فوائد وزارة أبو مازن

 

 

 

بقلم :عبد القادر ياسين

 

?عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم?، تنطبق هذه الآية الكريمة، أكثر ما تنطبق، على حالة محمود عباس (أبو مازن)، الذي اختير رئيساً لوزراء فلسطين، في 8 مارس الماضي، وإن لم يكتمل تشكيل وزارته، ويخرج إلى النور إلا في 23 أبريل الماضي، وبعد ستة أيام منحها المجلس التشريعي ثقته.

صحيح أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات هو الذي كلف عباس بتشكيل الوزارة، لكن هذا التكليف جاء تنفيذاً لطلب أميركي- إسرائيلي، إن لم يكن ابتزازاً أميركياً- إسرائيلياً، بالدم.

إذ من المعروف أن النظرتين الأميركية والإسرائيلية قد تطابقتا فيما يخص عرفات، منذ نوفمبر 2001، حين أخذت الإدارة الأميركية بوجهة نظر حكومة "إسرائيل" بضرورة تنحية عرفات، بعد أن تخلف عن تنفيذ بعض مطالب أميركا و"إسرائيل"، على أن الحلفاء المحتملين لعرفات رفضوا قبول الحلول محل الرئيس الفلسطيني. فقد التقى مسئولون إسرائيليون كبار الخلفاء الأربعة المحتملين لعرفات (محمود عباس/ أحمد قريع/ محمد دحلان/ وجبريل الرحوب)، لاستخراج رأي كل منهم على حدة.

وحين أخفق الإسرائيليون في مسعاهم هذا، اتفقوا مع الأميركيين على صيغة أخرى، مؤداها استحداث منصب رئيس وزراء فلسطين، ينهش معظم الصلاحيات التي يحملها عرفات وبدأت الدبابات والطائرات والسفن الحربية الإسرائيلية تضغط بالصواريخ، منذ الثاني من ديسمبر 2001، على مقار عرفات في غزة ورام الله.

وصمد عرفات، لكنه عاد ووافق ضمن الصفقة على عقدها مع الأميركيين في نهاية هجمة "السور الواقي" العسكرية الإسرائيلية، ربيع 2002. وهي الصفقة التي وافق بموجبها على تسليم الأمين العام للجبهة الشعبية، أحمد سعدات، ورفاقه المتهمين بقتل وزير السياحة الإسرائيلي الأسبق، رحبعام زئيفي، إلى أجهزة الأمن الأميركية والبريطانية، مع موافقة عرفات على ترحيل بعض المقاتلين الفلسطينيين الذين لاذوا بكنيسة المهد في بيت لحم، إلى خارج فلسطين، وبعضهم الآخر إلى قطاع غزة، مقابل فك الحصار الإسرائيلي المضروب حول مقر عرفات في رام الله.

بيد أن عرفات ظل يماطل في أمر استحداث منصب رئيس وزراء، وتكليف عباس به، إلى أن أقنع الاتحاد الأوروبي عرفات بضرورة التعجيل بهذا الاستحداث، مع اقتراب العدوان الأميركي - البريطاني على العراق. وهكذا تأخرت موافقة عرفات على هذا الأمر إلى يوم 15 فبراير الماضي، وتلكأ في تحويل الأمر إلى الجهات المختصة إلى 8 مارس الماضي، وهو اليوم الذي نظر المجلس المركزي الفلسطيني في أمر هذا الاستحداث. وتسارعت الأحداث، إلى أن توجت بالتشكيل الوزاري على النحو المبين عليه.

نخلص من هذا كله أن التكليف جاء من "إسرائيل" والولايات المتحدة، وأن عرفات أقره على مضض.

تغير في الآلية

لقد وقف النظام العربي حجر عثرة في وجه محاولات الشعب الفلسطيني الخروج بكيانه السياسي إلى النور، وامتدت فعالية هذا العائق منذ كانت النكبة الفلسطينية (1948) وحتى انتهاء الربع الأول من ستينيات القرن الماضي. حين تعافى الاقتصاد الفلسطيني، وقويت شوكة الفئات الوسطى الفلسطينية، التي استقوت بعوامل عالمية وعربية، أيضاً، فطفقت تؤسس فصائل فدائية، تخطى عددها، سنة 1963، الثلاثين فصيلاً.

هكذا وجد النظام العربي نفسه أمام الأمر المقضي، لكنه خشي أن تورطه هذه الفصائل في حرب مع "إسرائيل" لا يريدها، فولد هذا النظام "منظمة التحرير الفلسطينية"، صيف 1964، وأبقاها تحت سيطرته، حتى تضع الفصائل الفدائية تحت سيطرتها، فتجنب النظام العربي تلك الحرب مع "إسرائيل"، ووقع اختيار عبد الناصر - النافذ في النظام العربي، آنذاك - على أحمد الشقيري، الذي لم يتخل عنه عبد الناصر، إلا غداة نكسة يونيو 1967، حين لم يغير الشقيري تكتيكاته، بما يتفق وما استجد من نكسة.

ثم وقع اختيار عبد الناصر على عرفات، الذي تولى رئاسة منظمة التحرير في فبراير 1969، بعد سنة وشهرين من استقالة الشقيري، وهي المدة التي شغلها، بالوكالة يحيى حمودة.

نجح عرفات في التكيف مع التغيرات الدراماتيكية في النظام العربي، ما جعله يستمر في موقعه هذا، رغم كل ما اعترى النظام العربي من تبدلات، لكن دخول عرفات إلى مناطق الحكم الذاتي، قبل تسع سنوات، نقل المحدد الرئيسي للقيادة الفلسطينية من النظام العربي إلى يد "إسرائيل" والولايات المتحدة، وبدرجة أقل إلى الدول المانحة (الأوروبية)، فالنظام العربي، وأخيراً الشعب الفلسطيني، الذي كان موقعه سيصعد إلى المرتبة الأولى، في حال انتصار "انتفاضة الأقصى والاستقلال".

فوائد

(رب ضارة نافعة) لكن كيف يمكن أن يكون وصول عباس إلى سدة رئاسة الوزارة نافعاً؟!

أولاً، يفيد سجل عباس الحافل بمظاهر مهاودة الأعداء، وضعف شعبيته في القدرة على مواجهته، بعكس عرفات في هذا الصدد.

وثانياً، فإن نهش عباس نسبة غير ضئيلة في اختصاصات عرفات، وضع حداً لاستئثار رجل واحد (عرفات) بالقرار الفلسطيني، لأكثر من عقد.

وثالثاً، وربما في السياق نفسه، فإن هذا النهش أفضى إلى ازدواج سلطة في مناطق الحكم الذاتي، لن يستمر طويلاً من جهة، ويفسح الطريق، من جهة أخرى لمشاركة الفصائل الفلسطينية في صناعة القرار السياسي الفلسطيني.

ورابعاً، فإن كلا الرجلين - عرفات وعباس - سيعملان على اجتذاب هذه الفصائل، واسترضائها، مما يعزز إمكانية مشاركتها تلك.

خامساً، فإن توزع أجهزة أمن الحكم الذاتي ما بين عرفات وعباس سيخفف من قبضة هذه الأجهزة على عنق الشعب الفلسطيني من جهة، وسيصعب مهمة عباس في ضرب الفصائل وجمع أسلحتها، وتفكيك بنيتها التحتية.

وسادساً، فإن ما جرى يدفع عرفات خطوات واسعة إلى الخط الوطني، خاصة بعد أن أقفلت "إسرائيل" والولايات المتحدة الخط المهاود أمامه، منذ نحو سنتين.

وسابعاً، فإن "الفيتو" الذي طالما اشهره عرفات ضد الجبهة المتحدة قد سقط. وبعد فإن هذا كله في أمس الحاجة إلى فعل من الفصائل، التي يجب ألا تتواكل على هذه العوامل السبعة.

وهذا الفعل يقتضي التحرك السريع من أجل إقامة جبهة متحدة للفصائل، تفضي إلى قيادة وطنية موحدة، تعبر عنها قيادة جماعية ائتلافية، تسارع إلى بلورة استراتيجية للمقاومة طويلة الأمد، وتشيع الديمقراطية في كل جنبات مناطق الحكم الذاتي، وتعمل على تفعيل الدور العربي، الذي لا يزال شبه غائب، بينما دوره حاسماً في المواجهة العربية - الإسرائيلية، الأمر الذي يحتاج مقالاً آخر.