الفساد حين يصير طريقا للتوازن الاجتماعي

 

بقلم : د. عمار علي حسن

 

لا يمر يوم على مصر إلا وتتسع رقعة التهميش الاجتماعي والتفاوت الطبقي، فتجد فئات مستورة ،كانت تصنف على استحياء أنها من "الطبقة الوسطى" ، نفسها قد تهاوت إلى القاع السحيق، لتستقر بعيدا تحت خط الفقر، بعد أن فقد عائلوها القدرة على تلبية الاحتياجات اليومية المتزايدة والملحة لأسرهم بالوسائل المشروعة، التي تقوم أساسا على تحصيل عائد مناسب للجهد المبذول، سواء كان ذهنيا أم عضليا. وفي المقابل تصعد إلى السطح، في زمن قياسي، فئات الكسب السريع، الذي ينجم عن أعمال غير مشروعة، وهامشية، وطفيلية، لا تضيف أي "قيمة" تذكر للاقتصاد الوطني، بل تجور عليه، وتنهب منه، لتنتفخ جيوب فئة ضيقة جدا أكثر وأكثر، بما قد يجعل "مجتمع النصف بالمائة" في خاتمة المطاف "مجتمع الواحد في الألف" وربما أقل، ممن يكون بمقدورهم أن يسايروا متطلبات المعيشة، من غذاء وكساء ودواء وإيواء وترفيه.

أمام هذا الوضع الذي ينتج خللا في السوق يوازيه انحدار في القيم الاجتماعية والأخلاقية وفقدان الإحساس بالمصلحة العامة، أو الشعور بالأمان إزاء المستقبل، يسعى كل فرد مسئول أسريا إلى تحصيل ما يسد حاجته وذويه، بشكل مفرط في الأنانية، في لامبالاة بما يرتبه القانون من واجبات، وما يجرمه من تصرفات، ودون توقف أمام أي سلبيات تنجم عن السلوكيات غير المشروعة، إذ إن هناك مبررا طاغي الحضور دوما، للإقدام على تقاضي الرشاوى، والتردي في أعمال الاختلاس، والتربح من المناصب والمواقع في الوظائف العامة، حتى لو كانت من الدرجات البيروقراطية الدنيا، أو البسيطة، ألا وهو بلوغ حد الكفاف وإلا الوقوع في فخ الهلاك المحتم، حين يعجز الناس عن ملء بطونهم.

فحين يصل الفرد إلى المستوى الذي تتساوى عنده كافة المسارات والنتائج، مع الشعور العام بوصول الفساد إلى النخاع، تتصاعد درجة المخاطرة، في شقها الرديء، عند أعداد غفيرة من الناس، وبالتالي يقدمون على تحصيل الأرزاق عبر وسائل غير قانونية بأعصاب باردة وضمير مستكين، في سعي دائب عن موضع قدم في الزحام، خوفا من أن تدهسهم أقدام الصاعدين سريعا إلى قمة المجتمع، والذين يتحكمون في الجزء الأكبر من حركة السوق والأسعار، ويرسمون ملامح الاقتصاد الوطني، على أكثر من حد.

هذا السلوك لا يقتصر على المنخرطين في صفوف الجهاز البيروقراطي المصري المتورم، بل يمتد ليطوق حتى أصحاب المهن الحرة بمختلف أنشطتها، والأعمال الهامشية والموسمية، فيرتب محاولات لا تتوقف في سبيل إحداث حالة أي من "التوازن"، أو "الترميم" الطبقي، حتى لو كان طفيفا.

هنا يصطف أفراد المجتمع، كل حسب موقعه في السلم البيروقراطي أو نوع المهنة التي يحترفها، في طابور طويل، وقد وضع كل فرد يده في جيب من يقف أمامه، وترك في الوقت نفسه جيبه، لمن يليه، في استمراء لحالة من "السرقة الجماعية"، ورضا تام عن أن نحيا في "مجتمع اللصوص"، وهنا يكون شعار الجميع، هو ذلك الذي وسم به إحسان عبد القدوس إحدى أشهر رواياته وهي "يا عزيزي كلنا لصوص".

بالطبع فإن هناك استثناء من هذه الحالة، التي باتت قاعدة، لكن هؤلاء المبتعدين عن التردي في السرقة العامة، لتعفف أو بعض ضمير أو خوف من الله أو إحساس جارف بالمصلحة الوطنية، يتقلصون بمرور الأيام، خاصة في ظل ارتخاء الدولة المصرية وتآكل قدرتها على سد احتياجات الشعب من تموين غذائي وتعليم وصحة ..الخ، وكذلك في ظل غياب هيبة القانون، وتقديم المسائل الأمنية على ما عداها، والارتكان إلى استمرار النظام السياسي الراهن بأي طريقة، واعتبار هذا غاية عظمى ومقصدا أخيرا، مهما رتب من انحطاط على كافة المستويات، ومهما ألقى من تبعات على كاهل المجتمع، في مصادرة على المستقبل لحساب الحاضر، وعلى الغد لحساب اليوم، واليوم فقط.

وقد وصل الحال إلى أن البعض طالب بتقنين الرشوة، ما دامت قد فرضت نفسها بهذا الزخم، وتلك القوة، على المجتمع، بكافة شرائحه. لكن هذا المطلب الهزلي المنطوي على يأس جارف من إصلاح الحال، لن يجد صدى بالطبع، إلا أنه يفتح الباب أمام تساؤلات عن الهوة الواسعة بين النصوص القانونية التي سنتها مؤسسات وشرعها فقهاء والواقع الذي ينحي هذه النصوص جانبا ليفرض قوانينه الخاصة، المشبعة بالفساد والقدرة الكاسحة على الإفساد، بتسويق مبررات وذرائع، يتراكم وجودها، وتقوى حمولاتها، يوما بيوم، وسط انعدام هيبة القانون. فالثغرات تثقب غابة التشريعات التي أريد منها ضبط الواقع المصري فزادته تعقيدا، لأن الدولة تلجأ إلى سن القوانين لمجابهة مشكلات اقتصادية واجتماعية، في انحراف عن الحل الناجع، الذي يجب أن يكون اقتصاديا واجتماعيا وليس تشريعيا. والأحكام القضائية لا ينفذ أغلبها، ناهيك عن بطء العدالة. فهناك إحصائية تقول إن أكثر من خمسة ملايين قضية تم الحكم فيها، لكن الأحكام لا تزال حبيسة الأدراج، ولا يزال أصحاب الحقوق يلهثون وراء نيلها دون وجه حق.

وما يزيد الطين بلة هو غياب القدوة في حياتنا العامة، فالصورة الذهنية عن الغالبية الكاسحة للمبرزين من قادة العمل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيروقراطي سلبية، إذ يرى العامة أن الجميع فاسدون إلا من يثبت بحقه عكس ذلك. وأن المطالبة بنظافة اليد والطهارة والحرص على المصلحة العامة، لا يعدو كونه نداء من "اللصوص الكبار" إلى "اللصوص الصغار"، ولذا لا يجد هذا الخطاب صدى، لأنه يفتقد إلى المصداقية تماما.

في مثل هذا المناخ الاجتماعي الرديء لا يصبح الجهد والعرق والاجتهاد هو المصدر الرئيسي لتحصيل الأرزاق، بل "الفهلوة" والسرقة والتحايل واستباحة ما لدى الآخرين، مهما كان قليلا، ومهما كان حلالا. وتسير الأمور حسب نظرية "الدومينو" فأغلب من تتم سرقتهم عبر بوابة الخدمات البيروقراطية والحياتية، يلجؤون بدورهم إلى سرقة غيرهم، لتعويض ما سرق منهم.. وهكذا في دائرة مفرغة جهنمية، لا يوقفها رادع، ولا يلوح في الأفق ما يكسر طوقها الصلب، لينهي وجودها، ويقيم التوازن الاقتصادي والاجتماعي على أسس سليمة، تعيد إلى المجتمع المصري سابق استقامته النسبية، وإلى الإنسان المصري سابق ضميره الأخلاقي والعام، الذي يترنح تحت إلحاح الحاجات اليومية وفساد الكبار.