مرحلة جديدة في النهب الغربي لإفريقيا

 

 

بقلم : د. خالد عبدالله

 

طواحين الإفك الغربية، وبالذات الأمريكية، تدور كعادتها تنفث الأكاذيب حول حملتها الاقتصادية الجديدة التي يقودها بوش في إفريقيا. وليس هذا بجديد فقد فعلها آبائهم وأجدادهم من قبل. كما أن ما ينسجونه من أضاليل ليس خروجا على ما هو مألوف في الإعلام الغربي.  لقد أطاح الغرب الأوروبي بالبنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لإفريقيا في القرنين الماضيين حتى حولها قاعا صفصفا. فقد نهب كل مقومات الحياة منها، قواها العاملة ومواردها الطبيعية، ثم تابع تخريبه لها مباشرة حتى منتصف القرن العشرين، واستمر من بعد ذلك يمارس في أجزاء كبيرة منها بالواسطة ما كان يفعله بجنوده وموظفيه. ولم يكن نهب إفريقيا الذي تصارعت على أنصبتها منه القوى الغربية حدثا عاديا، بل حربا شاملة حفرت آليات خلق الكوارث، وتوليد الأزمات في الأرض الإفريقية.

وحينما تحدث المجاعات في إفريقيا، وما أكثرها، ينسبونها إلى فعل المناخ وتقلباته. وعندما تقع المذابح، على تعددها، يزعمون أن أسبابها في التنوع القبلي. أما الفقر المقيم أبدا في إفريقيا فأسبابه في نظرهم فساد الحكومات. فليس تجارتهم في استعباد الأفارقة أو قتلهم إلا تاريخا مضى، وليس تجريد إفريقيا من خيراتها إلا ممارسات انقضت. فلا يمكن الحديث عن صلة لها بما يحدث، أو تفسير ما يقع فيها. كما ليس في استمرار الشركات الكبرى في استغلال إفريقيا وفي إفساد حكامها  علاقة بما يجري. فالغرب لا ينضح إلا إنسانية، وإلا إحسانا، وإلا أخلاقا.

وقبل أن يحط بوش على الأرض الإفريقية، شرع عنكبوت إعلام النخبة الغربية الرسمية ينسج خيوطا يكبل عقول الناس أو يذهلها عما سيجري. فبوش لا يدرك عمق مرض نقص المناعة، بل هو أول من يخطو الخطوة التاريخية للقضاء عليه بعمل حاسم. كما أن بوش يريد أن يستبدل المساعدة بالتجارة. أليس الأفضل أن تقدم للفقير صنارة بدلا من سمكة كل يوم؟ هكذا يزوقون السرقة! كما أن بوش يريد محاربة الإرهاب. أو أنه يريد كسب أصوات الأفارقة الأمريكان في الانتخابات القادمة. وحينما يأتون على النفط يشددون على أنه يريد تحقيق الاستقلال الأمريكي من تبعيتها للنفط العربي !! تماما كما كان غزوهم للعراق لتحرير أنفسهم من تبعيتهم للكويت والسعودية. ثم يبشرون الأفارقة بأن استثمار أمريكا في استخراج النفط سيخلق جنات عدن. ولم يضربوا مثلا  بجنات عدن العربية التي خلقوها لأنهم يخشون أن لا يصدقهم أحد، لأنها كذبة صارت بينة للقاصي والداني في العالم.

وليس إعلام النخبة الغربية الرسمية في عمومه أفضل من إعلام نخبتنا الرسمية. غير أنهما يختلفان في أمرين. أن فضيحة الأقوياء والأغنياء مستورة، وأن فضائح الفقراء والضعفاء مكشوفة. كما أن إعلام النخبة الرسمية الغربية أكثر تطورا في أدواته، وأكثر نضجا في بث أخباره ومعلوماته، وأكثر رهافة في أكاذيبه. فإعلامنا الرسمي يكذب صراحة، وإعلامهم الرسمي يكذب سكوتا أو مواربة، لكنهما في النهاية يجمعهما قاسم مشترك، الإفك.

فإذا كان بوش حقا مسكونا برفاه الأفارقة، فالأقربون أولى بالمعروف. فحال كثير من الأفارقة الأمريكان ليس أفضل كثيرا من حال إخوانهم في إفريقيا. فالفقر مستشري بينهم، لا بل المجاعة. أما البطالة فمستفحلة، حتى بلغت نسبتها 11,8%، بينما معدل البطالة في أمريكا 6,4%، أي أن حظ الأفارقة الأمريكان يكاد يقرب من ضعف المعدل الأمريكي. وهو بالتأكيد ضعف بطالة البيض الأمريكان. وتخبرنا الإحصاءات الرسمية أنه في شهر حزيران ارتفع حجم البيض الأمريكان الذين دخلوا القوة العاملة بحوالي 461 ألف فرد، بينما ارتفع عدد المستخدمين بحوالي 361 ألف عامل، أي أن معظمهم وجد عملا. في نفس الوقت دخل حوالي 99 ألف أمريكي أسود إلى القوة العاملة الأمريكية، لكن عدد المستخدمين السود انخفض بحوالي 72 ألف. فليس فقط أن الداخلين من السود إلى القوة العاملة لم يجدوا عملا، بل أن عددا كبيرا من المستخدمين فقدوا أعمالهم. وحينما قام بوش بإعادة مئات البلايين من الضرائب إلى دافعيها ذهب أكثر من 82% منها إلى الأغنياء، وغالبيتهم الغالبة من البيض. ولم يذهب شيئا إلى ملايين من الفقراء غالبيتهم من السود. فإذا كانت أغنى بلدان العالم تفقر مواطنيها السود، فإن إعلامهم الرسمي يريدنا أن نصدق أن حكومتهم تريد أن تغني مواطني أفريقيا السود.

كذلك دفع حجة استقطاب أصوات السود، ليست إلا ثرثرة خائبة. فالسود الأمريكان لا يثقون بإدارة بوش، فقد زورت أصواتهم، ومنعت كثيرا منهم من التصويت، كما أنها تعمل على دفن القوانين التي تحابيهم، ويزداد حرمانهم في عهد الإدارة الأمريكية الحالية.  فهل لعاقل أن يصدق أن السود الأمريكان الذين لم يصوتوا لإدارات جمهورية أفضل من هذه سيغيرون نهجهم لأن بوش يزور إفريقيا، أو أن يصدقوا مزاعم الشفقة بالأفارقة وهم يكتوون بظلمها في بلدهم؟ كما أن بقية الأمريكان ليس في  حسبانهم التصويت وفقا للموقف من بلدان إفريقيا هذا إن سمعوا بها.

وهم يشيعون أن أمريكا تريد أن تستبدل الإحسان بالتجارة حتى تغني الأفارقة. فهذه تنضح بالكذب في جانبيها، بل أن جزئها الثاني، مقولة التجارة، سيكون أشد وطأة من جانبها الأول، الإحسان. فالمساعدات التي تقدمها أمريكا إلى إفريقيا على ضآلتها تعود إليها في معظمها، ثم إنها تساهم في تدمير الاقتصاد الإفريقي. فمعظم المساعدات الأمريكية إلى إفريقيا غذائية. وهي لا تشتري الغذاء من المزارعين الأفارقة، بل تغرق الأسواق الإفريقية بفائضها الزراعي. فهي تضر بالنشاط الزراعي المحلي، وتدعم في نفس الوقت مزارعيها الأثرياء.  أما مزاعم التجارة، فهي أسوأ من دعاوى المساعدات. فماذا تملك إفريقيا لتصدره إلى الولايات المتحدة غير موادها الأولية والزراعية. أما الأولى، فأسعارها في تدهور، وهي لا تنافس السلع الأمريكية أصلا. أما المواد الزراعية، فهي التي ستضرر أكثر مما هي عليه الآن. فالدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة، مثلا، إلى مزارعي القطن فيها تبلغ أربعة بلايين من الدولارات سنويا توقع أضرارا في صادرات القطن لبعض البلدان الإفريقية.  وحينما تمضي البلدان الإفريقية اتفاقيات تجارية مع الولايات المتحدة فإنها بذلك ستشرع حدودها أمام السلع الأمريكية المدعومة. كما أنها ستكون مدخلا لإجبار البلدان الإفريقية على تبني زراعة السلع المعدلة جينيا، مما سيؤذي الصادرات الزراعية الإفريقية. فأسواق الصادرات الزراعية الإفريقية هي السوق الأوروبية التي هي في صراع كبير مع الولايات المتحدة بشأن هذه المنتجات، مما قد يضعف الطلب الأوروبي كثيرا على السلع  الزراعية الإفريقية.

كما أن الإرهاب لا يعدو أن يكون أسطورة أمريكية جديدة ذات عنوان عريض يتسع لكل ما لا يرضي أمريكا، ويخدم كل أغراضها. فهو ذريعة وليس غرضا. وإفريقيا تسودها الحروب الأهلية التي هي في جذورها تسوقها تركة غربية، وفي تواصلها يغذيها نهب غربي، من خلال الشركات الكبرى والقروض. والحروب التي تطحن إفريقيا قد قادت إلى مذابح لم ترمش لها عيون الأمريكان والغربيين. فهو يريد أن يبني قواعد عسكرية ليس لمحاربة الإرهابيين، وليس لمنع تواصل الحروب الأهلية أو اشتعالها. وإنما لتحمي الأستثمارات النفطية القادمة التي يتوقع أن تصل في سنوات قليلة إلى عشرات البلايين من الدولارات.

فزيارة بوش ليست إلا مثالا حديثا على تاريخ طويل من الممارسات الاستعمارية. فقد كانت الشركات ترسل رجال التبشير أولا ترافقهم أو تلحق بهم الكتائب المسلحة، وحينما يستأنس الناس بالتبشير أو بالقوة العسكرية أو بكلاهما تلحق بهم القوافل التجارية. وكتيبة بوش هي قوة تبشيرية لا تحمل الكتاب المقدس، فقد تخلت عنه إلا ظاهرا، وإنما تحمل الكتاب المقدس الجديد، الرأسمالية، أو الليبرالية الجديدة. أما مواعظها فهي اتفاقيات التجارة الغابنة، وديمقراطية المال، وأخلاقيات إنرون. أما كتائبها المسلحة فهي القواعد العسكرية التي سترصع أطراف القارة. وهي حين تستأنس الناس بفكرها وتروضهم بقواعدها ستهرع شركات النفط إلى المخاطرة  باستثماراتها كما يحلو لعلماء الاقتصاد تسميتها. وحينما يستقر المطاف بها، سينقل الأجراء الأفارقة الذين يجلسون على كراسي الحكم ولائهم من السادة الأوروبيين القدماء إلى السادة الأمريكيين الجدد.