زيارة الرئيس المرعوب لبغداد

 

 

 

بقلم :د. عوده بطرس عوده

 

منذ انتهت مهزلة الانتخابات الأمريكية التي تأرجحت بين المحكمة الفدرالية المناصرة للمرشح الديمقراطي آل غور، ومحكمة ولاية فلوريدا المنحازة للمرشح الجمهوري وولكر بوش المطعون بنزاهة ما جرى في انتخاباتها بإيعاز من حاكمها جيف بوش شقيق وولكر، وتأخر إعلان نتيجة تلك الانتخابات التي جرت عام 1999 عدة أسابيع بانسحاب آل غور حفاظا على سمعة بلاده التي غدت فرجة العالم ، وأصبح بذلك الرئيس 43 المطعون بشرعية انتخابه والفائز بأقلية الأصوات منذ ذلك اليوم وهذا الرئيس قبل أن تطأ قدماه البيت الأبيض. وقبل أن يحيط نفسه بترشيح من والده بمجموعة الأشرار المحيطين به راح يفكر، رغم أنه اعترف وهو في السنة الثالثة من حكمه بأنه لا يفكر، في كيفية ضمان الفوز في انتخابات عام 2004. واهتدى بعقليته بأن أقصر الطرق لهذا الحلم أن يستقطب القوى الأساسية المؤثرة والمتحكمة بالسياسة الأمريكية المتمثلة في صناعة الأسلحة والاحتكارات النفطية واللوبي الصهيوني المتحكم بالاقتصاد الأمريكي وصناعة الرأي العام.

على هذا الأساس، وبترشيحات والده بمجموعة الذين عرفهم أيام عدوانه الثلاثيني بمن فيهم كونداليزا رايس مستشارته للأمن القومي وملقنته، بدأ عهده الرئاسي الذي حقق في أقل من ثلاث سنوات استعداء الرأي العام العالمي قاطبة وأكثرية الشعب الأمريكي الذي استهدفه بالتخويف وأحاطته بأجواء الرعب لتمرير سياسته العدوانية!

كان عدوانه الأول مع مجموعة الدول الرأسمالية المعادية للإسلام على أفغانستان ذات الموقع الجغرافي المتميز وسط آسيا بين ستة دول ثلاث منها مطلة على بحر قزوين الغنى بالنفط، مستهدفا اسامة بن لادن ومجموعة الملتفين حوله الذين جندتهم المخابرات العربية بتمويل عربي لمحاربة الاتحاد السوفياتي وبهذا العدوان أرضى طموحات الاحتكارات النفطية وصناع الأسلحة.

بعدئذ مباشرة تفرغ للعراق المحاصر الذي يتزعمه صدام حسين الملتزم بما التزم به عبد الناصر العظيم وأمضى حياته بثورة 23 يوليو/تموز 1952 في الدعوة واستقطاب الجماهير حول الوحدة العربية وتحرير فلسطين من مغتصبيها الصهاينة. ويعتبر صدام حسين أصدق الذين اعتنقوا مبادئ حزب البعث العربي الاشتراكي، وكنت من مؤسسيه برفقة المفكر القومي الكبير عبد الله الريماوي، وأمين سر فرع رام الله لعشرة أعوام. وما زال صدام حسين وهو يقود المقاومة ضد العدوان الإجرامي الأمريكي البريطاني الصهيوني مستقطبا شرفاء العراق.

هذا العدوان الذي من أجله امتهن ولكر بوش التجرد من الأخلاق الإنسانية، كان من أجل "اسرائيل" المجسدة للصهيونية العالمية بأمل أن تصبح مجموعة القوى المؤثرة والمتحكمة بالسياسة الأمريكية في خدمة طموحه في إعادة انتخابه فأقنعوه بان التخلص من صدام حسين يعني فتح الأبواب لعصر صهيوني يحتوي المنطقة العربية بكل تقسيماتها ومعها منطقة "الشرق الأوسط" بثروة ايران النفطية وثروة تركيا المائية!

هذه الحسابات التي اقنعوا بها الرئيس بوش في البيت الأبيض اصطدمت بالمقاومة العراقية التي يقودها صدام حسين وبفعل هذه المقاومة المتواصلة بوتيرة تصاعدية وبمتوسط يومي 40 عملية انتابت الجنود الأمريكان حالة من انهيار المعنويات انعكست على شعبية بوش فتراجعت من أعلى نسبة سجلها أي رئيس من الذين سبقوه إذ بلغت 90 في المائة بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001 إلى أقل من 50 في المائة فجن جنونه لأن هذا الهبوط يعني خسارة الانتخابات. وزادت مصيبته عندما صار الذين ورطوه في مأزق العراق من مستشاريه في البيت الأبيض وجماعة وزارة الدفاع بزعامة الوزير رامسفيلد ونائبه وولفويتز يتبادلون تحميل المسؤولية على بعضهم البعض.

في هذه الأجواء البائسة نصحته مستشارته وملقنته كونداليزا التي لم يعد يثق بغيرها بالقيام بزيارة سرية للقوات الأمريكية بمناسبة عيد الشكر الذي يحتفل به الأمريكان يوم آخر خميس من شهر نوفمبر/تشرين الثاني كل عام. ولأن هذا الرئيس هرب من الخدمة العسكرية في فيتنام، فقد تمت الزيارة بصحبة مستشارته ومجموعة مختارة من الحرس الرئاسي وكمية وافرة من الديكة الرومية التقليدية والأطباق والسكاكين والمصور الخاص لالتقاط صور الدعاية الانتخابية وهو يحمل صينية كبيرة يتوسطها الديك الرومي وسط تصفيق حراسه وقد تمت الزيارة الليلية بسرية تامة ليلة عيد الشكر يوم الخميس 2003/11/20 وصفتها كونداليزا بأن كلمة واحدة حولها كان يعني إلغاءها ولن تنفعه هذه الزيارة السرية التي استغرقت ساعتين فقط وسط ظلام دامس من مصيره المحتوم يوم أول ثلاثاء من العام القادم 2004.