تلك ثغرة الأعداء

 

 

بقلم : د. جابر قميحة

         - أستاذ الأدب العربي

  

كان صلاح الدين الأيوبي (رحمه اللّه) في زحفه الكبير الشامخ النبيل لاستخلاص القدس، حريصاً كل الحرص على أن يتحلى هو وجنوده بالقيم الإسلامية عبادة وسلوكاً، وقولاً وعملاً، أفراداً وجماعات. وكان الجنود- كما عوّدهم وتعودوا. يتحلقون أمام خيامهم يتلون كتاب اللّه، فلا تسمع منهم إلا طنيناً كطنين النحل. تلك كانت عاداتهم اليومية بعد صلاة العشاء. ويقال إن صلاح الدين مرّ بالمعسكر ذات ليلة، فرأى الخيام كلها مستغرقة في تلاوة كتاب الله إلا خيمة واحدة، فأشار إليها في أسى غاضب، وقال:«الآن أعرف من أين نُؤتى». ومعنى هذه العبارة: الآن أعرف مقدماً- إذا هُزمنا- أن هذه الخيمة الصامتة التي أضرب أصحابها عن تلاوة القرآن هي سبب الهزيمة، لأنها تمثل نقطة الضعف في الجيش، و«ثغرة» يسهل على الأعداء اختراقها والنفاذ منها.

أترى صلاح الدين كان مبالغاً مسرفاً في إطلاق هذه المقولة أو هذا الحكم؟ إن الإجابة تتوقف على تحليلنا لمفهوم التلاوة ودلالاتها في مثل هذه الموقف بصفة خاصة:

- إن مجرد التحلق أو التجمع لتلاوة القرآن فيه استشعار صادق لروح الجماعة والتماسك والتلاحم.

- وتلاوة القرآن تطهير للنفس، وتنقية لها مما ران عليها، وتجعل المسلم موصولاً باللّه بوشيجة قوية لا تبلى ولا تنقطع.

- وتلاوة القرآن تبعث في النفس السلام والأمن والطمأنينة «ألا بذكر اللّه تطمئن القلوب».

- وتلاوة القرآن حق تلاوته تمثل معايشة صادقة، تغرس في نفس المسلم منظومة القيم التي يدعو إليها من قوة وإباء، وشموخ وعدل وحكمة {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون}(البقرة:151).

إن مثل هذه التلاوة تعد إقراراً صريحاً «بتجديد العقد» مع اللّه بالتزام أوامره، والبعد عن نواهيه، فإذا مر المسلم بقوله تعالى:{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل}، وقوله {وجاهدوا في اللّه حق جهاده}، وقوله:{وابتغ فيما أتاك اللّه الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا}، وقوله:{وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} وقوله:{ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون}... إذا مر المسلم في تلاوته بهذه الآيات أدرك في سهولة أنها تدعوه إلى أن يأخذ نفسه عملياً بإعداد كل أنواع القوة لمجابهة أعداء الحق، ابتداءً من تقوية النفس بدنياً وروحياً وعقلياً، وتدعوه عملياً إلى الجهاد، والارتباط باللّه وبالآخرة مع أخذ حظه من الدنيا، وتدعوه إلى البر بالوالدين، وتدعوه إلى الشموخ والإباء واستعلاء الإيمان، وهذا قليل جداً من كثير جداً يقدمه كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا هو الجانب العملي التطبيقي لما يتلوه المسلم من آيات القرآن الكريم.

ألست معي في أن صلاح الدين كان على حق في حكمه على «الخيمة الصامتة» بأنها تسبب الهزيمة، وقد قدمنا حيثيات هذا الحكم بلا تصنع أو افتعال؟ وألست معي في أننا لن نلتقي في القدس وفي معسكرنا- نحن المسلمين- مثل هذه الخيمة الغريبة الشاذة؟

إن مفتاح القدس في أن «تنطق» كل الخيام وتعيد صلتها باللّه صادقة قوية لا تهون.