الصحفي الفلسطيني و رحلة البحث عن المتاعب

 

 

 

متاعب المهنة قد تبدوا كلمة صغيرة عند وصفنا لما يعانيه الصحفي الفلسطيني في سبيل الحصول على مراده من أخبار و معلومات ، فالتواجد في أكثر بقاع العالم سخونة و توترا ، و حمل هم توصيل رسالة شعب بأكمله للعالم يجعل من مهنة العمل الصحفي في فلسطين طعما خاصا و مشقة لا يعرفها إلا من انخرط في العمل بهذه المهنة ، لكن أكثر ما أصبح يؤرق الصحفي الفلسطيني أن صعوبات ومشاكل المهنة أصبحت تطارده حتى في أخص الأماكن بالنسبة له وإن كانت منزله !.

 

مهنة المتاعب

هل صحيح أن الصحافة مهنة المتاعب ؟ بهذا السؤال بدأت حديثي مع وسام عفيفه وهو مراسل لعدد من المجلات و مواقع الإنترنت الإخبارية العربية، ولم يطل انتظاري للإجابة فقد ابتسم عفيفه قائلا : المتاعب كلمة صغيرة لا تعبر عن صعوبة مهنة الصحفي الفلسطيني الذي يختلف عن أي صحفي في العالم فالمتاعب  هنا لها معاني أخرى ، ساعات طويلة على الحواجز للوصول لمواقع الأحداث ومضايقات من جنود الاحتلال تصل إلى حد الإعتقال أو إطلاق النار دون تمييز و إصابات قد تودي بحياة الصحفي و مشاهد الجثث و الأشلاء التي يقشعر لها الأبدان وعيون لا تعرف النوم ، قائمة طويلة من المعاناه يعيشها الصحفي كل يوم حتى يستطيع نقل المشهد الفلسطيني بدقه للعالم .

وعن تأثير هذا الواقع على حياة الصحفي يقول عفيفة : " في الحقيقة أشعر في كثير من الأحيان أنني أفتقد إنسانيتي، و أتحول إلى آلة مهمتها رصد الأخبار و إرسالها فيجب ألا أتأثر بما أراه أمامي من مشاهد صعبة لا يمكن أن يتحملها أحد ومطلوب أن أعمل في كثير من الأحيان لأكثر من 20 ساعة في اليوم ، و عندما أعود للبيت لا يكون لدي أي قدرة على فعل شئ سوى النوم استعدادا ليوم جديد من العمل الشاق.

عفيفه الذي اضطر للإنتقال بأسرته من الإقامة في مدينة خانيونس إلى مدينة غزة حتى يتخلص من مشاكل العبور على الحواجز التي يعاني منها الفلسطينيون يوميا يقول أن المقاومة بالقلم معركة لا تقل عن معركة السلاح فالصحفي الفلسطيني و هو ينقل ما يحدث على الأرض ليكشفه للعالم كله لا يكون بمنأى عن دائرة الاستهداف من قبل قوات الاحتلال لأنه يقتل بكلاماته كل محاولات المحتل لإخفاء جرائمه.

 

إنتهاكات متعددة

وأكثر ما يؤكد كلمات عفيفة أن قوات الاحتلال قتلت منذ بداية الإنتفاضة أحد عشر صحفيا منهم صحفيان أجنبيان ، و أصابت العشرات منهم ، إضافة لمجموعة متنوعة من الإجراءات التعسفيه التي استهدفتهم دون مراعاة الإتفاقات و المعاهدات الدولية التي تكفل حماية الصحفيين أثناء الحروب و الأعمال الحربية ، و كان هدف قوات الإحتلال الوحيد من هذه الإجراءات أخفاء الحقيقة التي تعني الكثير عن أعين العالم .

 و يوضح الجدول التالي الإنتهاكات المختلفة التي تعرض لها الصحفيون الفلسطينيون و الأجانب في المناطق الفلسطينية منذ بداية الإنتفاضة و حتى نهاية عام 2002 م كما رصدها المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان .

 

1/1 -31/12/2002

1/1 -31/12/2001

29/9 -31/12/2000

نوع الاعتداء

الرقم

 

34

33

22

إطلاق نار أدى إلى إصابة

1

 

17

17

4

إطلاق نار دون إصابة

2

 

62

16

1

اعتقال/احتجاز واستجواب صحفيين

3

 

24

30

9

ضرب وإهانة صحفيين

4

 

33

10

4

قصف/نسف وإغلاق مقرات ومحطات صحفية

5

 

32

5

4

مصادرة أجهزة/معدات ومواد صحفية

6

 

2

3

2

طرد ومنع دخول صحفيين لمناطق معينة

7

 

4

-

-

مداهمة منازل صحفيين

8

 

208

114

46

المجمــوع

 

368 حالة انتهاك

 

نائل محمود مصور صحفي يعمل في شركة رامتان والتي تقدم خدماتها لمجموعة من الفضائيات كان أحد الصحفيين الذي عاشوا بأعينهم الموت في سبيل إتمام مهمته الصحفية بعد أن أصيب بشكل مباشر برصاصة في صدره أطلقها عليه أحد الجنود ، و قصة إصابة نائل لا تختلف عن قصص عشرات الصحفيين الذين عاشوا هذه اللحظات  ، يقول نائل : " كنت أقف في إحدى المواجهات أغطي الاشتباكات و بعد أن انتهيت من عملي بدأت بتجهيز نفسي لأقوم باختتام تقرير لإحدى المراسلات فما كان من أحد الجنود إلا أن وجه سلاحه نحوي وأطلق النار فأصابني بشكل مباشر في صدري على الرغم من أنه رآني ورأى الكاميرا بين يدي" .

 

الصحفيون و البحر

على شاطئ بحر مدينة غزة كان اللقاء ، أكثر من أربعين صحفي و إعلامي فلسطيني تجمعوا ليعيشوا ساعات قليله من الراحة وسط زحام العمل الذي لا ينتهي ، بعضهم أنهمك في لعب كرة الطائرة و البعض الأخر فضل أن يرفهوا عن أنفسهم بسرد النكات ، لكن الأغلبيه فضلت أن تستحم في مياه البحر لعلها تغسل شيئا من متاعب المهنة التي علقت بكل جزء من أجسادهم.

"مرة أخرى السياسة تقتل بحر غزة " بهذه الكلمات حاول عماد عيد مراسل قناة المنار في غزة أن يغلق الحديث عن الوضع السياسي الراهن الذي بدءه الصحفيون المجتمعون على الشاطئ في طرحه للنقاش ، لكن لا فائدة فحتى لو حاول الجميع أن يتظاهروا بالإبتعاد عن جو العمل الصحفي الشاق و متابعة الأحداث السياسية المتتالية فإنها تعاود و تقتحم الأحاديث دون أي استئذان أو مراجعه ، فالسياسة أصبحت جزءا لا يتجزء من حياة الفلسطيني يجدها في كل مجالات حياته اليومية.

 

الزواج من صحفية يحل المشكلة

الصحفي فلاح الصفدي مدير تحرير مجلة السعادة التي تختص بالقضايا الإجتماعية و الأسرية وجد حلا للمشاكل التي يمكن أن يعاني منها الصحفي في حياته الإجتماعية  وبخاصة بعد الزواج ، حيث قرر أن يرتبط بصحفية تعمل في نفس المجال بل و في نفس المجلة التي يعمل فيها.

يقول الصفدي : في الحقيقة لقد ضربت أكثر من عصفور بحجر واحد فمن جهه كان اختياري لزميله صحفية لتكون شريكة حياتي نابع من الشعور العميق بما يعانيه زملائي في حياتهم الإجتماعية بسبب عدم التفهم لطبيعة عملهم ، فزوجتي التي تعمل معي تدرك مدى صعوبة العمل الصحفي لأنها تمارسه ، و تعيش مشاكله ، و من جهة أخرى يمكننا المشاركة مع بعضنا البعض في تحمل أعباء العمل و هو أمر غير متاح للكثيرين .

قد تبدو المادة الإعلامية المنشورة صغيرة الحجم ، بضع دقائق على شاشة التلفزيون أو مساحة محدودة وسط صفحات الجريدة ، لكن المجهود الكبير المبذول في سبيل إنتاجها لا يمكن أن يختصر في كلمات قليلة ، فالصحفي قد يدفع ثمنا غاليا جدا في سبيل إيصال هذه المادة إلى متناولنا لنقرأها أو نشاهدا أو نسمعها بسهولة  و دون أي مشقه ، يدفع ثمنا قد يكلفه حياته التي قد تبدوا رخيصة في سبيل المعرفة ، و لعل طارق أيوب مراسل قناة الجزيرة في العراق ونزيه دروزه من تلفزيون فلسطين وغيرهم أصدق مثال على ذلك .

 

مركز الاعلام والمعلومات