حوار فشله نجاح
بقلم عبد
الباري عطوان
نحمد الله أن حوار
القاهرة بين الفصائل الفلسطينية قد انتهي دون التوصل إلى اتفاق حول وقف إطلاق
النار، لأن مثل هذا الاتفاق كان سيصب في مصلحة ارييل شارون رئيس الوزراء
الإسرائيلي، وينقذه من أزماته الحالية، ويزيد من معاناة الشعب الفلسطيني.
فالحكومة المصرية
التي رعت هذا الحوار، فعلت ذلك مدفوعة من الولايات المتحدة، وبحـــثا عن دور
إقليمي، بعد ان فقدت كل الأوراق الأخرى، ولم تجد غير الطرف الفلسطيني للتسلق على
حائطه، وممارســة الضغوط عليه لوقف إطلاق النار، لأنها وببساطة شديدة، لا تستطيع
مجرد معاتبة شارون، ناهيك عن الضغط عليه. أمر مؤسف ان تكون هذه الحكومة، التي تمثل
مصر، الدولة العربية الأبرز، والأكثر تضحية لنصرة قضايا الأمة، محايدة ، وتتصرف
كما لو أنها سويسرا أو السويد، وتعمل علي وقف المقاومة، بدلا من دعمها، وإمدادها
بكل أسباب القوة. مصر لا يمكن ان تكون وسيطا في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، بل
طرفا أساسيا يقاتل في خندق المقاومة الفلسطينية، ولكنه الزمن الرديء الذي قلب كل
المعادلات، وجعل شيخ الأزهر يلتقي الحاخام الأكبر، ويدين العمليات الاستشهادية،
وحوّل المدير العام للاستخبارات المصرية إلي ساعي بريد و حمامة سلام ينقل الرسائل
بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بدلا من ان يكون صقرا يعمل ليل نهار من أجل مكافحة
التغلغل الإسرائيلي في المنطقة، ودعم كل عمل عربي وإسلامي يزعزع أركان هذا الكيان
الدخيل المحتل. فكرة هذا الحوار خاطئة، لأنها تعطي انطباعا بان المشكلة هي مشكلة
داخلية فلسطينية، وليست المشكلة هي الإرهاب الإسرائيلي اليومي الذي يمارس ضد ثلاثة
ملايين فلسطيني، ويقتل الأطفال ويدمر البيوت، ويقلع الأشجار ويبني الأسوار
الإسرائيلية العنصرية العازلة. ثم لماذا يقدم الفلسطينيون اتفاقا غير مشروط لوقف
إطلاق النار، والطرف الذي يرعى هذا الحوار، وهذا الاتفاق، أي الحكومة المصرية، لا
يستطيع ان يقدم أي ضمان أو يتخذ أي خطوة، مهما كانت إذا نكثت إسرائيل بوعودها؟ قبل
أربعة أشهر رعت القاهرة حوارا مماثلا، وتقاطر ممثلوا الفصائل إلى العاصمة المصرية،
وتوصلوا إلى هدنة استمرت ستين يوما امتنعوا خلالها عن القيام بأي عمليات فدائية أو
استشهادية، فماذا حدث؟ اغتالت القـــوات الإسرائيلية إسماعيل أبو شنب أحد قادة
حماس، ونسفت المنازل واجتاحت جنين ونابلس. السؤال هو: ماذا فعل اللواء عمر سليمان
راعي هذه الهدنة، وماذا فعلت حكومته، هل أغلقت سفارتها في تل أبيب، هل حركت قواتها
إلى الحدود مع قطاع غزة، هل دعت إلي اجتماع طارئ لمجلس الأمن، هل أغلقت قنوات
الحوار مع شارون.. هل.. هل؟ لم تفعل شيئا على الإطلاق في هذا الإطار، ولكنها شددت
الخناق علي الفلسطينيين وصعدت من رقابتها للحدود لمنع تهريب أسلحة للمقاومة،
وتفننت في تعذيب الفلسطينيين علي المعابر وفي مطار القاهرة، حتى ان الكلمة التي
تردد علي ألسنة من تحكم عليهم الأقدار بالمرور خلال المعبر المصري في رفح أو مطار
القاهرة، هي ان الإسرائيليين أرحم . الحكومة المصرية مطالبة بإنقاذ الفلسطينيين لا
إنقاذ شارون والإسرائيليين المستوطنين، فكيف يمكن ان تتخلي فصائل المقاومة عن
المقاومة والأراضي محتلة، والمستوطنات تتناسخ بشكل مرعب، والسور العنصري يلتهم
الأرض ويقسم القرى ويحدد نتائج المفاوضات مقدما؟ الشعب الفلسطيني لُدغ في الماضي
من جحر السيد احمد قريع، والفصائل الفلسطينية يجب ان لا تعطيه تفويضا مفتوحا لعقد
صفقة مع صديقه شارون. فالرجل هو الذي ورط الفلسطينيين في اتفاقات اوسلو وظل دائما
يعمل في الظلام من خلال القنوات التفاوضية السرية، ولم يحترم مطلقا موقعه كرئيس
للسلطة التشريعية المكلفة بمراقبة السلطة التنفيذية، والحفاظ علي حقوق الشعب
الفلسطيني كاملة. وقف إطلاق النار، وفي هذا الوقت بالذات، هو إعلان صريح بان سياسة
شارون الإرهابية نجحت في ترويض المقاومة، وإرهاب قادتها، وتركيع الشعب الفلسطيني،
الامر الذي سيخرج شارون من ورطته الحالية، ويجعله يقول لمنتقديه داخل إسرائيل
نفسها، انهم كانوا مخطئين تماما، فهو الرجل الوحيد الذي يعرف كيف يتعامل مع هؤلاء
الإرهابيين الفلسطينيين. العالم كله يتعاطف حاليا مع الشعب الفلسطيني،
والإسرائيليون أنفسهم وصلوا إلي قناعة راسخة بان شارون يقودهم إلى الهاوية،
ويجعلهم واليهود من خلفهم الأكثر كرها، والأكثر دموية، فلماذا تتطوع الحكومة
المصرية والسيد أبو علاء وسلطته، لنسف هذا التعاطف، وإطالة عمر شارون في الوزارة،
وزيادة الالتفاف الشعبي الإسرائيلي حوله بعد ان تآكل وانخفضت شعبيته؟ فعندما يقول
ستون في المئة من الأوروبيين ان إسرائيل هي الخطر الأكبر على أمن العالم
واستقراره، وعندما تعترف واشنطن علنا بفشل مشروعها في العراق بفعل تزايد المقاومة،
وأعداد قتلاها وحلفائها، وتفكر في طريقة للهرب قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة من
خلال البحث عن وسائل لتسليم السلطة للعراقيين، فإن على الفلسطينيين في السلطة أن
يغلقوا أبواب اجتهاداتهم، وان يصوموا عن التفاوض، وان يأخذوا هدنة يمتنعون فيها عن
الاستماع إلى نصائح اللواء عمر سليمان ورئيسه. وان فعلوا هذا فلن يندموا ولن
يخسروا أكثر مما هم خاسرون حاليا. العام الحالي هو عام انتخابات رئاسة، والإدارة
الأمريكية الحالية ليست في موقع ضغط على إسرائيل، بل هي تقدم لهم، وليس
للفلسطينيين، ضمانات قروض ودعم مالي وعسكري. وكل ما تفكر فيه حاليا هو تهدئة الوضع
علي الجبهة الفلسطينية بسبب اشتعاله علي الجبهة العراقية. والله لولا المقاومة
العراقية المتصاعدة لتوجت شارون زعيما للأمة العربية بأسرها، وحولت الزعماء العرب
إلى خدم يحملون المناشف له.