قراءة في أسلوب اتخاذ أعضاء الكونجرس الأمريكي للقرارات

 وتبعاته على مواقفهم من قضايا المسلمين والعرب

 

 

 

 

بقلم: علاء بيومي 

 

عملية صناعة واتخاذ القرار بالكونجرس الأمريكي عملية معقدة ليس من السهل فهمها أو تحليلها لأية مراقب بما في ذلك أعضاء الكونجرس الأمريكي أنفسهم، وذلك بسبب تعدد العوامل المؤثرة على قرارات أعضاء الكونجرس واختلاف الطرق التي يمكن من خلالها رصد هذه العوامل.

 

وسنحاول هنا عرض إحدى أهم النظريات المهتمة بتفسير العوامل المؤثرة على قرارات أعضاء الكونجرس الأمريكي خاصة بمجلس النواب، كما سنحاول استخدام هذه النظرية في تفسير مواقف أعضاء الكونجرس العام تجاه قضايا المسلمين والعرب.

 

النظرية التي نحب الحديث هنا يمكن تسميتها بالنظرية السلوكية أو الإدراكية لأنها تركز على سلوك عضو الكونجرس كفرد وتحاول تفسير ما يدور بداخل عقل عضو الكونجرس قبل اتخاذه قرار بمساندة قضية معنية أو بالتصويت بشكل معين.

 

معضلة صناعة القرارات بالكونجرس

 

وأطرف محتويات هذه النظرية هو نظرتها الرئيسية لمعضلة صناعة القرار التي يواجهها كل عضو من أعضاء الكونجرس الأمريكي (435 عضو بمجلس النواب و100 عضو بمجلس الشيوخ). وسبب هذه المعضلة هو أنه ينبغي على كل عضو من هؤلاء الأعضاء اتخاذا آلاف القرارات المتعلقة بآلاف مشاريع القرارات والقوانين التي تقدم بمجلس الكونجرس كل عام، ففي كل عام يقدم بالكونجرس حوالي عشرة آلاف مشروع قرار أو قانون (يمرر حوالي ألفين منها) تعالج قضايا عديدة ومختلفة تتراوح بين إدارة ترسانة الأسلحة النووية وبرامج الطيران والفضاء الأمريكية إلى تربية الدجاج وتنقية المياه وحماية البيئة وغير ذلك من القرارات التي تعالج قضايا دولة شاسعة وقارية وعظمى كالولايات المتحدة.

 

وبالطبع تفوق هذه القرارات القدرة الاستيعابية لأية إنسان مهما كانت عبقريته ومهما كثر عدد مساعديه خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار قضايا هامة أخرى تؤثر على قرارات أعضاء الكونجرس على رأسها أن أعضاء الكونجرس ليسوا متفرغين فقط لصناعة القرارات والقوانين، فعليهم القيام بمهام أخرى مثل اللقاء مع أبناء دوائرهم الانتخابية ومع ممثلي جماعات المصالح وقيادات أحزابهم وقيادات الإدارة الأمريكية، كما ينبغي عليهم أيضا مثل كل إنسان التفكير في مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم وطموحاتهم السياسية والتي تدفع بعضهم أحيانا إلى السعي إلى لعب أدوار قيادية داخل أحزابهم بالكونجرس وداخل لجان الكونجرس وعند مناقشة التشريعات والتصويت عليها.

 

العوامل السابقة مجتمعة تعني في الواقع أن عضو الكونجرس المثالي قد لا يستطيع أن يتخذ قرارا واعيا ومدروسا تجاه القضايا المعروضة عليه بالكونجرس سوى مرات محدودة جدا قد لا تتعدى العشرات، أما بخصوص بقية القرارات التي يتحتم عليه اتخاذها، والتي قد تقدر بالآلاف فيجب عليه البحث عن أسلوب أخر لاتخاذها لا يرتبط بأسلوب التفكير العقلاني بمفهومه الأكاديمي الذي يعتمد على الدراسة الواعية والدقيقة لتفاصيل أي قضية قبل اتخاذ قرار فيها، ويمكن وصف هذه الأسلوب ببساطة على أنه أسلوب "سياسي".

 

معالم الأسلوب السياسي في اتخاذ القرار

 

وأهم معالم هذا الأسلوب السياسي هو اعتماده ليس على الدراسة الواعية بقدر ما يعتمد على الإشارات القادمة من مصادر موثوق بها، بمعنى أخر أن أصحاب النظرية السلوكية/ الإدراكية يرون أن أعضاء الكونجرس يتخذون معظم قراراتهم بناء على إشارات أو نصائح سريعة تصل إليهم من مصادر موثوق فيها على رأسها زملائهم بالكونجرس، وقيادات أحزابهم وقيادات الناخبين بدوائرهم ومساعديهم وجماعات المصالح والإعلام.

 

وترى هذه النظرية أن عضو الكونجرس بسبب انشغاله الشديد، ولأنه يتحتم عليه اتخاذ آلاف القرارات، يلجأ إلى الاعتماد على نصائح عدد قليل من الناصحين الموثوق بهم والذين أشرنا لهم في الفقرة السابقة، وترى النظرية أن عضو الكونجرس يتبع منهج "السلامة أولا" في أسلوب تلقيه واستخدامه للنصائح والإشارات، فهو يريد بالأساس آلا يغضب أحد وأن يحافظ على وظيفته وأن يضمن إعادة انتخابه، ولذا فهو يبحث عن نصائح من نوع خاص،  نصائح لا تدخله في تحد أو خلاف مع أحد، نصائح سياسية بقدر ما هي موضوعية وعلمية.

 

كما أن عضو الكونجرس يعلم أن انتباه أعضاء دائرته أو الإعلام أو حتى الشعب الأمريكي كله فيما يتعلق بالقضايا السياسة هو محدود جدا، فحجم القضايا السياسية التي يمكن أن يهتم بها أي مواطن حتى لو كان نشيط سياسيا هو حجم قليل جدا، وذلك لأن إدراك وانتباه أي إنسان محدودان مهما كانت عبقريته، فليس هناك إنسان قادر على الاهتمام بآلاف القضايا والقانونين وبمواقف 535 عضو كونجرس تجاهها، وإذا أضفنا إلى ذلك دور السياسيين على مستوى البيت الأبيض وعلى مستوى الولايات والمدن الأمريكية المختلفة في التأثير على هذه القضايا والسياسات، وأهمية أني يعي المواطن العادي بهم جميعا وبسلوكهم، لوجدنا أن المواطن العادي لا يستطيع الاهتمام سوى بعدد محدود جدا من القضايا التي تقدم له بشكل عام وقيمي وأيديولوجي يتلافى التفاصيل حتى لا يرهق مستقبلها.

 

أعضاء الكونجرس يدركون هذه الحقيقة بشكل جيد، ويستخدمونها جيدا، ويعلمون أن المواطن العادي ليس لديه اهتمام بالغالبية العظمى من القضايا المطروحة وأن اهتمامه يقتصر على عدد محدود جدا من القضايا، وهذا بالطبع يساعد عضو الكونجرس على تطبيق مبدأ السلامة في صناعة الغالبية العظمى من القرارات.

 

مصادر النصائح لأعضاء الكونجرس

 

وأول مصدر يلجأ إليه عضو الكونجرس في الحصول على النصيحة هو زملائه بالكونجرس خاصة أبناء حزبه والنواب القادمين من ولايته الأقدم منه وأصحاب الخبرة، وذلك لتشابه ظروفهم مع ظروفه مع امتلاكهم الخبرة، ولسبب أخر هام هو أنهم معتادين على صناعة القرارات السياسية التي تأخذ في اعتبارها الاعتبارات السياسية وليس فقط الاعتبارات المتعلقة بالحقيقة بمفهومها الأكاديمي المجرد. كما أن أعضاء الكونجرس يتميزون بأنهم باقون بالكونجرس ومعروفين مما يعطيهم مصداقية ويحول بينهم أيضا وبين خداع زملائهم.

 

ويرتبط أعضاء الكونجرس مع بعضهم بعضا من خلال عشرات التجمعات الرسمية وغير الرسمية التي تجمعهم داخل الكونجرس وخارجه، والتي تقوم على أسس عديدة كالتكتلات الحزبية مثل تجمع أعضاء الحزبين الرئيسيين الجمهوري والديمقراطي، وأخرى عرقية مثل تكتل أعضاء الكونجرس الأفارقة الأمريكيين، وهناك تحالفات إيديولوجية ينقسم فيها أعضاء الكونجرس وفقا لدرجة انتمائهم إلى اليسار أو اليمين الأمريكيين، وهناك تحالفات حول قضايا معينة مثل الأسلحة الصغيرة وانتشارها في المجتمع الأمريكي ومثل الإجهاض، هناك أيضا تحالفات تنشأ بخصوص قضايا مؤقتة تظهر ثم تختفي.

 

ويتنقل أعضاء الكونجرس بين هذه التحالفات وغيرها باحثين عن مصادر موثوق فيها للنصيحة، حتى إذا عثروا عليها بين زملائهم الموثوق فيهم استخدموها بشكل مذهل أحيانا، إذا تشير بعض الدراسات التي أجريت حول هذه القضية إلى أن بعض أعضاء الكونجرس يصوتون على تشريعات قوانين لم يقرؤها أو يسمعوا بها لمجرد معرفتهم أن فلان من زملائهم صوتوا عليها بشكل معين، وإذا أتيحت لك فرصة حضور إحدى جلسات الاستماع بالكونجرس الأمريكي فسوف تجد أن رجال الكونجرس يتنقلون بين جلسات الاستماع وجلسات التصويت بشكل مستمر راكضين أحيانا، إذا ينبغي عليهم التعامل مضطرين مع جدول مليء بالإعمال وبعشرات القضايا المطروحة للتصويت بشكل مستمر.

 

          بعد أخذ نصائح زملائهم الموثوق فيهم يهتم أعضاء الكونجرس بمعرفة نصائح قيادات أحزابهم بالكونجرس، كما يهتمون أيضا وعلى مستوى أقل بمعرفة نصائح قيادات الناخبين بدوائرهم وسبب قلة الأهمية هنا أن الناخبين لا يهتمون إلا بعدد قليل جدا من القضايا كما شرحنا في السابق.

 

هناك أيضا دور هام وإن كان محدود لجماعات المصالح لأنها محدودة الاهتمام أيضا مثلها مثل جماعات الناخبين فكل جماعة تهتم بعدد قليل جدا من القضايا، كما يهتم أعضاء الكونجرس بقراءة الجرائد الكبرى كجريدة واشنطن بوست ونيويورك تايمز لمعرفة ما يحدث بالولايات المتحدة وتوجهات الرأي العام من خلالها، وفي أحيان كثيرة يستشهد أعضاء الكونجرس بمقالات وتقارير نشرت في هذه الجرائد خلال جلسات الكونجرس معتبرا إياها مصدرا هاما وموثوقا به للمعلومات، وفي رأيي أن أهميتها هنا ترتبط بعوامل عديدة على رأسها أنها استطاعت الوصول إلى أعين وانتباه عضو الكونجرس لدقائق قليلة كونت فيها إداركه لقضية معينة في ظل انشغاله الشديد.

 

أما بالنسبة لمساعدي أعضاء الكونجرس فدورهم في التأثير عليه هو كالسهل الممتنع فهم شديدي التأثير لدرجة أن عضو الكونجرس أحيانا لا يدرك وجودهم، وأهمية دورهم تنبع من كونهم يقدمون مساعدات غير متناهية لعضو الكونجرس مثل دراسة القضايا، ورفع تقارير بخصوصها إليه، وتنظيم وقته، واللقاء مع ممثلي جماعات المصالح، ولكن الكثير من أعضاء الكونجرس لا يشعرون بتأثير مساعديهم عليهم لأنهم باختصار يعتبرونهم جزء منهم.

 

تفرض الظروف السابقة على عضو الكونجرس أسلوب معين في اتخاذ القرارات يتبع كما ذكرنا مبدأ "السلامة أولا"، ولو عملنا أن الكونجرس يمرر في المتوسط حوالي ألفي تشريع من بين عشرة آلاف تشريع تطرح عليه كل عام في المتوسط لأمكننا القول - وفقا للدراسات التي أطلعنا عليها - أن عضو الكونجرس يتخذ قراراته تجاه معظم هذه القضايا بأسلوب سلس بعيد عن المواجهة، وذلك بسبب أن غالبية جماعات المصالح وتحالفات الناخبين وحتى وسائل الإعلام لا يهتمون إلا بعدد قليل من القضايا المطروحة، كما أن لكل جماعة اهتمامها المحدد بقضية معينة، كما أن اهتمامهم هذا لا يتعدى مستوى العموميات ولا يصل للتفاصيل في كثير من الأحيان.

 

          ولذا يصوت عضو الكونجرس على عدد كبير من التشريعات متبعا نصائح زملائه الموثوق فيه وقيادات حزبه مادامت هذه التشريعات لا تغضب أحد.

 

          بقي لنا أن نناقش في هذه المقالة مسألتين، أولهما أن نذكر القارئ الكريم بأن النظرية السابقة ليست النظرية الوحيدة المطروحة لتفسير الأسلوب الذي يصنع من خلاله أعضاء الكونجرس الأمريكي قراراتهم فهناك نظريات أخرى تركز على دور المؤسسات داخل الكونجرس كاللجان والأحزاب في صنع القرارات، وهناك نظريات أخرى تركز على دور السياق العامة والبيئة السياسية خارج الكونجرس خاصة على المدى الطويل وبفعل فترات التغير التاريخية.

 

          أما المسألة الثانية فهي أن نحاول سريعا الاستفادة من النظرية السابقة فيما يتعلق بفهم الأسلوب الذي يتخذ به أعضاء الكونجرس قراراتهم بخصوص قضايا المسلمين والعرب، وأحب أن أشير هنا إلى دروس خمسة أساسية.

 

قرارات الكونجرس تجاه قضايا المسلمين والعرب

 

          أولا: النظرية السابقة تعطى المواطن المسلم والعرب العادي فرصة أكبر للتأثير على موقف عضو الكونجرس الأمريكي من قضاياه، فهناك أسلوبان يمكن النظر من خلالها لدور الفرد في التأثير على عضو الكونجرس وفقا للنظرية السابقة، النظرة الأول ترى أن عضو الكونجرس شديد الانشغال قد لا يبالي بتأثير الفرد العادي وسيحاول تلافيه، أما النظرة الثانية فهي ترى أن كثرة أشغال عضو الكونجرس تجعله شديد التأثر بأي نصيحة تصل إليه بسبب قلة الوقت التي يمكن أن يمنحه لتلقى هذه النصائح.

 

          ولذا يركز كثير من خبراء اللوبي عند محاضرتهم بخصوص أفضل سبل التأثير على أعضاء الكونجرس على أهمية الاختصار إذا يرون ضرورة اختصار أية قضية يرجى عرضها على عضو الكونجرس في صفحة واحدة لا أكثر، لأن عضو الكونجرس – في ظل انشغاله الشديد – لن يستطيع قراءة أكثر من صفحة واحدة.

 

          ثانيا: الدرس السابق يعني أن وظيفة المسلمين والعرب الساعين إلى التأثير على أعضاء الكونجرس هي وظيفة سهلة نسبيا لا تتعدى صياغة صفحة واحدة عن كل قضية يهتمون بها وإيصالها إلى عضو الكونجرس، ويجب هنا أن نشير إلى أن تأثير هذه الصفحة سوف يتوقف على عوامل عديدة هامة مثل دقة صياغتها بشكل عملي يرتبط بشيء يمكن أن يقدمه عضو الكونجرس للجماعات المسلمة والعربية، كما يتوقف على قدرة هذه الجماعات على الوصول إلى عضو الكونجرس، وعلى الوصول إلى الإعلام وإلى باقي صناع القرار في واشنطن وإيصال تلك الصفحة الواحدة إليهم بشكل يجعلها مطروحة في مختلف أروقة صنع القرار بواشنطن ومن ثم يقنع عضو الكونجرس بأن الصفحة الواحدة تعالج قضية ذات حضور بواشنطن.

 

          ثالثا: منظور "السلامة أولا" الذي تحدثنا عنه في المقالة يمكن أن يفسر لنا أسباب نجاح اللوبي الموالي لإسرائيل في إخافة عدد كبير من أعضاء الكونجرس من مساندة قضايا المسلمين والعرب في أمريكا، فوجود اللوبي الموالي لإسرائيل القوي والمنظم وتحالفه مع قوي اليمين الأمريكي المتشددة من شأنه أن يخيف كثير من أعضاء الكونجرس من الخوض في القضايا التي تمس مصالح هذه اللوبي.

 

          رابعا: هيمنة اللوبي الموالي لإسرائيل على القضايا المتعلقة بمصالح إسرائيل في الكونجرس لم تمنع العشرات من أعضاء الكونجرس من تأييد قضايا المسلمين والعرب في السنوات الأخيرة وفي الفترة الحالية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وذلك إيمانا منهم بعدالة قضية الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يعني أن لمبدأ "السلامة أولا" الذي يتبعه غالبية أعضاء الكونجرس استثناءات وحدود، وهو يعني أيضا أن لجماعات المصالح المسلمة والعربية الأمريكية دورا كبيرا يمكن أن تلعبه لتقديم مصالحهم وإعلاء قضاياهم في أروقة صناعة القرار الأمريكية.

 

          خامسا: الدرس الأخير والأهم هو أنه ينبغي على المسلمين والعرب الأمريكيين أن يتعلموا كيفية تقديم نصائح موثوق فيها لعضو الكونجرس الأمريكي، وذلك بأن يكونوا في مواضع الثقة المعروفة والمحترمة من قبلهم، وعلى رأسها عضوية الكونجرس وقيادة الأحزاب والعمل كمساعدين لأعضاء الكونجرس، وقد رأينا إقبالا ملحوظا من قبل الشباب المسلم والعربي الأمريكي على العمل كمساعدين لأعضاء الكونجرس خلال الفترة الأخيرة، ونأمل أن يقود هذه الاهتمام إلى تشجيع السياسيين المسلمين والعرب الأمريكيين المرتبطين بقضايا أمتهم بشكل حقيقي على السعي إلى الوصول إلى عضوية الكونجرس، كما نأمل في أن يكلل سعيهم هذا بالنجاح في المستقبل القريب كما نجحوا في احتلال مناصب عديدة هامة على مستوي الولايات والمدن الأمريكية المختلفة.