فى الخرطوم .. يتجدد الأمل

 

 

 

بقلم : مجدى أحمد حسين

magdyhussien@gawab.com

 

 

كما ذكرت رتبت الأقدار أن أزور طهران و الخرطوم خلال أسبوعين .. و ذهبت الى الخرطوم حاملا معى من أسباب القلق أكثر من أسباب الاطمئنان  .. و عدت أكثر اطمئنانا فقد وجدت سودانا مختلفا من أوجه عديدة عن السودان الذى زرته منذ 8 أعوام .. رغم ان حجم المشكلات التى تواجهه ماتزال ضخمة .

و يمكن ان نقول ان السودان فى عهد الانقاذ الذى أتم عامه الرابع عشر كان يواجه تحديات كبرى على عدة محاور رئيسية :

(1) بناء الدولة السودانية .. و انطلاق عملية تنمية اجتماعية اقتصادية شاملة

(2) ترسيخ معالم الحكم الاسلامى          (3) التمرد الجنوبى و التهديدات الخارجية .

و خلال مواجهة هذه التحديات العظمى .. حدث منذ عدة سنوات صراع و انقسام خطير داخل نظام الانقاذ السودانى .. كان هو أخطر من كل التحديات .. لانه كان تهدد أساس النظام ذاته .. و تهدد بالقضاء على كل منجزاته ..

 

(1) بناء الدولة القومية السودانية:

ان المأثرة التاريخية لحركة الانقاذ .. انها اندفعت بقوة فى هذا المجال .. فالذى يعرف السودان حق المعرفة ، يدرك ان هذه هى المشكلة رقم واحد .. و انه لا سبيل لنهضة السودان دون اقامة دولة مركزية تلم شتات و تمزق أقاليم السودان المترامية الأطراف كقارة صغيرة .. و ليس المقصود بذلك القضاء على التنوع الاثنى و الثقافى و الدينى (رغم غلبة الاسلام) بالقوة ، بالعكس فمن مزايا السودان هذا القدر الهائل من قبول التنوع فى تسامح حضارى تاريخى مشهود له ، و لكن المقصود ان يكون قلب الدولة ممتد الى كل الأطراف .. بحيث يضخ الخير و يضخ الخدمات فى مختلف أوصال السودان .. و الواقع ان الاحتلال البريطانى قام بجريمته المعروفة "المناطق المقفلة" بهدف عزل الجنوب عن الشمال .. و لكن سودان الاستقلال لم يقم بالواجب الضرورى لتوحيد السودان . ليس مع الجنوب فحسب و لكن مع الشرق و الغرب و الشمال أيضا !! و كانت الخرطوم كقلب الوطن أشبه بالقلب الضعيف غير القادر على ضخ الدماء فى مختلف شرايين البلاد .

فالبلاد ممزقة لا توحدها شبكة طرق .. و لا مواصلات نهرية كافية ، و لا حركة طائرات . و الاذاعة و التلفزيون لا تغطى كثيرا من مناطق السودان ، أما الكهرباء فقط أصبحت نسيا منسيا ، و الصحف التى تصدر فى الخرطوم و تثير الحوارات الساخنة فى قلب العاصمة لا تصل الا الى عدد يسير من المدن .. و انهارت شبكة السكك الحديدية. و أصبحت الدولة مقطعة الأوصال . و الحالة المتطرفة كانت فى الجنوب .. و غذى ذلك التمرد الجنوبى المدعوم اسرائيليا و أمريكيا .

و كان السودان رهينا للحزبين التقليديين (الأمة - الاتحادى) بقاعدتهما الطائفية .. و دفع السودان ثمن الصراع حول كراسى الحكم و ترك مشكلاته الأصلية تتفاقم ، حتى أصبحت من مفارقات التاريخ ان فترة الحكم العسكرى خاصة نميرى .. هى الفترة التى حدثت فيها بعض المنجزات الاقتصادية و الصناعية ، و المحاولات الجادة لتطويق مشكلة الجنوب .. أما فى فترة ما يسمى "الديموقراطية" و حكم الطوائف فان السودان كان يغرق فى مشكلاته حتى الثمالة .. و كانت فترة رئاسة الصادق المهدى لمجلس الوزراء قبل الانقاذ هى أسوأ هذه الفترات على الإطلاق . و هذه حقائق تاريخية لا يمارى فيها أحد .. كان 90% من الجنوب تحت سيطرة المتمرد جون قرنق و كان يقترب بثبات فى اتجاه الغرب و القلب (الخرطوم) و كانت القوات المسلحة فى حالة يرثى لها . و كان حزب الأمة قد وقع اتفاقية كوكادام مع التمرد تتضمن الغاء الشريعة الاسلامية و الغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر و الغاء بروتوكول التعاون العسكرى مع ليبيا .

قبل الانقاذ كان أهل المدن (20% من السكان) يحصلون على 95% من ايرادات الدولة و كانت البلاد تعيش عالة على المنح و القروض .. و كانت تستورد كل احتياجاتها من البترول .. و أذكر اننى شاهدت فى مطار الخرطوم عام 1985 .. طائرات ليبية تحمل القمح و الذرة و الدقيق لبلاد المائتى مليون فدان و النهر العظيم!! و الآن ماذا جرى بعد 14 عاما من الانقاذ .. و لنبدأ أولا على صعيد البنية الأساسية التى من شأنها أن توحد السودان و تدفعه على طريق التنمية .

فى مجال الطرق : كانت جملة الطرق المشيدة حتى عام 1989 (عام ثورة الانقاذ ) 2436 كيلومترا و بلغت اليوم 5428 كيلومترا بزيادة 2992 كيلومترا بنسبة 123% و الخطة موضوعة فى هذا العام لتشييد 700 كيلومتر جديدة نفذ حتى الآن أكثر من نصفها بالاضافة لتأهيل 310 كيلومترا قائمة و تشييد ثلاثة جسور جرى افتتاجها خلال احتفالات هذا العام . و يشهد هذا العام بداية انجاز 300 كيلومترا فى طريق الانقاذ الغربى .

 و قد عانى السودان كثيرا من انعدام الطرق المعبدة فى مختلف أطرافه .. حيث كانت الطرق الترابية تحول عملية التواصل بين أطراف البلاد الى معاناة كبرى و مكلفة .

و تبدأ هذا العام شركات من ماليزيا و تركيا انشاء خطوط جديدة للسكة الحديد بين بورسودان و الخرطوم عن طريق عطبرة و آخر عن طريق كسلا و ثالث من سنار حتى نيالا .

و حاليا ارتفعت طاقة النقل بالسكة الحديد من 300 ألف طن الى مليون و نصف طن .

و تقوم شركة هولندية بتأهيل أسطول النقل النهرى و زيادة أعداده . و فى مجال النقل البحرى تجرى عملية واسعة لتطوير منظومة من الموانئ على البحر الأحمر حيث ارتفعت طاقة ميناء بوردسودان الى أحد عشر مليون طن . بالاضافة لعدد من الموانئ الفرعية المتخصصة .  و المعروف ان شبكة الكهرباء القومية تغطى 10% من أراضى السودان .. و هذا يوضح حجم التحدى الضخم بما يجرى الآن لتوسيع هذه الشبكة جنوبا و شمالا و غربا و شرقا و وسطا .. و يجرى الآن مد الشبكة شمالا بطول 280 كيلومتر فى اتجاه عطبرة . و جنوبا ، و غربا بطول 306 كيلومتر .  و بدأت عملية الربط الكهربائى مع أثيوبيا . و فى اطار اشراك القطاع الخاص فى انتاج الكهرباء و بيعها تم الاتفاق مع شركة ماليزية و شركات أوروبية لتأسيس محطات للكهرباء . و فى مجال المياه تم حفر و تجهيز و تأهيل آلاف الأبار ، كما يجرى انشاء 48 سدا مما سيزيد من نسبة مياه الريف من 30% الى 64% و يرفع حجم السعة التخزينية للسدود و التى بلغت خلال قرن كامل 36 مليون متر مكعب الى 106 مليون متر مكعب من المياه .

و يقع فى القلب من هذه المشروعات مشروع سد مروى (السد العالى السودانى) الذى ستنفذه شركة صينية خلال 5 أعوام بتكلفة 575 مليون دولار بتمويل من 4 صناديق عربية و الحكومة اعتبارا من الشهر المقبل ، و سيؤدى هذا المشروع الى أكبر انتاج كهربائى فى السودان :

1250 ميجاوات تعادل 75% من الطاقة الحالية بتكلفة رخيصة تقدر ب "4 سنتات" و يساعد على زراعة 2 مليون فدان بالاضافة لدرء آثار الفيضان و تسهيل الملاحة و زيادة الانتاج السمكى .

أما فى المجال الزراعى فقد حدث توسع بنسبة 22% فى المساحات الزراعية و زيادة رأسية فى  انتاج المحاصيل مما حقق للسودان الأمن الغذائى .

و فى المجال الصناعى تأكد استمرار الاكتفاء الذاتى من السكر و تحقيق فائض للتصدير .

و نظمت لنا زيارة لمدينة جياد الصناعية .. و التى افتتحت عام 2000 و الحقيقة انها مفخرة للسودان و علامة مضيئة على اقتحام المجال الصناعى .. حقا انها لاتزال فى مجال التجميع ، و لكن صناعة تجميع السيارات و الشاحنات و المركبات المختلفة لا توجد إلا فى مصر و جنوب افريقيا ثم السودان فى كل القارة الافريقية .. و يصل المكون السودانى الى 60% فى بعض المركبات .. بالتعاون مع شركات ايرانية و يابانية و صينية و كورية و ألمانية . و هذا بالاضافة الى الجرارات و الآلات الزراعية و الكابلات .. و صناعة الصلب (حديد التسليح) . و هناك تطور مماثل فى التصنيع الحربى .. الذى وصل الى انتاج المعدات الخفيفة و المتوسطة و الثقيلة كالدبابات .

و فيما يتعلق بالنقل الجوى فقد توسع استخدام الطائرات فى النقل الداخلى .. وتم تأهيل العديد من المطارات لتكون مطارات دولية .. و فى بعض الولايات كدارفور مثلا توجد 4 مطارات دولية ، و هذا قطاع بالغ الأهمية فى بلد مترامى الأطراف كالسودان .. و الجنوب ليس بعيدا عن هذه التطورات حيث تم تطوير مطارى جوبا و ملكال على سبيل المثال .

إلا ان الانجاز الأكبر و الذى بدونه ماكان لكل هذه النهضة ان تجرى .. هو فى قطاع البترول و هو ملحمة نضالية .. حيث فشلت كل العهود السابقة فى استخراج البترول لتواطئها أو لضعفها إزاء الشركات الأمريكية و البريطانية .. التى تكتمت على حقائق الاكتشافات البترولية الكبرى .. و فى عهد الانقاذ .. تم اللجوء للصين و ماليزيا و كندا و تم أكبر انجاز بترولى فى تاريخ القارة الافريقية، بانشاء أكبر خط أنابيب 1610 كيلومترا خلال زمن قياسى (11 شهرا) .. و بدأ الانتاج و التصدير منذ عدة سنوات .. و هو الأمر الذى أحدث انقلابا فى التركيبة الاقتصادية و المالية للدولة .. فبعد الاعتماد الكلى على استيراد البترول مقابل كل صادرات السودان .. اكتفى السودان ذاتيا و أصبح مصدرا ، و أصبح البترول يمثل 43% من ميزانية الدولة .. و أصبح البترول ممولا لهذه النهضة الكبرى..

و الزائر للسودان يلحظ بالعين المجردة انتقال البلاد من حالة التقشف الحاد .. الى بداية الرفاهية .. هناك قفزة فى حركة العمران .. و البناء الحديث .. و تطوير المبانى الحكومية .. و تنسيق العاصمة .. الخ

و كل التقديرات تشير الى ان السودان يعوم فوق خزان بترولى فى الشمال و الجنوب .. و المستقبل يبدو أكثر اشراقا باذن الله .. و عندما ضغطت الولايات المتحدة على الشركة الكندية للانسحاب من المشروع الأساسى تم استبدالها بشركة هندية .. و هنا لابد من ملاحظة استفادة السودان من عالم التعددية الذى طالما كتبنا عنه و بح صوتنا للتنبيه اليه .. نجد هذا فى التعاون الواسع مع بلدان آسيا و أوروبا .. بحيث أصبحت المقاطعة الأمريكية لا معنى لها ، و مضرة للأمريكان دون السودان .

و يجرى الآن العمل فى حقل بترولى ثانى يبدأ انتاجه فى نهاية العام بحوالى 60 ألف برميل يوميا و يتم ربطه بخط أنابيب آخر طوله 730 كيلومترا بمصفاة الخرطوم ، و قد تم انجاز 200 كيلومتر منه و سيتم استكماله فى نهاية العام الحالى مع المنشآت النفطية الملحقة به

أما الحقل الأول الذى بدأ العمل عام 1999 فانتاجه يصل الى 300 ألف برميل يوميا .

و سيتم بناء خط أنابيب ثالث من حقل ثالث بين ولاية أعالى النيل و النيل الأبيض بالمنطقة الشرقية الى ميناء التصدير فى البحر الأحمر . كما يجرى تطوير الحقل الرابع بولاية الوحدة و يبدأ انتاجه فى العام المقبل . لذا من المتوقع ان يتجاوز انتاج البترول السودانى نصف مليون برميل يوميا فى عامى 2004 ، 2005 . فهناك عمليات فى حقول جديدة حول ولايات الخرطوم و الجزيرة و نهر النيل و سنار و النيل الأزرق و القضارف ، و قد بلغ حجم الاستثمارات فى القطاع البترولى حتى الآن 5 مليارات دولار . و دخل السودان ميدان الصناعات البتروكيمائية .. و تضاعف انتاجه من البترول المكرر .. و يتجه الى تصدير مشتقات البترول . و الشركات العاملة فى المجال البترولى بالاضافة للصين و ماليزيا و الهند نجد شركات نمساوية و سعودية واماراتية و ألمانية و فرنسية .

و على المستوى الاقتصادى العام .. نجد ان السودان قد كسر الحصار من معظم الجوانب ، فتم تحريره من مقاطعة صندوق النقد الدولى و الصناديق العربية و الدولية و الاقليمية .. بل ان صندوق النقد شهد للسودان بأنه حقق نموا فاق 7% و هى أعلى نسبة موجودة فى افريقيا .

و فى السنوات الثلاث الأخيرة تم وقف التضخم الا فى حدود 3% ، و تم تثبيت سعر الصرف و زادت عملية جذب الاستثمار الأجنبى حتى وصلت الى 7 مليار دولار .

و كان السودان لا ينتج جراما واحدا من الذهب و أصبح يصدر الآن 6 طن من الذهب سنويا من جبال شرق السودان . و أصبح السودان ثالث منتج للسكر فى افريقيا . و اكتفت البلاد ذاتيا من انتاج الحبوب و أصبحت تصدر الحبوب و الفاكهة و اللحوم

و لا أريد أن أغرق القارئ فى المزيد من الأرقام حول تضاعف الخدمات الطبية و غيرها و لكن لابد مع وقفة مع التعليم ..

قبل الانقاذ كان يدخل الجامعات السودانية كل عام 8 آلاف طالب أما فى عهد الانقاذ فأصبح الرقم السنوى 108 ألف طالب سنويا . فقد ارتفع عدد الجامعات من 4 الى 25 جامعة باضافة 21 جامعة جديدة ، حيث شيدت جامعة فى كل ولاية من ولايات السودان بالاضافة الى 30 كلية و معهد عالى فى المجالات المتخصصة المختلفة كتعليم أهلى . و من بينها بطبيعة الحال جامعات فى الولايات الجنوبية .

ترسيخ معالم الحكم الاسلامى و تمرد الجنوب

لقد حورب نظام الانقاذ السودانى أساسا بسبب توجهه الاسلامى الاستقلالى .. و قد أخذت الحرب شكل الحصار الاقتصادى .. و وضع السودان على لائحة الارهاب الأمريكية .. و استخدام حركة التمرد لاضعافه و استنزافه .. استنادا الى قواعد فى ارتريا و أثيوبيا و أوغندا .. بل و وصل الأمر الى مشاركة أوغندية و ارترية فى حروب حدودية .. كما أخذت الحرب شكل المساندة الدولية للأحزاب التقليدية الشمالية ..

و قد قام نظام الانقاذ بجهود مضنية لمواجهة كل هذه الحلقات الجهنمية .. و قدم الشهداء بسخاء .. و صمد فى المعركة القتالية ، و صمد أمام الحصار الاقتصادى ، بالشكل الذى أوضحناه ، و حاول الانفتاح قدر الطاقة على القوى السياسية المعارضة فى الشمال و الجنوب .. و وسع من قاعدته .. بتوسيع المشاركة فى الحكم مع خمسة أحزاب (الأمة بزعامة مبارك النضل ، الاتحادى بزعامة الشريف الهندى و الاخوان المسلمين و أنصار السنة و تجمع أحزاب جنوبية ) .

و فى نفس الوقت أقبل على مفاوضات السلام مع تمرد الجنوب .. و قطع فيها شوطا كبيرا ، و قد حقق نجاحا كبيرا بوقف اطلاق النار .. و اطلاق المبادرات السلمية ، و المباراة السلمية على قلوب الجنوبيين بالاعمار و التنمية و التفاعل و التواصل .

و على الصعيد الاقليمى حقق اختراقات بالغة الأهمية بتحسين العلاقات مع مصر رغم وجود المعارضة المناكفة فى القاهرة (المهدى - الميرغنى ) و هم جادون بالفعل فى تحسين و تطوير العلاقات مع مصر . و كان الاختراق الآخر مع أثيوبيا حيث استفادوا من الجائزة الربانية التى تمثلت فى حرب ارتريا - اثيوبيا ، حيث ضاقت أثيوبيا ذرعا بحكم أسياسى أفورقى .. و أصبح الخلاف بينهما عميقا و متأصلا .. و الآن تنحو العلاقات الاثيوبية - السودانية منحى استراتيجيا حيث يتم انشاء ميناء سودانى خصيصا للصادرات و الواردات الاثيوبية ، التى كان منفذها السابق على البحر عبر ارتريا ، و ارتبط ذلك بانشاء طرق سريعة من الحدود الاثيوبية حتى موانئ السودان على البحر الأحمر ، و تتم حاليا تسوية مشكلات الحدود .. و عقدت خمس اتفاقيات تعاون بين البلدين .

و كان السودان قد سكن الصراع مع أوغندا ، إلا ان موسيفينى مايزال يلعب بذيله ، و يتحرش و يهدد السودان ، و لكنه لن يتحرك عسكريا إلا بضوء أخضر أمريكى لم يأت أوانه بعد .. و فيما عدا ذلك فعلاقات السودان طيبة مع باقى دول الجوار و على رأسها ليبيا و تشاد (كان مسئول العلاقات الخارجية بلجان الجماهيرية و أمين عام الحزب الحاكم فى تشاد  مشاركين فى احتفالات الانقاذ ) .

أما بالنسبة لارتريا فانها محاصرة بمشكلاتها الداخلية فى ظل حالة قمعية شديدة يمارسها نظام الحكم على المعارضة و فى ظل رفض كل الجيران له : اثيوبيا - السودان - جيبوتى - اليمن .. حتى انها تعقد لقاءات تنسيقية ضد هذا  النظام المريب .

المشكلة الاساسية التى واجهت و تواجه الانقاذ هى هذا التصدع الذى حدث مع د. الترابى و حزب المؤتمر الشعبى الذى نشأ بعد الصراع بين جناحى السلطة .

و لا أريد أن أخوض فى تفصيلات هذا الخلاف .. فالمناخ الآن أهدأ .. و أرى عموما ان من مصلحة السودان أولا .. ثم الانقاذ كعهد جديد لسودان جديد .. ثم الحركة الاسلامية  السودانية .  على كل هذه المحاور أرى من المصلحة تضييق شقة الخلاف و إيجاد صيغة من التعاون و التفاهم . فان الطرفين هما أقرب الى بعضهما من أى طرف آخر .. و الطرفان بنيا معا كل هذه الانجازات التى نتحدث عنها . و على أى حال أكد أطراف حزب المؤتمر الوطنى الحاكم انه عقب توقيع اتفاقية السلام فان كل القيود سترفع .. و ستلغى حالة الطوارئ .. و ماترتب عليها من بعض القرارات .

معركة الشريعة :

وصلت الخرطوم فى لحظة حرجة حيث كان ذلك عقب اعلان القاهرة بين الثلاثى : المهدى - الميرغنى - قرنق .. الذى تحدث عن قومية العاصمة بمعنى علمانيتها . و كان رد الرئيس البشير ساحقا فى تصريحاته .. و اتهم موقعى الاعلان من معارضى الشمال بطعن الشريعة ، و اتهم قرنق بالنكوص عن اتفاقية ماشاكوس التى أقرت ان الشريعة الاسلامية هى التى تحكم فى الشمال و فى كل الأماكن التى تكون أغلبيتها مسلمة . و كانت هناك حملات اعلامية مكثفة دفاعا عن الشريعة الاسلامية و انه لا مساومة حولها .. و كذلك كانت خطب الجمعة و ما يعقبها من دروس . و فى المسجد الكبير استمعت لخطبة نموذجية للشيخ الكارورى .. هى خطبة نموذجية لما يجب ان تكون عليه خطبة الجمعة من المزج بين شئون الدين و العقيدة و قضايا المعاش و السياسة بالمنظور الاسلامى .. و كانت مرافعة رفيعة عن الشريعة الاسلامية .

لقد أعلن نظام الانقاذ ان الشريعة الاسلامية خط أحمر لا تنازل فيه أو حوله.. و أطلعت على دراسة رائعة للدكتور غازى صلاح الدين المسئول عن ملف مفاوضات السلام ، و هى منشورة فى جريدة الحياة .. و هى مرافعة رصينة عن الشريعة الاسلامية .. و كيف انها توفر أفضل نظام لحماية التنوع و الأقليات الدينية من أى نظام آخر .. و أطمأننت - من خلال ذلك - على موقف  المسئول عن ملف المفاوضات مع التمرد .

لقد عارضنا من قبل اتفاق ماشاكوس من زاوية حق الانفصال الذى تضمنه .. و لكننى كتبت فى حينها مخاطبا الحكومة المصرية ، انها لا تدعم بشكل كاف الموقف التفاوضى السودانى ، و ان تطوير العلاقات مع السودان لدعمه فى اعمار الجنوب و تقويته عموما ، لا يتم بالمعدلات الواجبة ، فاذا كان الأمن القومى المصرى مهددا باحتمال الانفصال ، فان ذلك يعنى ان تنزل مصر بثقلها فى الساحة السودانية ، و هى مرحب بها ، و أذكر اننى طالبت بالبداية بالغاء تأشيرة الدخول بين مصر و السودان .. كعلامة على جدية مصر فى تحويل العلاقات مع السودان الى علاقات استراتيجية خاصة و ان حكومة الانقاذ لا ترحب بدورها بالانفصال بل تقوم بجهود جبارة سلمية لاقناع الجنوبيين بالوحدة . وكان من علامات ذلك اقامة الاحتفالات بذكرى الانقاذ هذا العام فى جوبا عاصمة الجنوب . و كان حضور عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية  لهذا الاحتفال مهم و ايجابى للغاية .

و اذا عدنا الى اتفاقية مشاكوس نجد فى ايجابياتها النص على ان (التشريع خارج الولايات الجنوبية مصدره الشريعة و الاجماع ) و ان (التشريع فى الولايات الجنوبية مصدره الاجماع الشعبى و قيم و أعراف السودانيين بما فى ذلك معتقداتهم الدينية ) و مع ملاحظة ان 20 - 30% من الجنوبيين مسلمون .

لذلك فان اعلان القاهرة - و ربما ليس للحكومة المصرية علاقة به - كان تراجعا عن انجازات مشاكوس فى هذا الجانب الجوهرى .. و كان بمنزلة اعطاء أوراق مجانية للعميل الاسرائيلى - الأمريكى قرنق ليواصل ابتزازه حول الشريعة الاسلامية .. و ليذهب الى واشنطن عارضا هذه الانجازات . و بينما نحن فى مصر مشغولين بمخاطر الانفصال .. يبدو ان أمريكا قد غيرت خطتها، فالقريبون من دوائر التفاوض يشيرون الى ان الرغبة البريطانية - الأمريكية هى فى الوحدة .

و هذا يجعلنى استنتج الآتى .. ان الخطة الأمريكية الراهنة فى مفاوضات السلام .. التى طالب بوش بضرورة انهائها باتفاقية سلام بحد أقصى يوم 14 أغسطس القادم .. ليس الانفصال .. و لكن الحفاظ على وحدة السودان.. بهدف تغيير السودان كله بعيدا عن الاسلام .. فالسياسة الأمريكية تخشى من ان الانفصال سيؤدى الى بلورة سودان عربى مسلم متماسك ، و حيث ثبت ان البترول متوفر فى الشمال كما فى الجنوب ، فان الشمال لن يعدم مصادر القوة الاقتصادية ، و ان السودان الشمالى يمثل 75% من السودان و سيظل بلدا كبيرا و استراتيجيا خارج السيطرة .. و الخطة الأمريكية الراهنة هى اغراق نظام الانقاذ بحركات الجنوب و الشمال العلمانية و اشراكها فى الحكم بصورة واسعة تؤدى الى ذوبان الطابع الاسلامى للنظام . و من هنا يمكن فهم اصرار قرنق على أن يكون النائب الأول لرئيس الجمهورية و الذى له حق الفيتو على أى قرار ، أو أن يتولى رئاسة الجمهورية فى نصف المدة الانتقالية (6 سنوات ) مع البشير ، و هى اقتراحات مرفوضة من الخرطوم ، و أن أقصى ما تقبله ان يكون قرنق نائب عادى ككل النواب .

و فى الخرطوم هناك بعض التفاؤل من الموقف الأمريكى على قاعدة أن أمريكا تريد أن تحقق انجازا سلميا يبيض وجه السياسة الأمريكية ، و يساعد بوش فى انتخاباته القادمة . و هذا سيجعل حسابات واشنطن غير متطابقة مع العميل قرنق . و مع ذلك فانى اعتبر ان هذه اعتبارات ثانوية ، و أن خطة أمريكا هى اغراق النظام الاسلامى فى محيط غير اسلامى حتى يفقد مذاقه و قوامه . و يترافق ذلك مع دخول الاستثمارات الأمريكية فى البترول و غير البترول على نطاق واسع ، و القيام بأوسع انخراط فيما يسمى "المجتمع المدنى" ، و المجتمع المدنى أصبح شعارا مشبوها لعملاء أمريكا المتمولين منها . و لديها فى السودان من المرتكزات ما يكفى .

و أمريكا حتى و ان لم تصل الى اشتراط النص على إلغاء الشريعة ، و هذا أمر صعب بعد تجاوز هذه النقطة فى مشاكوس .. فهى ستسعى الى ان يكون الاتفاق النهائى محققا لهذه الأغراض الخبيثة المشار اليها .. ذلك ان حصول نظام الانقاذ على اتفاقية مشرفة لن يبيض وجه بوش فى واشنطن !!

لذلك فان قلبى مع المفاوض السودانى .. و ثقتى فى انه لن يتنازل عن الخطوط الحمراء ,, و لكن اذا كنت تلعب مع النمر .. فمن واجبى أن أقول : خذوا حذركم !!

 

ملاحظات :

- حققت "الشعب" أول انتصار فى عهدها الالكترونى .. و نجحت حملتها بمعاونة كل الشرفاء فى نقابة الصحفيين فى اقصاء ابراهيم نافع عن الترشيح لمنصب النقيب بالمخالفة لقانون النقابة .. و أيضا بمعاونة المواقع الالكترونية الأخرى .. بحيث يمكن ان نقول انه أول انتصار الكترونى فى حملة ضد فساد داخلى .

و لكننا نحذر من اننا سنكون حربا على صلاح منتصر رمز التطبيع مع الصهاينة و مرشح ابراهيم نافع لمنصب النقيب .. بعد أن أصبحت الدولة المصرية فى غيبوبة . و تركت لنافع حق اختيار خلفه !

 

- اعتذر للأخوة الذين يشاركون معنا فى الحوار على البالتوك فى غرفة منتدى حزب العمل عن عدم عقد الندوة الأحد الماضى نظرا لعطل عام فى الشبكة ، و نواصل ندوتنا باذن الله يوم الأحد القادم الساعة العاشرة مساءا بتوقيت القاهرة

 

- فى موقع ال petition المطالب باقالة حسنى مبارك تجاوز عدد الموقعين 1500 و على موقع الشعب بدأنا متأخرا فى حصر الرسائل التى وصلتنا و هى تتجاوز الآن السبعمائة

كذلك بدأ جمع التوقيعات بصورة يدوية مباشرة .. و سنواليكم بالتفاصيل  . و أقول للأخوة الذين يهونون من هذه الحملة .. انها خطوة على الطريق .. سبقتها المظاهرات الحاشدة فى كل أنحاء مصر و التى طالبت باسقاط مبارك .. و ستتبعها خطوات أخرى .. و يكفى ان هذه أول حملة من نوعها فى تاريخ مصر المعاصر .. و أيضا فى الوطن العربى السليب .

 

www.alshaab.com