهر الى البحر كما هو
برنامج المقاومة الإسلامية، أو بطرد الفلسطينيين بالكامل من الأراضي الفلسطينية
وسيطرت إسرائيل الكاملة على الأرض الفلسطينية ومن ناحية واقعية فان الخيار الأول
قابل للتطبيق بينما الخيار الثاني لن ينهي المشكلة فالمسلمون لن يسمحوا بتسليم
فلسطين لليهود مهما كانت التضحيات خصوصا أنها تظم أول القبلتين وثالث الحرمين،وزحف
الحقائق والواقع ومعتقدات الطرفين تقول أن المواجهة الشاملة لابد أن تحدث في الأخير،لأن
إسرائيل ليس لديها أي قناعة بالسلام وإعادة الأراضي المحتلة الى أصحابها في
الجولان ولبنان وفلسطين بل أنها تعتقد أن من حقها التوسع أكثر عندما تكون الظروف
مواتية لذلك ،كما أن تهديداتها المستمرة في المنطقة لا تستثني حتى الدول التي وقعت
معها اتفاقيات سلام وعلى رأسها مصر،مما يجعل المنطقة على فوهة بركان ينتظر الجميع
انفجاره،وفي المقابل فأن العداء لليهود في العالم العربي والإسلامي بلغ حد ألا عودة
بعد أن عمقت إسرائيل هذا التوجه بأعمالها الإجرامية من قتل للكبار والصغار وهدم
البيوت على رؤؤس أصحابها وتجريف المزارع وتطويق المدن مما أوصل شعوب المنطقة الى تبني
خيار المقاومة الإسلامية مما أوجد قناعات أنه لن يكون هناك حلا سلميا مع الدولة
اليهودية،بل أن عملية الاستقطاب الواسعة للشارع الإسلامي جعلت مما كان ممكنا من
قبل يصبح غير ممكن،فقد أصبحت هناك قناعات ثابتة لدى الشعوب العربية والإسلامية أن
أي سلام مع إسرائيل مرفوض حتى ولو انسحبت الى حدود عام 67 م وان أي اتفاقيات سلام
مع الدولة اليهودية هي اتفاقيات مؤقتة تلزم الحكومات ولا تلزم الشعوب،وبذلك تكون الأمور
قد حسمت لأصحاب التوجهات الاستئصالية ولا مكان لغيرهم وكل جهود السلام في المنطقة لا
تلقى أي آذان صاغية لان الاتفاقيات السابقة كانت حبرا على ورق ولن تكون هذه أفضل
من سابقاتها، ويبدوا أننا على مشارف الفصل الأخير من المشهد الذي يسير ببطء نحو
نهايته المحتومة التي يعتقد كلا من الطرفين أن نتيجتها معروفة سلفا.