فشل رداء الاستئصال الذي تقمصته السلطات العسكرية الجزائرية

 

 

أكدت السلطة الجزائرية بشقيها السياسي والعسكري، الرسمية والخفية على عزمها اعتماد السياسة الأمنية والاستئصالية. وكل المؤشرات تدل أن السلطة بكل أجنحتها تسعى إلى تكريس الأمر الواقع المفروض على الشعب بعد الانقلاب على الشرعية ومصادرة اختيار الشعب. ورغم أنه تبين للجميع فشل السياسة الأمنية المتبعة منذ الانقلاب المشؤوم والمغامرة بالبلاد والزج بها في نفق مظلم تركها تسبح في برك من الدماء والسياسة الإقصائية التي أوصلت البلاد إلى المأساة التي يعيشها الشعب منذ أكثر من عشر سنوات، ها هو النظام يصر على مواصلة سياسة الانقلاب والإقصاء والتهميش وعقلية فرض الوصاية على الشعب.

فالنظام المنبثق من الانقلاب على الشرعية الشعبية أعطى لنفسه مدة أقصاها اثني عشرة سنة للقضاء على المعارضة وترويضها، وكما ذكرنا في العدد السابق فإن النظام ظن أنه باعتقال قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ وحلها وتصفية ومطاردة إطاراتها فهو يمكنه تفكيك هذه المعارضة والقضاء عليها وجعلها عبرة لمن يفكر بمعارضته، وكان من الحكمة أنه بعد تفاقم الأزمة في السنوات الأولى أن يراجع النظام نفسه ويدرك أن سياسة القهر والاستبداد لن تثني أصحاب المبادئ عن الدفاع عن ما يرونه واجبا وحقا، فيسلك طريق الحوار والمصالحة الوطنية مع خصومه السياسيين، ولم تكن الفرص التي تنقص إذ توفرت عدة محاولات من قبل المعارضة لتحقيق المصالحة الوطنية الحقيقة التي تعيد البسمة للشعب وتضمد الجراح وترجع له سيادته في اختيار حكامه، نذكر منها على سبيل المثال العقد الوطني وجولات الحوار بين النظام وقيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ في عهد زروال وزيرا للدفاع ثم رئيسا للدولة.

ولا يخفى على أحد أن محاكمة الشيخين عباسي مدني وعلى بن الحاج كانت محاكمة جائرة والحكم عليهما باثني عشرة سنة سجنا من قبل محكمة عسكرية كانت استجابة لحسابات الجنرالات الانقلابيين كمدة كافية للقضاء على الجبهة الإسلامية كمعارضة للنظام. وها هي المرحلة قد انتهت وخرج الشيخان. ألم يكن من الحكمة أن تعترف السلطة ولو ضمنيا بفشل سياستها وإخفاقها في تحقيق أهدافها ولو جزئيا فتغيّر من نهجها تجاه المعارضة وتبدأ صفحة جديدة، ولكن للأسف الشديد اختارت السلطة طريق التصعيد والاستمرار في السياسة الإستئصالية التي تبين فشلها منذ سنوات.

وها هو النظام يلجأ إلى أساليب خسيسة لإقصاء معارضيه، إذ صدرت أحكام إضافية بعد خروج الشيخين عباسي وبن حاج من السجن تمنعهم من أبسط الحقوق ليس السياسية والمدنية فقط بل حتى الاجتماعية ككسب الرزق، فهذه الأحكام الإضافية في حق الشيخين تشكل تجنيا على القانون ومخالفة صريحة للدستور وهي جديرة بالأحكام التي كانت تصدر في القرون الوسطي المظلمة في أوروبا. ومن العجيب أن النظام وأبواقه يحملون الشيخين مسؤولية الأزمة وتبعاتها مع الرغم أنهما كانا غائبين مغيبين قبل بدايتها (لقد اعتقلا يوم 30 جوان 1991 ولم يطلق سراحهما إلا يوم 2 جويلية 2003 ) في حين أن المسؤولين الحقيقيين الذين تسببوا في الأزمة وأداروها بالحديد والنار يعتبرون أنفسهم منقذي للبلاد.

وها هو الرئيس بوتفليقة نفسه يتقمص رداء الاستئصال ويتراجع عن تصريحاته التي أدلى بها في بداية عهدته، فبعدما صرح أن إيقاف المسار الانتخابي (من قبل قيادة الجيش) كان أول عنف وجناية فاليوم نراه يثني على الجيش ويعتبر أن ما قام به كان وفقا لمصلحة البلاد وهو الذي أنقذ البلاد وحافظ على وحدتها. ولا يحتاج المرء إلى كثير من الجهد لملاحظة أن الجيش هو الذي أدخل البلاد في هذه الأزمة، فالمؤسسات الرسمية للبلاد من رئاسة الجمهورية في عهد الرئيس بن جديد والبرلمان والأحزاب الثلاثة التي فازت في انتخابات 26 ديسمبر 1991 كلها قبلت بنتائجها ورضيت بحكم الشعب المعبر عنه ديموقراطيا، ولكن الجيش تجاوز مهمته وتجاوز جميع المؤسسات وتجاوز الدستور وتجاوز القوانين والأعراف وإرادة الشعب وقرر خارج الشرعية إدخال البلاد في المغامرة فأدخلها في نفق مظلم. إن قيادة الجيش وحدها تتحمل مسؤولية اندلاع الأزمة وهي تتحمل نتائج عمليات الإرهاب والمآسي التي أصابت البلاد لأن كل ما حدث بعد الانقلاب وفرض حالة الطوارئ واعتقال الآلاف من قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ وإطاراتها وأتباعها ومحبيها هو من النتائج المباشرة  لإجهاض العملية الانتخابية وإيقاف المسار الديموقراطي واعتماد السياسة الأمنية المفروضة بالحديد والنار من طرف قيادة الجيش في جانفي 1992.

ومهما حاول النظام تحميل مسؤولية الأزمة للآخرين وادعاءه أنه هو الذي حافظ على وحدة البلاد وسلامتها فهذا لن يغيّر من الواقع شيئا ولن يغيّر الحقيقة الساطعة لجميع الجزائريين والمراقبين في خارج البلاد، ويبدو أن النظام ليست له نية لمحاولة إنهاء الأزمة وإعادة السيادة للشعب عبر تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، فهل ينتظر النظام أن تأتيه عاصفة شعبية عارمة تطيح به؟ فحينها لا ينفعه ندم.

 

 

نقلا عن نشرة الرباط التي تصدرها الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية بالخارج