عروبة القدس منذ نشأتها تؤكدها الحقائق التاريخية

 

 

 

 بقلم الدكتور محمد علي الفرا

 

كثيرا ما يقع عدد من كتابنا وباحثينا ومؤرخينا في اخطاء كبيرة تسيء الى تاريخنا وتشوهه وربما تطمسه، وذلك حينما يعتمدون فيما يكتبون على مراجع ومصادر اجنبية ويعدونها - بجهل منهم وبحسن نية - ثقة لا يرقى اليها الشك، وهي في حقيقتها تخدم اهدافا مشبوهة، وكثيرا ما يستخدم التاريخ لتحقيق غايات سياسية، واهداف استعمارية وربما يعلم الكثيرون كيف استعمل الاستعمار الغربي عددا من الباحثين والمؤرخين والجغرافيين والرحالة في الاعداد والتخطيط لتنفيذ المشاريع الاستعمارية.

وقد عرفت الحركة الصهيونية كيف تستغل اعمال التنقيبات الاثرية والبحوث الاركيولوجية في فلسطين لصالحها، وتمكنت من توجيه هذه التنقيبات بما يخدم مخططاتها التي كانت ترمي الى اقامة دولة يهودية في فلسطين، فأنشأت لهذا الغرض »صندوق استكشاف فلسطين« في القرن التاسع عشر ليتولى تمويل عمليات التنقيب في فلسطين، ويتحمل نفقات سفر العلماء والباحثين، وكان من اشهرهم الجغرافي الاميركي الجنسية واليهودي الديانة »ألسورت هنتنجتون« الذي كُلف بعملية مسح جغرافي لفلسطين ودراسة امكانية تهويدها، وقد نشر عمله هذا في كتاب عنوانه »تهويد فلسطين«.

في اثناء اعداد البحث عن »استمرار الوجود العربي وانقطاع الوجود الاسرائيلي في القدس«، والذي من المقرر ان ألقيه في مدينة بروكسل ببلجيكا في 14 تشرين الاول هذا العام ان شاء الله بتكليف من المؤتمر الاسلامي لبيت المقدس، اطلعت على كتاب باللغة الانجليزية عنوانه: »القدس من عام 1947 وحتى عام ،1967 مسح سياسي« لكاتب عربي، مطبوع محليا.

ولما اطلعت على الكتاب شعرت بالصدمة، فقد استهل المؤلف كتابه بمقدمة تاريخية، افتتحها بالكتابة عن القدس اليهودية اولا، ثم القدس المسيحية ثانيا، ثم القدس الاسلامية ثالثا واخيرا.

ان حديثه عن القدس بحسب هذا الترتيب الذي اعطى فيه الاولوية لما سماه »القدس اليهودية« يؤكد -من حيث يدري او لا يدري - المزاعم الاسرائيلية التي تدعي بان هوية القدس منذ القدم يهودية - اي منذ خمسة الاف عام كما يزعمون، وهذا ما اكده الباحث حينما قال: »ان القدس ظهرت لاول مرة في الكتاب المقدس (يعني التوراة) في حوالي 3000 ق. م كقلعة لليبوسيين (شعب كنعاني، وهم الذين اول من بنى القدس)، فعرفت باسم »يبوس« وتقع فوق آخر القمم المذكورة (يقصد قمم جبال موريا وصهيون والزيتون)، واسمها اليهودي »اورشليم« ومعناها بالعبرية »مقر او دار السلام« وان قلعتها حملت اسم صهيون - موقع قصر الملوك منذ داود حتى هيرود« ثم يقول: »وعلى جبل موريا استعد ابراهيم الجد المشترك لليهود والعرب، وبعد مجيئه من اور (في العراق) الى كنعان في نحو القرن التاسع عشر ق. م، للتضحية بابنه اسماعيل، وظلت القدس مدينة وثنية، فأصبحت مرتبطة بتقاليد الشعب الاسرائيلي«.

وبعد ذلك يستعرض المؤلف بايجاز شديد تاريخ اليهود ابتداء من عبوديتهم في مصر، وعودتهم الى فلسطين، وفتح داود للقدس، واقامة دولة اسرائيل وبناء الهيكل، والسبي البابلي، وهدم المعبد ثلاث مرات، كان آخرها على يد تيطس الروماني في عام 70م، وبقاء ما سماه بحائط المبكى، وهو في حقيقته »حائط المبكى« الذي اثبتت الهيئات الدولية القانونية ملكيته للاوقاف الاسلامية، بعد ثورة البراق عام 1929.

ويختتم حديثه عن القدس اليهودية قائلا: »وهكذا فان المدينة تلخص قصة الاسرائيليين، ليس فقط لكونها مدينة مقدسة مركزيا مرتبطة بالديانة اليهودية، ولكن ايضا لانها جزء من الارض المتصلة بتاريخ الدين اليهودي، انها مدينة الابدية وبدونها لا وجود للدين اليهودي، ويثبت ذلك بما جاء في المزمور الخامس والعشرين بعد المائة من التوراة، ويقول هذا المزمور: »اورشليم الجبال حولها والرب حول شعبه من الان والى الدهر، لانه تستقر عصا الاشرار على نصيب الصديقين لكيلا يمد الصديقون ايديهم الى الاثم.. سلام على اسرائيل«.

ان الرد على المزاعم الصهيونية والتوراتية التي تبناها واعتمد عليها مؤلف الكتاب لا يستطيع مقال محدود كهذا استيعابها، الا اننا نقول بان يتبنى كاتب عربي هذه المزاعم ويرددها، يخدم التوجهات الاسرائيلية، وان من مصلحة اسرائيل ان تجد عربيا يؤيد اباطيلها التي كشفها وفندها ونفاها مؤخرا عدد من المؤرخين التوراتيين الذين صحا ضميرهم امثال »طمبسون« و»وايتلام« و»ألستروم« و»ليمكة« و»فنكلشتاين« و»كوت« و»ديفر«.

وربما يعمل البعض منا ان البروفيسور »طمبسون« فصل من عمله بجامعة »ماركويت« في »ميلووكي« بأميركا عام 1992 حيث نشر في العام نفسه كتابه المسمى »التاريخ القديم للشعب الاسرائيلي من المصادر المكتوبة والاثرية« قال فيه: »ان جميع التاريخ الغربي لاسرائيل والاسرائيليين اعتمد على قصص من العهد القديم هي من صنع الخيال«.

اما البروفيسور »كيث وايتلام« فقد صدر له في عام 1996 كتاب قيم عنوانه: »اختلاق اسرائيل: اسكات التاريخ الفلسطيني«، وفيه دحض المزاعم التي ارتكزت عليها الصهيونية في اقامة اسرائيل على اسس تاريخية وتوراتية دينية، وقد بذل »وايتلام« جهدا كبيرا جدا في هذا الكتاب من اجل استرجاع التاريخ الفلسطيني القديم الذي قام الاسرائيليون والصهاينة والمتصهينون في الغرب بطمسه ومحوه ليحل محله - كما قال - تاريخ قديم مختلق لاسرائيل يبررون به ما سمي بعملية احياء اسرائيل القديمة ممثلة في قيام اسرائيل الحديثة عام ،1948 وهذا ما اكده »مناحيم بيغن« حينما علّق على هجرة اليهود الى فلسطين قائلا: »لسنا قادمين وانما عائدون«، وينتقد »وايتلام المؤرخين والباحثين العرب، وبخاصة الفلسطينيين الذين اعتمدوا في كتابة تاريخهم على مصادر توراتية او مراجع غربية استعمارية متصهينة.

ان هذا القول ينطبق تماما على مؤلف كتاب القدس سابق الذكر حيث ان من الكتب التي اعتمد عليها في كتابة هذه الخلفية التاريخية هي: التوراة، وكتب الفها يهود صهاينة او متصهينون مثل »نورمان بنتويش« اليهودي الذي عينه اول مندوب سامي بريطاني على فلسطين »هربرت صموئيل« اليهودي، على رأس دائرة الهجرة بفلسطين وجورج ادم سميث، المتصهين مؤلف كتاب »الجغرافية التاريخية للارض المقدسة وبخاصة العلاقة بتاريخ اسرائيل والكنيسة الاولى، وقد صدر هذا الكتاب في عام ،1894 كما اعتمد المؤلف على الموسوعة اليهودية، وعلى كاتب متصهين آخر هو »ميشيل لامبرت« مؤلف كتاب القدس.

ان من الاخطاء التي وقع فيها مؤلف الكتاب، ان قسّم القدس الى يهودية ومسيحية واسلامية، علما بان القدس واحدة تحوي ميراث الديانات السماوية الثلاث، وهي عربية النشأة والهوية، ولم يكن العرب طارئين عليها او غزاة احتلوها ابان الفتح الاسلامي عام 637م كما يستنتجه القارىء حينما يقرأ هذا الكتاب.

لقد كان احرى بالمؤلف ان يتحقق من المراجع والمصادر الموثوقة التي اعتمد عليها في كتابة هذه المقدمة التاريخية، علما بان هناك الكثير من المراجع العربية التي كان بامكانه الرجوع اليها، ونحن لا نجد عذرا للمؤلف وهو يبدأ الكتابة عن القدس التي سماها »القدس اليهودية« بالتوراة، ويختتمها بالتوراة ايضا.

ومن الاخطاء التي نأخذها على المؤلف قوله بان »اوروسالم« Urusalim والتي كتبها حسب لفظها اليهودي المحرف Urushalim هي كلمة عبرية وتعنى »مقرا او دار السلام« والصحيح كما جاء في كتاب »بلادنا فلسطين«، الجزء التاسع - القسم الثاني »في بيت المقدس (1)« صفحة ،22 »لبيت المقدس اسماء كثيرة، اقدمها الاسم الذي اطلقه عليها اقدم سكانها العرب الكنعانيون، وهي »مدينة السلام« نسبة الى »سالم«، وفي صفحة 23 يقول: »حرفت الامم القديمة اسم مدينة السلام في نقوشهم التاريخية، فذكرها الاكاديون »اورسالم« بمعنى مدينة السلام«.

وقد اخطأ المؤلف حينما قال بان محاولة تضحية ابراهيم بولده اسماعيل عليهما السلام كانت بالقدس، والصواب انها كانت بمشارف مكة، فاسماعيل لم يحضر الى القدس، وانما ولد وعاش بمكة بأرض الحجاز.

والكتاب - على اية حال - فيه اخطاء كثيرة، وهو كما قلنا لا يخدم القضية العربية بقدر ما يسيء اليها، ولا اردي كيف نشر هذا الكتاب محليا وطبع ثلاث مرات دون ان تلاحظ هذه الاخطاء الجسيمة.